Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
[ما يفيده الحديث]
١ - يجوز للإمام إقطاع بعض الأراضى الموات لبعض الناس ما لم يكن فى ذلك ضرر على أحد.
٢ - أن ما يشيعه "الشيوعيون والماسنيون" وبعض الجاهلين من لَمْز مَنْ أغناهم اللَّه بأنهم إقطاعيون هو من باب ترويج الباطل.
стр. 2172
٨ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ أقطع الزبير حُضْرَ فرسه، فأجْرَى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه حيث بلغ السَّوطُ. رواه أبو داود وفيه ضعف.
[المفردات]
الزبير: هو ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب الأسدى أبو عبد اللَّه حوارى رسول اللَّه ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب وأحد العشرة المبشرين بالجنة. شهد بدرا وما بعدها وهاجر الهجرتين وصلى للقبلتين. وهو أول من سل سيفا فى سبيل اللَّه. وعندما أسلم كان عمه يعلقه فى حصير ويدخن عليه بالنار ليرجع عن دين الإسلام فيقول الزبير: لا أكفر
стр. 2173
أبدا. وقد قتله عمرو بن جرموز المجاشعى غدرا بوادى السباع سنة ٣٦ وهو ابن سبع أو ست وستين سنة رضى اللَّه عنه وفى قتله تقول زوجته:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم الهياج وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
حُضْرَ فرسه: أى مقدار عَدْو فرسه. والحُضْر والإحضار هو ارتفاع الفرِس فى عَدْوِه ويقال: احتضر الفرس إذا عَدَا.
رمى بسوطه: أى قذف بالمقرعة التى كانت بيده.
حيث بلغ السوط: أى إلى المكان الذى وصل إليه السوط عند رميه.
وفيه: أى وفى هذا الحديث.
[البحث]
هذا الحديث عند أبى داود من رواية عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
стр. 2174
وعبد اللَّه هذا هو المشهور بعبد اللَّه بن عمر المكبّر وأخوه عبيد اللَّه بن عمر بن حفص هو المشهور بالمصغر ولا شك فى توثيق عبيد اللَّه أما عبد اللَّه فقد نقل عن أحمد أنه كان يزيد فى الأسانيد ويخالف، وتركه يحيى بن سعيد ونقل عن على بن المدينى تضعيفه وقال صالح جزرة: لين مختلط الحديث، وقال النسائى، ضعيف الحديث وقال الترمذى فى العلل الكبير عن البخارى ذاهب لا أروى عنه شيئا، وقال البخارى فى التاريخ: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم. واللَّه أعلم.
стр. 2175
٩ - وعن رجل من الصحابة رضى اللَّه عنه قال: غزوت مع النبى ﷺ فسمعته يقول: الناس شركاء فى ثلاثة: فى الكلأ والماء والنار: رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات.
[المفردات]
غزوت مع النبى ﷺ : أى سافرت معه ﷺ للقتال فى سبيل اللَّه.
شركاء فى ثلاثة: أى خلطاء فى ثلاثة ليس لأحد منهم امتياز على أحد فيها ولا اختصاص.
الكلأ: هو العُشْب رطبه ويابسه.
стр. 2176
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا على بن الجعد اللؤلؤى أخبرنا حريز بن عثمان عن حبان بن زيد الشرعبى عن رجل من قرن ح وثنا مسدد ثنا عيسى بن يونس ثنا حريز بن عثمان ثنا أبو خداش وهذا لفظ على عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبى ﷺ قال: غزوت مع النبى ﷺ ثلاثا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء فى ثلاث: فى الكلأ والماء والنار" قال الحافظ فى تلخيص الحبير: وروى أبو داود فى السنن وأحمد فى المسند من حديث أبى خداش أنه سمع رجلا من المهاجرين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ ثلاثا أسمعه يقول: المسلمون شركاء فى ثلاث: الماء والكلأ والنار" ورواه أبو نعيم فى معرفة الصحابة فى ترجمة أبى خداش ولم يذكر الرجل وقد سئل أبو حاتم عنه فقال: أبو خداش لم يدرك النبى ﷺ ، وهو كما قال فقد سماه أبو داود فى روايته حبان بن زيد وهو الشرعبى وهو تابعى معروف اهـ وقد أشار فى التقريب إلى أنه أخرج له البخارى فى الأدب المفرد وأبو داود وقال: ثقة من الثالثة أخطأ من زعم أن له صحبة وقال فى تهذيب التهذيب: حبان بن زيد الشرعبى أبو خداش الحمصى روى عن عبد اللَّه بن عمرو ورجل من المهاجرين، روى عنه حريز بن عثمان. قلت وذكره ابن حبان فى الثقات وقد تقدم أن أبا داود قال: شيوخ حريز كلهم ثقات اهـ وقال ابن ماجه حدثنا عبد اللَّه بن سعيد ثنا عبد اللَّه بن خداش بن حوشب الشيبانى
стр. 2177
عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المسلمون شركاء فى ثلاث: فى الماء والكلأ والنار وثمنه حرام. قال فى الزوائد: عبد اللَّه بن خداش قد ضعفه أبو زرعة والبخارى وغيرهما وقال محمد بن عمار الموصلى: كذاب. وقال ابن ماجه حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد ثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار" قال فى الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله موثقون لأن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد أبا يحيى المكى وثقه النسائى وابن أبى حاتم وغيرهما وباقى رجال الإسناد على شرط الشيخين اهـ وقد حاول دعاة بعض المذاهب المنحرفة أن يستدلوا بهذا الحديث على صحة