← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وكل شئ كثَّرته فقد حفَّلته، ئقول: ضرع حافل أى عظيم واحتفل القوم إذا كثر جمعهم ومنه حمى المحفل اهـ والمُحَفَّلَةُ بمعنى المُصَرَّاة. "الإسماعيلى" هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجانى. ولد سنة سبع وسبعين ومائتين وسمع أبا خليفة وأبا يعلى وابن خزيمة وصنف الصحيح والمعجم ومسند عمر وغيرها حدث عنه الحاكم والبرقانى قال الحاكم: كان واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم فى الرياسة والمروءة والسخاء. علا إسناده وتفرد ببلاد العجم وتوفى فى رجب سنة ٣٧١ هـ ﵀. [البحث] فى بعض نسخ البخارى: فليرد معها صاعا من تمر وهى رواية أبى ذر الهروى لصحيح البخارى وروايته للصحيح هى أتقن الروايات وهى التى شرح الحافظ ابن حجر عليها كما صرح بذلك فى فتح البارى لكن الحافظ فى بلوغ المرام مشى على غير رواية أبى ذر فذكره بلفظ: فليرد معها صاعا. وجعل كلمة "من تمر" من زيادة الإِسماعيلى فى رواية لهذا الحديث وقد أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى صحيحه بعد حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه مباشرة ليدفع فى نحر من يحاول الطعن فى حديث أبى هريرة بدعوى أنه لم يكن كابن مسعود ليوضح أنهما يستضيئان بنور صادر من مشكاة واحدة. رضى اللَّه عنهما. هذا وقد جعل ابن تيمية فى المنتقى زيادة "من تمر" من رواية البرقانى فقال

стр. 1822

وعن أبى عثمان النهدى قال: قال عبد اللَّه: من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا. رواه البخارى والبرقانى على شرطه وزاد "من تمر". [ما يفيده الحديث] ١ - تأكيد جواز رد الشاة المصراة. ٢ - أن المشترى إذا حلبها يرد معها صاعا من تمر.

стр. 1823

٣٦ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ مرَّ على صُبْرَة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بَلَلًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول اللَّه. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس. من غش فليس منى" رواه مسلم. [المفردات] " صبرة طعام" أى كومة مجموعة من الطعام. "فنالت أصابعه بللًا" أى لمست أصابعه ﷺ رطوبة. "ما هذا" أى البلل الذى بأسفل الصبرة. "أصابته السماء" أى نزل عليه المطر. "أفلا جعلته فوق الطعام" أى أفلا جعلت المبلول من الطعام فى أعلى الصبرة. "كى يراه الناس" أى حتى يبصره المشترون. "غش" أى خان وخدع ودلس. "فليس منى" أى ليس ممن اهتدى بهديى وسار على منهجى فى المعاملات.

стр. 1824

[البحث] روى البخارى ومسلم من حديث حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه قال: رسول اللَّه ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال: حتى يتفرقا. فإن صدقا وبَيَّنَا بورك لهما فى بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". وقال البخارى فى صحيحه: باب إذا بَيِّنَ البيعان ولم يكتما ونصحا ويذكر عن العداء بن خالد قال: كتب لى النبى ﷺ : هذا ما اشترى محمد رسول اللَّه، من العَدَّاء بن خالد: بَيعَ المسلم المسلمَ، لا داء ولا خِبْثَةَ ولا غائلة. وقول رسول اللَّه ﷺ : من غش فليس منى" يعتبر من أحاديث الوعيد وأحاديث الوعيد كهذا الحديث وكقوله ﷺ "فمن رغب عن سنتى فليس منى" يرى بعض أهل العلم تفسيرها وبيان المراد بها وأنه من ارتكب ما عليه هذا الوعيد لا يخرج من دين الإسلام فمن غش لا يرتد عن الإسلام بالغش ومعناه: ليس ممن اهتدى بهديى واقتدى بمنهجى فى هذا السبيل لا أنه خارج عن دين الإسلام. وقال سفيان بن عيينة: يكره تفسير مثل هذا. يعنى أنه لا يشرح للعامة ليكون أوقع فى نفوسهم وأبلغ فى زجرهم. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم الغش فى المعاملات وغيرها. ٢ - الوعيد الشديد لمن يغش. ٣ - يجب أن يكون المسلم أحسن الناس معاملة وأبعدهم عن الخداع والغش والخيانة.

стр. 1825

٣٧ - وعن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة" رواه الطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن. [المفردات] " عن أبيه" هو بريدة بن الحصيب الأسلمى رضى اللَّه عنه. "حبس العنب" أى منع جنيه فلم يقطفه عند نضجه واحتجره واحتكره. "أيام القطاف" أى وقت أخذ ثمار العنب من أشجاره. "حتى يبيعه" أى ليبيعه. "يتخذه خمرا" أى يعصره خمرا. "تقحم النار" أى ألقى بنفسه فى النار وطرح جسمه فيها. "على بصيرة" أى على علم منه بأنه يتقحم النار. [البحث] قال الحافظ فى التلخيص: حديث: نهى عن بيع العنب من عاصره أخرجه الطبرانى فى الأوسط عن محمد بن أحمد بن أبى خيثمة بإسناده عن بريدة مرفوعا: من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه منى يهودى أو نصرانى أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة. قال الهيثمى فى مجمع الزوائد: وفيه عبد الكريم بن عبد الكريم قال أبو حاتم حديثه يدل على الكذب.

