Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
قال: إن أبا إسحاق زاد فى هذا الحديث: "زرع بغير إذنهم" وليس غيره يذكر هذا الحرف اهـ. واللَّه أعلم.
وعلى كل حال فإن من زرع فى أرض قوم بغير إذنهم فهو عرق ظالم وسيأتى بحثه فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه.
стр. 2067
٤ - وعن عروة بن الزبير رضى اللَّه عنه قال: قال رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : إن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ فى أرض غرس أحدهما فيها نخلا والأرض للآخر فقضى رسول اللَّه ﷺ بالأرض لصاحبها وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله وقال: "ليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ" رواه أبو داود وإسناده حسن، وآخره عند أصحاب السنن من رواية عروة عن سعيد بن زيد واختلف فى وصله وإرساله، وفى تعيين صحابيِّه.
[المفردات]
والأرض للآخر: أى ليست للذى غرس.
عرق ظالم: قال الحافظ فى التلخيص: قوله لعرق ظالم هو بالتنوين وبه جزم الأزهرى وابن فارس وغيرهما وغلَّط الخطابى من رواه بالإِضافة اهـ والمراد بالعرق الظالم هنا هو أن يزرع أو يغرس أو يبنى
стр. 2068
أو يحفر شخص فى ملك غيره بغير رضاه.
وآخره: أى وهو قوله: ليس لعرق ظالم حق.
وفى تعيين صحابيه: أى هل هو سعيد بن زيد أو أبو سعيد الخدرى أو جابر أو عائشة رضى اللَّه عنهم.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير عند كلامه على حديث ليس لعرق ظالم حق: واختلف فيه على هشام بن عروة اختلافا كثيرا ورواه أبو داود الطيالسى من حديث عائشة وفى إسناده زمعة وهو ضعيف، ورواه ابن أبى شيبة وإسحاق بن راهويه فى مسنديهما من حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وعلقه البخارى بقوله: ويروى عن عمرو بن عوف ورواه البيهقى من حديث الحسن عن سمرة والطبرانى من حديث عبادة وعبد اللَّه ابن عمرو اهـ.
وقال البخارى فى صحيحه فى كتاب المزارعة فى باب من أحيا مواتا" ورأى ذلك عليٌّ فى أرض الخراب بالكوفة. وقال عمر: من أحيا أرضا ميتة فهى له، ويروى عن عمرو بن عوف عن النبى ﷺ وقال: فى غير حق مسلم، وليس لعرق ظالم فيه حق، ويروى فيه عن جابر عن النبى ﷺ . وفى بعض نسخ البخارى: ويروى عن عمر وابن عوف" وهو تصحيف. وقال الحافظ فى الفتح: عند قول البخارى: "وقال فيه فى غير حق مسلم وليس لعرق ظالم حق" وصله إسحاق بن
стр. 2069
راهويه قال: أخبرنا أبو عامر العقدى عن كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف حدثنى أبى أن أباه حدثه أنه سمع النبى ﷺ يقول: "من أحيا أرضا مواتا من غير أن يكون فيها حق مسلم فهى له وليس لعرق ظالم حق" وهو عند الطبرانى ثم البيهقى. وكثير هذا ضعيف وليس لجده عمرو بن عوف فى البخارى سوى هذا الحديث وهو غير عمرو بن عوف الأنصارى البدرى ثم قال الحافظ: ووقع فى بعض الروايات: وقال عُمر وابن عوف على أن الواو عاطفة وعمر بضم العين وهو تصحيف ثم قال الحافظ: ولحديث عمرو بن عوف المعلق شاهد قوى أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيد، وله من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه مثله مرسلا وزاد: قال عروة: فلقد خبرنى الذى حدثنى بهذا الحديث أن رجلين اختصما إلى النبى ﷺ غرس أحدهما نخلا فى أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحا النخل أن يخرج نخله منها. وفى الباب عن عائشة أخرجه أبو داود الطيالسى، وعن سمرة عند أبى داود والبيهقى وعن عبادة وعبد اللَّه بن عمرو عند الطبرانى وعن أبى أسيد عند يحيى بن آدم فى كتاب الخراج. وفى أسانيدها مقال لكن يتقوى بعضها ببعض اهـ وقال الحافظ فى قول البخارى: ويروى فيه عن جابر عن النبى ﷺ : وصله أحمد قال: حدثنا عباد بن عباد حدثنا هشام عن عروة عن وهب بن كيسان
стр. 2070
عن جابر فذكره.
ولفظه: من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر وما أكلت العوافى منها فهو له صدقة. وأخرجه الترمذى من وجه آخر عن هشام بلفظ: من أحيا أرضا ميتة فهى له" وصححه. وقد اختلف فيه على هشام فرواه عنه عباد هكذا ورواه يحيى القطان وأبو ضمرة وغيرهما عنه عن أبى رافع عن جابر، ورواه أيوب عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد، ورواه عبد اللَّه بن إدريس عن أبيه مرسلا.