مذهب "الاشتراكية" وهذا الحديث دليل عليهم وليس دليلا لهم لأنه إن صح قَصَر الاشتراك فى هذه الثلاثة وهم لم يقولوا بذلك علما بأن المراد بالكلأ هنا هو الكلأ المباح الذى لا يختص بأحد وبالماء ماء السماء والعيون والأنهار التى لا مالك لها وبالنار الشجر الذى يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه. قال الخطابى: الكلأ هو الذى ينبت فى موات الأرض يرعاه الناس، وليس لأحد أن يختص به. اهـ على أن فى نظام الإسلام وشرائعه ما يغنى عن كل مذهب مستورد من أعداء اللَّه وأعداء رسوله ﷺ وأعداء أنفسهم، وقد مضى على نزول القرآن أكثر من أربعة عشر قرنا لم يدون واحد من أهل العلم بشريعة الإسلام كلمة واحدة عن الاشتراكية وقد خلت كتب التفسير
стр. 2178
والحديث والفقه منها ولم يعرفها العرب ولا المسلمون إلا بعد ظهور عدو اللَّه اليهودى الملحد المتنصر كارل ماركس فى القرن التاسع عشر الميلادى ولم يستفحل شرها ويستطر ضررها إلا بعد الانقلاب الشيوعى فى روسيا سنة ١٩١٧ م وهم لا يفرقون بين الشيوعية والاشتراكية، فجميع البلاد التى ابتليت بها يطلق عليها اسم البلاد الاشتراكية والبلاد الشيوعية. شتت اللَّه شملهم وفرَّق كلمتهم، وجعل دائرة السوء عليهم وطهر بلاد المسلمين منهم ومن أنصارهم، ومن السائرين فى ركابهم إنه على كل شئ قدير.
стр. 2179
باب الوقف
стр. 2180
١ - عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم.
[المفردات]
الوقف: هو لغة الحبس يقال وقف، ويقال أوقف والأول أكثر. واصطلاحا: هو حبس الملك ومنع التصرف فى رقبته بالبيع أو الهبة أو غيرها وتسبيل منفعته على جهة من جهات الخير.
انقطع عمله: أى ختم على ما كان يعمله من الخيرات فلا يزاد عليه ويتوقف تجدد ثواب أعماله الصالحة.
إلا من ثلاث: أى إلا فى ثلاثة أحوال فإن عمله فيها لا ينقطع بموته بل يستمر وتتجدد له أعمال صالحة بعد موته وهذه الثلاثة هى الصدقة الجارية والعلم النافع والولد الصالح لأنها كلها من كسبه.
صدقة جارية: هى الوقف الثابت على أوجه الخير والبر فكل نفع يتجدد من الوقف يصل ثوابه للواقف.
أو علم ينتفع به: أى أو علم بثه الإنسان ونشره وأذاعه قبل موته والمراد به العلم الذى هو ميراث النبى ﷺ ، فإن النفع به هو النفع الحقيقى.
стр. 2181
أو ولد صالح يدعو له: قال ابن الملك: قيد بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره وأما الوزر فلا يلحق بالأب من سيئة ولده إذا كان نيته فى تحصيل الخير، وإنما ذكر الدعاء له تحريضا للولد على الدعاء لأبيه لا لأنه قيد لأن الأجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء دعا لأبيه أولا، كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من أكلها أو لم يدع، وكذلك الأم اهـ
[البحث]
لفظ هذا الحديث عند مسلم من طريق يحيى بن أيوب وقتيبة يعنى ابن سعيد وابن حُجْر عن إسماعيل "هو ابن جعفر" عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث، إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" وقال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة" -الحديث- مسلم من حديث أبى هريرة وقال فيه: أو، أو، أو. وله وللنسائى وابن ماجه وابن حبان من طريق أبى قتادة: "خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجرى يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده" وقال المجد ابن تيمية فى المنتقى: عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة
стр. 2182
جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه الجماعة إلا البخارى وابن ماجه اهـ وقد أورد أبو داود هذا الحديث فى كتاب الوصايا من سننه بلفظ من طريق سليمان يعنى ابن بلال عن العلاء ابن عبد الرحمن أراه عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".
وأخرجه الترمذى من طريق على بن حُجْر بنفس سند مسلم وبلفظ: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له ثم قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية الوقف.
٢ - أن كل أعمال الإنسان تنقطع إذا مات إلا الثلاثة المذكورة فى هذا الحديث.
٣ - ينبغى للمسلم أن يحرص على أن يترك لنفسه من بعد موته صدقة جارية.
٤ - الترغيب فى تربية الأولاد تربية صالحة
٥ - حض الولد على الدعاء لأبيه بعد موته.
٦ - أن الدعاء ينفع الميت.
стр. 2183
٧ - الحض على نشر العلم النافع.
стр. 2184
٢ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبى ﷺ يستأمره فيها، فقال يا رسول اللَّه ﷺ إنى أصبت أرضا بخيبر لم أُصِبْ مالا قط هو أنفس عندى منه، فقال "إن شئت حَبَسْتَ أصلها وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها فى الفقراء وفى القُرْبَى وفى الرقاب وفى سبيل اللَّه وابن السبيل والضيف، لا جُنَاحَ على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطْعِمَ صديقا، غير مُتَمَوِّلٍ مالًا. متفق عليه واللفظ لمسلمِ، وفى رواية للبخارى: "تَصَدَّقَ بأصلها لا يباع ولا يوهب ولكن يُنْفقُ ثَمَرُهُ.
