Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
ليخدع غيره ويغريه بشرائها.
[البحث]
قال البخارى: باب النجش ومن قال لا يجوز ذلك البيع، وقال ابن أبى أوفى "الناجش آكل ربا خائن" وهو خداع باطل لا يحل قال النبى ﷺ : الخديعة فى النار، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ثم ساق الحديث. قول البخارى: قال ابن أبى أوفى: الناجش آكل ربا خائن" قال الحافظ فى الفتح: هذا طرف من حديث أورده المصنف فى الشهادات فى باب قول اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ثم ساق فيه من طريق السكسكى عن عبد اللَّه بن أبى أوفى قال: أقام رجل سلعته فحلف باللَّه لقد أعطى فيها ما لم يعط فنزلت، قال ابن أبى أوفى: الناجش آكل ربا خائن" أورده من طريق يزيد بن هارون عن السكسكى. ثم قال الحافظ: وأطلق ابن أبى أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش لمشاركته لمن يزيد فى السلعة وهو لا يريد أن يشتريها فى غرور الغير فاشتركا فى الحكم لذلك وكونه آكل ربا بهذا التفسير وكذلك يصح على التفسير الأول إن واطأه البائع على ذلك وجعل له عليه جعلا فيشتر كان جميعا فى الخيانة اهـ. قد أوضح الحافظ ﵀ أن قوله فى الترجمة: وهو خداع باطل لا يحل هو من تفقه المصنف وليس من تتمة كلام ابن أبى أوفى. هذا ومن العجيب أن الحافظ ﵀ ضبط النجش فى أول شرحه للترجمة وحديث الباب بفتح النون وسكون الجيم. ثم قال فى آخر شرحه لهذا الحديث "عن النجش" تقدم أن المشهور أنه بفتح الجيم وحكى
стр. 1787
المطرزى فيه السكون".
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لا يحل لمسلم أن يزيد فى ثمن سلعة وهو لا يريد شراءها.
٢ - ولا يحل للبائع أن يدعى أنه أعطى فى السلعة كذا وهو لم يعط.
٣ - وأنه حرى بالبيع الذى يجرى فيه النجش أن لا يبارك للبائع فيه.
стр. 1788
٢٥ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وعن الثنيا إلا أن تعلم" رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذى.
[المفردات]
" المحاقلة" أصلها فى اللغة مأخوذة من الحقل جمع حقلة قاله الجوهرى وهى الساحات جمع ساحة. وفى الاصطلاح هى أن يبيع الإِنسان الزرع بمائة فرق من الحنطة مثلا. وقال أبو عبيد: هو بيع الطعام فى سنبله بالبر. وقال الليث: الحقل: الزرع إذا انشعب من قبل أن يغلظ سوقه.
"المزابنة" هى بيع الثمر على رؤس النخل بمائة فرق التمر مثلا. وبيع العنب بالزبيب كيلا.
"المخابرة" هى المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع مأخوذة من الخبار وهى الأرض اللينة وقد تسمى المزارعة وقيل المزراعة: العمل فى الأرض بجزء من الخارج منها والبذر من مالك الأرض. أما المخابرة فهى كذلك إلا أن
стр. 1789
البذر من العامل.
"الثنيا" أى الاستثناء أو الاشتراط فى البيع.
[البحث]
روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنة. أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا أو كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ونهى عن ذلك كله وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عمر أن النبى ﷺ نهى عن المزابنة قال: والمزابنة: أن يبيع التمر بكيل إن زاد فلى وإن نقص فعلَىَّ. وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزابنة. والمزابنة اشتراء الثَّمر بالتَّمْر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا. وفى لفظ للبخارى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة. والمزابنة اشتراء الثَّمر بالتَّمْر فى رؤس النخل. وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: نهى النبى ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وأخرج مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة. قال فى التلخيص: حديث جابر أن النبى ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة، والمحاقلة أن يبيع الرجل الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة والمزابنة: أن يبيع التمر على رؤس النخل بمائة فرق من تمر. الشافعى فى المختصر عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عنه قال ابن جريج: قلت لعطاء: أفسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتنى؟ قال: نعم، وهو متفق عليه من حديث سفيان
стр. 1790
نحوه، واتفقا عن مالك عن نافع عن بن عمر بلفظ: نهى عن المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالثمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا، وأخرجه عن الشافعى فى الأم قال الشافعى: وتفسير المحاقلة والمزابنة فى الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبى ﷺ منصوصا، ويحتمل أن يكون من رواية من رواه انتهى. وفى الباب عن أبى سعيد وابن عمر وابن عباس وأنس وأبى هريرة وكلها فى الصحيحين أو أحدهما. وعن رافع بن خديج فى النسائى وسهل بن سعد فى الطبرانى اهـ أما المخابرة فسيأتى تحقيق البحث فيها إن شاء اللَّه تعالى فى باب المساقاة والإجارة عند الكلام على حديث ثابت بن الضحاك الذى أخرجه مسلم بلفظ: أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة، أما النهى عن الثنيا فقد أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح من حديث جابر رضى اللَّه عنه وأخرجه مسلم بلفظ نهى عن الثنيا، وقد قال الترمذى: باب ما جاء فى النهى عن الثنيا حدثنا زياد بن أيوب البغدادى حدثنا عباد بن العوام، أخبرنى سفيان اين حسين عن يونس بن عبيد عن عطاء عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والثنيا إلا أن تعلم" هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث يونس بن عبيد عن عطاء عن جابر اهـ فالثنيا ينهى عنها إذا كان الشرط مجهولا أما إذا كان معلوما لوقت معلوم فلا بأس به كما تقدم عند الكلام على الحديث العشرين من هذا الباب واللَّه أعلم. هذا وقد أشار الحافظ فى التلخيص إلى أن ابن الجوزى وهم فذكر فى جامع المسانيد أن حديث النهى عن الثنيا متفق عليه من حديث جابر قال الحافظ: ولم يذكر البخارى فى كتابه الثنيا
стр. 1791
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم بيع الثمر على رؤس النخل بتمر كيلا.