واختلف فيه على عروة فرواه أيوب عن هشام موصولا وخالفه أبو الأسود فقال: عن عروة عن عائشة كما فى هذا الباب، ورواه يحيى بن عروة عن أبيه مرسلا كما ذكرته من سنن أبى داود ولعل هذا هو السر فى ترك جزم البخارى به اهـ وقال الترمذى: حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب ثنا أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبى ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهى له، وليس لعرق ظالم حق" هذا حديث حسن غريب. حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب الثقفى عن أيوب عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد اللَّه عن النبى ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهى له" هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبى ﷺ مرسلا أهـ وقال أبو داود فى باب فى إحياء الموات" من كتاب الخراج والإِمارة
стр. 2071
والفئ من سننه: حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب ثنا أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبى ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهى له وليس لعرق ظالم حق" حدثنا هناد بن السرى ثنا عبدة عن محمد يعنى ابن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال "من أحيا أرضا ميتة فهى له". وذكر مثله قال: فلقد خبرنى الذى حدثنى هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ غرس أحدهما نخلا فى أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها قال: فلقد رأيتها وإنها لتُضْرَب أصولها بالفؤوس وإنها لنخلُ عُمٍّ حتى أخرجت منها. حدثنا أحمد بن سعيد الدارمى ثنا وهب عن أبيه عن ابن إسحاق بإسناده ومعناه إلا أنه قال عند قوله مكان الذى حدثنى هذا فقال رجل من أصحاب النبى ﷺ وأكثر ظنى أنه أبو سعيد الخدرى فأنا رأيت الرجل يَضْرِبُ فى أصول النخل اهـ.
وكون العرق الظالم لا حق له مما تقرره قواعد الشريعة من صيانة حقوق الناس ومنع التعدى عليهم ومعاملة المتعدى بنقيض قصده. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه ليس لعرق ظالم حق.
стр. 2072
٢ - وأنه ينبغى معاملة المتعدى بنقيض قصده.
٣ - وأنه يجب المحافظة على حقوق الناس.
стр. 2073
٥ - وعن أبى بكرة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال فى خطبته يوم النحر بمنى: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا" متفق عليه.
[المفردات]
يوم النحر بمنى: يعنى خطبته يوم الأضحى فى حجة الوداع.
[البحث]
تقدم ذكر هذا الحديث فى كتاب الحج فى باب صفة الحج ودخول مكة برقم ٣١ وذكرت هناك أن مسلما ﵀ قد أورده فى سياق شأن تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال دون أن يسوق كامل لفظه وأن البخارى ﵀ قد أخرجه فى باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج بلفظ عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه قال: خطبنا النبى ﷺ يوم النحر قال: أتدرون أى يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير أسمه، قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى. قال: أى شهر هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. فسكت
стр. 2074
حتى ظننا أنه سيسميه بغير إسمه فقال: "أليس ذو الحجة؟ " قلنا بلى. قال: "أى بلد هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير أسمه. قال: "أليست بالبلدة الحرام؟ " قلنا: بلى. قال: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بَلغت؟ " قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد فَلْيُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدى كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض".
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم الغصب والظلم.
٢ - وجوب صيانة دماء المسلمين وأموالهم.
٣ - أنه ليس لعرق ظالم حق.
٤ - أن صيانة دماء الناس وأموالهم من أهم مقاصد الإِسلام.
هذا وقد تم بحمد اللَّه تعالى الجزء الخامس من فقه الإِسلام فى ضحى يوم الاثنين السابع عشر من رجب عام ١٤٠٢ هـ بالمدينة المنورة. ويليه الجز السادس وأوله "باب الشفعة". وما توفيقى إلا باللَّه. وصلى اللَّه وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد القادر شيبة الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف
стр. 2075
-[استدراك]-
فاتنى أن أترجم لمالك فى مفردات الحديث الحادى عشر من كتاب لبيوع كما فاتنى أن أترجم لأبى حنيفة فى مفردات الحديث العشرين من كتاب البيوع وهذه ترجمة مالك وأبى حنيفة رحمهما اللَّه.
مالك: هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر أنس بن عمرو بن الحارث بن غَيْمان بن خُثَيْل ابن عمرو بن الحارث -وهو ذو أَصْبَح بن عوف بن مالك بن زيد بن عامر بن ربيعة بن نَبْت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن مُعْرِب- وإنما سمى معربا لفصاحته لأنه أول من أقام اللسان العربى -بن مُهَرَّم- وهو قحطان بن الهمَيْسَع بن تيمن بن قيس بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم- قال ابن سعد: هكذا نسبه لى أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبى أويس بن عم مالك بن أنس. ولد مالك بن أنس سنة خمس وتسعين وفيها ولد الليث ابن سعد: قال الشافعى: إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك، وقال ابن عيينة: إنا كنا نتبع أثار مالك وننظر إلى الشيخ إن كتب عنه وإلا تركناه، وما مثلى ومثل مالك إلا كما قال الشاعر:
وابن اللبون إذا ما لز فى قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
стр. 2076
وقال ابن عيينة أيضا: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه بشأنهم، وقال النسائى: ما عندى بعد التابعين أنبل من مالك ولا أجل منه ولا أوثق ولا آمن على الحديث منه ولا أقل رواية عن الضعفاء ما علمناه حدَّث عن متروك إلا عبد الكريم يعنى أبا أمية. وقال ابن حبان فى الثقات: كان مالك أول من انتقد الرجال من الفقهاء بالمدينة، وقال ابن مهدى: ما رأيت أحدا أتم عقلا من مالك. وقال البخارى: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن عبد اللَّه بن عمر، وقال عبد اللَّه بن أحمد: قلت لأبى: من أثبت أصحاب الزهرى؟ قال: مالك أثبت فى كل شئ، وقال ابن سعد: كان مالك ثقة مأمونا ثبتا ورعا فقيها عالما حجة.