стр. 1826

٣٨ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 1827

"الخراج بالضمان" رواه الخمسة وضعفه البخارى وأبو داود وصححه الترمذى وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان. [المفردات] " الخراج" هو الغلة والفائدة التى تحصل من العين المبيعة. "بالضمان" أى يستحق الخراج من تقع العين فى ضمانه والتزامه. [البحث] هذا الحديث أخرجه الشافعى وأحمد وأصحاب السنن والحاكم من طريق عروة عن عائشة مطولا ومختصرا ففى بعض ألفاظه أن رجلا اشترى غلاما فى زمن رسول اللَّه ﷺ فكان عنده ما شاء اللَّه ثم رده من عيب وجده فقضى رسول اللَّه ﷺ برده بالعيب فقال المقضى عليه: قد استغله فقال رسول اللَّه ﷺ : الخراج بالضمان" وقد ضعفه البخارى لأن فيه مسلم بن خالد الزنجى وهو ضعيف. وقد اقتصر الحافظ فى التلخيص على صحيح ابن القطان له ثم قال: وقال ابن حزم: لا يصح.

стр. 1828

٣٩ - وعن عروة البارقى رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ أعطاه دينارا يشترى به أضحية أو شاة، فاشترى به شاتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة فى بيعه فكان لو اشترى ترابا لربح فيه. رواه الخمسة إلا النسائى وقد أخرجه البخارى فى ضمن حديث ولم يسق لفظه، وأورد الترمذى له شاهدا من حديث حكيم بن حزام

стр. 1829

[المفردات] " البارقى" نسبة إلى بارق جبل باليمن. "أضحية" أى شاة يضحى بها رسول اللَّه ﷺ ويتقرب بها إلى اللَّه يوم النحر. "فاشترى به" أى فاشترى بالدينار. "فأتاه" أى فجاء إلى رسول اللَّه ﷺ . "فدعا له بالبركة فى بيعه" أى فسأل النبى ﷺ ربه أن يجعل النماء والزيادة فيما يشتريه عروة أو يبيعه. [البحث] روى البخارى فى صحيحه فى كتاب المناقب من طريق سفيان عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحى يحدثون عن عروة أن النبى ﷺ أعطاه دينارا يشترى له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة فى بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه" ثم قال البخارى: قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه قال: سمعه شبيب من عروة فأتيته فقال شبيب: إنى لم أسمعه من عروة قال: سمعت الحى يخبرونه عنه ولكن سمعته يقول سمعت النبى ﷺ يقول: "الخير معقود بنواصى الخيل إلى يوم القيمة" قال: وقد رأيت فى داره سبعين فرسا. قال سفيان: يشترى له شاة كأنها أضحية اهـ قال فى الفتح: سمعت الحى يتحدثون أى قبيلته، وهم منسوبون إلى بارق جبل باليمن نزله بنو سعد بن عدى بن حارثة ابن عمرو بن عامر مزيقيا فنسبوا إليه اهـ وقد حاول بعض الناس تضعيف هذا الحديث بدعوى أن الحى مجهولون وتضعيفه بهذه العلة

стр. 1830

غير سديد بل هو يدل على تأكيد صحته فإن الحى يمتنع فى العادة أن يتواطئوا على الكذب قال الحافظ: وله شاهد من حديث حكيم بن حزام وقد أخرجه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة عن سفيان عن شبيب عن عروة ولم يذكر بينهما أحدا اهـ وقد قال الترمذى فى جامعه حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى حصين عن حبيب بن أبى ثابت عن حكيم بن حزام أن النبى ﷺ بعث حكيم بن حزام يشترى له أضحية بدينار فاشترى أضحية فأربح فيها دينارا، فاشترى أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول اللَّه ﷺ فقال ضح بالشاة وتصدق بالدينار، ثم قال الترمذى: حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبى ثابت لم يسمع عندى من حكيم بن حزام اهـ وقد أخرجه أبو داود من طريق أبى حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم بن حزام قال المنذرى: فى إسناده مجهول اهـ ولا شك أن حديث عروة بن الجعد أو ابن أبى الجعد البارقى حديث صحيح لا يحتاج إلى شاهد ضعيف. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - صحة بيع الفضولى أو شرائه إذا أجازه صاحب المال. ٢ - جواز التوكيل فى شراء الأضاحى والهدايا وغيرها من أنواع القرابين.

стр. 1831

٤٠ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ نهى عن شراء ما فى بطون الأنعام حتى تضع وعن بيع ما فى ضروعها، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص" رواه ابن ماجه والبزار والدارقطنى بإسناد ضعيف.