[المفردات]
أصاب عمر أرضا بخيبر: أى أخذها وصارت إليه بالقَسْم حين فتحت خيبر عنوة وقسمت أرضها، أو أنه اشتراها من ماله رضى اللَّه عنه وكان يقال لها ثمغ وكانت نخلا.
يستأمره فيها: أى يستشيره ويطلب رأيه وأمره فى وضعها فى باب من أبواب الخير.
هو أنْفَس عندى منه: أى هو أجود مال اكتسبته والنفيس هو
стр. 2185
الجيد المرغوب فيه ويطلق النفيس على المال الكثير أيضا. ويُسَمى نفيسا لأنه يأخذ بالنفس.
حبست أصلها: أى وقفت الأرض.
وتصدقت بها: أى وسبَّلت ثمرتها منفعتها وغلتها.
فتصدق بها عمر: أى وقفها وسبَّل غلتها.
لا يباع أصلها: أى لا تباع هذه الأرض الموقوفة.
ولا يورث: أى ولا يتقاسمها الورثة بعد موت المالك فإن ملكيتها لا تنتقل إليهم بموت الواقف.
ولا يوهب: أى ولا يعطى لأحد ليتملكه.
فى الفقراء: أى فى المحتاجين.
وفى القربى: أى قربى عمر رضى اللَّه عنه ويحتمل قربى رسول اللَّه ﷺ . وبالأول جزم القرطبى وهو الظاهر لقوله فى حديث أبى طلحة "اجعله لفقراء أقاربك".
وفى الرقاب: أى وفى شراء العبيد لتحريرهم وفى معاونة المكَاتَب على توفية دين كتابته.
وفى سبيل اللَّه: أى وللغزاة المجاهدين فى سبيل اللَّه.
وابن السبيل: أى والمسافر المنقطع عن أهله وماله.
والضيف: وهو من نزل بقوم يريد القِرَى.
لا جناح: أى لا إثم ولا حرج.
على من وليها: أى على ناظر الوقف الذى يتولى مصلحته.
стр. 2186
بالمعروف: بالقدر الذى يدفع به شهوته أو حاجته أو ما جرت به العادة أو بقدر عمالته على الوقف.
ويطعم صديقا: أى ويمنح من ثمرتها لبعض أصدقائه بما لم يؤثر على حق الفقراء وغيرهم من المستحقين.
غير متمول مالا: أى غير متخذ أصل مال يتملكه لنفسه من مال الوقف وفى لفظ للبخارى ومسلم: غير متأثل مالا أى متخذ أصل مال لنفسه من مال الوقف قال الحافظ فى الفتح: والمتأثل بمثناة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة هو المتخذ، والتأثل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شئ أصله، قال الشاعر: وقد يدرك المجدَ المؤثَّلَ أمْثالى.
وفى رواية للبخارى: أى من طريق هارون بن الأشعث حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
ولكن ينفق ثمره: أى يُسَبَّل ويوزع على الفقراء والمستحقين.
[البحث]
هذا الحديث أورده البخارى مطولا ومختصرا فى مواضع. فقد أورده فى باب ما للوصى أن يعمل فى مال اليتيم وما يأكل منه بِقَدْر عمالته من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول اللَّه ﷺ وكان يقال له ثَمغ وكان نخلا فقال عمر:
стр. 2187
يا رسول اللَّه إنى استفدت مالا وهو عندى نفيس، فأردت أن أتصدق به، فقال النبى ﷺ : "تَصَدَّقْ بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث. ولكن يُنْفَقُ ثَمَرُه" فتصدق به عمر، فَصَدَقَتهُ ذلك فى سبيل اللَّه وفى الرقاب والمساكين والضيف وابن السبيل ولذى القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف أو يُوكِلَ صديقه غير متمول به. وأورده فى باب الوقف كيف يكتب من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضا، فأتى النبى ﷺ فقال: أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنْفَسَ منه فكيف تأمرنى به؟ قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدق عمر أنه: لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، فى الفقراء والقربى والرقاب وفى سبيل اللَّه، والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه. وأورده فى باب الوقف للغنى والفقير والضيف من حديث ابن عمر أن عمر رضى اللَّه عنه وجد مالا بخيبر فأتى النبى ﷺ فأخبره، قال: "إن شئت تصدقت بها" فَتَصَدَّقَ بها فى الفقراء والمساكين وذى القربى والضيف. ثم أورده فى باب نفقة القيم للوقف من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن عمر اشترط فى وقفه أن يأكل مَنْ وليه، ويُوكِلَ صديقَه غير مُتَمَوِّلٍ مالا. وأورده فى باب الشروط فى الوقف بنحو اللفظ الذى أورده المصنف فساقه من طريق ابن عون عن نافع من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن عمر بن
стр. 2188
الخطاب أصاب أرضا بخيبر فأتى النبى ﷺ يستأمره فيها فقال يا رسول اللَّه إنى أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنْفَسَ عندى منه، فما تأمر به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث. وتَصَدَّقَ بها فى الفقراء وفى القربى وفى الرقاب وفى سبيل اللَّه وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطْعِمَ غير متمول. قال: فحدثت به ابن سيرين فقال: غير متأثل مالا اهـ
والقائل: فحدثت به ابن سيرين الخ هو ابن عون راويه عن نافع قال الحافظ فى الفتح: بين ذلك الدارقطنى من طريق أبى أسامة عن ابن عون قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره اهـ.