وقد روى مالك عن أكثر من تسعمائة شيخ منهم نافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم والزهرى وأبى الزناد وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق وأيوب السختيانى وحميد الطويل وربيعة بن أبى عبد الرحمن، وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصارى. وقد روى عنه من شيوخه الزهرى ويحيى ابن سعيد الأنصارى وغيرهما.
стр. 2077
كما روى عنه من الأعلام الذين ماتوا قبله سفيان الثورى وشعبة بن الحجاج وأبو عاصم النبيل وعبد اللَّه بن المبارك وعبد الرحمن الأوزاعى والإِمام أبو حنيفة قال السيوطى: ألف الدارقطنى جزءا فى مرويات أبى حنيفة عن مالك اهـ كما روى عنه عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب القعنبى، وعبد اللَّه ابن جريج وأبو نعيم الفضل بن دكين وقتيبة بن سعيد والليث بن سعد -وهو من أقرانه- والإِمام الشافعى ومحمد بن الحسن الشيبانى وخلق كثير، وقد جمع أبو الحسن على بن عمر الدارقطنى الذين رووا عن مالك الموطأ وغيره من المسائل فبلغ نحو ألف رجل وقد بلغ من حرص المحدثين على السماع منه أن شيخه ربيعة بن أبى عبد الرحمن كان يجلس فى المسجد النبوى فيأتى المحدث إلى مالك فى المسجد النبوى ليسمع منه الحديث عن ربيعة مع أنه كان بإِمكانه أن يسمعه من ربيعة ويحصل له علو الإِسناد.
وقد توفى ﵀ فى ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة وعاش أربعا وثمانين سنة، ودفن بالبقيع.
стр. 2078
أبو حنيفة: هو فقيه العراق النعمان بن ثابت بن زوطا مولى لبنى تيم اللَّه بن ثعلبة من بكر بن وائل. ولد سنة ثمانين، ونشأ بالكوفة، وقد روى ابن سعد عن سيف بن جابر أنه سمع أبا حنيفة يقول: إنه رأى أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم بالكوفة وتفقه على حماد بن أبى سليمان ولازمه مدة طويلة وحدَّث عن عطاء ونافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعدى بن ثابت وسلمة بن كهيل وأبى جعفر محمد بن على وقتادة وعمرو بن دينار وأبى إسحاق، وخلق كثير. وتفقه به زفر بن الهذيل وداود الطائى والقاضى أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد اللؤلؤى وأبو مطيع البلخى وغيرهم. وحدث عنه وكيع ويزيد بن هارون وسعد بن الصلت وأبو عاصم وعبد الرزاق وعبيد اللَّه بن موسى وأبو نعيم وأبو عبد الرحمن المقرئ، وخلق كثير. وقد انتقل من الكوفة إلى بغداد لما بناها المنصور. واستقر وكان يتجر ويتكسب. وقال الذهبى فى تذكرة الحفاظ: قال ضرار بن صرد: سئل يزيد ابن هارون أيما أفقه الثورى أو أبو حنيفة؟
стр. 2079
فقال: أبو حنيفة أفقه والثورى أحفظ. وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الشافعى: الناس فى الفقه عيال على أبى حنيفة: وقال يزيد: ما رأيت أحدا أورع ولا أعقل من أبى حنيفة. وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن يحيى بن معين قال: لا بأس، لم يكن يتهم، ولقد ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا، قال أبو داود ﵀: إن أبا حنيفة كان إماما. اهـ.
وقد توفى ببغداد فى رجب أو شعبان سنة خمسين ومائة من الهجرة ﵀.
стр. 2080
فقه الإسلام
شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀
تأليف
عبد القادر شيبة الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف
[الجزء السادس]
стр. 2081
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب الشفعة
стр. 2082
١ - عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: "قضى رسولُ اللَّه ﷺ بالشفعة فى كل ما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعَت الحدودُ وصُرِّفَت الطُّرُقُ فلا شُفْعَةَ" متفق عليه. واللفظ للبخارى، وفى رواية مسلم: والشفعة فى كل شِرْكٍ فى أرضٍ أو رَبْع أو حائط، لا يَصْلُحُ -وفيه لفظ لَا يَحِلُّ- أن يبيع حتى يَعْرِضَ على شريكه" وفى رواية الطحاوى: "قضى النبى ﷺ بالشفعة فى كل شئ" ورجاله ثقات.
