Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
٢ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دُعِى أحدكم إلى وليمة فليأتها" متفق عليه، ولمسلم: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عُرسًا كان أو نحوه".
[المفردات]
دُعِىَ أحدكم إلى وليمة: أى إذا طَلَب المتزوج أو نائبه من أحدكم الحضور لتناول الطعام فى وليمة العرس.
فليأتها: أى فليجئ إليها ولا يتخلف عنها.
ولمسلم: أى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن رسول اللَّه ﷺ .
إذا دعا أحدكم أخاه فليجب: أى إذا طلب أحد المسلمين من أخيه المسلم أن يحضر دعوة لديه فليحضر ولا يتخلف. والدَّعوة بفتح الدال ما كانت فى الطعام. وبكسر الدال ما كانت فى النسب قال النووى وعكسه تيم الرباب فقالوا: الطعام بالكسر والنسب بالفتح قال: وأما قول قطرب فى المثلث: إن دعوة الطعام بالضم فغلطوه فيه اهـ وقال الحافظ فى الفتح: وأما الدعوة فهى أعم من الوليمة وهى بفتح الدال على المشهور وضمها قطرب فى مثلثته وغلطوه فى ذلك على ما قال النووى، قال ودعوة النسب بكسر الدال وعكس
стр. 2592
ذلك بنو تيم الرباب ففتحوا دال دعوة النسب كسروا دال دعوة الطعام اهـ وما نسبه لبنى تيم الرباب نسبه صاحبا "الصحاح" و"المحكم" لبنى عدى الرباب. فاللَّه أعلم اهـ من الفتح.
عُرسا كان أو نحوه: أى سواء كانت الدعوة لطعام العرس أو ما أشبهه كطعام العقيقة ونحوها. والعُرس بسكون الراء وضمها الزواج. والعروس اسم للزوجين عند أول اجتماعهما يشمل الرجل والمرأة فيقال للمرأة حينئذ العروس كما يقال للرجل حينئذ العروس ومنه حديث أنس عند البخارى ومسلم: أصبح النبى ﷺ عروسا بزينب. وبعض الناس يخص العرس بالمرأة أما الرجل فيقال عند زواجه "العريس".
[البحث]
حض رسول اللَّه ﷺ على إجابة دعوة الداعى سواء كانت دعوة عرس أو غير عرس لما فى ذلك من تأليف القلوب، وتقوية الروابط، وسل الضغائن، وهذا من أهم مقاصد الإسلام لتكوين المجتمع المترابط المتعاطف المتحاب. وقد جعل الإسلام من هذه المناسبات الطيبة سببا من أسباب إزالة ما قد يكون بين الشخص وغيره من التباغض.
فقد روى البخارى من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قال: "لو دعيت إلى كُراع لأجبت ولو أهدى إلىَّ
стр. 2593
ذراع لقبلت" كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قال: "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا" كما روى البخارى من حديث أبى موسى عن النبى ﷺ قال: "فُكُّوا العانى، وأجيبوا الداعى، وعودوا المريض" كما روى البخارى من حديث البراء بن عازب رضى اللَّه عنهما قال: أمرنا النبى ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتِّباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم، وإفشاء السلام، وإجابة الداعى، ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة، وعن المياثر والقَسِّيَّة، والإستبرق والديباج. وأورده فى كتاب الأدب فى باب إفشاء السلام بلفظ: ونهى عن الشرب فى الفضة ونهانا عن تختم الذهب، وعن كوب المياثر وعن لُبْس الحرير والديباج والقَسِّىِّ والإستبرق. كما روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال قال رسول اللَّه ﷺ : "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها" وفى لفظ لمسلم عنه عن النبى ﷺ قال: "ائتوا الدعوة إذا دعيتم" وسواء كانت هذه الدعوة دعوة عرس أو غيره قال البخارى: باب إجابة الداعى فى العُرْس وغيرها ثم ساق من طريق نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها" قال: كان عبد اللَّه يأتى الدعوة فى العرس وغير العرس وهو صائم. وقد رواه مسلم باللفظ الذى ذكره المصنف ثم ساق من حديث ابن عمر قال قال رسول اللَّه ﷺ : من دُعى إلى عرس أو نحوه
стр. 2594
فليجب" غير أن الشريعة الإسلامية أكدت إجابة دعوة العرس تأكيدا شديدا فخصته بمزيد من التوكيد فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: "إذا دعى أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" وفى لفظ لمسلم من طريق خالد بن الحارث عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر عن النبى ﷺ قال: "إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليجب. قال خالد فإذا عبيد اللَّه يُنَزِّلُه على العُرس اهـ فيتحتم على من دعى إلى وليمة العرس أن يحضرها حتى ولو كان صائما ما لم يعلم أن حرمات اللَّه تنتهك على وليمة هذا العرس فإنه لا يجيب. وسيأتى مزيد بحث لهذا فى الحديث الثالث والرابع من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى. وقد قال النووى: ونقل القاضى اتفاق العلماء على وجوب الإجابة فى وليمة العرس اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب إجابة الداعى لوليمة العرس.
٢ - لا ينبغى التخلف عن دعوة الداعى فى العقيقة ونحوها.
٣ - حرص الإسلام على تأليف القلوب.
٣ - اغتنام الفرص لإزالة أسباب الجفاء ونحوها بين المسلمين.
