Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
طواف هذا اليوم وأخرجه أيضا ابن سعد فى الطبقات من حديث عائشة وأبى سعيد اهـ وقد أخرجه ابن عدى فى الكامل من طريق أبى معشر عن نافع عن ابن عمر وسبب ضعف هذا الحديث أن فيه عند الدارقطنى أبا معشر وهو ضعيف، وقد أعله ابن عدى بأبى معشر نجيح ونقل تضعيف أبى معشر عن البخارى والنسائى وابن معين وفيه عند ابن سعد محمد بن عمر الواقدى وهو ضعيف أيضا.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب زكاة الفطر على العبد والحر والصغير والكبير والذكر والأنثى من المسلمين.
٢ - مقدار الفطرة صاع من شعير أو تمر.
٣ - وجوب إخراجها قبل صلاة العيد.
стр. 1157
٢ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: كنا نعطيها فى زمن النبى ﷺ صاعا من طعام أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من زبيب" متفق عليه. وفى رواية: أو صاعا من أقط" قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه فى زمن رسول اللَّه ﷺ " ولأبى داود: لا أخرج أبدا إلا صاعا".
[المفردات]
كنا: أى أصحاب رسول اللَّه ﷺ .
стр. 1158
نعطيها: أى نؤدى زكاة الفطر.
من طعام: قيل: هو الحنطة وقيل: الذرة وقيل: هو مفسر فى حديث آخر لأبى سعيد رضى اللَّه عنه عند البخارى: كنا نخرج فى عهد رسول اللَّه ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام وكان طعامنا الشعر والزبيب والأقط والتمر.
وفى رواية: أى للبخارى ومسلم من حديث أبى سعيد رضى اللَّه عنه
أقط: بفتح الهمزة وكسر القاف هو لبن يابس غير منزوع الزبد ويسمى فى بعض البلاد "الكشك"
أخرجه: أى أخرج الصاع.
ولأبى داود: أى من حديث أبى سعيد رضى اللَّه عنه.
[البحث]
قول أبى سعيد رضى اللَّه عنه كنا نعطيها فى زمن رسول اللَّه ﷺ " له حكم الحديث المرفوع لإضافته إلى زمنه ﷺ ففيه إشعار بإطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له ولاسيما فى هذه الصورة التى كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفرقتها كما أفاده الحافظ فى الفتح.
وسبب قول أبى سعيد رضى اللَّه عنه: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه فى زمن رسول اللَّه ﷺ هو ما رواه البخارى
стр. 1159
ومسلم عن ابن عمر وأبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنهم من أنه لما جاء معاوية حاجا ووردت الحنطة إلى المدينة رأى معاوية أن صاعا من الحنطة يعدل صاعين من غيرها ولفظ البخارى عن أبى سعيد رضى اللَّه عنه بعد حديث الباب: فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدا من هذا يعدل مدين. ولفظ البخارى عن ابن عمر رضى اللَّه عنما بعد أن ذكر أمر رسول اللَّه ﷺ بزكاة الفطر صاعا إلخ قال عبد اللَّه رضى اللَّه عنه: فجعل الناس عدله مدين من حنطة. وفى لفظ لابن عمر عند البخارى: فعدل الناس به نصف صاع من بر" أما لفظ مسلم عن أبى سعيد رضى اللَّه عنه بعد ذكر حديث الباب قال: فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية ابن أبى سفيان حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إنى أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك. فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدا ما عشت" وفى لفظ: فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك" وفى لفظ لمسلم: أن معاوية لما جعل نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تمر أنكر ذلك أبو سعيد وقال: لا أخرج فيها إلا الذى كنت أخرج فى عهد رسول اللَّه ﷺ : صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط. أما حديث أبى داود فقد قال فيه: حدثنا حامد بن يحيى أخبرنا سفيان ح وحدثنا مسدد ثنا يحيى عن ابن عجلان عياضا قال: سمعت
стр. 1160
أبا سعيد الخدرى يقول: لا أخرج أبدا إلا صاعا" ومسدد بن مسرهد من رجال الشيخين وكذلك يحيى بن سعيد أما ابن عجلان فهو محمد وهو من رجال مسلم وعياض بن عبد اللَّه بن سعد ابن أبى سرح العامرى من رجال الشيخين. وقوله فى الحديث صاعا من طعام وقوله: وكان طعامنا" يشعر أن أى طعام يستعمله أهل البلد ويغلب على أقواتهم. فإنه يجوز أن تخرج منه صدقة الفطر كالأرز ونحوه فى عصرنا.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن زكاة الفطر تعطى من طعام أهل البلد صاعا.