٢ - تحريم بيع العنب بالزبيب كيلا.
٣ - تحريم بيع الزرع بحنطة كيلا.
٤ - جواز البيع مع الشرط إذا كان الشرط معلوما لوقت معلوم كركوب الناقة المبيعة حتى يصل البائع إلى المدينة مثلا. أو يبيع شجر بستان إلا شجرة أو شجرا مع تعيين المستثنى.
стр. 1792
٢٦ - وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة. رواه البخارى.
[المفردات]
" المخاضرة" هى بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها وهى مفاعلة من الخضرة.
"الملامسة" هو المبايعة بمجرد لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار لا ينظر إليه ولا يقلبه من غير نظر ولا تراض.
"المنابذة" هى أن يطرح الرجل إلى الرجل ثوبه ويطرح الآخر ثوبه يتبايعان بذلك دون تقليب أو نظر.
[البحث]
أما النهى عن المخاضرة فقد روى البخارى ومسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن تباع الثمرة حتى تُشَقَّح فقيل: وما تشقح؟ قال: تحمار، وتصفار، ويؤكل منها. كما
стр. 1793
روى البخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع. كما روى البخارى من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تباع ثمرة النخل حتى تزهو قال أبو عبد اللَّه يعنى حتى تحمر. وفى لفظ للبخارى من حديث أنس رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وعن النخل حتى يزهو قيل وما يزهو؟ قال يحمار أو يصفار. وأما النهى عن الملامسة والمنابذة فقد روى البخارى ومسلم من حديث أبى سعيد رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المنابذة وهى طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ونهى عن الملامسة والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه كما روى البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة. كما روى مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه تفسر الملامسة والمنابذة قال: أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه. قال الحافظ فى الفتح: وهذا التفسير الذى فى حديث أبى هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنها مفاعلة فتستدعى وجود الفعل من الجانبين اهـ
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم بيع الملامسة.
٢ - تحريم بيع المنابذة.
٣ - تحريم المحاقلة.
стр. 1794
٤ - تحريم المزابنة.
٥ - تحريم بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها.
٦ - ضبط المبايعات وتحريم الغرر والجهالة فيها.
стр. 1795
٢٧ - وعن طاوس عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَان، ولا يبع حاضر لباد" قلت: لابن عباس: ما قوله: ولا يبع حاضر لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمسارا" متفق عليه.
[المفردات]
" لا تَلَقَّوُا الركبان" أى لا تخرجوا لاستقبال البدو والذين يجلبون الماشية أو الأطعمة أو غيرها إلى أسواق المدن أو القرى لتشتروا منهم قبل وصولهم إلى السوق، وليس ركوب الجالبين شرطا فى تحريم تلقيهم فهذا القيد لا مفهوم له بل لو كان الجالب عددا مشاة أو واحدا راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم. وإنما القيد خرج مخرج الغالب فى أن الذين يجلبون الطعام أو غيره إلى المدن يكونون عددا ويجيئون راكبين.
"ولا يبع حاضر لباد" يعنى لا يتولى المقيم فى المدينة أو القرية البيع لمن جلب إليها حتى يرى الجالب بنفسه السوق ويعرف الأسعار.
"لا يكون له سمسارا" السمسار هو فى الأصل القيم بالأمر والحافظ له ثم استعمل فى من يتولى البيع والشراء لغيره.
стр. 1796
[البحث]
هذا النهى النبوى لتلقى الركبان وبيع الحاضر للبادى من أعظم أسباب صيانة حقوق الموردين والمستهلكين للأرزاق. وإخضاع الأسعار لقاعدة العرض والطلب، ومنع تلاعب ذوى الجشع بالأسواق وإرشاد من يجلب إلى الأسواق أن لا يبيع قبل أن يصل إليها ويعرف أسعارها وأن لا يترك شئونه لبعض المقيمين فى البلد ليبيع له أو ليشترى منه، وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى سبب هذا النهى فيما رواه مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: لا يبيع حاضر لبادٍ، دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض" ففى هذا النهى مصلحة المورد والمستهلك جميعا، إذ أن تلقى الركبان وبيع الحاضر للبادى فيه نوع احتكار للأرزاق، وقد روى البخارى أيضا من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد. كما روى البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: نهى النبى ﷺ عن التلقى وأن يبيع حاضر لباد وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال ولا تَلَقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق. وقد جاء فى لفظ لمسلم من حديث أنس بن مالك رضى اللَّه عنه: نهينا أن يبيع حاضر لبادٍ وإن كان أخاه أو أباه" وهذا كله لمصلحة البائعين والمشترين حتى لا يغتر أحد أو يستضر.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا يجوز تلقى الجالبين والشراء منهم قبل وصولهم إلى سوق البلد.