стр. 2595
٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال قال رسول اللَّه ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة يُمْنَعُها مَنْ يأتيها، ويُدْعَى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله" أخرجه مسلم.
стр. 2596
[المفردات]
شر الطعام: أى بئس الطعام.
طعام الوليمة: أشار الحافظ فى الفتح إلى أن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد.
يُمْنَعُها من يأتيها: أى لا يُدعَى لها الفقراء والمساكين الذين لو دُعُوا لسارعوا إلى الإجابة لحاجتهم.
ويُدْعى إليها من يأباها: أى ويدعى لحضورها الأغنياء الذين لا يحتاجون إليها ولا يحرصون عليها.
ومن لم يجب الدعوة: أى ومن امتنع عن حضور وليمة العرس لغير عذر يمنعه عنها.
فقد عصى اللَّه ورسوله: أى فقد ارتكب إثما، وأذنب ذَنْبًا.
[البحث]
هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبى هريرة، مرفوعا كما رأيت، وقد أخرجه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه موقوفا بلفظ: عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه كان يقول: شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله. ولفظ مسلم: عن أبى هريرة أنه كان يقول: بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين فمن لم يأت الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله. وقوله فى لفظ البخارى: ومن ترك الدعوة، هو بمعنى: ومن لم يجب الدعوة فى
стр. 2597
الرواية الثانية، وكون هذا الحديث روى عن أبى هريرة موقوفا ومرفوعا فإن ذلك لا يضر. قال النووى: ذكره مسلم موقوفا على أبى هريرة ومرفوعا إلى رسول اللَّه ﷺ وقد سبق أن الحديث إذا روى موقوفا ومرفوعا حكم برفعه على المذهب الصحيح لأنها زيادة ثقة. ثم قال النووى: ومعنى هذا الحديث الإِخبار بما يقع من الناس بعده ﷺ من مراعاة الأغنياء فى الولائم ونحوها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب فى الولائم واللَّه المستعان اهـ. وقال الحافظ فى الفتح: وأول هذا الحديث موقوف ولكن آخره يقتضى رفعه. ذكر ذلك ابن بطال قال: ومثله حديث أبى الشعثاء أن أبا هريرة أبصر رجلا خارجا من المسجد بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم. قال: ومثل هذا لا يكون رأيا. ولهذا أدخله الأئمة فى مسانيدهم انتهى. اهـ.
وقوله فى الحديث "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله" صريح فى وجوب إجابة من دعى إلى وليمة العرس، وقد أشرت فى بحث الحديث السابق إلى أن من علم أن هذه الوليمة تقترن بالمعاصى فإنه لا يجب عليه الإجابة لها. لكن من علم من نفسه قدرة على إنكار المنكر وتغييره فإنه يحضر لذلك. وقد قال البخارى (باب هل يرجع إذا رأى منكرا فى الدعوة؟ ) ورأى ابن مسعود صورة فى البيت فرجع ودعا ابنُ عمرَ أبا أيوب فرأى فى البيت سترا على الجدار فقال ابن عمر: غَلَبَنَا عليه النساء، فقال: من كنتُ أخشى عليه فلم
стр. 2598
أكن أخشى عليك. واللَّه لا أطعم لكم طعاما. فرجع اهـ قال الحافظ فى الفتح (قوله ورأى ابن مسعود صورة فى البيت فرجع) كذا فى رواية المستملى والأصيلى والقابسى وعبدوس وفى رواية الباقين (أبو مسعود) والأول تصحيف فيما أظن فإننى لم أر الأثر المعلق إلا عن أبى مسعود عقبة بن عمرو، وأخرجه البيهقى بن طريق عدى بن ثابت عن خالد بن سعد عن أبى مسعود أن رجلا صنع طعاما فدعاه فقال: أفى البيت صورة؟ قال: نعم. فأبى أن يدخل حتى تكسر الصورة. وسنده صحيح وخالد بن سعد هو مولى أبى مسعود عقبة ابن عمرو الأنصارى ولا أعرف له عن عبد اللَّه بن مسعود رواية، ويحتمل أن يكون ذلك وقع لعبد اللَّه بن مسعود أيضا لكن لم أقف عليه اهـ وقال الحافظ فى الفتح: إن كان هناك محرم وقدر على إزالته فأزاله فلا بأس، وإن لم يقدر فليرجع، وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفى الورع، ومما يؤيد ذلك ما وقع فى قصة ابن عمر من اختلاف الصحابة فى دخول البيت الذى سترت جدره، ولو كان حراما ما قعد الذين قعدوا ولا فعله ابن عمر فيحمل فعل أبى أيوب على كراهة التنزيه جمعا بين الفعلين، ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم والذين لم ينكروا كانوا يرون الإباحة. وقد فصل العلماء ذلك على ما أشرت إليه، قالوا: إن كان لهوا مما اختلف فيه فيجوز الحضور، وإن كان حراما كشرب الخمر نظر فإن كان المدعو ممن إذا حضر رفع لأجله فليحضر اهـ هذا والمأدبة إن كانت لقوم
стр. 2599
مخصوصين فهى النَّقَرى بفتح النون والقاف وإن كانت عامة فهى الجفلى بفتح الجيم والفاء. والعرب كانوا يمتدحون المأدبة إذا كانت عامة ويعدون ذلك فى مفاخرهم ومنه قول الشاعر:
نحن فى المشتاة ندعو الجَفَلَى ... لا ترى الآدِبَ منا ينتقر
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس.