٢ - أن زكاة الفطر ليست قاصرة على التمر والشعير بل تشمل الزبيب والأقط ونحوهما.
٣ - أنه ينبغى لمن أخرج زكاة فطره من الحنطة أن يخرجها صاعا عن الشخص الواحد.
٤ - أنه لا ينبغى إخراج القيمة فى صدقة الفطر.
стр. 1161
٣ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: فرض رسول اللَّه ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهى زكاة مقبولة، ومن أداها
стр. 1162
بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم.
[المفردات]
للصائم: أى شهر رمضان
اللغو: ما لا ينعقد عليه القلب من القول، أو هو الباطل من الكلام والساقط منه وكلمة لاغية أى فاحشة.
الرفث: ذكر الصائم للجماع أو دواعيه بحضرة النساء.
طعمة: الطعمة بضم الطاء هى الطعام الذى يؤكل وهى مأكلة بفتح الكاف واللام.
[البحث]
قد تقدم فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب وهو متفق عليه قول ابن عمر رضى اللَّه عنهما: وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة وقد جاء فى لفظ للبخارى عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" وقد أخرج مالك فى الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذى يجمع عنده قبل الفطر بيوم أو يومين أو ثلاثة قال المصنف فى فتح البارى فى الاستدلال على استحباب تعجيل صدقة الفطر: ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه البخارى فى الوكالة وغيرها عن أبى هريرة قال: وكلنى رسول اللَّه ﷺ بحفظ زكاة رمضان، الحديث، وفيه
стр. 1163
أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها وعكسه الجوزقى فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للأمرين اهـ وظاهر الحديث يشعر بوجوب إخراجها قبل صلاة العيد لتكون عند من يتولى توزيعها على المساكين.
стр. 1164
باب صدقة التطوع
стр. 1165
١ - عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال سبعة يظلهم اللَّه فى ظله يوم لا ظل إلا ظله" فذكر الحديث وفيه: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" متفق عليه.
[المفردات]
سبعة: أى سبعة أنواع من الناس.
يظلهم اللَّه: أى يدفع عنهم حرارة الشمس يوم تدنو من رءوس الخلائق عند الحشر.
فى ظله: أى فى ظل عرشه كما جاء فى لفظ حديث سلمان رضى اللَّه عنه عند سعيد بن منصور بإسناد حسن "سبعة يظلهم اللَّه فى ظل عرشه" فهم فى كنف اللَّه وكرامته قبل دخول الجنة.
فأخفاها: أى فأسرها عند إخراجها إمعانا فى دفع الرياء وصيانة لكرامة المتعدق عليه.