٢ - لا يجوز للمقيمين بالبلد أن يكونوا سماسرة للجالبين حتى يعرف
стр. 1797
الجالبون أسعار السوق.
٣ - حرص الإسلام عل صيانة أموال الناس وحفظ حقوقهم.
стр. 1798
٢٨ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمن تُلُقِّىَ فَاشْتُرِى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" رواه مسلم.
[المفردات]
" الجَلَب" بفتح اللام هو مصدر بمعنى المجلوب.
"فإذا أتى سيده السوق" أى فإذا وصل صاحب الجلب إلى سوق البلد "فهو بالخيار" يعنى يحق له أن يفسخ البيع إذا أراد ذلك بعد أن يصل إلى السوق.
[البحث]
إثبات الخيار للجالب دليل على صحة البيع على الذين يتلقون الركبان وأن النهى عنه إنما يقتضى تأثيم فاعله لا بطلان هذا البيع، وهو دليل على أنه لا يلزم من النهى عن شئ فساده قال الحافظ فى الفتح: وأما كون صاحبه عاصيا آثمًا، والاستدلال عليه بكونه خداعا فصحيح ولكنى لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردودا لأن النهى لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يخل بشئ من أركانه وشرائطه وإنما هو لدفع الإضرار بالركبان اهـ. وسيأتى مزيد بحث لذلك كذلك فى الحديث الرابع والثلاثين من أحاديث هذا الباب ففيه النهى عن تصرية الإبل والغنم ومع ذلك يصح البيع مع ثبوت الخيار للمشترى إلى ثلاثة أيام. وقد جاء فى لفظ هذا الحديث عند أبى داود والترمذى عن أبى هريرة رضى
стр. 1799
اللَّه عنه أن النبى ﷺ نهى عن تلقى الجلب، فإن تلقاه فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم تلقى الجَلَب.
٢ - إثبات الخيار للجالب إذا اشترى منه من تلقاه.
стр. 1800
٢٩ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لِتَكْفَأ ما فى إنائها" متفق عليه. ولمسلم: "لا يسوم المسلم على سَوم المسلم".
[المفردات]
" وعنه" أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
"ولا تناجشوا" أى ولا تستعملوا النجش عند المبايعات.
"ولا يبيع الرجل على أخيه" أى لا يسوم على سومه إذا كان المبيع غير معروض فى المزايدة، أو يطلب من المشترى أو البائع فسخ العقد إذا كان فى مدة الخيار ليشتريه هو بأزيد أو يبيعه بأنقص.
"ولا يخطب على خطبة أخيه" أى لا يتقدم لطب زواج امرأة بعد أن تقدم إليها غيره. والخِطبة بكسر الخاء.
"ولا تسأل المرأة" أى ولا تطلب الزوجة من زوجها.
"طلاق أختها" أى مفارقة جارتها وضرتها.
стр. 1801
"لتكفأ ما فى إنائها" أى لتُفَرِّغَ زوجها لنفسها وحدها دون مشاركة جارتها فيه.
"ولمسلم" أى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
"لا يسوم المسلم على سوم أخيه" أى لا يزيد فى ثمن السلعة المعروضة للبيع إذا كانت غير معروضة بطريق المزايدة.
[البحث]
يحرص الإِسلام على سلامة قلوب المسلمين ودفع كل أسباب تشويشها، ولذلك نهى رسول اللَّه أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب، وصورة بيع الرجل على بيع أخيه أن يطلب من المشترى أو البائع فسخ العقد إذا كان فى مدة الخيار ليشتريه هو بأزيد من الثمن المدفوع أو يبيعه مثله بأنقص من الثمن المدفوع وقد فسر غير واحد من أهل العلم البيع على البيع هنا بأن المراد بالبيع السوم وقد جاء فى لفظ للبخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه: وأن يستام الرجل على سوم أخيه. وكذلك جاء فى لفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما كما أخرج مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه "لا يسوم المسلم على سوم المسلم" كما أورده المصنف هنا. والسوم على السوم إنما يحرم إذا كانت السلعة معروضة بغير طريق المزايدة أما إذا كانت السلعة معروضة بطريق المزايدة فإنه لا بأس بذلك، وقد بوب البخارى لذلك فقال: باب بيع المزايدة وقال عطاء: أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع المغانم فيمن يزيد ثم ساق من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبى ﷺ فقال: "من يشتريه منى؟ " فاشتراه نُعَيم بن عبد اللَّه بكذا وكذا فدفعه إليه "وقد تقدم ذكر هذا الحديث وهو متفق عليه وهو الحديث السادس من
стр. 1802
أحاديث هذا الباب. كما أخرج أحمد وأصحاب السنن مطولا ومختصرا من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ باع حلسا وقدحا وقال: من يشترى هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل أخذتهما بدرهم فقال: "من يزيد على درهم"؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه. وهذا لفظ الترمذى وقد حسنه. أما ما أخرجه البزار من حديث سفيان بن وهب: سمعت النبى ﷺ ينهى عن بيع المزايدة فإن فى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. أما تحريم الخطبة على الخِطبة فقد جاء تقييده بما لم يأذن له الخاطب فإن أذن له جاز ذلك فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ: نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" وفى لفظ لمسلم عنه رضى اللَّه عنه "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له" وأما قوله ﷺ "ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما فى إنائها" فإنه ترهيب للجارة أن تسعى عند زوجها لطلاق ضرتها وكذلك لا تسأل المرأة رجلا أن يطلق زوجته ويتزوجها وقد عبر رسول اللَّه ﷺ بالأخ والمسلم والأخت للحض على الامتثال فالمسلم أخو المسلم والجارة أخت جارتها وهذا وصف يحمل المسلم أن لا يعمل عملا يشوش على أخيه المسلم أو يدخل المساءة إليه. ولا شك أن هذا صورة من صور تعاليم الإسلام المشرقة وكلها مشرقة نسأل اللَّه أن يربط قلوبنا بها وأن يحيينا عليها ويتوفانا عليها إنه هو أرحم الراحمين.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم بيع الرجل على بيع أخيه
٢ - تحريم سوم الرجل على سوم أخيه إذا لم يكن البيع بطريق المزايدة.