٢ - استحباب أن تكون الدعوة عامة للفقراء والأغنياء.
٣ - الحض على تطييب قلوب الفقراء.
٤ - كراهية قصر الدعوة فى وليمة العرس على الأغنياء.
стр. 2600
٤ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دُعِى أحدُكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فَلْيَطْعَمْ" أخرجه مسلم أيضا، وله من حديث جابر نحوه وقال: "إن شاء طَعِمَ، وإن شاء تَرَكَ".
[المفردات]
وعنه: أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
فَلْيُصَلِّ: أى فَلْيَدْعُ يعنى بالبركة والتوفيق للداعى.
فَلْيَطْعَم: أى فلْيَأكُلْ من الوليمة.
стр. 2601
وله: أى ولمسلم.
نحوه: أى نحو حديث أبى هريرة.
إن شاء طعم وإن شاء ترك: أى فليحضر الوليمة فإن رغب فى الأكل فليأكل وإن لم تكن له حاجة للأكل فلا يأكل ولا شئ عليه ما دام قد أجاب الدعوة.
[البحث]
فى هذا الحديث إشعار بأهمية إجابة الدعوة وأن الصوم ليس عذرا فى التخلف عنها. بل يحضر الصائم ويدعو، وقد روى مسلم من طريق نافع عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أجيبوا هذه الدعوة إذا دُعيتم لها" قال: وكان عبد اللَّه يأتى الدعوة فى العرس وغير العرس ويأتيها، وهو صائم. ولفظ حديث جابر عند مسلم الذى أشار إليه المصنف هو من طريق محمد بن المثنى ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير بسنديهما عن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دُعِى أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك" ولم يذكر ابن المثنى "إلى طعام".
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس.
٢ - وأن الصوم ليس عذرا فى التخلف عن إجابة دعوة العرس.
٣ - الحض على كل ما يؤلف بين قلوب المسلمين.
٤ - ينبغى للداعى للوليمة أن يحمل من أجاب ولم يأكل على المحمل الحسن.
стр. 2602
٥ - وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : "طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثانى سنة، وطعام يوم الثالث سُمْعَةٌ، ومن سمَّع سمَّع اللَّه به" رواه الترمذى واستغربه، ورجاله رجال الصحيح وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه.
[المفردات]
حق: أى ليست بباطل.
سنة: أى معروف.
سمعة: أى رياء.
ومن سمَّع سمَّع اللَّه به: أى ومن عمل رياء فضحه اللَّه.
واستغربه: أى اعتبره غريبا أى ضعيفا.
وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه: أى ولحديث ابن مسعود عند الترمذى شاهد يقويه وهو من رواية أنس عند ابن ماجه.
[البحث]
هذا الحديث أورده الترمذى من طريق زياد بن عبد اللَّه البكائى عن عطاء بن السائب وقال الترمذى: لا نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد اللَّه البكائى وهو كثير الغرائب والمناكير اهـ وقال الحافظ فى الفتح: قلت: وشيخه فيه عطاء بن السائب وسماع زياد منه بعد اختلاطه فهذه علته اهـ وقال فى التقريب: زياد بن عبد اللَّه بن
стр. 2603
الطفيل العامرى البكائى بفتح الموحدة وتشديد الكاف أبو محمد الكوفى، صدوق ثبت فى المغازى وفى حديثه عن غير ابن إسحاق لين، من الثامنة، ولم يثبت أن وكيعا كذبه، وله فى البخارى موضع واحد متابعة، وأشار إلى أن مسلما كذلك أخرج له فقول المصنف: "رجاله رجال الصحيح" صحيح لكن ليس معنى كون رجال الحديث رجال الصحيح أن يكون الحديث صحيحا، لأن بعض رجاله قد يكون حدث له اختلاط ويثبت أنه روى هذا الحديث بعد الاختلاط، كما أن الرجل قد يكون من رجال الصحيح إذا روى عن شخص معين ولا يخرج له صاحب الصحيح إذا روى عن شخص معين أو قوم معينين. وزياد البكائى وعطاء بن السائب من هذا القبيل. وقال الحافظ فى تلخيص الحبير: وعن ابن مسعود رواه الترمذى بلفظ: "طعام أول يوم حق، والثانى سنة، والثالث سمعة" واستغربه، وقال الدارقطنى: تفرد به زياد بن عبد اللَّه عن عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن السلمى عنه. قلت: وزياد مختلف فى الاحتجاج به، ومع ذلك فسماعه من عطاء بعد الاختلاط. وعن أنس رواه البيهقى من رواية أبى سفيان عنه، وفى إسناده بكر بن خنيس وهو ضعيف، وذكره ابن أبى حاتم والدارقطنى فى العلل من حديث الحسن عنه ورجحا رواية من أرسله عن الحسن. وعن وحشى بن حرب وابن عباس رواهما الطبرانى فى الكبير وإسنادهما ضعيف اهـ.