[البحث]
أخرج البخارى ومسلم هذا الحديث عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: سبعة يظلهم اللَّه فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ فى عبادة ربه، ورجل قلبه معلق فى المساجد، ورجلان تحابا فى اللَّه اجتمعا عليه وتفرقا
стр. 1166
عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وليس هذا الفضل محصورا فى هذه السبعة فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أبى اليسر رضى اللَّه عنه قال: أشهد بَصَرُ عينى هاتين ووضع إصبعيه على عينيه وسَمعُ أُذُنَيَّ هاتين ووعاه قلبي هذا -وأشار إلى مناط قلبه- رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله اللَّه فى ظله" فالعدد فى حديث الباب لا مفهوم له، وقد ذكر الحافظ فى الفتح أنه تتبعها فأبلغها إلى ثمان وعشرين خصلة وألف فيها رسالة سماها (معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) وأوصلها السيوطى إلى سبعين خصلة وألف فيها رسالة سماها (بزوغ الهلال فى الخصال المقتضية للظلال) ولكن أكثر ما ذكر ابن حجر والسيوطى لا يعتمد على حديث صحيح. أما قول رسول اللَّه ﷺ : ورجل تصدق بصدقة إلخ فقد أشار الحافظ فى فتح البارى إلى أن المرأة تشارك الرجل فى هذه الخصال إلا الإمامة وتعلق القلب بالمساجد لأن صلاتها فى بيتها أفضل قال: وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن حتى الرجل الذى دعته المرأة فإنه يتصور فى امرأة دعاها ملك جميل مثلا فامتنعت خوفا من اللَّه مع حاجتها اهـ وإخفاء صدقة التطوع أفضل من إعلانها كما أن إعلان الزكاة المفروضة أفضل من إخفائها إلا أن يخاف على نفسه من إعلانها الرياء قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
стр. 1167
[ما يفيده الحديث]
١ - صدقة التطوع من أعظم القربات.
٢ - يستحب إخفاء صدقة التطوع.
стр. 1168
٢ - وعن عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: كل امرئ فى ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" رواه ابن حبان والحاكم.
[المفردات]
كل امرئ: أى كل إنسان.
فى ظل صدقته: أى تدفع عنه صدقته حرارة الموقف يوم القيامة.
حتى يفصل: أى حتى مضى.
[البحث]
لقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن الصدقة تستر عن وجه وصاحبها النار يوم القيامة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عدى بن حاتم رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما منكم من أحد إلا سيكلمه اللَّه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة" وفى
стр. 1169
رواية "من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل" وروى أحمد بسند صحيح من حديث عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة" أما حديث عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه هذا فقد رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم من طريق يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير مرثد بن عبد اللَّه اليزنى عن عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: كل امرئ فى ظل صدقته حتى يقضى بين الناس" قال يزيد: فكان أبو الخير مرثد لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشئ ولو بكعكة أو بصلة" وفى رواية لابن خزيمة أيضا عن يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد اللَّه اليزنى أنه كان أول أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلا المسجد قط إلا وفى كمه صدقة: إما فلوس، وإما خبز، وإما قمح قال: حتى ربما رأيت البصل يحمله، قال: فأقول: يا أبا الخير إن هذا ينتن ثيابك، قال: فيقول يا ابن أبى حبيب أما إنى لم أجد فى البيت شيئا أتصدق به غيره، إنه حدثنى رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ظل المؤمن يوم القيامة صدقته" ويزيد بن أبى حبيب من رجال الشيخين، وشيخه مرثد من رجال الشيخين أيضا.
стр. 1170
[ما يفيده الحديث]
١ - عظيم فضل الصدقة.
٢ - أن الصدقة تدفع النار عن وجه صاحبها يوم القيامة.
стр. 1171
٣ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عرى كساه اللَّه من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه اللَّه من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه اللَّه من الرحيق المختوم" رواه أبو داود وفى إسناده لين.
[المفردات]
ظمأ: عطش.
الرحيق المختوم: اسم من أسماء الخمر ويطلق على الخالص من الشراب الذى لا غش فيه. والمختوم: المصون والمراد خمر الجنة.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا على بن الحسين ثنا أبو بدر ثنا أبو خالد الذى كان ينزل فى بنى دالان عن نبيح عن أبى سعيد رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: أيما مسلم. الحديث. وفى سنده أبو خالد الدالانى الأسدى الكوفى واسمه يزيد بن عبد الرحمن قال الحافظ فى التقريب: صدوق يخطئ كثيرا وكان يدلس اهـ وهو
стр. 1172
هنا قد عنعن ونقل الحافظ ابن حجر فى تهذيب التهذيب عن أحمد ابن حنبل أنه قال: لا بأس به وقال أبو إسحاق الحربى: وقال ابن سعد منكر الحديث وقال ابن حبان فى الضعفاء: كان كثير الخطأ فاحش الوهم خالف الثقات فى الروايات ثم قال: لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق فكيف إذا انفرد بالمعضلات وذكره الكرابيسى فى المدلسين وقال الحاكم: إن الأئمة المتقدمين شهدوا له بالصدق والاتقان وقال ابن عبد البر: ليس بحجة اهـ.
