نَفْحُ العَبِيْر
تَأليف
أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع العتيبي
قرئَ مِنْهُ على
سماحة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز ﵀
مفتي عَام المملكة الْعَرَبيَّة السعودية سَابِقًا
«الْجُزْء الأوَّل»
دَارُ الوَطَن للنَّشر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن الله جعل العلماء في الأرض كالنجوم في السماء يهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر.
ولئن كان العلماء أنوار الدجى ومصابيح الظلام؛ فإن شيخنا العلامة المحدث الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وأمتع به على طاعته، هو من أضوئهم نورًا، بل هو مصباح للعلماء فضلًا عن غيرهم- نحسبه كذلك- ولقد نفع الله بدروسه وتوجيهاته ومؤلفاته في عقود مضت من السنين وحتى الآن.
وإن دروس شيخنا لعظيمة النفع، وإنها ليانعة الثمار، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، فشيخنا ﵀ يدرس الكتب الستة ومسند أحمد، وموطأ مالك، وسنن الدارمي، وصحيح ابن حبان، وتفسير ابن كثير، وزاد المعاد، وكتاب التوحيد، وفتاوى شيخ الإسلام، والأصول الثلاثة، وإغاثة اللهفان، والدرر السنية، والعقيدة الواسطية، والفرائض، ومنتقى الأخبار، وأصول الأحكام، والنخبة.
وقد قرئ على شيخنا كذلك الاستقامة لأبي العباس ﵀، وقرئ عليه كذلك جلاء الأفهام، وبلوغ المرام، ومقدمة فتح الباري، والعقيدة الطحاوية، والعقيدة الحموية، والسنن الكبرى للنسائي ولم تكمّل، وكذلك قرئ عليه شيء من منار السبيل، ومن إرواء الغليل
стр. 3
ولم يكمَّلا، وقرئ عليه شيء من أول الصارم المسلول على شاتم الرسول، وغير ذلك.
وسماحة الشيخ عبد العزيز ﵀ كان حريصًا على إيصال المعلومة الصحيحة إلى الطالب، فإذا شك في مسألة أو حديث، أمر بتحقيق الأمر والنظر في هذه المسألة وفي ذلك الحديث، حتى يتَّضح الأمر وتنجلي الحقيقة.
وربما كلَّف شيخنا الفاضل كاتب هذه الأسطر لتحقيق حديث، أو تتبع مسألة، فاجتمع من ذلك ما تراه بين يديك، ثم تقرأ على شيخنا هذه البحوث فيعلِّق عليها بما يراه، وقد يضيق الوقت عن قراءتها في الدرس، فأعطي شيخنا صورة من البحث ويُقرأ عليه في المنزل، فإن تيسَّر لي والحالة هذه معرفة تعليقه على البحث كتبته.
وقد استأذنت شيخنا ﵀ في نشرها لتعميم نفعها فأذن واستأذنته في ذكر تعليقه عليها -إن وجد- فأذن ﵀ بطيب نفس، وسيكون ضمن هذه السلسلة ... -إن شاء الله- فوائد من تعليقات شيخنا ودروسه يسَّر الله جمعها ونشرها بمنه وكرمه ..
هذا وأسال الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفع بهذه الدروس، وبغيرها من دروس المشايخ الفضلاء، وأن تكون طريقًا للعودة إلى مجد الأمة وعزتها وقوتها إنه خير مسئول، ولا يفوتني أن أعتذر للإخوة الكرام عما يكون من قصور في هذه البحوث، فإنه ربما طلب البحث في وقت محدد، فأجمع ما أستطيع جمعه مع تسويده وتبييضه، فربما زلَّ القلم، وفات بعض الشيء.
وختامًا أسأل الله أن ينفع بهذه البحوث كاتبها، وقارئها، وسامعها، وصلى الله على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 4
إدراكه ﷺ مع النبوة فضيلة الشهادة
حديث: «ما أزال أجدُ ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبْهرَي من ذلك السم».