أما قول المصنف: وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه فهو سبق قلم
стр. 2604
فإن ابن ماجه لم يخرجه من حديث أنس وإنما أخرجه من حديث أبى هريرة من طريق عبد الملك بن حسين النخعى الواسطى وهو ضعيف أيضا، قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبادة الواسطى ثنا يزيد بن هارون ثنا عبد الملك بن حسين أبو مالك النخعى عن منصور عن أبى حازم عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثانى معروف، والثالث رياء وسمعة" قال فى الزوائد: فى إسناده أبو مالك النخعى وهو ممن اتفقوا على ضعفه، وقد رواه الترمذى فى جامعه من حديث عبد اللَّه بن مسعود اهـ.
стр. 2605
٦ - وعن صفية بنت شيبة رضى اللَّه عنها قالت: "أولم النبى ﷺ على بعض نسائه بِمُدَّيْنِ من شعير" أخرجه البخارى.
[المفردات]
صفية بنت شيبة: هى أم حُجَيْر صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبى طلحة بن عبد العزى، بن عثمان بن عبد الدار ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى العبدرية، قال الحافظ فى التقريب: لها رؤية وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة وفى البخارى التصريح بسماعها من النبى ﷺ ، وأنكر الدارقطنى إدراكها اهـ وأشار فى التقريب إلى أنها قد أخرج لها الجماعة.
стр. 2606
بعض نسائه: أى إحدى زوجاته قال الحافظ فى الفتح: لم أقف على تعيين اسمها صريحا. وأقرب ما يفسر به أم سلمة اهـ.
بمدين من شعير: أى بنصف صاع من شعير.
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث فى باب من أولم بأقل من شاة قال: حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن منصور بن صفية عن أمه صفية بنت شيبة قالت: أولم النبى ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير، وقد أشار الحافظ فى الفتح إلى أن بعض أهل العلم اعتبر هذا الحديث مرسلا إما بدعوى أن صفية تابعية وليست بصحابية وإما بدعوى أنها ما حضرت القصة لأنها كانت بمكة طفلة أو لم تولد بعد، وقد جزم ابن سعد وابن حبان بأن صفية تابعية ثم قال الحافظ: لكن ذكر المزى فى "الأطراف" أن البخارى أخرج فى كتاب الحج عقب حديث أبى هريرة وابن عباس فى تحريم مكة قال: "وقال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ مثله قال: ووصله ابن ماجه من هذا الوجه. قلت: وكذا وصله البخارى فى التاريخ. ثم قال المزى: لو صح هذا لكان صريحا فى صحبتها لكن أبان بن صالح ضعيف. كذا أطلق هنا ولم ينقل فى ترجمة أبان بن صالح فى التهذيب تضعيفه عن أحد بل نقل توثيقه عن يحيى بن معين وأبى حاتم وأبى زرعة وغيرهم. وقال الذهبى فى مختصر التهذيب: ما رأيت
стр. 2607
أحدا ضعف أبان بن صالح، وكأنه لم يقف على قول ابن عبد البر فى "التمهيد" لما ذكر حديث جابر فى استقبال قاضى الحاجة القبلة من رواية أبان بن صاالح المذكور: هذا ليس صحيحا لأن أبان بن صالح ضعيف. كذا قال: وكأنه التبس عليه بأبان بن أبى عياش البصرى صاحب أنس فإنه ضعيف باتفاق، وهو أشهر أكثر. حديثا ورواة من أبان بن صالح ولهذا لما ذكر ابن حزم الحديث المذكور عن جابر قال: أبان بن صالح ليس بالمشهور. قلت: ولكن يكفى توثيق ابن معين ومن ذكر له، وقد روى عنه أيضا ابن جريج وأسامة بن زيد الليثى وغيرهما، وأشهر من روى عنه محمد بن إسحاق، وقد ذكر المزى أيضا حديث صفية بنت شيبة قالت: طاف النبى ﷺ على بعير يستلم الحجر بمحجن وأنا انظر إليه" أخرجه أبو داود وابن ماجه. قال المزى: هذا يضعف قول من أنكر أن يكون لها رؤية فإن إسناده حسن. قلت: وإذا ثبتت رؤيتها له ﷺ وضبطت ذلك فما المانع أن تسمع خطبته ولو كانت صغيرة اهـ هذا وقد قال البخارى: "باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض" ثم ساق من طريق ثابت قال: ذُكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس فقال: ما رأيت النبى ﷺ أولم على أحد من نسائه ما أولَم عليها أولَمَ بشاة" وهو ظاهر الدلالة على أن الوليمة بحسب ما يتيسر.
стр. 2608
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب وليمة العرس بما تيسر للزوج.
٢ - أنه لا ينكر على من أولم على بعض نسائه بأقل أو بأكثر مما أولم على البعض الآخر.
٣ - أن الشريعة الإِسلامية مبناها التيسير.
стр. 2609
٧ - وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: أقام النبى ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يُبْنَى عليه بصفية فَدَعَوتُ المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمَر بالأنطاع فبُسِطَتْ فألقى عليها التمر والأقط والسمن" متفق عليه، واللفظ للبخارى.
[المفردات]
بين خيبر والمدينة: فى مكان يقال له الصهباء يقع جنوبى خيبر على مسافة بريد أى بمقدار اثنى عشر ميلا.
يبنى عليه بصفية: أى يوضع له خباء ليدخل على صفية فيه وقد ذكر ابن سعد ﵀ أن أم سليم رضى اللَّه عنها قالت: وليس معنا فسطاط ولا سرادقات فأخذت كسائين أو عباءتين فسترت بينهما إلى شجرة فمشطتها وعطرتها.