أما شيخه نبيح بنون مضمومة فباء مفتوحة فياء ساكنة بعدها حاء مهملة فهو ابن عبد اللَّه العنزى أبو عمرو الكوفى قال الحافظ فى التقريب: مقبول وقد نقل توثيقه عن أبى زرعة وابن حبان والعجلى وذكره على بن المدينى فى جملة المجهولين وقد صحف فقيل: فليح.
стр. 1173
٤ - وعن حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه" متفق عليه واللفظ للبخارى.
[المفردات]
اليد العليا: هى اليد التى تعطى وقيل يد المتعفف.
стр. 1174
واليد السفلى: هى اليد السائلة الآخذة.
وابدأ بمن تعول: أى ابدأ فى الانفاق بمن يجب عليك أن تمونه من أهلك وعيالك.
ما كان عن ظهر غنى: أى ما كان المتصدق بة غير محتاج لسداد دين عن نفسه أو نفقة لازمة لعياله وأهله.
ومن يستعفف: أى لا يسأل الناس حتى يحسبه الجاهل غنيا.
يعفه اللَّه: أى يحفظ عليه عفته وييسر له حاجته.
يستغن: أى يقطع الطمع من نفسه.
يغنه اللَّه: أى يسد حاجته ويقنعه.
[البحث]
روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه قال: سألت رسول اللَّه ﷺ فأعطانى، ثم سألته فأعطانى، ثم سألته فأعطانى ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضبر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذى يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت يا رسول اللَّه والذى بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضى اللَّه عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر رضى اللَّه عنه دعاه ليعطه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أنى
стр. 1175
أعرض عليه حقه الذى قسمه اللَّه له فى هذا الفئ فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبى ﷺ حتى توفى، وحديث الباب يضع أمام المسلم أوضح المناهج للأغنياء والفقراء فيحض الأغنياء على البذل ويحض الفقراء على محاولة الكسب الشريف، وأن أفضل النفقة ما كان بعد قضاء حاجة أهل المنفق وعياله أو سداد ما عليه من دين، وبراءة ذمته، وأن على المسلم ألا يعود نفسه على الاستكانة والذلة بسؤال الناس والتطلع إلى ما فى أيديهم بل عليه أن يعمل ليستغنى وأن يستعين باللَّه .
[ما يفيده الحديث]
١ - الترغيب فى البذل والانفاق.
٢ - ينبغى أن يبدأ الانسان بقضاء حاجة عياله وأهله ومن تجب عليه نفقتهم.
٣ - كراهة السؤال وأنه ينبغى ألا يكون إلا عن ضرورة.
٤ - أفضل الصدقة ما كان عن سعة فلا تكون ذمة المتصدق مشغولة.
٥ - وعد اللَّه لطالب العفة أن يعفه.
٦ - وعد اللَّه لمن حرص على الاستغناء عما فى أيدى الناس أن يغنيه.
٧ - حض الاسلام على العمل.
стр. 1176
٥ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قيل: يا رسول اللَّه أى الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
[المفردات]
جهد المقل: بضم الجيم وسكون الهاء أى قدر ما يحتمله حال القليل المال.
[البحث]
قال البيهقى ﵀: والجمع بين قوله ﷺ "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وقوله ﷺ : "أفضل الصدقة جهد المقل" أن يختلف باختلاف أحوال الناس فى الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية اهـ ولا شك أن من اتسعت أمواله جدا فإن تصدقه بألف دينار مثلا لا تقاس بمن تصدق بدينار يكون هو الفاضل عن حاجته، لأن الدينار عند هذا أثقل من الف دينار عند ذلك.