стр. 1832

[المفردات] " ما فى بطون الأنعام" يعنى الأجنة فى أرحام الحيوانات قبل أن تولد والأنعام هى الإبل والبقر والغنم. "حتى تضع" أى حتى تلد هذه الحوامل. "ما فى ضروعها" يعنى اللبن قبل أن يحلب. "وهو آبق" أى وهو هارب لا يعرف مكانه. "المغانم" جمع مغنم وهو ما يستولى عليه المسلمون فى الحرب مع الكفار. "حتى تقسم" أى حتى تخمس وتفرز ويستلم كل شخص من المجاهدين نصيبه منها. "الصدقات" أى ما يستحق على الأموال من الزكاة. "حتى تقبض" أى حتى يحوزها المتصدق عليه. "ضربة الغائص" أى غوصته فى الماء وهو أن يقول أغوص فى البحر غوصة فما خرج فهو لك بكذا. [البحث] سبب ضعف هذا الحديث أنه من رواية شهر بن حوشب وهو ضعيف فى الحديث قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، لكن العلماء قد أجمعوا على تحريم بيع ما فى بطون الأنعام ومما فى الضروع وكذلك بيع كل ما لا يقدر على تسليمه أو لا يملكه البائع، وكل بيع مبناه الغرر والجهالة والمقامرة.

стр. 1833

٤١ - وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تشتروا السمك فى الماء فإنه غرر" رواه أحمد وأشار إلى أن الصواب وقفه

стр. 1834

[المفردات] " وأشار" أى الإِمام أحمد ﵀. "الصواب" أى الصحيح. "وقفه" أى على ابن مسعود فهو من كلامه وليس بمرفوع. [البحث] قال الحافظ فى التلخيص: حديث ابن مسعود: لا تشتروا السمك فى الماء إنه غرر" موقوف، أحمد مرفوعا وموقوفا من طريق يزيد بن أبى زياد عن المسيب بن رافع عنه. قال البيهقى: فيه إرسال بين المسيب وعبد اللَّه، والصحيح وقفه، وقال الدارقطنى فى العلل: اختلف فيه والموقوف أصح. وكذا قال الخطيب وابن الجوزى، وفى الباب عن عمران بن حصين مرفوعا رواه أبو بكر بن أبى عاصم فى كتاب البيوع له. ولفظه: نهى عن بيع ما فى ضروع الماشية قبل أن تحلب وعن الجنين فى بطون الأنعام، وعن بيع السمك فى الماء، وعن المضامين والملاقيح، وحبل الحبلة وعن بيع الغرر" اهـ.

стр. 1835

٤٢ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن تباع ثمرة حتى تُطْعِمَ، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن فى ضَرْع" رواه الطبرانى فى الأوسط والدارقطنى، وأخرجه أبو داود فى المراسيل لعكرمة وهو الراجح، وأخرجه ايضا موقوفا على ابن عباس بإسناد قوى، ورجحه البيهقى. [المفردات] " تُطعِمَ" بضم التاء وسكون الطاء وكسر العين أى حتى يبدو

стр. 1836

صلاحها وتصير طعاما يطيب أكلها. "صوف على ظهر" أى صوف على ظهر الحيوان قبل أن يجز ويقص. [البحث] هذا الحديث رواه الدارقطنى والبيهقى من طريق عمر بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة عنه وقال البيهقى تفرد به عمر وليس بالقوى قال الحافظ فى التلخيص: قلت: وقد وثقه ابن معين وغيره قال: ورواه وكيع مرسلا. قلت: كذا فى المراسيل لأبى داود ومصنف ابن أبى شيبة. قال: ووقفه غيره على ابن عباس وهو المحفوظ: قلت: وكذا أخرجه أبو داود أيضا من طريق أبى إسحاق عن عكرمة، وكذا أخرجه الشافعى من وجه آخر عن ابن عباس. وليس فى رواية وكيع المرسلة ذكر اللبن. وأخرجه الطبرانى فى الأوسط من رواية عمر المذكور وقال: لا يروى عن النبى ﷺ إلا بهذا الإسناد اهـ وقد تقدم فى الحديث المتفق عليه من رواية جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تباع الثمرة حتى تشقح. فقيل ما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار ويؤكل منها. وما رواه البخارى من حديث أنس رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وعن النخل حتى يزهو. كما تقدم فى بحث الحديث السابق ذكر الإِجماع على تحريم بيع اللبن فى الضرع. واللَّه أعلم.

стр. 1837

٤٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ نهى عن بيع المضامين والملاقيح" رواه البزار وفى إسناده ضعف.