٣ - تحريم خِطبة الرجل على خِطبة أخيه.
٤ - لا يجوز للمرأة أن تسعى عند زوجها فى طلاق ضرتها.
стр. 1803
٣٠ - وعن أبى أيوب الأنصارى رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فرَّق بين والدة وولدها فرق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة" رواه أحمد وصححه الترمذى والحاكم لكن فى إسناده مقال، وله شاهد.
[المفردات]
" فرق بين والدة وولدها" أى بين الأمة الوالدة وولدها الرقيق بأن باع أحدهما ولم يبع الآخر معه أو باعهما على شخصين فباعد بينهما.
[البحث]
نسب المصنف هنا إلى الترمذى أنه صحح هذا الحديث ونسب إليه فى تلخيص الحبير أنه حسنه حيث قال فى التلخيص حديث أبى أيوب: من فرق بين والدة وولدها فرق اللَّه بينه بين أحبته يوم القيامة. أحمد والترمذى وحسنه والدارقطنى والحاكم وصححه. وفى سياق أحمد عنه قصة. وفى إسنادهم حيى بن عبد اللَّه المعافرى مختلف فيه. وله طريق أخرى عند البيهقى غير متصلة لأنها من طريق العلاء بن كثير الاسكندرانى عن أبى أيوب ولم يدركه، وله طريق أخرى عند الدارمى فى مسنده. فى كتاب السير منه اهـ.
стр. 1804
٣١ - وعن على بن أبى طالب رضى عنه قال: أمرنى رسول اللَّه ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما، ففرقت بينهما فذكرت ذلك للنبى ﷺ فقال: "أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا" رواه أحمد ورجاله
стр. 1805
ثقات، وقد صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم والطبرانى، وابن القطان.
[المفردات]
" غلامين" أى عبدين مملوكين.
"ففرقت بينهم" أى بعت أحدهما على شخص والآخر على شخص آخر فتسببت فى التباعد بينهما.
"فارتجعهم" أى فاستردهما من المشتريين.
"ولا تبعهما إلا جميعا" أى ولا تبعهما إلا على شخص واحد ليكونا معا.
"ابن الجارود" يطلق هذا الاسم على إمامين جليلين متعاصرين أحدهما الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن على بن محمد بن الجارود الأصبهانى الرحال المصنف صاحب المسند والشيوخ روى عن أبى سعيد الأشج وعمر بن شبة وهارون بن اسحاق وأحمد بن الفرات وخلق من الأصبهانيين وعنى بهذا الشأن وروى عنه أبو إسحاق ابن حمزة وأبو القاسم الطبرانى وأبو الشيخ وغيرهم ومات سنة ٢٩٩ هـ وقيل قبلها بعام. أما الثانى فهو أبو محمد عبد اللَّه بن على بن الجارود النيسابورى الفقيه المحدث الحافظ جاور بمكة وتوفى بها سنة ٣٠٧ هـ وهو صاحب المنتقى من السنن المسندة عن رسول اللَّه ﷺ والظاهر أنه هو المراد هنا لأن هذا الحديث من أحاديث المنتقى. كما أن أكثر الاحاديث التى أطلق فيها ابن حجر ذكر ابن الجارود هى من أحاديث المنتقى غير أن الحافظ ﵀ ذكر فى الفتح فى باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين من صحيح البخارى قال: وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك
стр. 1806
وعمر بن نافع: رواه عبد اللَّه العمرى عن نافع فقال: على كل مسلم. ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع فقال فيه: من المسلمين. والمشهور عن عبيد اللَّه ليس فيه من المسلمين انتهى وقد أخرج الحاكم فى المستدرك من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة، وأخرج الدارقطنى وابن الجارود طريق عبد اللَّه العمرى اهـ ولم نجد فى المنتقى لابن الجارود هذه الرواية التى أشار إليها الحافظ ابن حجر فى الفتح فإما أن تكون ساقطة من المنتقى وإما أن تكون لابن الجارود أحمد بن على فى المسند. واللَّه أعلم.