فدعوت المسلمين إلى وليمته: أى طلب أنس -بأمر رسول اللَّه ﷺ من المسلمين الذين كانوا عائدين من خيبر
стр. 2610
مع رسول اللَّه ﷺ أن يحضروا وليمة عرس رسول اللَّه ﷺ على صفية رضى اللَّه عنها.
فما كان فيها من خبز ولا لحم: أى كانت وليمة رسول اللَّه ﷺ على صفية خالية من الخبز واللحم.
أمر بالأنطاع فبسطت: أى أمر رسول اللَّه ﷺ بالأنطاع فَمُدَّتْ والأنطاع جمع نطع قال النووى: وفيه أربع لغات مشهورات: فتح النون كسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون مع فتح الطاء وجمعه نطوع وأنطاع. والمراد به السُّفْرَةُ من الجلد تبسط وتفرش على الأرض ثم يوضع عليها الطعام صيانة له ويسميه بعض الناس (السماط) وأصل المسموط هو اللحم المشوى بجلده. وكان بسط الأنطاع والأكل عليها هو ما جرى عليه رسول اللَّه ﷺ وأصحابه رضى اللَّه عنهم.
والأقط: هو لبن يابس غير منزوع الزبد ويسمى فى بعض البلاد (الكشك) كما تقدم فى باب صدقة الفطر.
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث فى باب غزوة خيبر عن أنس رضى اللَّه عنه بعدة ألفاظ: أقربها إلى اللفظ الذى ساقه المصنف هنا هو ما أخرجه من طريق سعيد بن أبى مريم أخبرنا محمد بن جعفر بن أبى كثير قال أخبرنى حميد أنه سمع أنسا رضى اللَّه عنه يقول: أقام
стр. 2611
النبى ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية. فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالأنطاع فبسِطَتْ فأُلْقىَ عليها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا: إن حجبها فهى إحدى أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهى مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطَّأ لها خلفه ومدَّ الحجاب. وكان قد ساقه بسند آخر عن أنس رضى اللَّه عنه بلفظ: أن النبى ﷺ أقام على صفية بنت حيى بطريق خيبر ثلاثة أيام حتى أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب. كما ساقه قبل ذلك أيضا بسند آخر عن أنس رضى اللَّه عنه قال: قدمنا خيبر فلما فتح اللَّه عليه الحصن ذُكِرَ له جمال صفية بنت حيى بن أخطب، وقد قُتِل زوجها، وكانت عروسا، فاصطفاها النبى ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الصهباء حلَّت، فبَنَى بها رسول اللَّه ﷺ ثم صَنَع حَيْسًا فى نطع صغير، ثم قال لى: "آذِنْ مَنْ حولك" فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبى ﷺ يُحَوِّى لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. وساقه فى كتاب الأطعمة بنفس سند حديث سعيد بن أبى مريم عن أنس بلفظ: قام النبى ﷺ يبنى بصفية فدعوت المسلمين إلى وليمته، أمر بالأنطاع فبُسِطتْ، فأُلْقِى عليها التمرُ والأقط والسمن، ثم قال البخارى: وقال عمرو عن
стр. 2612
أنس: بَنَى بها النبى ﷺ ثم صنع حيسًا فى نطع. وقد ساقه كذلك فى "باب اتخاذ السرارى ومن أعتق جارية ثم تزوجها" من طريق قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس رضى اللَّه عنه قال: أقام النبى ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاثا يُبْنَى عليه بصفية بنت حيى، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع فأُلْقِى فيها من التمر والأقط والسمن فكانت وليمته، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهى من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهى مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطَّى لها خلفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس. أما مسلم فقد ساقه بالألفاظ التى سقتها عنه فى بحث الحديث الأول من أحاديث باب الصداق، وهى أكثر تفصيلا لوليمة صفية من الألفاظ التى ساقها البخارى ﵀.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز خلو وليمة العرس من اللحم والخبز.
٢ - استحباب أن تكون وليمة العرس بحسب ما يتيسر للزوج.
٣ - أنه يستحب لمن تزوج امرأة ثيبا أن يقيم عندها ثلاثا.
стр. 2613
٨ - وعن رجل من أصحاب النبى ﷺ قال: إذا اجتمع داعيان فأجب أقْرَبَهُما بابا، فإن سبق أحدهما فأجب الذى سبق" رواه أبو داود وسنده ضعيف.
стр. 2614
[المفردات]
إذا اجتمع داعيان: أى إذا جاءتك دعوتان لحضور وليمة العرس.
فأجب أقربهما بابا: أى فقدم فى إجابة الدعوة من كان بابه أقرب إلى دارك لأن حقه مقدم على حق الأبعد بابا.
فإن سبق أحدهما: أى فإن كانت دعوة أحدهما لك متقدمة على دعوة الآخر.
فأجب الذى سبق: أى فيتعين عليك إجابة صاحب الدعوة المتقدمة.