стр. 1838

[المفردات] " المضامين والملاقيح" قال ابن الأثير فى النهاية: المضامين ما فى أصلاب الفحول. وهى جمع مضمون يقال: ضمن الشئ بمعنى تضمنه ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا. والملاقيح جمع ملقوح وهو ما فى بطن الناقة. وفسرهما مالك فى الموطأ بالعكس، وحكاه الأزهرى عن مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب. وحكاه أيضا عن ثعلب عن ابن الأعرابى قال: إذا كان فى بطن الناقة حمل فهو ضامن ومضمان وهن ضوامن ومضامين. والذى فى بطنها ملقوح وملقوحة اهـ. [البحث] قال الحافظ فى التلخيص: حديث أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الملاقيح والمضامين. إسحاق بن راهويه والبزار من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. وفى إسناده صالح بن أبى الأخضر عن الزهرى وهو ضعيف وقد رواه مالك فى الموطأ عن الزهرى عن سعيد مرسلا. قال الدارقطنى فى العلل: تابعه معمر، ووصله عمر بن قيس عن الزهرى والصحيح قول مالك. وفى الباب عن عمران بن حصين وهو فى البيوع لابن أبى عاصم كما تقدم. وعن ابن عباس فى الكبير للطبرانى والبزار وعن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق وإسناده قوى اهـ.

стр. 1839

٤٤ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "من أقَال مسلما بيعته أقَاله اللَّه عثرته" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.

стр. 1840

[المفردات] " أقال مسلما بيعته" أى رضى بفسخ العقد لما أحس بندم الذى تبايع معه وكراهته لهذه الصفقة. "أقاله اللَّه عثرته" أى دفع عنه شر ما يحدث له من زلل وتجاوز له عنه. [البحث] قال الحافظ فى التلخيص: حديث: من أقال أخاه المسلم صفقة كرهها أقاله اللَّه عثرته يوم القيامة" أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه من حديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة بلفظ: من أقال مسلما أقاله اللَّه عثرته يوم القيامة" قال أبو الفتح القشيرى: هو على شرطهما، وصححه ابن حزم. وقال ابن حبان: ما رواه عن الأعمش إلا حفص بن غياث ولا عن حفص إلا يحيى بن معين. ورواه عن الأعمش أيضا مالك بن شعير تفرد به عنه زياد بن يحيى الحسانى، وأخرجه البزار. ثم أورده من طريق إسحاق الفروى عن مالك عن سمى عن أبى صالح بلفظ: من أقال نادما" وقال: إن إسحاق تفرد به وذكره الحاكم فى علوم الحديث من طريق معمر عن محمد بن واسع عن أبى صالح، وقال: لم يسمعه معمر من محمد ولا محمد من أبى صالح اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب إقالة النادم فى البيع. ٢ - أن من ترك شيئا للَّه عوضه اللَّه تعالى خيرا منه.

стр. 1841

باب الخيار

стр. 1842

١ - عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع" متفق عليه واللفظ لمسلم. [المفردات] " الخيار" بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه قال الحافظ فى الفتح: وهو خياران، خيار المجلس وخيار الشرط وزاد بعضهم خيار النقيصة وهو مندرج فى خيار الشرط فلا يزاد اهـ والظاهر أن خيار العيب كرد المصراة لا يندرج فى خيار الشرط. "ما لم يتفرقا" أى ما لم يتباعدا عن بعضهما من المكان الذى عقدا فيه صفقة البيع وتم فيه بينهما الإيجاب والقبول. "وكانا جميعا" أى تفرقا بعد أن كانا معا فى مجلس واحد. "أو يخير أحدهما الآخر" أى يقول البائع أو المشترى لصاحبه بعد الإيجاب والقبول: إن شئت أن تقرر نفاذ البيع حالا وإسقاط خيار المجلس فعلت. "فتبايعا على ذلك": أى فوافقه صاحبه على إسقاط خيار المجلس.

стр. 1843

"وجب البيع" أى ثبت البيع ولزم، وسقط حقهما فى خيار المجلس "وإن تفرقا" أى بأبدانهما عن مجلس العقد. "بعد أن تبايعا" أى بعد الإيجاب والقبول. "ولم يترك واحد منهما البيع" أى أمضيا البيع ولم يستعمل أحدهما حقه فى خيار المجلس بفسخ البيع. "فقد وجب البيع" أى ثبت البيع ولزم ونفذ. [البحث] هذا الحديث من أعظم الشواهد على حرص شريعة الإسلام على ضبط المبايعات وإعطاء الفرصة لكل واحد من المتبايعين ليتروى ويتجنب أسباب الندم، ودفع أوضار العجلة التى قد تهب ريثا وحزنا طويلا، فلم تفرض شريعة الإسلام إيجاب البيع وإلزام الطرفين بمجرد الإيجاب والقبول بل أعطت لكل واحد منهما فرصة التروى ما داما فى مجلس العقد إلا إذا خير أحدهما صاحبه فى قطع خيار المجلس فوافقه على ذلك فإن البيع حينئذ يعتبر لازما ثابتا نافذا، وقد روى البخارى ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ قال: إن المُتَبَايعَين بالخيار فى بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارا" زاد البخارى: قال نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه. وفى لفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" وفى لفظ لمسلم عن نافع قال: فكان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه" وفى بعض نسخ