[البحث]
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن رجل عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على أنه قال: أمرنى رسول اللَّه ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما ففرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبى ﷺ ، فقال: "أدركهما فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعا، ولا تفرق بينهما" فالعجب أن يصحح ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم والطبرانى وابن القطان هذا الحديث وأن يوثق الحافظ ابن حجر رجاله، وسنده كما ترى. فالرجل الراوى عن سعيد بن أبى عروبة مجهول. وقد روى أحمد هذا الحديث من وجهين آخرين فقال: حدثنا محمد جعفر حدثنا سعيد يعنى ابن أبى عروبة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على بن أبى طالب قال: أمرنى رسول اللَّه ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما، ففرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبى ﷺ فقال: أدركهما فارجعهما، ولا تبعهما إلا
стр. 1807
جميعا. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان وإسحاق بن عيسى قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن الحجاج عن الحاكم عن ميمون بن أبى شبيب عن على قال: وهب لى رسول اللَّه ﷺ غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال رسول اللَّه ﷺ : ما فعل الغلامان؟ فقلت: بعت أحدهما فقال رسول اللَّه ﷺ : "رده" وسعيد بن أبى عروبة لم يسمع من الحكم ابن عتيبة شيئا ففى كتاب المراسيل لابن أبى حاتم: أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلىَّ: حدثنى أبى قال: لم يسمع سعيد بن أبى عروبة من الحكم بن عتيبة شيئا اهـ كما أن ميمون بن أبى شبيب لم يسمع من على رضى اللَّه عنه، وقد ضعفه ابن معين، وقال على بن المدينى: خفى علينا أمره. وقال ابن خراش: لم يسِمع من على. وكذلك قال أبو داود فقد قال: حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا إسحاق ابن منصور ثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن الحكم عن ميمون بن أبى شبيب عن على رضى اللَّه عنه أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبى ﷺ عن ذلك ورَدَّ البيع قال أبو داود: وميمون لم يدرك عليا اهـ وقال الحافظ فى التلخيص: حديث على أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبى ﷺ ورد البيع، أبو داود وأعله بالانقطاع بين ميمون بن أبى شبيب وعلى والحاكم وصحح إسناده، ورجحه البيهقى بشواهده، لكن رواه الترمذى وابن ماجه من هذا الوجه وأحمد والدارقطنى من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على بلفظ: قدم على النبى ﷺ بسبى فأمرنى ببيع أخوين فبعتهما -الحديث- وصحح ابن القطان رواية الحكم هذه لكن حكى ابن أبى حاتم
стр. 1808
عن أبيه فى العلل: أن الحكم إنما سمعه من ميمون بن أبى شبيب عن على، وقال الدارقطنى فى العلل بعد حكاية الخلاف فيه: لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه من عبد الرحمن ومن ميمون فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا اهـ ولفظ قدم على النبى ﷺ بسبى، ليس من رواية أحمد ﵀ وقد سقت جميع ألفاظه فى صدر هذا البحث: وقال أبو محمد عبد اللَّه بن على بن الجارود فى المنتقى: حدثنا أبو أمية الطرسوسى محمد بن إبراهيم قال: ثنا سليمان بن عبيد اللَّه الأنصارى قال: ثنا عبيد اللَّه بن عمرو عن زيد بن أبى أنيسة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على رضى اللَّه عنه قال: أمرنى رسول اللَّه ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما وفرقت بينهما فذكرت ذلك للنبى ﷺ فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا.
стр. 1809
٣٢ - وعن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: غلا السعر فى المدينة على عهد رسول اللَّه ﷺ فقال الناس: يا رسول اللَّه غلا السعر فَسَعِّرْ لنا فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه هو المُسَعِّر القابض الباسط الرازق وإنى لأرجو أن ألقى اللَّه تعالى وليس أحد منكم يطلبنى بمظلمة فى دم ولا مال" رواه الخمسة إلا النسائى وصححه ابن حبان.
[المفردات]
" غلا السعر" أى ارتفعت أثمان المشتريات فوق المعتاد.
"سعِّر لنا" أى حَدِّدْ لنا أثمان المشتريات حتى لا يزيد أحد على ما تحدده.
"هو المسعر" أى هو الذى يخفض الأسعار ويرفعها بحكمته
стр. 1810
"القابض" أى الذى يضيق على من شاء.
"الباسط" أى الموسع على من شاء.
"الرازق" أى الواهب لعباده أرزاقهم.
[البحث]
قال الحافظ فى التلخيص: حديث أن السعر غلا، فقالوا يا رسول اللَّه ﷺ سعر لنا فقال: "إن اللَّه هو المسعر" الحديث. أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه والدارمى والبزار وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عن ثابت وغيره عن أنس. وإسناده على شرط مسلم. وقد صححه ابن حبان والترمذى، ولأحمد وأبى داود من حديث أبى هريرة، جاء رجل فقال: يا رسول اللَّه ﷺ سعر لنا فقال: بل أدعو. ثم جاء آخر فقال: يا رسول اللَّه ﷺ سعر، فقال: "بل اللَّه يخفض ويرفع" الحديث، وإسناده حسن، ولابن ماجه والبزار والطبرانى فى الأوسط من حديث أبى سعيد نحو حديث أنس، وإسناده حسن أيضا. وللبزار من حديث على نحوه. وعن ابن عباس فى الطبرانى الصغير، وعن أبى جحيفة فى الكبير. وأغرب ابن الجوزى فجعله فى الموضوعات من حديث على فقال: إنه حديث لا يصح اهـ.
стр. 1811
٣٣ - وعن معمر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطئ" رواه مسلم.
[المفردات]
" معمر بن عبد اللَّه" بفتح الميم وسكون العين بعدها ميم مفتوحة ثم راء قال ابن سعد فى الطبقات: معمر بن عبد اللَّه بن نضلة بن عوف
стр. 1812
ابن عَبيد بن عَويج بن عدى بن كعب، وأمه الأشعرية، وكان قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية فى روايتهم جميعا ثم قدم مكة فأقام بها، وتأخرت هجرته إلى المدينة ثم هاجر بعد ذلك ويقولون إنه لحق النبى ﷺ بالحديبية، يختلفون فيه وفى خراش بن أمية الكعبى، وهو الذى كان يُرَجِّل للنبى ﷺ فى حجة الوداع وقد روى عن رسول اللَّه ﷺ حديثا. أخبرنا يزيد بن هارون قال أخبرنى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد اللَّه بن نضلة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحتكر إلا خاطئ" ثم ذكر ابن سعد أن الذى حلق رسول اللَّه ﷺ فى عمرة القضية هو معمر بن عبد اللَّه العدوى رضى اللَّه عنه.