[البحث]
هذا الحديث عند أبى داود من رواية هناد بن السرى عن عبد السلام بن حرب عن أبى خالد الدالانى عن أبى العلاء الأودى عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبى ﷺ . وعبد السلام بن حرب وإن كان ثقة لكن له مناكير. وضعفه ابن سعد وقال الذهبى فى تذكرة الحفاظ: قال يعقوب بن شيبة: هو ثقة وفى حديثه لين. وأبو خالد الدالانى هو يزيد بن عبد الرحمن الأسدى الكوفى قال فى التقريب: صدوق يخطئ كثيرا وكان يدلس اهـ وهو هنا قد عنعن. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن عدى: حديثه لين، وقال شريك: كان مرجئا. وظاهر هذا السياق يشعر أن هذا الحديث موقوف على الصحابى الذى لم يسم. وقال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: "إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما إليك بابا فإن أقربهما إليك بابا أقربهما إليك جوارا،
стр. 2615
وإن سبق أحدهما فأجب الذى سبق" أبو داود وأحمد عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة. وإسناده ضعيف، ورواه أبو نعيم فى معرفة الصحابة من رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبيه به. وله شاهد فى البخارى من حديث عائشة قيل: يا رسول اللَّه إن لى جارين فإلى أيهما أهدى؟ قال: "إلى أقربهما منك بابا" اهـ.
стр. 2616
٩ - وعن أبى جُحَيْفَةَ رضى اللَّه عنه قال قال رسول اللَّه ﷺ : "لا آكل مُتّكئًا" رواه البخارى.
[المفردات]
لا آكل متكئا: أى لا آكل وأنا مائل على أحد شِقَّىَّ أو معتمدا على الأرض بيدى اليسرى وقد قرر الأطباء أن الآكل مائلا على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله فى مجارى طعامه فلا يسيغه ولا يسهل نزوله إلى معدته. مع ما فى هذا الاتكاء عند الأكل من صفة المتكبرين. وقد زعم الخطابى أن الاتكاء هنا لا يراد به ذلك فقط بل يشمل من جلس على الطعام متربعا. ويرد زَعْمَ الخطابى ما جاء فى الحديث الصحيح المتفق عليه: فجلس وكان متكئا، فقال: ألا وقول الزور. ففرق الحديث بين الجلوس والاتكاء.
стр. 2617
[البحث]
أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى كتاب الأطعمة فى باب الأكل متكئا من طريق شيخه أبى نعيم حدثنا مسعر عن على بن الأقمر سمعت أبا جحيفة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنى لا آكل متكئا" ثم ساق من طريق شيخه عثمان بن أبى شيبة أخبرنا جرير عن منصور عن على بن الأقمر عن أبى جحيفة قال: كنت عند النبى ﷺ فقال لرجل عنده: "لا آكل وأنا متكئ" قال الحافظ فى الفتح: وكان سبب هذا الحديث قصة الأعرابى المذكور فى حديث عبد اللَّه بن بسر عند ابن ماجه والطبرانى بإسناد حسن قيل: "أهديت للنبى ﷺ شاة، فجثا على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابى: ما هذه الجلسة؟ فقال: "إن اللَّه جعلنى عبدا كريما، ولم يجعلنى جبارا عنيدا".
[ما يفيده الحديث]
١ - كراهية الاتكاء عند الأكل.
٢ - أن الاتكاء عند الأكل ليس من صفات الصالحين.
стр. 2618
١٠ - وعن عمر بن أبى سلمة رضى اللَّه عنه قال: قال لى رسول اللَّه ﷺ : "يا غلام سَمِّ اللَّه، وكُل بيمينك، وكُلْ مما يليك" متفق عليه.
стр. 2619
[المفردات]
عمر بن أبى سلمة: هو ربيب رسول اللَّه ﷺ والمُرَبَّى فى حجره ﷺ عمر بن أبى سلمة (عبد اللَّه) بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم ابن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى القرشى المخزومى رضى اللَّه عنه. والصحيح أنه ولد قبل الهجرة بسنتين وأمه أم سلمة أم المؤمنين زوج رسول اللَّه ﷺ وهو الذى زوجها رسولَ اللَّه ﷺ وهو من صغار الصحابة.
وقد أمَّره على رضى اللَّه عنه على البحرين. وتوفى سنة ثلاث وثمانين على الصحيح.
سَمَّ اللَّه: أى قل بسم اللَّه أو قل بسم اللَّه الرحمن الرحيم فهو أمر بالتسمية قبل الأكل.
وكل بيمينك: أى وليكن أكلك بيدك اليمنى لا بيدك اليسرى.
وكل مما يليك: أى وليكن تناولك مما فى القصعة من الطعام من أدنى مكان منها لك ولا تأخذ من الطعام الذى أمام غيرك من الآكلين معك.