أخرجه البخاري معلقًا في باب مرض النبي ﷺ ووفاته، قال: وقال يونس عن الزهري، قال عروة: قالت عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة» فذكره. فتح (٨/ ١٣١) (١).
ورواه عبد الرزاق (١١/ ٢٩) برقم [١٩٨١٥] عن معمر عن الزهري عن ابن كعب ابن مالك أن أم مُبشر قالت للنبي ﷺ ، في المرض الذي مات فيه: ما تتهم بنفسك يا رسول الله! فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المشوية التي أكل معك بخيبر، فقال رسول الله ﷺ : «وأنا لا أتهم إلا ذلك بنفسي، فهذا أوان قطع أبهَري» يعني عرق الوريد.
ورواه أحمد (٦/ ١٨) في «مسنده»، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا روح، حدثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أمه أن أم مبشر ... بنحو رواية عبد الرزاق.
ورواه الدارمي في «سننه» (١/ ٣٤) برقم [٦٨] قال: أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا محمد بن عمرو الليثي عن أبي سلمة قال: كان رسول الله ﷺ يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية (وذكر القصة) وبآخره فقال في مرضه: «ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري» وهذا مرسل.
стр. 5
ورواه الحاكم من طريق أحمد سواء إلا أنه قال رباح بدل روح .. قال الحاكم: هذا صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (٣/ ٢١٩).
وأخرجه أبو داود في كتاب الديات باب فيمن سقى رجلًا سمًّا أو أطعمه فمات أيقاد منه؟ (١٢/ ٢٣٢ عون) من طريق وهب بن بقية عن خالد عن محمد بن عمرو، فذكره مثل رواية الدارمي مرسلًا، ورواه متصلًا، قال: حدثنا مخلد بن خالد، قال: أخبرنا عبد الرزاق .. فذكره بمثل رواية أحمد لكنه قال عن ابن كعب بن مالك عن أبيه: قال المزي في الأطراف (٨/ ٣١٧): حديث أم مبشر أخرجه أبو داود في الديات عن مخلد بن خالد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به، وعن أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن خالد، عن رباح، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن أم مبشر دخلت على النبي ﷺ .. فذكر معنى حديث مخلد بن خالد، قال أبو سعيد الأعرابي: كذا قال: «عن أمه» والصواب «عن أبيه» عن أم مبشر.
وأخرج البيهقي أصل القصة دون الشاهد المذكور، وقال السيوطي: في «الخصائص الكبرى» (٢/ ٢٧٠) باب: إعطائه ﷺ مع النبوة فضيلة الشهادة.
وذكر أثر عائشة، وقال: أخرج أحمد وابن سعد وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود، أنه قال: «لأن أحلف تسعة أن رسول الله ﷺ قُتل قتلًا أحب إلى من أن أحلف واحدة وذلك بأن الله اتخذه نبيًّا وجعله شهيدًا».
стр. 6
وهذا الأثر صححه أحمد شاكر في حاشيته على «المسند» (٥/ ٢٢٠)، وانظر: مسند أبي يعلى (٩/ ١٣٢) (١).
стр. 7
من فضائل التوحيد
حديث: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: ما تركت حاجة ولا داجة إلا قد أتيت! قال: «أليس تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فإن ذلك يأتي على ذلك».
رواه أبو يعلى في «مسنده» (٦/ ١٥٥) وفي معجم شيوخه حديث رقم [٢٦٦] قال: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا أبي، حدثنا مستور بن عبَّاد الهنُائي، حدثنا ثابت عن أنس سدد خطاكم قال: فذكره.
ورواه البزار (كشف ٤/ ٧) عن الضحاك به، وقال: لا نعلم روى مستور عن ثابت عن أنس إلا هذا.
ورواه الطبراني في معجميه «الصغير» و «الأوسط» (مجمع البحرين ٧/ ٣٢٥) عن الضحاك به، وقال: لم يروه عن ثابت إلا مستور تفرَّد به أبو عاصم.