وقد استدل البخارى بأطراف من هذا الحديث فقال فى المزارعة فى باب "أوقاف أصحاب النبى ﷺ وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم وقال النبى ﷺ لعمر: تَصدَّقْ بأصله لا يباع ولكن يُنْفَق ثمره، فَتَصَدّقَ به. وقال فى الوصايا فى باب هل ينتفع الواقف بوقفه: وقد اشترط عمر رضى اللَّه عنه: لا جناح على من وليه أن يأكل وقد يلى الواقف وغيره" وقال فى باب "إذا وقف شيئا. فلم يدفعه إلى غيره فهو جائز" لأن عمر رضى اللَّه عنه أوقف وقال: لا جناح على من وليه أن يأكل ولم يخص إن وليه عمر أو غيره اهـ وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى التميمى أخبرنا سليم بن أخضر عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبى ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول اللَّه إنى أصبت
стр. 2189
أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندى منه، فما تأمرنى به قال: "إن شئت حَبَسْتَ أصلها وتصدقت بها" فال فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب، قال فتصدق عمر فى الفقراء وفى القربى وفى الرقاب وفى سبيل اللَّه وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يُطْعِمَ صديقا غير متمول فيه. قال: فحدثت بهذا الحديث محمدا فلما بلغت هذا المكان "غير متمول فيه" قال محمد: غير متأثل مالا. قال ابن عون وأنبأنى من قرأ هذا الكتاب أن فيه "غير متأثل مالا" حدثناه أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا ابن أبى زائدة ح وحدثنا إسحاق أخبرنا أزهر السَّمَّان ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبى عدى كلهم عن ابن عون بهذا الإِسناد مثله غير أن حديث ابن أبى زائد وأزهر انتهى عند قوله أو يطعم صديقا غير متمول فيه، ولم يُذْكَرْ ما بعده. وحديث ابن أبى عدى فيه ما ذكر سليم قوله: فحدثت بهذا الحديث محمدا إلى آخره. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا أبو داود الحَفَرِىُّ عمرُ بن سَعْدٍ، عن سفيان عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: أصبت أرضا من أرض خيبر فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: أصبت أرضا لم أصب مالا أحبَّ إلىَّ ولا أنْفَسَ عندى منها وساق الحديث بمثل حديثهم ولم يذكر: فحدثت محمدا وما بعده اهـ وقوله فى الحديث: لا يباع ولا يوهب ولا يورث هو من كلام رسول اللَّه ﷺ قال الحافظ فى الفتح عند كلامه على هذا الحديث
стр. 2190
فى باب الوقف كيف يكتب. قال السبكى: اغتبطت بما وقع فى رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقى "تصدق بثمره وحبِّس أصله لا يباع ولا يورث" وهذا ظاهره أن الشرط من كلام النبى ﷺ بخلاف بقية الروايات فإن الشرط فيها ظاهره أنه من كلام عمر، قلت: قد تقدم قبل خمسة أبواب من طريق صخر بن جويرية عن نافع بلفظ: فقال النبى ﷺ : "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره" وهى أتم الروايات وأصرحها فى المقصود فعزوها إلى البخارى أولى. وقد علقه البخارى فى المزارعة بلفظ: قال النبى ﷺ لعمر: تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولكن لينفق ثمره فتصدق به. اهـ هذا وقد قال الحافظ فى الفتح: وروى عمر ابن شبة بإسناد صحيح عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمر رأى فى المنام ثلاث ليال أن يتصدق بثمغ وقال الحافظ: وزاد عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن ابن عون فى آخر هذا الحديث: وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من آل عمر. ونحوه فى رواية عبيد اللَّه بن عمر عند الدارقطنى. وفى رواية أيوب عن نافع عند أحمد: يليه ذوو الرأى من آل عمر. فكأنه كان أولا شرط أن النظر فيه لذى الرأى من أهله ثم عين عند وصيته لحفصة. وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبى غسان المدنى قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذى عند آل عمر فنسختها حرفا حرفا: هذا ما كتب عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين فى ثمغ أنه إلى
стр. 2191
حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها اللَّه فإن توفيت فإلى ذوى الرأى من أهلها اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية الوقف.
٢ - أنه متى ثبت الوقف فإنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث.
٣ - أن الوقف هو حبس الأصل والتصدق بغلته.
٤ - أنه ينبغى أن يكون الوقف للإِنفاق على الفقراء وأبناء السبيل وفى سبيل اللَّه وعلى الضيوف.
٥ - لا بأس أن يأكل قيم الوقف منه وكذلك صديقه غير متخذ منه ملكا.
٦ - ينبغى للواقف أن يخص فقراء أقاربه ببعض غلة الوقف.
٧ - لا يجوز لقيم الوقف ولا لصديقه الذى يباح له إطعامه من الوقف أن يتخذ من مال الوقف ملكا.
٨ - يجوز للواقف أن يكون قيما على وقفه.