[البحث]
روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى هذا الحديث عن عمر بن أبى سلمة رضى اللَّه عنهما قال: كنت غلاما فى حَجْر رسول اللَّه ﷺ -
стр. 2620
وكانت يدي تطيش فى الصحفة فقال لى رسول اللَّه ﷺ : "يا غلام سمِّ اللَّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك" زاد البخارى: فما زالت تلك طِعْمَتى بعد. كما روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى أيضا من حديث عمر بن أبى سلمة وهو ابن أم سلمة زوج النبى ﷺ قال: أكلت يوما مع رسول اللَّه ﷺ طعاما، فجعلت آكل من نواحى الصحفة، فقال لى رسول اللَّه ﷺ : "كل مما يليك" ولفظ مسلم: عن عمر بن أبى سلمة أنه قال: أكلت يوما مع رسول اللَّه ﷺ فجعلت آخذ من لحم حول الصحفة فقال رسول اللَّه: "كل مما يليك" كما روى مسلم عن حذيفة رضى اللَّه عنه قال: كنا إذا حضرنا مع النبى ﷺ طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسولُ اللَّه ﷺ فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعاما فجاءت جاريةٌ كأنها تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لتضع يدها فى الطعام. فأخذ رسول اللَّه ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابى كأنما يُدْفَعُ، فأخذ بيده فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الشيطان يستحل الطعامَ أن لا يذكر اسمُ اللَّه عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيده، والذى نفسى بيده إن يده فى يدي مع يدها" كما روى مسلم من طريق الضحاك يعنى أبا عاصم عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أنه سمع النبى ﷺ يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر اللَّه عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عَشَاء، وإذا دخل فلم يذكر اللَّه عند
стр. 2621
دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر اللَّه عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء" وفى لفظ لمسلم من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه أنه سمع النبى ﷺ يقول -بمثل حديث أبى عاصم- إلا أنه قال: وإن لم يذكر اسم اللَّه عند طعامه، وإن لم يذكر اسم اللَّه عند دخوله. كما روى مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال" وهو الحديث الثالث عشر من أحاديث هذا الباب. كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" كما روى مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن رجلا أكل عند رسول اللَّه ﷺ بشماله، فقال: "كل بيمينك، قال: لا أستطع. قال: "لا استطعت، ما منعه إلا الكبر" قال: فما رفعها إلى فيه. وقال البخارى: "باب التيمن فى الأكل وغيره" ثم ساق من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان النبى ﷺ يحب التيمن ما استطاع فى طُهوره وتنعله وترجله. وفى لفظ: وفى شأنه كله. وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث الثانى عشر والخامس عشر من أحاديث باب الأدب من كتاب الجامع إن شاء اللَّه تعالى.
أما قوله فى حديث الباب: "وكل مما يليك" فقد بينت
стр. 2622
أحاديث صحيحة عن رسول اللَّه ﷺ أن الإنسان إنما يطلب إليه أن يأكل مما يليه إذا كان نوعا واحدا أما إذا كان الطعام أنواعا مختلفة وألوانا شتى فلا حرج على الإِنسان أن يأكل من أى نوع منها وإن كانت لا تليه إذا عرف كذلك أن الآكل معه لا يكره ذلك، فقد قال البخارى "باب من تَتَبَّعَ حوالى القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية" ثم ساق من حديث أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن خياطا دعا رسولَ اللَّه ﷺ لطعام صنعه قال أنس: فذهبت مع رسول اللَّه فرأيته يتتبع الدُّبَّاء من حوالى القصعة. قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. وقد رواه مسلم بنفس سند البخارى عن أنس رضى اللَّه عنه قال: إن خياطا دعا رسولَ اللَّه ﷺ لطعام صنعه. قال أنس بن مالك: فذهبت مع رسول اللَّه ﷺ إلى ذلك الطعام فقَرَّبَ إلى رسول اللَّه ﷺ خبزا من شعير، ومَرَقًا فيه دُبَّاءٌ وقديدٌ، قال أنس: فرأيت رسول اللَّه ﷺ يتتبع الدباء من حوالى الصحفة. قال: فلم أزل أحب الدُّباء منذ يومئذ. وفى لفظ لمسلم من طريق ثابت عن أنس رضى اللَّه عنه قال: دعا رسولَ اللَّه ﷺ رجلٌ فانطلقتُ معه، فجئ بِمَرَقَةٍ فيها دُبَّاءٌ فجعل رسولُ اللَّه ﷺ يأكل من ذلك الدباء ويعجبه، قال: فلما رأيت ذلك جعلتُ ألقيه إليه ولا أطعمه، قال: فقال أنس: فما زلتُ بعدُ يعجبنى الدباء. وقد جاء فى لفظ للبخارى ما يشعر أن هذا الخياط كان غلاما لرسول اللَّه ﷺ فقد روى البخارى فى باب (الثريد) من طريق
стр. 2623
ثمامة بن أنس عن أنس رضى اللَّه عنه قال: دخلت مع النبى ﷺ على غلام له خياط، فقدَّم إليه قصعة فيها ثريد -قال: وأقبل على عمله- قال: فجعل النبى ﷺ يتتبع الدباء، قال: فجعت أتتبعه فأضعه بين يديه، قال: فما زلت بعد أحب الدباء. هذا وسيأتى مزيد بحث للنهى عن الأكل بالشمال فى الحديث الثالث عشر من أحاديث هذا الباب وفى الحديث الخامس عشر من أحاديث باب الأدب من كتاب الجامع إن شاء اللَّه تعالى.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب تسمية اللَّه تعالى عند الأكل.
٢ - وجوب الأكل باليمين ما لم يمنعه من ذلك عذر كمرض بها ونحوه.
٣ - وجوب اقتصار الإِنسان على الأكل مما يليه.
٤ - يجوز للإنسان أن يتتبع ما يشتهيه من الصحفة إذا علم أن من يأكل معه لا يكره ذلك.
٥ - استحباب التيمن فى الأمور كلها إلا ما استئنى كدخول بيت الخلاء ونحوه.