стр. 1844

مسلم "هنية" ومعنى: مشى هنيهة أو هنية أى شيئا يسيرا. ومعنى: أراد أن لا يقيله أى لا ينفسخ البيع، ومعنى قوله فى الحديث: "إلا بيع الخيار" أى يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا فى المجلس ويختارا إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة بالأبدان. وفسره بعض أهل العلم بأن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو سواها من مدة معلومة فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة، قال الترمذى فى جامعه: ومعنى قول النبى ﷺ : "إلا ببيع الخيار" معناه: أن يخير البائع المشترى بعد إيجاب البيع، فإذا خيَّره فاختار البيع فليس له خيار بعد ذلك فى فسخ البيع وإن لم يتفرقا. هكذا فسره الشافعى وغيره، اهـ وقال أبو داود: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد عن أيوب عن ابن عمر عن النبى ﷺ بمعناه قال: أو يقول أحدهما لصاحبه: كما روى البخارى من حديث حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا" وفى لفظ للبخارى من حديث حكيم بن حزام: ما لم يتفرقا" ولا شك أن هذه الألفاظ النبوية المنقولة عن رسول اللَّه ﷺ من وجوه كثيرة صحيحة ثابتة تثبت خيار المجلس وحديث الباب أعظمها وضوحا فى ثبوت ذلك. وما التوفيق إلا باللَّه. قال الخطابى فى حديث الباب: هذا أوضح شئ فى ثبوت خيار المجلس وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث اهـ.

стр. 1845

[ما يفيده الحديث] ١ - ثبوت خيار المجلس للمتبايعين. ٢ - إذا أراد أحد المتبايعين قطع خيار المجلس فوافقه صاحبه فقد لزم البيع وتم وانقطع هذا الخيار. ٣ - أن خيار المجلس خاص بالبيع بخلاف عقد النكاح والعتق وغيرهما.

стр. 1846

٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى اللَّه عنهم أن النبى ﷺ قال: البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله" رواه الخمسة إلا ابن ماجه، ورواه الدارقطنى وابن خزيمة وابن الجارود، وفى رواية: "حتى يتفرقا عن مكانهما". [المفردات] " والمبتاع" أى والمشترى. "إلا أن تكون صفقة خيار" أى إلا أن يخير أحدهما صاحبه بقطع خيار المجلس فيوافقه على ذلك. "ولا يحل له" أى لأحد المتبايعين. "أن يفارقه" أى أن يقوم مسرعا من المجلس بمجرد الإيجاب والقبول مفارقا صاحبه. "خشية أن يستقيله" أى يسرع فى القيام من المجلس مخافة أن يختار صاحبه فسخ البيع فى المجلس بسبب خيار المجلس الذى قررته الشريعة للمتبايعين. فمعنى يستقيله يلغى الإيجاب

стр. 1847

والقبول اللذين حصلا فى المجلس ويعلم صاحبه بذلك فى المجلس. والعرب تقول: استقلت ما فات عنى بمعنى: استدركته. "وفى رواية" للبيهقى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهم. [البحث] قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث عن ابن عجلان عن عمربر بن شعيب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه ﷺ قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، الا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله اهـ وقال الترمذى بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث حسن، ومعنى هذا أن يفارقه بعد البيع خشية أن يستقيله، ولو كانت الفرقة بالكلام ولم يكن له خيار بعد البيع لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال: ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله اهـ وقال الترمذى أيضا: ومما يقوى قول من يقول (الفرقة بالأبدان لا بالكلام) حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبى ﷺ وأماما صح عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة" وفى لفظ: كان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه" فيمكن حمله على أنه لم يكن يفارقه بمجرد الإيجاب والقبول بل يجلس قليلا ثم يفارقه فتحصل فرصة الخيار لصاحبه وتحصل له فرصة توثيق البيع كذلك، والممنوع سرعة المفارقة بمجرد الإيجاب والقبول لما فيه من تضييع فرصة صاحبه فى

стр. 1848

الخيار. وقال ابن حجر فى التلخيص: (تنبيه) لم يبلغ ابن عمر النهى المذكور اهـ والرواية التى أشار إليها المصنف بقوله: وفى رواية: "حتى يتفرقا عن مكانهما" قد أخرجها البيهقى فى السنن الكبرى فقال: أخبرنا محمد بن الحسين السلمى وأحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث الأصفهانى الفقيه قالا: أنا على بن عمر الحافظ ثنا أبو بكر النيسابورى ثنا أبو عبد اللَّه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثنى عمى قال: حدثنى مخرمة بن بكر عن أبيه قال: سمعت عمرو بن شعيب يقول: سمعت شعيبا يقول سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل لأحد أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله" قال البيهقى: قوله: "يقيله" أراد به -واللَّه أعلم- يفسخه فعبر بالإقالة عن الفسخ اهـ وقد يفهم من قوله: مخافة أن يقيله. وفى لفظ حديث الباب: خشية أن يستقيله" أن يكون المحظور أن يستشعر أحدهما ندم صاحبه بعد الإيجاب والقبول مباشرة فيسارع إلى المفارقة حتى ينقطع الخيار، وهذا يؤكد ما أشرت إليه آنفا مما يمكن حمل عمل ابن عمر عليه، فهو لم يفعل ما كان يفعله رضى اللَّه عنه من المفارقة لخشيته من ندم صاحبه. بل لمجرد حرصه على إتمام الصفقة مع ترك بعض الفرصة لصاحبه. واللَّه أعلم. ولا يعكر على هذا ما رواه البخارى فى صحيحه فى باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع على المشترى قال: قال أبو عبد اللَّه: وقال الليث حدثنى عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب

стр. 1849

عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادى بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبى حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّنى البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا قال عبد اللَّه: فلما وجب بيعى وبيعه رأيت أنى قد غبنته بأنى سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقنى إلى المدينة بثلاث ليال، فإن قوله: فلما وجب بيعى وبيعه رأيت أنى قد غبنته الخ فإنه ظاهر فى أن ابن عمر رأى الغبطة فى القرب من المدينة مع أن البائع قد يرى الغبطة فى الأرض البعيدة لمعنى غير المعنى الذى نظر إليه ابن عمر رضى اللَّه عنهما كما أنه ليس فيه نص على أن ابن عمر لم يترك فرصة لعثمان ليختار فى المجلس، وعثمان رضى اللَّه عنه أحد الأئمة الأعلام الوقافين عند سنة رسول اللَّه ﷺ ، الخبراء بالتجارة، فلا تقع معه مبايعة فيها مخالفة لهدى رسول اللَّه ﷺ . واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - ثبوت خيار المجلس للمتبايعين. ٢ - أن لكل واحد من المتبايعين قطع خيار المجلس بموافقة صاحبه على قطع الخيار. ٣ - أنه لا يحل لأحد المتبايعين إذا أحس بندم صاحبه على الصفقة أن يعجل بقطع خيار المجلس ليفوت على صاحبه الخيار.

стр. 1850

٣ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: ذَكَرَ رجلٌ لرسول اللَّه ﷺ أنه يخدع فى البيوع فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" متفق عليه.

стр. 1851

[المفردات] " رجل" فى المنتقى لابن الجارود من طريق سفيان عن نافع أنه حَبَّان بن منقذ، وحبان بفتح الحاء وتشديد الباء هو ابن منقذ بن عمرو الأنصارى رضى اللَّه عنه قيل أنه كان فى زمن عثمان رضى اللَّه عنه ابن مائة وثلاثين سنة. "يخدع" أى يُغَرُّ ويغبن. "لا خِلابة" بكسر الخاء وتخفيف اللام أى لا خديعة. ومنه برق خالب أى لا مطر فيه، فهو يخدع من يراه. [البحث] لفظ البخارى فى باب ما يكره من الخداع فى البيع من طريق عبد اللَّه بن دينار عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رجلا ذُكرَ للنبى ﷺ أنه يخدع فى البيوع فقال: "إذا بايعت فقل: لا خِلابة" وفى لفظ لمسلم أنه كان يقول: "لا خِيابة" فيقلب اللام ياء قال الحافظ فى الفتح: وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه، ومع ذلك لم يتغير الحكم فى حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبى ﷺ جعله بالخيار اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - أن من اشترط عند البيع أن لا خلابة يثبت له الخيار عند وجود الخِلابة. ٢ - صحة العقد ممن يُخْدَعُ فى البيوع. ٣ - بغض الإسلام للخداع فى البيوع.

стр. 1852

باب الربا

стр. 1853

١ - عن جابر رضى اللَّه عنه قال: لعن رسول اللَّه ﷺ آكل الربا وموكله، وكاتبه، وشاهديه" وقال: "هم سواء" رواه مسلم، وللبخارى نحوه من حديث أبى جحيفة. [المفردات] " الربا" مقصور قال فى الفتح: وحكى مده وهو شاذ وهو من ربا يربو فيكتب بالألف ولكن وقع فى خط المصحف بالواو وأصل الربا الزيادة إما فى نفس الشئ كقوله تعالى ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ وإما فى مقابلة كدرهم بدرهمين اهـ ويطلق الربا على كل بيع محرم كذلك. "لعن" أى دعا بالطرد والإبعاد من الرحمة. "آكل الربا" أى متعاطيه. "وموكله" أى ومعطيه وقد روى بتسهيل الهمزة وتحقيقها أى ومؤكله وتحقيق الهمزة رواية ابن مسعود عند مسلم. "وكاتبه" أى ومحرر وثيقته. "وشاهديه" أى وحاضرى توثيقه لإثبات وثيقته على آكله وموكله. "هم سواء" أى هم فى الإثم سواء. "نحوه من حديث أبى جحيفة" أى نحو حديث جابر عند مسلم لكنه من طريق أبى جحيفة رضى اللَّه عنه.