٩ - يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه.
١٠ - ينبغى لمن أراد وقف بعض أملاكه أن يختار أطيبها وأنفسها.
١١ - يستحب أن يستشير العاقلُ الفاضل أهلَ الخير.
١٢ - ينبغى مراعاة شروط الواقف ما دامت لا معصية فيها.
١٣ - يجوز أن يأكل الأغنياء من مال الوقف.
стр. 2192
١٤ - يجوز للمرأة أن تلى الوقف.
١٥ - يجوز للواقف أن يفوض أمر إنفاق غلة الوقف للناظر حيث أراه اللَّه.
стр. 2193
٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال بعث رسول اللَّه ﷺ عمر على الصدقة. الحديث. وفيه: وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده فى سبيل اللَّه" متفق عليه.
[المفردات]
الحديث: أكمل الحديث.
وفيه: أى وفى هذا الحديث.
احتبس: أى وقف يقال: حبسه واحتبسه إذا وقفه ويقال للوقف: حبيس.
أدراعه: هى جمع درع كالدروع تصنع من الحديد ليلبسها المقاتل فتقيه من أذى سلاح عدوه.
وأعتاده: وهو جمع عتد بفتح العين والتاء وهو ما يتأهب به للحرب من السلاح وغيره فمعنى احتبس أدراعه وأعتاده فى سبيل اللَّه أى وقف ملابسه الحربية وأسلحته ودوابه فى سبيل اللَّه.
[البحث]
تقدم فى بحث الحديث الحادى عشر من كتاب الزكاة لفظ هذا الحديث
стр. 2194
بتمامه عند البخارى مسلم، وإنما أورد المصنف هذه الجملة من هذا الحديث هنا للدلالة على جواز وقف المنقولات. وهو ظاهر فيه. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز وقف المنقولات.
٢ - أنه ينبغى حسن الظن بالمسلمين.
٣ - إظهار فضل خالد بن الوليد رضى اللَّه عنه.
стр. 2195
باب الهبة والعُمْرَى والرُّقْبَى
стр. 2196
١ - عن النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما أن أباه أتى به رسول اللَّه ﷺ فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلاما كان لى، فقال رسول اللَّه ﷺ "أكُلَّ ولدك نَحَلْتَه مثل هذا؟ " فقال: لا. فقال رسول اللَّه ﷺ فَارْجِعْهُ" وفى لفظ: فانطلق أبى إلى النبى ﷺ لِيُشْهِدَه على صدقتى، فقال: "أفَعَلْتَ هذا بوَلَدِكَ كُلِّهِم؟ " قال: لا. قال: "اتقوا اللَّه واعدلوا بين أولادكم" فرَجَعَ أبى فَرَدَّ تلك الصدقة. متفق عليه. وفى رواية لمسلم قال: "فَاشْهِدْ على هذا غيرى" ثم قال: "أيسُرُّكَ أن يكونوا لك فى البِرِّ سواءً؟ قال: بلى قال: "فلا إذَنْ"
[المفردات]
الهبة: هى لغة العطية وشرعا هى تمليك بلا عوض قال فى الفتح: تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء وهو هبة الدين ممن هو عليه، والصدقة وهى هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية وهى ما يكرم به الموهوب له. ومن خصها بالحياة أخرج الوصية وهى تكون أيضا بالأنواع الثلاثة، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض، اهـ وقد سبق
стр. 2197
قلم الشوكانى ﵀ فى نيل الأوطار عند ما نقل كلام الحافظ هذا فقال: والهدية وهى ما يلزم له الموهوب له عوض اهـ ولا شك أن هذا خطأ فى نقل عبارة الحافظ رحمهما اللَّه.
والعُمْرَى: هى بضم العين وسكون الميم وحكى فيها ضم الميم أيضا كما حكى فيها فتح العين وسكون الميم مأخوذة من العمر قال البخارى فى صحيحه: أعْمَرْتُهُ الدارَ فهى عُمْرَى: جعلتها له، استعمركم فيها: جعلكم عُمَّارًا اهـ والعمرى فى الاصطلاح: هى أن يعطى الإِنسان غيره دارا ويقول له: أعمرتك إياها أى أبحتها لك مدة عمرك فقيل لها عُمْرى لذلك.
والرُّقْبَى: وهى مأخوذة من المراقبة وهى الانتظار قال فى القاموس: والرقبى كَبُشْرَى أن يُعْطِىَ إنسانا مِلْكًا فأيهما مات رجع المِلْكُ لورثته أو أن يجعله لفلان يسكنه فإن مات ففلان، وقد أرقبه الرُّقْبَى وأرقبه الدار جعلها له رقبى اهـ. وقد أشار الحافظ فى الفتح إلى أن العمرى والرقبى قد يطلقان على معنى واحد فى لغة العرب وقد روى النسائى بإسناد صحيح إلى ابن عباس موقوفا "العمرى والرقبى سواء"
стр. 2198
ولا شك أن أصل العمرى مختلف عن الرقبى وقد كانوا فى الجاهلية يتعاملون بالرقبى والعمرى وكانت الرقبى أن يقول أحدهما لصاحبه: إن مت قبلى فدارك لى وإن مت قبلك فدارى لك فكان كل واحد منها يرقب موت صاحبه.