стр. 2624
١١ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ أُتِىَ بقصعة من ثريد فقال: "كلوا من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة تنزل فى وسطها" رواه الأربعة وهذا لفظ النسائى وسنده صحيح.
стр. 2625
[المفردات]
أُتِىَ بقصعة من ثريد: أى قُدِّم لرسول اللَّه ﷺ قصعة من خبز مأدوم باللحم، والقصعة إناء من خشب يوضع فيه الطعام كما تقدم فى مفردات الحديث الثانى من أحاديث باب الغصب.
كلوا من جوانبها: أى ابدعوا الأكل من حافتها.
ولا تأكلوا من وسطها: أى ولا تبدءوا الأكل من وسطها حتى تنتهوا إليه.
فإن البركة: أى فإن بركة اللَّه تعالى على الطعام وخيره.
تنزل فى وسطها: أى تكون فى وسط القصعة وتصل من وسطها إلى حافتها.
[البحث]
قال أبو داود: "باب ما جاء فى الأكل من أعلى الصحفة" حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبى ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها. وقال ابن ماجه فى "باب النهى عن الأكل من ذروة الثريد" حدثنا على بن المنذر ثنا محمد بن فُضَيل ثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا وُضِعَ الطعام فخذوا من حافته وَذَرُوا وسطه فإن البركة تنزل
стр. 2626
فى وسطه" ورجال سند أبى داود كلهم ثقات. أما سند ابن ماجه ففيه على بن المنذر وهو صدوق رمى بالتشيع، وكذلك محمد بن فضيل صدوق رمى بالتشيع أيضا لكنه من رجال الجماعة.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب بدء الأكل من جوانب القصعة.
٢ - أن البركة إذا نزلت على الطعام بدأت بوسطه.
стр. 2627
١٢ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: ما عاب رسول اللَّه ﷺ طعاما قط كان إذا اشتهى شيئا أكله، وإن كرهه تركه. متفق عليه.
[المفردات]
ما عاب رسول اللَّه ﷺ طعاما قط: أى ما انتقص أو ازدرى أو ذَمَّ رسولُ اللَّه ﷺ طعاما أبدا والمراد الطعام المباح بخلاف المحرَّم فإنه يزدرى ويعاب ويذم وينهى عنه وأشار النووى إلى أن عيب الطعام أن يقال: مالح، حامض، قليل الملح، رقيق، غليظ، غير ناضج ونحو ذلك.
إذا اشتهى شيئا أكله: أى إذا رغب فى أكل شئ من الطعام المقدم له أكَلَهُ.
стр. 2628
وإن كرهه تركه: أى وإن لم يشته الطعام المقدم له ولم يرغب فى تناوله كَفَّ عن تناوله وسكت ولم يعبه، مثل ما فعل لما قدم الضب على مائدته ﷺ .
[البحث]
أورد البخارى ومسلم هذا اللفظ الذى ساقه المصنف من طريق الأعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه. ثم قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب ومحمد بن المثنى وعمرو الناقد (واللفظ لأبى كريب) قالوا: أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبى يحيى مولى آل جَعْدَةَ عن أبى هريرة قال: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ عاب طعاما قط، كان إذا اشتهاه أكله وإن لم يشتهه سكت. وحدثناه أبو كريب ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبى ﷺ بمثله اهـ وأبو يحيى مولى جعدة بن هبيرة مدنى ما له عند مسلم سوى هذا الحديث، وقد ذكره الدارقطنى فيما انتقد على مسلم، وانتقاد الدارقطنى هذا مردود فإن مسلما أعرف بالرجال منه، وقد أشرت كثيرا إلى أن الرجل قد يخرج له البخارى أو مسلم حديثا معينا عن شيخ معين ولا يخرج له غيره لما يقوم لديه من صحة ضبطه لهذا الحديث دون سواه، فيأتى بعض الناس ممن دون البخارى ومسلم بمراحل شتى ويهجم عليه بسب تخريجه حديث هذا الرجل. ولا شك أن الذى يهجم على البخارى أو مسلم هو كَشَابٍّ غِرٍّ أمام شيخ
стр. 2629
مكتمل مجرب. قال الحافظ فى الفتح: والتحقيق أن هذا لا علة فيه لرواية أبى معاوية الوجهين جميعا، وإنما كان يأتى هذا لو اقتصر على أبى يحيى فيكون حينئذ شاذا، أما بعد أن وافق الجماعة على أبى حازم فتكون زيادة محضة حفظها أبو معاوية دون بقية أصحاب الأعمش، وهو من أحفظهم عنه فيقبل واللَّه أعلم اهـ هذا والكف عن عيب الطعام الذى لا يشتهيه الإِنسان به مصالح شتى من بينها أنه قد لا يشتهيه هو ويشتهيه غيره. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - كمال حسن أخلاق رسول اللَّه ﷺ .
٢ - كراهة عيب الطعام المباح.
٣ - استحباب سكوت الإنسان عن الطعام الذى لا يشتهيه دون عيبه أو عيب الذى أعَدَّه.
٤ - كمال الآداب الإسلامية وسموها.
стр. 2630
١٣ - وعن جابر رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال" رواه مسلم.
[المفردات]
بالشمال: أى باليد اليسرى.
فإن الشيطان يأكل بالشمال: أى فإن إبليس وكل متمرد من الجن أو بنى آدم هو الذى يأكل بيده اليسرى.
следующие страницы →