"لا يحتكر" أى لا يحبس أقوات المسلمين عنده التماسا لارتفاع الأسعار.
"إلا خاطئ" أى إلا عاص آثم.
[البحث]
قال الحافظ فى الفتح: وقد ورد فى ذم الاحتكار أحاديث منها حديث معمر المذكور أولا، وحديث عمر مرفوعا من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس، رواه ابن ماجه وإسناده حسن. وعنه مرفوعا قال: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون أخرجه ابن ماجه والحاكم وإسناده ضعيف. وعن ابن عمر مرفوعا: من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من اللَّه وبرئ منه. أخرجه أحمد والحاكم وفى إسناده مقال. وعن أبى هريرة مرفوعا: من احتكر حكرة يريد أن يغالى بها على المسلمين فهو خاطئ. أخرجه الحاكم. اهـ على أن
стр. 1813
الحديث الصحيح الذى أورده المصنف هنا من طريق معمر بن عبد اللَّه عند مسلم فيه كفاية فى التحذير من الاحتكار ووجوب الابتعاد عنه.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم احتكار أقوات المسلمين وما فيه معايشهم ومصالحهم.
стр. 1814
٣٤ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها وصاعا من تمر" متفق عليه. ولمسلم "فهو بالخيار ثلاثة أيام" وفى رواية له علقها البخارى "وردَّ معها صاعا من طعام لا سمراء" قال البخارى: والتمر أكثر.
[المفردات]
" لا تصروا الإبل والغنم" قال البخارى: والمُصَرَّاةُ التى صُرِّىَ لبنها وحقن فيه وجُمِعَ فلم يحلب أياما، وأصل التصرية، حبس الماء يقال منه: صَرَّيتُ الماء إذا حبسته اهـ قال فى الفتح: وهذا التفسير قول أبى عبيد وأكثر أهل اللغة، وقال الشافعى: هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشترى أن ذلك عادتها فيزيد فى ثمنها لما يرى من كثرة لبنها اهـ ثم قال الحافظ: قوله: "لا تُصَرُّوا" بضم أوله وفتح ثانيه بوزن تزكوا يقال: صَرَّى يُصَرِّى تصرية كزكَّى يزكى تزكية. والإبل بالنصب على المفعولية، وقيده بعضهم بفتح أوله وضم ثانيه، والأول أصح لأنه من صريت اللبن فى الضرع إذا جمعته وليس من صررت الشئ
стр. 1815
إذا ربطته، إذ لو كان منه لقيل: مصرورة أو مصررة ولم يقل مصراة على أنه قد سمع الأمران فى كلام العرب قال الأغلب:
رأت غلاما قد صرى فى فقرته ... ماء الشباب عنفوان سيرته
وقال مالك بن نويرة:
فقلت لقومى هذه صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تحرر
وضبطه بعضهم بضم أوله وفتح ثانيه لكن بغير واو على البناء للمجهول والمشهور الأول اهـ.
"فمن ابتاعها بعد" أى اشتراها بعد التصرية.
"فهو بخير النظرين" أى فهو مخير فى اختيار أحب الرأيين الآتيين إليه.
"بعد أن يحلبها" أى بعد أن يتبين له أنها مصراة، ولا يتبين ذلك غالبا إلا بعد حلبها.
"إن شاء أمسكها" أى إن شاء أخذها وأجاز هذا البيع ورضى بالعيب وهذا هو أحد النظرين.
"وإن شاء ردَّها وصاعا من تمر" أى وإن شاء أرجعها للبائع وأعطاه معها صاعا من تمر وهذا هو النظر الثانى.
"ولمسلم" أى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
"فهو بالخيار ثلاثة أيام" أى فالمشترى له الخيار فى إنفاذ البيع أو فسخه إلى ثلاثة أيام.
"وفى رواية له" أى لمسلم من حديث أبى هريرة.
"علقها البخارى" أى لم يروها متصلة السند والمعلق هو ما حذف من مبتدأ إسناده راو أو أكثر ولو إلى آخره.
стр. 1816
"لا سمراء" لا حنطة.
"قال البخارى والتمر أكثر" أى إن الروايات الناصة على التمر أكثر عددا من الروايات التى لم تنص عليه كحديث ابن مسعود رقم ٣٥ الذى رواه البخارى بلفظ: فليرد معها صاعا. أو التى أبدلت التمر بالطعام حيث قالت: صاعا من طعام. فرواية التمر أكثر عددا من غيرها.