стр. 1854

[البحث] بوب البخارى ﵀ فى صحيحه بابين لمعنى حديث جابر عند مسلم فقال: باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ثم قال البخارى فى الباب الذى يليه: باب موكل الربا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس هذه آخر آية نزلت على النبى ﷺ ثم ساق البخارى الحديث الذى أشار إليه المصنف بقوله: وللبخارى نحوه من حديث أبى جحيفة فقال: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عون بن أبى جحيفة قال: رأيت أو اشترى عبدا حجاما فسألته فقال نهى النبى ﷺ عن ثمن الكلب، وثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور" اهـ وقد أخرج البخارى كذلك فى آخر البيوع من صحيحه هذا الحديث من طريق حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرنى عون بن أبى جحيفة قال: رأيت أو اشترى حجاما فسألته عن ذلك فقال: إن رسول اللَّه ﷺ -

стр. 1855

نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا، وموكله، ولعن المصور. وفى نسخة أبى ذر الهروى التى اعتمدها الحافظ ابن حجر فشرح عليها فتح البارى: رأيت أبى اشترى حجاما فأمر بمحاجه فكسرت فسألته عن ذلك فقال: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ثمن الدم، الخ الحديث. وقد أخرج البخارى من حديث سمرة بن جندب رضى اللَّه عنه قال: قال النبى ﷺ : "رأيت الليلة رجلين أتيانى، فأخرجانى إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذى فى النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر فى فيه، فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى فى فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت: ما هذا؟ فقال: الذى رأيته فى النهر آكل الربا" هذا وأما ما رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: اللهم إنى آخذ عندك عهدا لن تخلفنى، فإنما أنا بشر، فأيما مؤمن آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه إليك يوم القيامة فإنه لا ينطبق على من لعنه رسول اللَّه ﷺ لأكله الربا أو ارتكابه جريمة من الجرائم الفاحشة بل إنما ينطبق على من يبادره رسول اللَّه ﷺ بذلك فى حالة غضبه ﷺ ونحوها. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - أن الربا من أكبر الكبائر. ٢ - وأن موكل الربا وكاتبه وشاهديه يستوون فى الوزر والإثم مع آكل الربا. ٣ - لا يجوز لمسلم أن يوثق عقد ربا.

стр. 1856

٢ - وعن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمة، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم" رواه ابن ماجه مختصرا والحاكم بتمامه، وصححه. [المفردات] " ثلاثة وسبعون بابا" أى ثلاث وسبعون شعبة. "أيسرها" أى أهونها وأخفها. "ينكح الرجل أمه" أى يواقعها. "أربى الربا" أى أعظم الربا وأفحشه وأكبره. "عرض الرجل المسلم" أى انتهاك حرمته والنيل من شرفه، والاستطالة على كرامته وعفته. "مختصرا" أى ليس فيه إلا قوله: الربا ثلاثة وسبعون بابا. "بتمامه" أى مطولا دون حذف شئ منه وهو ما ساقه المصنف هنا. [البحث] قال ابن ماجه: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد ثنا عبد اللَّه بن إدريس عن أبى معشر عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : الربا سبعون حويا أيسرها أن ينكح الرجل أمه. حدثنا عمرو ابن على الصيرفى أبو حفص ثنا ابن أبى عدى عن شعبة عن زُبَيْد عن إبراهيم عن مسروق عن عبد اللَّه عن النبى ﷺ قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابا. اهـ والحديث الأول وهو حديث أبى هريرة فى سنده أبو معشر

стр. 1857

نجيح بن عبد الرحمن وهو متفق على تضعيفه أما الحديث الثانى وهو حديث ابن مسعود فقد قال فى الزوائد: إسناده صحيح وابن أبى عدى اسمه محمد بن إبراهيم وهو ثقة وقد انفرد برواية هذا الحديث عن شعبة اهـ أما لفظ الحديث الذى أشار المصنف إلى أن الحاكم رواه بتمامه فقد أخرجه الحاكم من طريق عمرو بن على ثنا ابن أبى عدى ثنا شعبة عن زيد عن إبراهيم عن مسروق عن عبد اللَّه عن النبى ﷺ قال: الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم" ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد وافقه الذهبى على ذلك. لكن قال المنذرى فى الترغيب والترهيب: وعن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: الربا ثلاثة وسيعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه. رواه الحاكم وقال صحيح على شرط البخارى ومسلم ورواه البيهقى من طريق الحاكم ثم قال: هذا إسناد صحيح والمتن منكر بهذا الإسناد ولا أعلمه إلا وهما وكأنه دخل لبعض رواته إسناد فى إسناد اهـ هذا وقد وقع اختلاف فى اسم الراوى عن إبراهيم ففى ابن ماجه: شعبة عن زبيد عن إبراهيم وعند الحاكم: شعبة عن زيد عن إبراهيم وهو كذلك فى تلخيص الذهبى. والظاهر أن الصواب هو زبيد لا زيد. وزبيد هو ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامى الكوفى وقد روى عن إبراهيم النخعى وإبراهيم التيمى وروى عنه شعبة، وهو ثقة وأما زيد الحوارى العمى البصرى أحد شيوخ شعبة ففيه اختلاف شديد. واللَّه أعلم.