وقال في «المجمع» (١٠/ ٨٣): رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، والطبراني في «الصغير» و «الأوسط» ورجالهم ثقات.
قلت: وهذا إسناد صحيح: عمرو بن الضحاك بن مخلد البصري ولد أبي عاصم ثقة كان على قضاء الشام روى له ابن ماجه، والضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل ثقة ثبت، روى له الجماعة «ومستور»، هكذا في «التهذيب» والخلاصة، وفي «الجرح» و «تاريخ البخاري» «مستورد» بزيادة دال في آخره هو ابن عباد الهنُائي ثقة روى له النسائي.
وثابت بن أسلم البُناني ثقة عابد روى له الجماعة.
وقوله: «ما تركت من حاجة ولا داجة إلا أتيت» قال ابن الأثير
стр. 8
في «النهاية»: (٢/ ١٠١) هكذا جاء في رواية بالتشديد. قال الخطابي: الحاجّة: القاصدون البيت، والداجَّة: الراجعون، والمشهور بالتخفيف، وأراد بالحاجة الحاجة الصغيرة، وبالداجة الحاجة الكبيرة. اهـ.
قلت: وفي «القاموس» وشرحه: «الداجة ما صغر من الحوائج، والحاجة ما كبُر منها» فعكسه والخطب يسير، والله أعلم.
стр. 9
ظهور ملك الموت عيانًا لمن كان قبل موسى ﷺ -
حديث: «إن ملك الموت كان يأتي الناس عِيانًا فأتى موسى بن عمران فلطمه موسى ففقأ عينه، فعرج ملك الموت فقال: يا ربِّ إن عبدك موسى فعل بي كذا وكذا، ولولا كرامته عليك لشققت عليه، فقال الله: إيتِ عبدي موسى فخيِّره بين أن يضع يده على متن ثور فله بكل شعرة وارته كفُّه سنة، وبين أن يموت الآن، فأتاه فخَّيره فقال موسى: فما بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالآن إذًا، فشمَّه شَمَّةً فقبض روحه وردَّ الله عليه بصره فكان بعد ذلك يأتي الناس في خفية».
أخرجه أحمد في «مسنده» (١) (٢/ ٥٣٣): حدثنا أمية بن خالد ويونس قالا: ثنا حماد ابن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة سدد خطاكم قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.
ورواه الطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (١/ ٤٣٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب ابن المقدام عن حماد به.
ورواه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٧٨) من طريق حماد به.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
أمية بن خالد أخو هدبة بن خالد صدوق من رجال مسلم، وحماد مشهور ثقة عابد تغيَّر حفظه بأخره، وروى له مسلم والأربعة، وعمَّار بن أبي عمَّار صدوق ربما أخطأ، روى له مسلم والأربعة، وأبو كريب محمد بن العلاء ثقة حافظ من رجال الجماعة، ومصعب ابن المقدام صدوق له أوهام، روى له مسلم وغيره.
وقوله: «عِيانًا» قال في «القاموس»: ولقيته عيانًا: أي معاينة لم يشك في رؤيته إياه، والله أعلم.
стр. 10
التبيان في صوم النصف الآخر من شعبان
حديث: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا».
رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤/ ١٦١) عن ابن عيينة، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٤٤٢)، حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس عتبة، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٢٨٤)، حدثنا وكيع به والدارمي في «سننه» (١/ ٣٥٠)، أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا عبد الرحمن الحنفي عن عبد الرحمن بن إبراهيم (ح). ورواه من طريق الحكم بن المبارك عن عبد العزيز بن محمد.
ورواه أبو داود عون (٦/ ٤٦٠) بذل (١١/ ١٣٣)، حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا عبد العزيز به.
ورواه الترمذي في «جامعه» تحفة (٣/ ٤٣٧)، حدثنا قتيبة به.