[المفردات]
الشُّفْعَةُ: تدور مادة شفع فى اللغة على معنى الازدواج، والزيادة، والإعانة، فالشفع الزوج وهو ضد الوتر، وتقول: شفع ناظرى إذا صار يرى الخط خطين والشخص شخصين. قال فى القاموس: وعين شافعة تنظر نظرين وشُفعَتْ لى الأشْباحُ بالضم أى أرى الشخص شخصين لضعف بصرى وانتشاره وإنه ليشفع علىَّ بالعداوة أى يعين علىَّ ويُضَارُّنى، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ أى من يزد عملا إلى عمل ثم قال: وصاحب الشفعة بالضم وهى أن تشفع فيما تطلبه فتضمه إلى ما عندك فَتَشْفَعَهُ أى تَزِيدَهُ، وعند الفقهاء حق تملك الشِّقْصِ على
стр. 2083
شريكه الْمُتَجدد مِلكُهُ قهرا بعوض اهـ.
وقال الحافظ فى الفتح: والشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهى مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج، وقيل من الزيادة، وقيل من الإعانة. وفى الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبى بمثل العِوَض المُسمَّى اهـ.
قضى: أى حكم ووصى.
بالشفعة: أى بثبوت حق الشريك فى تَمَلُّكِ شِقْصِ شريكه بمثل العوض المسمى إذا باعه على ما ليس بشريك.
فى كل ما لم يُقْسَمْ: أى فى كل مال بين شركاء لم تسبق قسمته بينهم.
فإذا وقعت الحدود: أى فإذا كان قدتَمَّ تحديد نصيب كل شريك وَوُضِعَ مَنَارُهُ وأعلامه.
وصُرِّفَت الطُّرُقُ: أى بينت مصارف الطرق وشوارعها. قال فى الفتح: وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت، وهو مشتق من الصِّرْفِ بكسر المهملة الخالص من كل شئ اهـ.
فلا شفعة: أى إذا تم البيع بعد التحديد وتصريف الطرق فلا حق فى الشفعة لمن كان شريكا.
وفى رواية مسلم: أى من حديث جابر رضى اللَّه عنه.
فى كل شِرْكٍ فى أرض: أى فى كل نصيب بين شركاء مشتركين فى أرض.
أو ربع: أى أو دار مسكن.
стр. 2084
أو حائط: أى أو بستان ومزرعة، ويسمى حائطا لأنهم كانوا يجعلون حوله جدارا فى الغالب.
لا يصلح: أى لا يجوز ولا يحل.
أن يبيع: أى الشريك.
حتى يعرض على شريكه: أى حتى يُعْلِمَ شريكَه بأنه يريد البيع حتى إذا كانت له رغبة فيه كان أحق به.
وفى رواية الطحاوى: أى من حديث جابر رضى اللَّه عنه.
الطحاوى: هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة ابن عبد الملك بن سلمة بن سليم بن سليمان بن جواب الأزدى الطحاوى ولد سنة ٢٣٩ هـ وهو صاحب العقيدة الطحاوية ومعانى الآثار ومشكل الآثار وغيرها وتوفى ﵀ فى سنة ٣٢١ هـ.
فى كل شئ: يعنى من عقار أو منقول أو حيوان أو غير ذلك مما تجرى فيه الشركة.
[البحث]
لفظ هذا الحديث عند مسلم من طريق عبد اللَّه بن إدريس حدثنا ابن جرير عن أبى الزبير عن جابر قال: قضى رسولُ اللَّه ﷺ بالشفعة فى كل شِرْكَةٍ لم تُقْسَمْ: رَبْعَةٍ، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يُؤذِنَ شريكَه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به" وفى لفظ لمسلم من طريق ابن وهب عن ابن جريج أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 2085
"الشفعة فى كل شِرْكٍ فى أرض أو رَبْع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يَعرِضَ على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه" كما جاء فى لفظ لمسلم من طريق أبى خيثمة عن أبى الزبير عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان له شريك فى رَبْعَةٍ، أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن رضى أخذ وإن كره ترك" أما ما أشار إليه المصنف ﵀ من حديث الطحاوى فقد وصفه هنا بأن رجاله ثقات، وقال فى الفتح: وروى البيهقى من حديث ابن عباس مرفوعا: "الشفعة فى كل شئ" ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج الطحاوى له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته اهـ هذا وقد قال الحافظ فى الفتح: وحكى ابن أبى حاتم عن أبيه أن قوله: فإذا وقعت الحدود الخ مدرج من كلام جابر، وفيه نظر، لأن الأصل أن كل ما ذكر فى الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل، وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها اهـ وعلى كل حال فإن قوله فإذا وقعت الحدود الخ هو نوع من البيان لقوله: ما لم يقسم، كأنه قال: فإذا قسم فلا شفعة. هذا وحكم الشفعة مما سبق به الإسلام جيع الأنظمة والقوانين فى العالم، وهو شاهد من أصدق الشهود العدول على دقة أحكام شريعة الإسلام وشدة محافظتها على أموال الناس، وسلامة قلوبهم، وإبعاد الأذى والضرر عنهم، وقد بدأت بعض الدول الأروبية تنقل حكم الشفعة إلى أنظمتها، تعمل به فى محاكمها، والفضل ما شهدت به الأعداء. ولا شك أن من
стр. 2086
معجزات رسول اللَّه ﷺ وهو الأمى هذه التشريعات الدقيقة والأحكام الباهرة الخالدة والقواعد المتينة التى تقيم المجتمع المثالى والأمة الصالحة، فلله الحمد وله المنة.