стр. 1858

٣ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلًا بِمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مِثلًا بِمِثلٍ، ولا تُشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز" متفق عليه. [المفردات] " مثلا بمثل" أى متساويين قَدْرًا سواء بسواء موزونا بموزون وفى لفظ لمسلم من حديث سهيل بن أبى صالح عن أبيه: إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء". "ولا تشفوا بعضها على بعض" أى لا تفضلوا بعضها على بعض. والشِّفُّ: بكسر الشين الزيادة ويطلق أيضا على النقصان فهو من الأضداد. يقال: شَفَّ الدرهمْ يَشِفُّ إذا زاد وإذا نقص، وَأشَفَّهُ غيرُه يُشِفُّه. "الورق" أى الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة. "غائبا بناجز" أى مؤَجَّلًا أو غير حاضر بحال. قال الحافظ فى الفتح: والمراد بالغائب أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقا مؤجلا كان أو حالًا. والناجز الحاضر اهـ. [البحث] روى البخارى فى صحيحه من طريق ابن شهاب عن مالك بن أوس أخبره أنه التمس صَرْفًا بمائة دينار فدعانى طلحة بن عبيد اللَّه فَتَرَاوَضْنَا حتى اصطرف منى، فأخذ الذهب يُقَلِّبُهَا فى يده، ثم قال: حتى يأتى

стр. 1859

خازني من الغابة، وعمر يمسمع ذلك، فقال: واللَّه لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول اللَّه ﷺ : "الذهب بالذهب ربًا إلا هاءَ وهاءَ والشعير بالشعير ربا إلا هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر ربا إلا هاءَ وهاءَ" كما روى البخارى من طريق ابن شهاب قال حدثنى سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن أبا سعيد حدثه مثل ذلك حديثا عن رسول اللَّه ﷺ ، فلقيه عبد اللَّه بن عمر فقال: يا أبا سعيد ما هذا الذى تحدث عن رسول اللَّه ﷺ فقال أبو سعيد فى الصرف سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: الذهب بالذهب مِثْلًا بِمِثْلى، والوَرِق بالوَرِق مثلا بمثل" قال الحافظ فى الفتح: هكذا ساقه وفيه اختصار وتقديم وتأخير وقد أخرجه الإسماعيلى من وجهين عن يعقوب بن إبراهيم شيخ شيخ البخارى فيه بلفظ: أن أبا سعيد حدثه حديثا مثل حديث عمر عن رسول اللَّه ﷺ فى الصرف، فقال أبو سعيد" فذكره، فظهر بهذه الرواية معنى قوله: "مثل ذلك" أى مثل حديث عمر الماضى قريبا فى قصة طلحة بن عبيد اللَّه اهـ وقد أخرج مسلم قصة أبى سعيد مع ابن عمر من طريق الليث عن نافع بلفظ: أن ابن عمر قال له رجل من بنى ليث إن أبا سعيد الخدرى يأثر هذا عن رسول اللَّه ﷺ . قال نافع، فذهب عبد اللَّه وأنا معه والليثى حتى دخل على أبى سعيد الخدرى فقال: إن هذا أخبرنى أنك تخبر أن رسول اللَّه ﷺ عن بيع الورق بالورق إلا مثلا بمثل" الحديث فأشار أبو سعيد بإصبعيه إلى عينيه وأذنيه فقال: أبصرت عيناى وسمعت أذناى رسول اللَّه ﷺ يقول "لا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، الحديث، قال الحافظ فى الفتح:

стр. 1860

ولمسلم من طريق أبى نضرة فى هذه القصة لابن عمر مع أبى سعيد: إن ابن عمر نهى عن ذلك بعد أن كان أفتى به لما حدثه أبو سعيد بنهى النبى ﷺ اهـ ولأبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قصة كذلك مع ابن عباس رضى اللَّه عنهما وهى فى الصحيحين، ولفظ البخارى من طريق ابن جريج قال: أخبرنى عمرو بن دينار أن أبا صالح الزيات أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم. فقلت له: فإن ابن عباس لا يقوله فقال أبو سعيد: سألته فقلت: سمعته من النبى ﷺ أو وجدته فى كتاب اللَّه؟ قال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول اللَّه ﷺ منى، ولكن أخبرنى أسامة أن النبى ﷺ قال: لا ربا إلا فى النسيئة" ولفظ مسلم من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أو صالح الزيات أنه سمع أبا سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم مثلا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى" فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا، فقال أبو سعيد: لقد لقيت ابن عباس فقلت له الخ، وفيه: فقال: لم أسمعه من رسول اللَّه ﷺ ولا وجدته فى كتاب اللَّه " قال الحافظ فى الفتح: ولمسلم من طريق عطاء: أن أبا سعيد لقى ابن عباس، فذكر نحوه، وفيه: فقال: كل ذلك لا أقول. أما رسول اللَّه ﷺ فأنتم أعلم به، وأما كتاب اللَّه فلا أعلمه" قال الحافظ: أى لا أعلم هذا الحكم فيه. وإنما قال لأبى سعيد: أنتم أعلم برسول اللَّه ﷺ منى لكون أو سعيد وأنظاره كانوا أسن منه وأكثر ملازمة لرسول اللَّه ﷺ . وفى السياق دليل على أن أبا سعيد وابن عباس
следующие страницы →