[البحث]
قال البخارى: باب النهى للبائع أن لا يُحَفِّل الإبل والبقر والغنم وكلَّ محفلة، ثم ساق من طريق الأعرج عن أبى هريرة عن النبى ﷺ لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاع تمر. ويذكر عن أبى صالح ومجاهد والوليد بن رباح وموسى بن يسار عن أبى هريرة عن النبى ﷺ : صاع تمر. وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعا من طعام، وهو بالخيار ثلاثا. وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعا من تمر ولم يذكر ثلاثا. والتمر أكثر. وهذا الذى علقه البخارى عن أبى صالح عن أبى هريرة وصله مسلم من طريق سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة بلفظ: من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام فإن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر. كما أن الذى علقه عن موسى بن يسار قد وصله مسلم بلفظ: من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها، فإن رضى بها أمسكها وإلا ردها
стр. 1817
ومعها صاع من تمر. وأما قول البخارى وقال بعضهم عن ابن سيرين صاعا من طعام وهو بالخيار ثلاثا. فقد وصله مسلم من طريق قرة بن خالد عنه بلفظ: من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها صاعا من طعام لا سمراء: قال الحافظ فى الفتح: وأما رواية من رواه بلفظ التمر دون ذكر الثلاث فوصلها أحمد من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين بلفظ: من اشترى شاة مصراة فإنه يحلبها فإن رضيها أخذها وإلا ردها ورد معها صاعا من تمر وقد رواه سفيان عن أيوب فذكر الثلاث أخرجه مسلم من طريقه بلفظ: من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء، ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطعام ولم يقل ثلاثا أخرجه أحمد والطحاوى من طريق عوف عن ابن سيرين وخلاس بن عمرو كلاهما عن أبى هريرة بلفظ: من اشترى لقحة مصراة أو شاة مصراة فحلبها فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها وإناء من طعام. فحصلنا عن ابن سيرين على أربع روايات: ذكر التمر والثلاث وذكر التمر بدون الثلاث، والطعام بدل التمر كذلك. والذى يظهر فى الجمع بينها أن من زاد الثلاث معه زيادة علم وهو حافظ ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنه لم يحفظها أو اختصرها، وتحمل الرواية التى فيها الطعام على التمر وقد روى الطحاوى من طريق أيوب عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية. وروى ابن أبى شيبة وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين "لا سمراء" يعنى الحنطة. وروى ابن المنذر من طريق ابن عون عن ابن سيرين
стр. 1818
أنه سمع أبا هريرة يقول: "لا سمراء" تمر ليس ببر. فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر اهـ هذا وقد تحرف عوف عن ابن سيرين وخلاس بن عمرو فى نسخ الفتح بعون عن ابن سيرين وخلاس بن عمرو، مع أن سند الإمام أحمد فى مسنده قال: حدثنا عبد الواحد عن عوف عن خلاس بن عمرو ومحمد بن سيرين عن أبى هريرة. وعوف هو ابن أبى جميلة الهجرى المعروف بالأعرابى وقد رواه بلفظ التمر أيضا ثابت بن عياض من حديث أبى هريرة عند البخارى كذلك، كما رواه بلفظ التمر أيضا همام بن منبه عن أبى هريرة عند مسلم، ولذلك كله قال البخارى: والتمر أكثر. وظاهر الحديث يوجب رد صاع من تمر مع الشاة المصراة إذا حلبها المشترى وأراد ردها بعيب التصرية، لا فرق فى ذلك بين أن يكون اللبن الذى احتلب قليلا أو كثيرا، ولا بين أن يكون التمر قوت ذلك البلد أم لا؟ ولذلك أوجب الصاع فى الناقة المصراة كما أوجبه فى رد الشاة المصراة، وقد حاول بعض الناس أن يطعن فى هذا الحديث الصحيح المتفق عليه متعللا بدعاوى فاسدة منها أن الحديث مضطرب ومنها أن أبا هريرة لم يكن فى الفقه كعبد اللَّه بن مسعود فلا يقدم ما يرويه على القياس. ودعوى الاضطراب بأنه روى مرة بلفظ التمر ومرة بلفظ الطعام ومرة بلفظ الصاع ومرة بلفظ الإناء ومرة بلفظ الثلاث ومرة بغيرها وقد تقدم بيان ذلك وأنه لا اضطراب، ودعوى رده لأنه من رواية أبى هريرة ولم يكن فى الفقه كعبد اللَّه بن مسعود فهى مردودة كذلك لأن عبد اللَّه بن مسعود أفتى بمثل ما رواه أبو هريرة رضى اللَّه عنه، وقد رواه عن رسول اللَّه ﷺ جملة من الصحابة رضى اللَّه عنهم
стр. 1819
مع أنه لو انفرد به أبو هريرة رضى اللَّه عنه ففيه حجة كافية شافية قال الحافظ فى الفتح: وقال ابن السمعاني فى "الاصطلام" التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء رسول اللَّه ﷺ له ثم قال الحافظ وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل، واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها اهـ هذا والعاقل ينبغى أن يتهم عقله إذا عارض أصحاب رسول اللَّه ﷺ فهم حملة الإسلام، وناقلوه إلى العالمين رضى اللَّه عنهم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من اشترى شاة أو ناقة أو بقرة مصراة فهو مخير أن يردها أو يمسكها.
٢ - وأنه إذا اختار ردها بعد أن يحلبها رد معها صاعا من تمر.
٣ - أن التدليس والخداع والغش فى السلعة لا يفسد عقد البيع ولكن يجعل الخيار للمشترى.
стр. 1820
٣٥ - وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: من اشترى شاة مُحَفَّلَةً فردها فليرد معها صاعا" رواه البخارى وزاد الإِسماعيلى "من تمر"
[المفردات]
" محفلة" أى قد جمع فيها اللبن فالتحفيل: التجميع قال الحافظ فى الفتح: قال أبو عبيد: سميت بذلك لأن اللبن يكثر فى ضرعها
стр. 1821
وكل شئ كثَّرته فقد حفَّلته، ئقول: ضرع حافل أى عظيم واحتفل القوم إذا كثر جمعهم ومنه حمى المحفل اهـ والمُحَفَّلَةُ بمعنى المُصَرَّاة.