[ما يفيده الحديث]
١ - ثبوت حق الشفعة لكل شريك.
٢ - أنه إذا تم تقسيم الأنصبة المشتركة وتحديدها بطل حق الشفعة.
٣ - حرص الشريعة الإسلامية على دفع الأذى والضرر عن الشركاء.
٤ - أنه ينبغى للشريك إذا عزم على بيع نصيبه المشاع أن يخبر شريكه بذلك ليشتريه أو ليأذن له فى بيعه على من يشاء.
стр. 2087
٢ - وعن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "جار الدار أحق بالدار" رواه النسائى، وصححه ابن حبان، وله علة.
[المفردات]
جار الدار: يعنى صاحب الدار المجاورة للدار التى يراد بيعها.
أحق بالدار: أى أولى بتملكها بقيمتها عند عزم صاحبها على بيعها.
[البحث]
هذا الحديث أورده النسائى فى السنن الكبرى -فى الشروط- من طريق إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس عن النبى ﷺ وقد رواه أبو داود من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبى ﷺ بلفظ: جار
стр. 2088
الدار أحق بالدار الجار أو الأرض. ورواه الترمذى من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبى ﷺ بلفظ: جار الدار أحق بالدار. قال أبو عيسى: وفى الباب عن الشريد وأبى رافع وأنس، حديث عشرة حديث حسن صحيح وقد روى عيسى بن يونس عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس عن النبى ﷺ مثله وروى عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن عشرة عن النبى ﷺ والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة ولا نعرف حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس اهـ قال الحافظ ابن حجر فى النكت الظراف على الأطراف: وقال ابن أبى خيثمة: حدثنا أحمد بن جَناب: أخطأ عيسى بن يونس اهـ وأحمد ابن جناب من تلاميذ عيسى بن يونس وقد أخرجه الطحاوى من طريقه عن عيسى بن يونس عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس عن النبى ﷺ وأخرجه بسند آخر عن قتادة عن أنس عن سمرة ابن جندب عن النبى ﷺ بلفظ: جار الدار أحق بشفعة الدار" وأورده بسند أخر عن الحسن مرسلا.
وسيأتى مزيد بحث لحق الجار فى حديث أبى رافع الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 2089
٣ - وعن أبى رافع رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "الجار أحق بصقبه" أخرجه البخارى وفيه قصة.
стр. 2090
[المفردات]
بصقبه: هو بفتح الصاد والقاف -ويجوز إسكان القاف- كما يجوز إبدال الصاد سينا فيقال: سقبه، والصقب أو السقب هو القرب والملاصقة، يقال: سقبت الدار وأسقيت أى قربت، وتعاور الصاد والسين يقع كثيرا نحو سراط وصراط وسخر وصخر، وسدغ وصدغ، وسطر صطر.
وفيه قصة: أى وفى سياق حديث أبى رافع عند البخارى حكاية.
البحث
هذا الحديث وما فيه من القصة أخرجه البخارى فى كتاب الشفعة من صحيحه فى باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع قال: حدثنا المكى بن إبراهيم أخبرنا ابن جريج أخبرنى إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبى وقاص فجاء المسور ابن مخرمة فوضع يده على إحدى مَنْكِبَيَّ إذ جاء أبو رافع مولى النبى ﷺ فقال: يا سعد، ابتع منى بَيْتَيَّ فى دارك! فقال سعد: واللَّه ما أبْتَاعُهُما، فقال المسور: واللَّه لَتَبْتَاعَنَّهُما، فقال سعد: واللَّه لا أزيدك على أربعة آلاف مُنَجَّمَةٍ أو مُقَطَّعَةٍ قال أبو رافع: لقد أُعْطيِتُ خمسمائة دينار، ولولا أنى سمعت النبى ﷺ يقول: "الجار أحق بسقبه" ما أَعطَيْتُكَهَا بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه" وساقه البخارى فى كتاب الحيل فى باب فى الهبة والشفعة من طريق على بن عبد اللَّه عن سفيان عن إبراهيم بن ميسرة سمعت عمرو بن الشَّرِيد قال: جاء المسور بن مخرمة فوضع
стр. 2091
يده على منكِبِى فانطلقت معه إلى سعد فقال أبو رافع للمسور: ألا تأمر هذا أن يشترى منى بيتى الذى فى دارى فقال: لا أزيد على أربعمائة إمّا مُقَطَّعَة وإما مُنَجَّمَةٍ قال: أعطيتُ خمسمائة نقدا فَمَنَعَتْهُ ولولا أنى سمعت النبى ﷺ يقول: "الجار أحق بصقبه" ما بِعْتُكَهُ أو قال: ما أَعطَيْتُكَهُ. قلتُ: لسفيان: إن مَعمَرًا لم يقل هكذا! قال: لكنه قال لى هكذا اهـ ثم أخرجه من طريق محمد بن يوسف بنفس السند السابق عن عمرو بن الشريد عن أبى رافع أن سعدا ساومه بيتا بأربعمائة مثقال فقال: لولا أنى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الجار أحق بصقبه" لما أعطيتك. ثم ساقه من طريق أبى نعيم بنفس السند عن أبى رافع قال قال النبى ﷺ : "الجار أحق بصقبه" ثم ساقه من طريق مسدد حدثنا يحيى بنفس السند السابق وبنحو لفظه. ولا شك أن الحديث الأول من أحاديث هذا الباب وهو المروى عن جابر فى الصحيحين مشعر بأن الشفعة إنما تثبت للشريك ما لم يتحدد النصيب وتتم القسمة قبل البيع، وقد يفهم من حديث أبى رافع أن المراد بالجار هنا هو الشريك لقوله: "ابتع منى بيتى فى دارك" إذ يدل هذا على أن البيتين غير منفصلين عن سعد وأنهما ليس لهما طرق قد صُرِّفت. بل هما فى جملة دار سعد رضى اللَّه عنه. والعرب قد يستعملون لفظ الجار للشريك كما استعملوه فى الزوجة على حد قول الأعشى:
أجارتنا بينى فإنك طالق
стр. 2092
وإنما أطلق على الزوج جار لما بين الزوجين من المخالطة.