النعمان بن بشير: هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الخزرجى أبو عبد اللَّه المدنى. له ولأبويه صحبة وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد اللَّه ابن رواحة رضى اللَّه عنهم وأرضاهم. ولد فى السنة الثانية من الهجرة وهو أول مولود ولد فى الأنصار بعد الهجرة كما أن ابن الزبير هو أول مولود ولد فى المهاجرين بعد الهجرة. وقد ولى الكوفة لمعاوية رضى اللَّه عنه ثم نقله معاوية رضى اللَّه عنه إلى ولاية حمص. ولما مات يزيد بن معاوية بايع النعمان رضى اللَّه عنه لابن الزبير فلما تمرد عليه أهل حمص فارقهم فلحقه خالد بن خلى الكلاعى وقتله رضى اللَّه عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة وذلك سنة خمس وستين هجرية.
أباه: هو بشير بن سعد رضى اللَّه عنه.
أتى به رسول اللَّه ﷺ : أى جاء به إلى رسول اللَّه ﷺ -
стр. 2199
نحلت: أى أعطت من النحلة بكسر النون وهى العطية بغير عوض.
ابنى هذا: يعنى النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما.
غلاما: أى عبدا رقيقا.
أكل ولدك نحلته مثل هذا: أى أعطيت سائر أولادك مثل ما أعطيت ولدك النعمان.
فقال لا: أى لم أعط سائر أولادى مثل ما أعطيت ولدى النعمان.
فارجعه: أى فَارْدُد الغلام إلى ملكك أو لا تُمْضِ الهبة المذكورة.
فانطلق أبى: أى فذهب أبى.
ليشهده على صدقتى: أى ليثبت لى عطيتى بشهادة رسول اللَّه ﷺ عليها.
أفعلت هذا بولدك كلهم: أى أأعطيت مثل ما أعطيت النعمان لجميع أولادك.
واعدلوا بين أولادكم: أى ساوُوا بينهم فى الهبات والهدايا والعطايا.
فرجع أبى فرد تلك الصدقة: أى فاستعاد أبى ملكية الغلام أو لم يمض الهبة المذكورة بمجرد انصرافه من عند رسول اللَّه ﷺ وسماع نصيحته ووصيته ﷺ .
وفى رواية لمسلم: أى من حديث النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما.
стр. 2200
فأشهد على هذا غيرى: أى أنا لا أشهد على هذا لما فيه من الجَوْر وعدم العدل بين الأولاد فالأمر ليس للإِذن بشهادة غيره بل هو نوع من التأنيب والتأديب.
أيسرك أن يكونوا لك فى البر سواء: أى أتحب وتفرح بأن يكونوا بارِّين بك من غير تفاوت فى حسن معاملتهم لك وترك عقوقك؟
قال بلى: أى أنا أحب أن يكون بِرُّهم بى على حد سواء.
قال: فلا إذنْ: أى فلا تُفَاوِتْ بينهم فى العطية أو لا تعط أحدا منهم دون الآخرين.
[البحث]
حديث النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما أورده البخارى بعدة ألفاظ فقد أخرجه فى باب الهبة للولد من كتاب الهبة من طريق حميد ابن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلاما، فقال "أكُلَّ وَلَدِك نحلت مثلَه؟ " قال: لا. قال: "فارْجِعْه" وأورده فى باب الإِشهاد فى الهبة من طريق عامر قال: سمعت النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما وهو على المنبر يقول: أعطانى أبى عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسول اللَّه ﷺ ، فأتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال إنى أعطيت ابنى من عمرة بنت رَوَاحَةَ عطية فأمرتنى أن أشهدك يا رسول اللَّه، قال: "أعطيت سائر وَلَدِك مثل هذا؟ " قال: لا. قال: "فاتقوا اللَّه
стр. 2201
واعدلوا بين أولادكم" قال: فرجع فردَّ عطيته. وأورده فى كتاب الشهادات فى باب "لا يَشْهَدُ على شهادة جَوْرٍ إذا أُشْهِدَ" من طريق الشعبى عن النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما قال: سَألت أمى أبى بعض المَوْهِبَةِ لى من ماله، ثم بَدَا له فوهبها لى، فقالت: لا أرضَى حتى تُشْهِدَ النبى ﷺ فأخذ بيدى وأنا غلام فَأتَى بى النَّبِىَّ ﷺ فقال إن أُمَّه بنت رواحةَ سألتنى بعض الموهِبَة لهذا؟ فقال: ألَكَ وَلَدٌ سواه؟ قال: نعم. قال: فَأرَاه قال: "لا تُشْهِدْنِى على جَوْرٍ" وقال أبو حَرِيزٍ عن الشعبى: "لا أشهد على جور" أما مسلم فقد أورده كذلك من طريق حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان ابن بشير يحدثانه عن النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به رسول اللَّه ﷺ فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلاما كان لى فقال رسول اللَّه ﷺ : "أكُلَّ وَلَدِكَ نحلته مثل هذا؟ " فقال: لا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فارجعه" وفى لفظ من طريقهما عن النعمان بن بشير قال: أتى بى أبى إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلاما فقال: "أكُلَّ بنيك نحلت؟ " قال: لا. قال: "فَارْدُدْه" ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم وابن أبى عمر عن ابن عيينة ح وحدثنا قتيبة وابن رُمْحِ عن الليث بن سعد ح وحدثنى حرملة، بن يحيى أخبرنا ابن وهب قال: أخبرنى يونس ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلهم عن الزهرى بهذا الإسناد، أما يونس ومعمر ففى حديثهما "أكُلَّ بنيك" وفى