ورواه ابن ماجه في «سننه» (١/ ٥٢٨)، حدثنا أحمد بن عبدة، ثنا عبد العزيز بن محمد، ح وحدثنا هشام بن عمار، ثنا مسلم بن خالد.
وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٨٢)، حدثنا ابن مرزوق، ثنا حبان ويعقوب بن إسحاق قالا: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم.
ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٨/ ٣٥٥)، (٨/ ٣٥٨) من طريق الحسن بن حبيب، ثنا روح بن القاسم (ح) ومن طريق أبي عامر العقدي، ثنا زهير بن محمد.
ورواه النسائي في «الكبرى» (٢/ ١٧٢)، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أنبأنا محمد بن ربيعة عن أبي العميس به.
ورواه ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٦) من طريقين عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وسفيان، كلهم جميعًا عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة سدد خطاكم أن النبي
стр. 11
- ﷺ قال: فذكره.
فصل في ألفاظ المخرجين
لفظ النسائي وأبي داود والبيهقي: «إذا انتصف شعبان». فلفظ النسائي: «فكفوا عن الصون» ولفظ أبي داود والبيهقي: «فلا تصوموا».
ولفظ أحمد وابن أبي شيبة: «إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان».
ولفظ عبد الرزاق وابن حبان: «فافطروا» زاد ابن حبان «حتى يجيء رمضان».
ولفظ الدارمي: «فامسكوا عن الصوم»، ولفظ ابن ماجه: «فلا صوم حتى يجيء رمضان».
ولفظ الطحاوي: «لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان»، واللفظ الآخر لابن حبان: «حتى يجيء شهر رمضان».
ولفظ الترمذي: «إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا».
واللفظ الآخر للبيهقي: «إذا مضى النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يدخل رمضان».
فصل في علل الحديث
١ - نكارته ومخالفته للأحاديث الصحيحة، قاله ابن رجب في «اللطائف» ص [٢٦٠] ط. السواس. ونقله عن أحمد وغيره. وقد تكلم في العلاء غير واحد من الحفاظ والأئمة بسبب هذا الحديث.
٢ - دعوى النسخ نقله ابن رجب عن الطحاوي، وانظر: «شرح المعاني» (٢/ ٨٧).
٣ - دعوى ترك العمل به نقله ابن رجب عن الطحاوي.
٤ - مخالفة راوي الحديث له، فأبو هريرة كان يصوم في النصف الثاني من شعبان، نقله العيني في «شرح البخاري» (٩/ ١٥٣).
стр. 12
٥ - دعوى تفرد العلاء به، وأنه لم يتابعه أحد نقل ذلك ابن القيم في «تهذيب السنن» (٣/ ٢٢٣).
فصل فيمن ضعف الحديث من الأئمة
١ - الإمام أحمد نقله أبو داود عنه ذكره البيهقي في «سننه»، ونقله ابن رجب في اللطائف وابن حجر والعيني.
٢ - عبد الرحمن بن مهدي نقله أبو داود في «سننه» عنه وابن رجب والعيني.
٣ - ابن معين نقله الحافظ عنه في «الفتح» ونقله ابن حزم عنه.
٤ - أبو زرعة الرازي نقله ابن رجب وانظر: «أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية» ص [٣٨٨].
٥ - الأثرم نقله ابن رجب.
٦ - النسائي.
٧ - الخليلي.
٨ - البيهقي في «سننه» فقد قال باب الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء (٤/ ٢٠٩).
٩ - ظاهر كلام ابن رجب في لطائف المعارف.
فصل في رد علل الطاعنين
١ - نكارته ومخالفته .. وردت بأجوبة:
(أ) أن النهي لمن لم يكن له عادة فإن كان له عادة فليصم.
(ب) أو من أنشأ الصوم بعد النصف، وإن صام قبل النصف فلا بأس حتى لو صام شعبان كله أو أكثره فلا يخالف أحاديث صيام شعبان (١).
стр. 13
(ج) أن النهي للكراهة وقوله: لا تقدموا شهر رمضان بصوم يوم أو يومين للتحريم فلا منافاة (١).