وحمل الحديث على ظاهر لفظه يعارض الحديث المتفق عليه بأن الشريك أحق بحصة شريكه، وحمل لفظ الجار على الشريك يُذْهب هذا التعارض، وللَّه الحمد، ولم يختلف أهل العلم فى تقديم حق الشريك مطلقا. واللَّه أعلم.
стр. 2093
٤ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره يُنْتَظَرُ بها وإن كان غائبا إذا كان طريقها واحدا" رواه أحمد والأربعة ورجاله ثقات.
[المفردات]
الجار: أى الملاصق.
يُنْتَظَرُ بها: ينتظر بالبناء للمفعول أى إن حقه فى الشفعة ثابت حتى لو كان غائبا عند إرادة جاره البيع وعلى الجار أن ينتظر حضور جاره ليعرض عليه ولا يبيع إلا بإذنه.
إذا كان طريقها واحدا: أى إن هذا الحق يثبت للجار الملاصق إذا كان طريق الجارين مختلطا.
[البحث]
هذا الحديث إنما روى من طريق عبد الملك بن أبى سليمان العرزمى عن عطاء عن جابر. وعبد الملك من رجال مسلم وعلّق له البخارى،
стр. 2094
لكن تكلم شعبة وغيره فى عبد الملك من أجل هذا الحديث بخصوصه. قال الترمذى بعد أن أخرج هذا الحديث: هذا حديث حسن غريب ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن جابر وقد تكلم شعبة فى عبد الملك بن أبى سليمان من أجل هذا الحديث، وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث. لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث. وقد روى وكيع عن شعبة عن عبد الملك هذا الحديث، ورُوِىَ عن ابن المبارك عن سفيان الثورى قال: عبد الملك ابن أبى سليمان ميزان يعنى فى العلم اهـ وقد نقل الشوكانى ﵀ عن المجد ابن تيمية ﵀ أنه قال: وعبد الملك هذا ثقة مأمون، ولكن قد أنكر عليه هذا الحديث قال شعبة: سها فيه عبد الملك فإن روى حديثا مثله طرحت حديثه ثم ترك شعبة التحديث عنه، وقال أحمد: هذا الحديث منكر، وقال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك. وقد أنكروه عليه، قلت: ويقوى ضعفه رواية جابر الصحيحة المشهورة المذكورة فى أول الباب اهـ على أن حديث جابر هذ لم يثبت الشفعة للجار على الإطلاق وإنما يثبتها عند ما لم تتميز الطرق، فهو لا يخرج عن حد الاختلاط بخلاف ما إذا صُرِّفَت الطرق فإنه لا تثبت حينئذ الشفعة. واللَّه أعلم.
стр. 2095
٥ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ قال: "الشفعة كَحَلِّ العقال" رواه ابن ماجه والبزار وزاد: "ولا شفعة لغائب" وإسناده ضعيف.
стр. 2096
[المفردات]
كَحَلِّ العِقَال: أى وقت ثبوتها لصاحبها قصير جدا لا يزيد عن الوقت الذى يحتاجه الإنسان لحل عقال بعيره. والعقال القيد وهو ما يشد به وَظِيف البعير إلى ذراعه. والوظيف مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل.
وزاد: "أى البزار من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث "الشفعة كحل العقال" ابن ماجه والبزار من حديث ابن عمر بلفظ: لا شفعة لغائب ولا لصغير، والشفعة كحل العقال. وإسناده ضعيف جدا، وقال البزار فى رواية: راويه محمد بن عبد الرحمن بن البيلمانى مناكيره كثيرة، وأورده ابن على فى ترجمة محمد بن الحارث راويه عن ابن البيلمانى وحكى تضعيفه وتضعيف شيخه، وقال ابن حبان: لا أصل له، وقال أبو زرعة: منكر، وقال البيهقى: ليس بثابت اهـ.