стр. 1177
٦ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : تصدقوا فقال رجل يا رسول اللَّه عندى دينار، قال: تصدق به على نفسك" قال عندى آخر: قال: تصدق به على ولدك" قال عندى آخر: قال: تصدق به على خادمك" قال
стр. 1178
عندى آخر، قال: أنت أبصر" رواه أبو داود والنسائى وصححه ابن حبان والحاكم.
[المفردات]
تصدقوا: أى تبرعوا للفقراء والمساكين.
تصدق به على نفسك: أى أنفقه على نفسك تؤجر على ذلك تصدق به على ولدك: أى أنفقه على ولدك تؤجر على ذلك. تصدق به على خادمك: أى امنحه خادمك تؤجر على ذلك.
أنت أبصر: أى أنت أعرف أين تنفقه وأعلم بحوائج من حولك.
[البحث]
هذا الحديث يشير إلى فضل النفقة على الأهل والعيال ومن تحت يد الانسان من الخدم وغيرهم وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن سمرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا أعطى اللَّه أحدكم خيرا فليبدأ بنفسه وأهل بيته كما روى مسلم فى صحيحه من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: دينار أنفقته فى سبيل اللَّه، ودينار أنفقته فى رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذى أنفقته على أهلك" كما روى مسلم من حديث ثوبان رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله،
стр. 1179
ودينار ينفقه على دابته فى سبيل اللَّه، ودينار ينفقه على أصحابه فى سبيل اللَّه".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الاحسان إلى الأهل والعيال والخدم فى النفقة عليهم من أحسن ما يقرب العبد إلى اللَّه .
٢ - يستحب للانسان عند بدل الصدقة أن يتحرى ذوى الأرحام.
стр. 1180
٧ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال النبى ﷺ : إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا" متفق عليه.
[المفردات]
أنفقت المرأة: أى تصدقت الزوجة.
غير مفسدة: أى غير مسرفة ولا مرائية ولا قاصدة إتلاف مال زوجها.
أجرها: أى ثوابها.
ما أنفقت: أى بنيتها وإخراجها الطعام لجهة الخير التى أدت له ولا سيما أهل الزوج.
стр. 1181
بما اكتسب: أى بسبب ما بذله فى تحصيل هذا الطعام.
وللخادم مثل ذلك: أى وللخادم الذى تولى اصلاح هذا الطعام أجره وثوابه على ما بذل فيه من جهد ما دام غير مفسد وهو يعلم أنه مأذون له ولاسيما أهل صاحب المال.
[البحث]
قد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فلها نصف أجره" وفى بعض نسخ البخارى: فله نصف أجره" ولفظ مسلم: فإن نصف أجره له" وقوله فى حديث الباب: "لا ينقص بعضهم من أجبر بعض شيئا" يدل على أنهم جميعا سواء فى الأجر، وحديث أبى هريرة يشعر بأن لها نصف الأجر، فيحتمل نصف أجر الزوج ويحتمل نصف أجر الصدقة ليكون للزوج نصفها الآخر لكن قوله فى حديث أبى هريرة: عن غير أمره يدل على أن لها نصف الأجر فى هذه الحال أما إذا كانت عن أمره فلها الأجر ولزوجها الأجر فيحمل حديث عائشة على أنها مأمورة ويحمل حديث أبى هريرة على أنها فعلت عن غير أمره لكنها غير مفسدة. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز تصدق المرأة والخادم من طعام البيت بما لا يضر.
стр. 1182
٢ - ينبغى أن تستأذن المرأة زوجها قبل أن تتصدق.
٣ - ينبغى للخادم أن لا يتصدق من مال مخدومه إلا بما يعلم أنه لا يمنع مثله.