стр. 2202
حديث الليث وابن عيينة "أكلَّ وَلَدِكَ" ورواية الليث عن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن أن بشيرا جاء بالنعمان. حدثنا قتيبة ابن سعيد حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حدثنا النعمان بن بشير قال: وقد أعطاه أبوه غلاما فقال له النبى ﷺ "ما هذا الغلام؟ " قال: أعطانيه أبى قال: "فكل إخوته أعطيتَه كما أعطيت هذا؟ " قال: لا. قال: "فرده" ثم ساقه من طريق الشعبى عن النعمان بن بشير قال: تَصَدَّقَ علىَّ أبى ببعض ماله فقالت أمى عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسول اللَّه ﷺ فانطلق أبى إلى النبى ﷺ لِيُشْهِدَه على صدقتى فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أفعلت هذا بولدك كلهم قال: لا. قال: "اتقوا اللَّه واعدلوا بين أولادكم" فرجع أبى فرد تلك الصدقة. ثم ساقه من طريق الشعبى أيضا قال: حدثنى النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض المَوْهِبَة من ماله لابنها، فَالْتَوَى بها سنة، ثم بَدَالَه، فقالت: لا أرضى حتى تُشهد رسول اللَّه ﷺ على ما وهبت لابنى. فأخذ أبى بيدى وأنا يومئذ غلام فأتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إن أمَّ هذا بنت رواحة أعْجَبَهَا أن أشْهِدَكَ على الذى وهبت لابنها فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا بشير ألَكَ وَلَدٌ سوىَ هذا؟ " قال: نعم. فقال: "أكُلَّهُمْ وهبت له مثل هذا؟ " قال: لا. قال: "فلا تُشْهِدنى إذًا، فإنى لا أشهَدُ على جور" وفى لفظ من طريق الشعبى عن النعمان بن بشير أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ألك بنون سواه؟ " قال: نعم،
стр. 2203
قال: "فَكلَّهُمْ أعطيت مثلَ هذا؟ " قال: لا. قال: "فلا أشْهَدُ على جوْر" وفى لفظ من طريق الشعبى عن النعمان بن بشير أن رسول اللَّه ﷺ قال لأبيه: "لا تُشْهِدْنِى على جور" وفى لفظ من طريق الشعبى عن النعمان بن بشير قال: انطلق بى أبى يحملنى إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه: اشْهَدْ أنى قد نحلتُ النعمان كذا وكذا من مالى. فقال: "أكُلَّ بنيك قد نحلتَ مثلَ ما نحلتَ النعمان؟ " قال: لا. قال: "فاشْهِدْ على هذا غيرى" ثم قال: "أيسرك أن يكونوا إليك فى البِر سواءً" قال: بلى. قال: "فلا إذا" وفى لفظ من طريق ابن عون عن الشعبى عن النعمان بن بشير قال: نحلنى أبى نُحْلًا ثم أتى بى إلى رسول اللَّه ليُشْهِدَه فقال: "أكلّ وَلَدِك أعطيته هذا؟ " قال: لا. قال: "أليس تريد منهم البِرَّ مثلَ ما تريد من ذا؟ قال: بلى. قال: "فإنى لا أشْهَدُ" قال ابن عون: فحدثت به محمدا فقال: إنما تَحَدَّثْنَا أنه قال: "قَارِبُوا بين أولادكم" ثم أورده مسلم من طريق أبى الزبير عن جابر قال: قالت امرأة بشير: انحل ابنى غلامك وأشْهِدْ لى رسول اللَّه ﷺ . فأتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن ابنة فلان سألتنى أن أنْحَلَ ابنها غلامى وقالت: أشْهِدْ لي رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألَه إخوةٌ" قال: نعم. قال: "أفكلَّهُمْ أعطيت مثلَ ما أعطيتَه؟ " قال: لا. قال: "فليس يَصْلُحُ هذا وإنى لا أشْهَدُ إلا على حق" اهـ وليس بين هذه الألفاظ الكثيرة
стр. 2204
التى أوردناها عن الشيخين تعارض وللَّه الحمد والمنة كلها تؤكد حق الأولاد فى عدل الآباء ولا شك أن هذا من قواعد الإِسلام فى تربية الأسر الإِسلامية وغرس المحبة والرحمة والعدالة فى نفوس أفرادها ونزع حميع أسباب الشر وعوامل الفرقة فيها ليتكون منها المجتمع الصالح المثالى المتعاطف المتكاتف المتراحم، ويظهر أن عمرة رضى اللَّه عنها لما طلبت من بشير رضى اللَّه عنه أن يهب لولدها النعمان رفض إجابتها أولا وماطلها ثم طابت نفسه أن يهب له وخشيت من رجوعه فأرادت تثبيت العطية بأن يشهد عليها رسول اللَّه ﷺ وقد حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ البعض الآخر أو كان النعمان رضى اللَّه عنه يقص بعض القصة تارة ويقص بعضها تارة أُخرى فسمع بعض الرواة ما لم يسمع البعض الآخر وحدث كل واحد منهم بما رواه واقتصر عليه أو رواه بالمعنى وقد أشار إلى ذلك الحافظ فى الفتح. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه ينبغى للآباء أن يعدلوا بين أولادهم فى العطايا والهبات.