стр. 2097
باب القِرَاض
стр. 2098
١ - عن صهيب رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: ثلاث فيهن البركة: البيعُ إلى أجل، والمقارضةُ، وخلطُ البُرِّ بالشعر للبيت لا للبيع" رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف.
[المفردات]
القراض: قال فى القاموس: والقراض والمقارضة المضاربة كأنه عقد على الضرب فى الأرض والسعى فيها وقطعها بالسير وصورته أن يدفع إليه مالا ليتِّجر فيه والربح بينهما على ما يشترطان اهـ ويسميها الحجازيون المقارضة والقراض ويسميها العراقيون من الفقهاء: المضاربة. وهى مأخوذة من الضرب فى الأرض وهو السفر والمشى، والعامل فيها يقال له: المضارب بكسر الراء ولم يشتق منها لصاحب المال اسم قال الرافعى: ولم يشتق للمالك منه اسم فاعل لأن العامل يختص بالضرب فى الأرض. وعلى هذا فتكون المفاعلة فيه من باب عاقبت اللص. وقد ذكر اللَّه ﵎ فى كتابه الضرب فى الأرض والسفر فيها للتجارة حيث يقول: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ والمقارضة أو المضاربة نوع من أنواع الشركات.
стр. 2099
صهيب: هو ابن سنان أبو يحيى وقيل أبو غسان النمرى المعروف بصهيب الرومى قيل إن أصله من النمر بن قاسط سبته الروم. وقال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الأيلة فسبت الروم صهيبا وهو غلام فنشأ بينهم ثم صار إلى عبد اللَّه بن جدعان فأعتقه، ويقال: بل هرب صهيب من الروم إلى مكة فحالف عبد اللَّه بن جدعان وأسلم قديما وهاجر فأدرك النبى ﷺ بقباء وشهد بدرا والمشاهد بعدها وقد أوصى إليه عمر أن يصلى بالناس حتى يجتمع أهل الشورى على رجل منهم. وتوفى بالمدينة سنة ٣٨ هـ وقد بلغ ٧٣ سنة وقيل ٨٤ سنة.
البركة: أى النماء والخير الكثير.
البيع إلى أجل: أى البيع بثمن مؤجل.
والمقارضة: "قوله المضاربة بدفع المال لمن يحسن العمل فيه ليكون الربح بينهما على ما يشترطان.
للبيت لا للبيع: أى للأكل لا للتجارة، فإن خلطه للتجارة قد يكون غشا.
[البحث]
قال ابن ماجه حدثنا الحسن بن على الخَلَّال، ثنا بشر بن ثابت البزار ثنا نصر بن القاسم، عن عبد الرحمن (عبد الرحيم) بن داود عن
стр. 2100
صالح بن صهيب عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وإخلاط البُرِّ بالشعير للبيت لا للبيع" وسبب ضعف هذا الحديث أن فيه ثلاثة رواة مجاهيل وهم نصر بن القاسم وعبد الرحيم بن داود وصالح بن صهيب. قال فى الزوائد: فى إسناده صالح بن صهيب مجهول، وعبد الرحيم بن داود قال العقيلى: حديثه غير محفوظ اهـ وقال السندى: ونصر بن قاسم قال البخارى: حديثه مجهول. وقال فى التقريب: صالح بن صهيب ابن سنان الرومى مجهول الحال، وقال فى التقريب: عبد الرحيم بن داود عن صالح بن صهيب وقيل اسمه عبد الرحمن وقيل داود بن على مجهول. وقال فى التقريب: نصر بن القاسم ويقال: نُصير مجهول. والقراض أو المضاربة مشروع بإجماع أصحاب رسول اللَّه ﷺ وهى من أوسع أبواب التجارات وأيسرها وأنفعها إذ ليس كل صاحب مال يُحسِنُ العمل فيه، وليس كل من يُحسِن العمل والتجارة يملك مالا فكان فى هذا التشريع تيسير الاستفادة لصاحب المال وللعامل فيه فكان سدًّا لأبواب كثيرة من أبواب الربا.
стр. 2101
٢ - وعن حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة: أن لا تَجْعَلَ مالى فى كبد رَطْبةٍ، ولا تحمله فى بحر، ولا تنْزِلَ به فى بطن مَسِيل، فإن فعلتَ شيئا من ذلك فقد ضمنت مالى" رواه الدارقطنى ورجاله ثقات، وقال مالك
стр. 2102
فى الموطأ: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده أنه عمل فى مالٍ لعثمان على أن الربح بينهما. وهو موقوف صحيح.
[المفردات]
على الرجل: أى الذى يتعامل معه بالقراض والمضاربة.
أن لا تجعل مالى: أى تَعَهد أن لا تضارب بمالى.
فى كبد رطبة: أى فى الحيوانات.
ولا تحمله فى بحر: أى وأن لا تنقله بواسطة السفن والمراكب البحرية.