стр. 1183
٨ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود فقالت: يا رسول اللَّه إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندى حُلِىٌّ لى فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم فقال النبى ﷺ : صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" رواه البخارى.
[المفردات]
زينب امرأة ابن مسعود: هى بنت معاوية ويقال: بنت عبد اللَّه ابن معاوية بن عتاب الثقفية رضى اللَّه عنها.
أمرت اليوم: كان يوم أضحى أو فطر.
[البحث]
روى البخارى فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: خرج رسول اللَّه ﷺ فى أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال: أيها الناس تصدقوا فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإنى رأيتكن أكثر أهل
стр. 1184
النار، فقلن وبم ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء" ثم انصرف، فما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل يا رسول اللَّه! هذه زينب فقال: أى الزيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود قال: نعم. ائذنوا لها فأذن لها قالت: يا نبى اللَّه إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عند حلىٌّ، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبى ﷺ صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" وقد عنون البخارى لهذا الحديث بأكثر من عنوان فى صحيحه فقال: باب الزكاة على الأقارب وساقه بعد حديث أبى طلحة فى قصة تصدقه ببيرحاء. تم عنون له بعنوان آخر فقال: باب الزكاة على الزوج والأيتام فى الحجر وساقه وفيه: نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة. وصنيع البخارى مشعر بأن هذا يشمل الزكاة الواجبة وصدقة التطوع. وعامة أهل العلم على أن الزكاة الواجبة لا تعطى لمن تجب على المزكى نفقته، ولا شك أن نفقة الزوج لا تجب على الزوجة فلها أن تدفع له من زكاتها بخلاف العكس ولذلك فليس للزوج أن يدفع من زكاته لزوجته، أما الأولاد فنفقتهم على أبيهم لا على أمهم ما دام الأب موجودا على أنه قد جاء عند البخارى فى بعض ألفاظ حديث زوجة ابن مسعود
стр. 1185
هذه رضى اللَّه عنهما: أيجزئ عنى أن أنفق على زوجى وأيتام لى فى حجرى وهو يدل على أن المراد بقوله فى حديث الباب: "أنه وولده" أنهم ليسوا أبناء عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه لأن اليتيم لا يطلق إلا على من مات أبوه. ويشعر أيضا بأنهم ليسوا بأولادها بل هم أيتام فى رعايتها ورعاية زوجها ابن مسعود فأطلق عليهم أنهم ولده وقد أشار الحافظ فى فتح البارى عند قوله: وأيتام لى فى حجرى" أنه جاء فى رواية للنسائى: على أزواجنا وأيتام فى حجورنا" وأنه جاء فى رواية الطيالسى: أنهم بنو أخيها وبنو أختها.
[ما يفيده الحديث]
١ - يجوز للمرأة أن تتصدق على زوجها الفقير.
٢ - وأنه أولى من تصدقها على غيره.
٣ - يجوز للمرأة أن تتصدق على أولادها وأقربائها الذين لا تجب نفقتهم عليها.
٤ - وأنه من أفضل الصدقات.
стр. 1186
٩ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة وليس فى وجهه مزعة لحم" متفق عليه.
стр. 1187
[المفردات]
يسأل الناس: أن طلب منهم أن يتصدقوا عليه.
مزعة لحم: أى قمة لحم ومزعة بضم الميم وحكى كسرها وسكون الزاى بعدها عين وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاى والذى أحفظ عن المحدثين الضم.
[البحث]
قال الحافظ ابن حجر في فتح البارى فى شرح قوله: مزعة لحم" قال الخطابى: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتى ساقطا لا قدر له ولا جاه، أو يعذب فى وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة فى مواضع الجناية من الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله فيكون ذلك شعاره الذى يعرف به انتهى. والأول صرف للحديث عن ظاهره وقد يؤيده ما أخرجه الطبرانى والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعا لا يزال العبد يسأل وهو غنى حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند اللَّه وجه" وقال ابن أبى جمرة: معناه أنه ليس فى وجهه من الحسن شئ لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم، ومال المهلب إلى حمله على ظاهره والى أن السرفية أن الشمس تدنو يوم القيامة فاذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره قال: والمراد به من سأل تكثرا وهو غنى لا تحل له الصدقة، أما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه انتهى.