"الإسماعيلى" هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجانى. ولد سنة سبع وسبعين ومائتين وسمع أبا خليفة وأبا يعلى وابن خزيمة وصنف الصحيح والمعجم ومسند عمر وغيرها حدث عنه الحاكم والبرقانى قال الحاكم: كان واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم فى الرياسة والمروءة والسخاء. علا إسناده وتفرد ببلاد العجم وتوفى فى رجب سنة ٣٧١ هـ ﵀.
[البحث]
فى بعض نسخ البخارى: فليرد معها صاعا من تمر وهى رواية أبى ذر الهروى لصحيح البخارى وروايته للصحيح هى أتقن الروايات وهى التى شرح الحافظ ابن حجر عليها كما صرح بذلك فى فتح البارى لكن الحافظ فى بلوغ المرام مشى على غير رواية أبى ذر فذكره بلفظ: فليرد معها صاعا. وجعل كلمة "من تمر" من زيادة الإِسماعيلى فى رواية لهذا الحديث وقد أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى صحيحه بعد حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه مباشرة ليدفع فى نحر من يحاول الطعن فى حديث أبى هريرة بدعوى أنه لم يكن كابن مسعود ليوضح أنهما يستضيئان بنور صادر من مشكاة واحدة. رضى اللَّه عنهما. هذا وقد جعل ابن تيمية فى المنتقى زيادة "من تمر" من رواية البرقانى فقال
стр. 1822
وعن أبى عثمان النهدى قال: قال عبد اللَّه: من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا. رواه البخارى والبرقانى على شرطه وزاد "من تمر".
[ما يفيده الحديث]
١ - تأكيد جواز رد الشاة المصراة.
٢ - أن المشترى إذا حلبها يرد معها صاعا من تمر.
стр. 1823
٣٦ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ مرَّ على صُبْرَة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بَلَلًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول اللَّه. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس. من غش فليس منى" رواه مسلم.
[المفردات]
" صبرة طعام" أى كومة مجموعة من الطعام.
"فنالت أصابعه بللًا" أى لمست أصابعه ﷺ رطوبة.
"ما هذا" أى البلل الذى بأسفل الصبرة.
"أصابته السماء" أى نزل عليه المطر.
"أفلا جعلته فوق الطعام" أى أفلا جعلت المبلول من الطعام فى أعلى الصبرة.
"كى يراه الناس" أى حتى يبصره المشترون.
"غش" أى خان وخدع ودلس.
"فليس منى" أى ليس ممن اهتدى بهديى وسار على منهجى فى المعاملات.
стр. 1824
[البحث]
روى البخارى ومسلم من حديث حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه قال: رسول اللَّه ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال: حتى يتفرقا. فإن صدقا وبَيَّنَا بورك لهما فى بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". وقال البخارى فى صحيحه: باب إذا بَيِّنَ البيعان ولم يكتما ونصحا ويذكر عن العداء بن خالد قال: كتب لى النبى ﷺ : هذا ما اشترى محمد رسول اللَّه، من العَدَّاء بن خالد: بَيعَ المسلم المسلمَ، لا داء ولا خِبْثَةَ ولا غائلة. وقول رسول اللَّه ﷺ : من غش فليس منى" يعتبر من أحاديث الوعيد وأحاديث الوعيد كهذا الحديث وكقوله ﷺ "فمن رغب عن سنتى فليس منى" يرى بعض أهل العلم تفسيرها وبيان المراد بها وأنه من ارتكب ما عليه هذا الوعيد لا يخرج من دين الإسلام فمن غش لا يرتد عن الإسلام بالغش ومعناه: ليس ممن اهتدى بهديى واقتدى بمنهجى فى هذا السبيل لا أنه خارج عن دين الإسلام. وقال سفيان بن عيينة: يكره تفسير مثل هذا. يعنى أنه لا يشرح للعامة ليكون أوقع فى نفوسهم وأبلغ فى زجرهم. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم الغش فى المعاملات وغيرها.
٢ - الوعيد الشديد لمن يغش.
٣ - يجب أن يكون المسلم أحسن الناس معاملة وأبعدهم عن الخداع والغش والخيانة.
стр. 1825
٣٧ - وعن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة" رواه الطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن.
[المفردات]
" عن أبيه" هو بريدة بن الحصيب الأسلمى رضى اللَّه عنه.
"حبس العنب" أى منع جنيه فلم يقطفه عند نضجه واحتجره واحتكره.
"أيام القطاف" أى وقت أخذ ثمار العنب من أشجاره.
"حتى يبيعه" أى ليبيعه.
"يتخذه خمرا" أى يعصره خمرا.
"تقحم النار" أى ألقى بنفسه فى النار وطرح جسمه فيها.
"على بصيرة" أى على علم منه بأنه يتقحم النار.
[البحث]
قال الحافظ فى التلخيص: حديث: نهى عن بيع العنب من عاصره أخرجه الطبرانى فى الأوسط عن محمد بن أحمد بن أبى خيثمة بإسناده عن بريدة مرفوعا: من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه منى يهودى أو نصرانى أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة. قال الهيثمى فى مجمع الزوائد: وفيه عبد الكريم بن عبد الكريم قال أبو حاتم حديثه يدل على الكذب.
следующие страницы →