فى بطن مسيل: أى فى مجرى مياه الأمطار من الأودية والشعاب.
فإن فعلت شيئا من ذلك: أى خالفت ما اشترطته عليك.
فقد ضمنت مالى: أى إذا أصابه تلف بسبب مخالفتك فيلزمك ويكون فى ذمتك.
العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقى أبو شبل المدنى مولى الحرقة من جهينة، روى عن أبيه وعن ابن عمر وأنس وسالم بن عبد اللَّه ابن عمر وغيرهم وعنه ابن جريج ومالك وعبيد اللَّه بن عمر وابن إسحاق والدراوردى وغيرهم وهو من رجال مسلم. قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ثقة لم أسمع أحدا ذكره بسوء قال ابن الأثر توفى سنة ١٣٩ هـ. وأبوه عبد الرحمن بن يعقوب الجهنى المدنى مولى الحرقة
стр. 2103
روى عن أبيه وعن أبى هريرة وأبى سعيد وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضى اللَّه عنهم. ذكره ابن حبان فى الثقات وقال العجلى: تابعى ثقة.
وجده يعقوب روى عن عمر وحذيفة رضى اللَّه عنهما وعنه ابنه عبد الرحمن والوليد بن أبى الوليد قال فى التقريب: مقبول.
أنه: أى يعقوب الحرقى المدنى.
عمل فى مال لعثمان: أى اتجر لعثمان فى مال له على طريق المضاربة.
على أن الربح بينهما: أى على أن ما يزيد على رأس المال من الفائدة يكون بينهما مناصفة.
[البحث]
قال الدارقطنى: ثنا أبو محمد بن صاعد نا محمد بن أبى عبد الرحمن المقرى نا أبى نا حيوة وابن لهيعة قال: نا أبو الأسود عن عروة بن الزبير وعن غيره أن حكيم بن حزام صاحب رسول اللَّه ﷺ كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به: أن لا تجعل مالى فى كبد رطبة، ولا تحمله فى بكر، ولا تنزل به فى بطن مسيل، فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالى" قال الحافظ هنا: رجاله ثقات وقال فى تلخيص الحبير: رواه البيهقى بسند قوى اهـ هذا وقد أجمع المسلمون على أنه لا ضمان على العامل
стр. 2104
فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد ولم يقصر فى حفظه أما الأثر الموقوف الذى أخرجه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده فقد وصفه المصنف هنا بأنه صحيح وذكر فى التلخيص أن البيهقى رواه من طريق ابن وهب عن مالك وليس فيه عن جده إنما فيه: أخبرنى العلاء عن أبيه قال: جئت عثمان فذكر قصة فيها معنى ذلك. هذا ولفظ الموطأ: مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان بن عفان أعطاه مالا قراضا يعمل فيه على أن الربح بينهما. ولعل مالكا ﵀ ذكر هذا الأثر ليثبت أن عثمان عمل بالمضاربة كما أن عمر رضى اللَّه عنه قد عمل بالمضاربة بحضور أصحاب رسول اللَّه ﷺ ومشورتهم ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعا وقد ساق مالك فى الموطأ قبل أثر عثمان أثر عمر رضى اللَّه عنهما عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال خرج عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا عمر بن الخطاب فى جيش إلى العراق فلما قفلا مرَّا على أبى موسى الأشعرى رضى اللَّه عنه وهو أمير البصرة فرحَّب بهما وسَهَّل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال اللَّه أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين فيكون لكما الربح، فقالا: وددنا، ففعل، كتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدم باعا فأربحا. فلما رفعا ذلك إلى عمر بن الخطاب قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما
стр. 2105
أسلفكما؟ قال: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما. أديا المال وربحه، فأما عبد اللَّه فسكت وأما عبيد اللَّه فقال: ما ينبغى لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص المال أو هلك لضمناه. فقال عمر: أدياه، فسكت عبد اللَّه، وراجعه عبيد اللَّه فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد اللَّه وعبيد اللَّه نصف ربح المال اهـ قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: إن عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنى عمر بن الخطاب لقيا أبا موسى الأشعرى بالبصرة مصرفهما من غزوة نهاوند فتسلفا منه مالا، وابتاعا به متاعا، وقدما به المدينة فباعاه وربحا فيه، فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله فقالا له: لو تلف كان ضمانه علينا فكيف لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل لأمير المؤمنين لو جعلته قراضا، فقال: قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح. مالك فى الموطأ، والشافعى عنه عن زيد بن أسلم عن أبيه به أتم من هذا السياق. وإسناده صحيح اهـ وقد ذكر الزرقانى أن الرجل الذى قال لعمر: لو جعلته قراضا: هو عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه. ولا إشكال فى قول عبيد اللَّه: لو نقص المال أو هلك لضمناه لأن مبدأ أخذهما المال كان على طريق السلف والقرض ولو هلك المال حينئذ لضمناه. لكن عمر رضى اللَّه عنه وهو المسئول الأكبر عن هذا المال، والإمام المفوَّض إليه القرار النهائى اعتبره قراضا بمشورة عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه فتغير الحال، والمقصود
следующие страницы →