стр. 1188
وهذا الحديث طرف من حديث طويل جاء فيه ذكر دنو الشمس يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، وفيه ذكر الشفاعة، وسيأتى فى الحديث الذى يلى هذا الحديث ما يفيد أن الممنوع من سأل الناس تكثرا وقد عنون البخارى لحديث الباب بذلك فقال باب من سأل تكثرا وساق الحديث.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم السؤال إذا كان السائل غنيا.
٢ - تحريم الإلحاف فى السؤال.
стр. 1189
١٠ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال قال رسول اللَّه ﷺ : من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر" رواه مسلم.
[المفردات]
تكثرا: أى لا يسأل عن حاجة وفقر وإنما يسأل ليكثر ماله ويزيده.
جمرا: أى قطعا من النار.
فليستقل أو ليستكثر: أى فليطلب قليلا أو كثيرا.
[البحث]
يحتمل قوله: فإنما يسأل جمرا أن يعاقب بالنار يوم لقيامة ويحتمل أن هذا المال الذى يجمعه يصير جمرا فيكوى به
стр. 1190
كما يحصل لمانع الزكاة. وليس قوله: فليستقل أو ليستكثر" أمرا يراد تحصيله بل المراد التنفير منه على حد قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وهذا اُسلوب من أشد أساليب النهى والتحذير والتوبيخ والتهديد.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم سؤال الناس للاستكثار.
٢ - الحض على القناعة بما رزق اللَّه من طريق حلال.
стр. 1191
١١ - وعن الزبير بن العوام رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" رواه البخارى.
[المفردات]
فيكف بها وجهه: أى فيحمى بها وجهه.
خير له: ليست هذه أفعل تفضيل فإنه لا خير فى السؤال للقادر على الاكتساب فهى على حد قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
[البحث]
هذا الحديث رواه البخارى من حديث الزبير بن العوام باللفظ
стр. 1192
المذكور فى المتن هنا إلا أنه فى البخارى فيكف اللَّه بها وجهه" وقد رواه البخارى أيضا من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: والذى نفسى بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتى رجلا فيسأله أعطاه أو منعه" وفى حديث أبى هريرة زيادة القسم على هذا الشئ لتأكيده فى نفس السامع. وفى قوله فيأتى بحزمة من الحطب على ظهره إشعار بأن حمل الحطب على الظهر مع ما فيه من شدة على كثير من النفوس ومشقة ومذلة على ذوى المروءات أفضل عاقبة من ذل السؤال.
[ما يفيده الحديث]
١ - الحض على التعفف عن المسألة.
٢ - قبح المسألة فى نظر الشريعة الاسلامية.
٣ - أن أدنى المهن خير من سؤال الناس.
стр. 1193
١٢ - وعن سمرة بن جندب رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : المسألة كد يكدبها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو فى أمر لابد منه" رواه الترمذى وصححه.
[المفردات]
كد: أصل الكد الإتعاب وكد فى عمله إذا تعب فيه وكد
стр. 1194
الوجه ذهاب مادة رونقه والمسألة تجئ فى وجه صاحبها كدوح أى خدوش وكل أثر من خدش أو عضل فهو كدح.
فى أمر لابد منه: أى لا حيلة فى ترك السؤال إما بسبب حمالة تحملها، أو جائحة اجتاحت ماله، أو فاقة أصابته.
[البحث]
أخرج الترمذى هذا الحديث فى جامعه وقال: قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. وهذا الحديث يشير إلى أنه لا حرج على الإنسان إذا سأل السلطان مالا أو سأل وهو مضطر.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز السؤال عند الضرورة.
٢ - لا بأس بسؤال السلطان.
стр. 1195
باب قسم الصدقات
следующие страницы →