٢ - أنه ينبغى للآباء أن لا يعملوا مع بعض أبنائهم عملا ينفر منهم باقى الأبناء.
٣ - جواز استرداد الهبة إن وقعت على جوْر ولو كانت للأقارب.
стр. 2205
٢ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى ﷺ : "العائد فى هبته كالكلب يقئ ثم يعود فى قيئه" متفق عليه. وفى
стр. 2206
رواية للبخارى: "ليس لنا مَثَلُ السَّوءِ، الذى يعود فى هبته كالكلب يقئ ثم يرجع فى قيئه".
[المفردات]
العائد: أى الراجع.
فى هبته: أى فى عطيته.
كالكلب يقئ ثم يعود فى قيئه: أى حالته وصفته فى رجوعه فى هبته كحالة الكلب وصفته حيث يقئ ثم يعود فيأكل قيئه والقئ هو ما يخرج من الجوف عن طريق الحلق من الطعام أما يخرج من الجوف عن طريق الدبر فهو الغائط والقئ أشد من القلس قال الخليل فى القلس: هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه وليس بقئ فإن عاد فهو القئ. وعبارة اللسان والمصباح: فإن غلب فهو القئ.
وفى رواية للبخارى: أى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما.
ليس لنا مثل السوء: أى لا ينبغى لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات فى أخس أحوالها.
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث فى باب لا يحل لأحد أن يرجع فى هبته وصدقته من طريق سعيد بن المسيب عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى ﷺ : "العائد فى هبته كالعائد فى قيئه. ثم أورده
стр. 2207
من طريق عكرمة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى ﷺ : "ليس لنا مَثَلُ السَّوء، الذى يعود فى هبته كالكلب يرجع فى قيئه. أما مسلم فقد أورد هذا الحديث من طريق طاوس عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما باللفظ الذى أورده المصنف وأورده من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما. عن النبى ﷺ أنه قال: العائد فى هبته كالعائد فى قيئه. وأورده من طريق أبى جعفر محمد بن على عن ابن المسيب عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: "مَثَلُ الذى يرجع فى صدقته كمثل الكلب يقئ ثم يعود فى قيئه فيأكله. وأورده من طريق بكير سمع سعيد بن المسيب يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنما مَثَلُ الذى يتصدق بصدقة ثم يعود فى صدقته كمثل الكلب يقئ ثم يأكل قيأه" أما إذا وهب الوالد أحد أولاده دون بقية أولاده فإن عليه أن يرجع فى ذلك لما تقدم فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب، إذ أن الهبة لبعض الأولاد دون بعض جوْر وعمل من أسوء ما يورث العقوق والقطيعة بين الأولاد. وسيأتى فى الحديث الذى يلى هذا الحديث مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء اللَّه تعالى.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا يحل لواهب أن يرجع فى هبته المشروعة.
٢ - يجب على المسلم أن يتنزه عن مشابهة الكلاب.
٣ - أن الرجوع فى الهبة المشروعة يدل على خسة الراجع.
стр. 2208
٣ - وعن ابن عمر وابن عباس رضى اللَّه عنهم عن النبى ﷺ قال: "لا يحل لرجل مسلم أن يعطى العطة ثم يَرْجِعَ فيها إلا الوالد فيما يعطى وَلَدَه" رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذى وابن حبان والحاكم.
[المفردات]
لا يحل لرجل مسلم: أى لا يجوز لإنسان منقاد لأمر اللَّه وأمر رسوله ﷺ .
أن يعطى العطية: أى أن يهب الهبة.
ثم يرجع فيها: أى ثم يستردها.
[البحث]
هذا الحديث رواه أصحاب السنن كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس رضى اللَّه عنهم عن النبى ﷺ ولفظ حديث أبى داود: "لا يحل لرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى ولده، ومثل الذى يعطى العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد فى قيئه. ولفظ. حديث الترمذى: لا يحل لأحد أن يعطى عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى ولده ثم قال الترمذى: حديث حسن صحيح. ولفظ حديث النسائى: لا يحل لرجل يعطى عطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى ولده ومثل الذى يعطى عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم عاد فى قيئه. ولفظ هذا
стр. 2209
الحديث عند ابن ماجه: لا يحل للرجل أن يعطى العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى ولده اهـ وسند هذا الحديث حرىٌّ بالتصحيح. وينبغى أن يفسر استثناء الوالد فى الرجوع فى الهبة لولده على ما إذا كان لم يعط جميع إخوانه مثله. فيكون رجوعه فى هبته لأنه لا يحل له أن يعطى أحد الإخوة دون الباقين لما تقدم فى حديث النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا يحل لواهب أن يرجع فى هبته المشروعة.
٢ - إذا أعطى الوالد بعض أولاده هبة دون بقية أولاده رجع لأمر رسول اللَّه ﷺ .
٣ - الرجوع فى الهبة المشروعة يدل على خسة الراجع.
стр. 2210
٤ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها" رواه البخارى.
[المفردات]
يقبل الهدية: أى يأخذ الهدية التى تُهدَى له وهى ما يُتْحَفُ به الإنسان من العطايا ويكرم به.
ويثيب عليها: أى ويُعَوِّضُ الذى أهداه بَدلها ويكافئه عنها فالمراد بالثواب المجازاة والمكافأة.
следующие страницы →