(د) أن النهي لمن يفعل ذلك لحال رمضان (٢).
(هـ) أن ذلك لمن يضعفه الصوم (٣).
٢ - دعوى النسخ: وردَّها ابن حزم بقوله: ومن ادعى النسخ فقد كذب وقفا ما لا علم له به.
قلت: والقاعدة: أن الجمع إذا أمكن مقدم على النسخ.
٣ - دعوى ترك العمل به ويكفي في ردها تصحيح الأئمة له، وسيأتي ذكر أسمائهم -إن شاء الله- وإفتاؤهم بموجبه، انظر: «المجموع» مثلًا (٦/ ٤٥٢).
٤ - دعوى أن أبا هريرة لم يكن يعمل به .. وتلك لعمر الله شكاة زائل عنك عارُها .. فيكفي أن يصح عن سيد المرسلين وهذا المسلك مسلك ضعيف يقوم على أساس إذا خالف الراوي ما روى فيؤخذ بما رأى لا بما روى؛ لأنه أدرى بمرويه والجمهور على خلافها، وأن الحجة في روايته المعصومة ويلتمس له العذر. وانظر: «المحلى» (٧/ ٢٦).
٥ - دعوى تفرد العلاء به .. وردَّت بأن هذا لا يقدح في صحته وهو حديث على شرط مسلم، فإن مسلمًا قد أخرج عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، وتفرده به تفرد ثقة بحديث مستقل وله عدة نظائر في الصحيح. والتفرد الذي يُعلل به هو تفرد الرجل
стр. 14
عن الناس بوصل ما أرسلوه أو رفع ما وقفوه، أ. هـ. من «تهذيب السنن».
٦ - وأوردت أيضًا علة عليلة بأن العلاء لم يسمعه من أبيه، قال ابن القيم: وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه فهذا لم نعلم أحدًا علل الحديث به، فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه، وفي صحيح مسلم عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث، وقد قال عباد ابن كثير لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له: برب هذا البيت حدثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: فذكره؟ فقال: وربِّ هذا البيت سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكره.
٧ - وقد أثار بعضهم علة دقيقة في متنه نقلها الزيلعي «نصب» (٢/ ٤٤١) عن ابن القطان خلاصتها: أنه وقع في بعض ألفاظ الحديث فأمسكوا، وفي بعضها فكفوا، وهذان اللفظان نهي عن التمادي في الصوم .. اهـ كلام ابن القطان بمعناه، ووجه كون هذه علة أنه إذا كان نهي عن التمادي استحكمت مخالفته للأحاديث الصحيحة وتعيَّن إطراحه، وتردّ بأن لفظة كفوا وأمسكوا تأتي لمنع التمادي ولمنع الابتداء، فمن الأول قول الرجل للنبي ﷺ : هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها، ومن الثاني ما جاء في حديث أبي ذر عن مسلم مرفوعًا ... وتكف شرك عن الناس فإنه صدقة منك على نفسك، وحديث أبي سعيد الخدري في بعض ألفاظه في بيان حقوق الطريق ... غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام.
فصل في ذكر أسماء المصحِّحين للحديث
١ - أبو داود حيث سكت عنه وأجاب عن تعليل أحمد له عقبه.
٢ - الترمذي، قال عقبة: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
стр. 15
٣ - الطحاوي.
٤ - ابن حبان في صحيحه.
٥ - الحاكم، نقله عنه ابن رجب في «اللطائف» وعمن تقدم سوى أبي داود.
٦ - ابن حزم كما في «المحلى».
٧ - ابن عبد البر نقله عنه رجب.
٨ - ابن عساكر، نقله عنه العيني.
٩ - النووي وهو ظاهر صنيعه في «المجموع».
١٠ - ابن القيم كما في «تهذيب السنن».
١١ - ابن حجر الهيتمي في فتاويه.
١٢ - السيوطي في «الجامع الصغير».
١٣ - المحدث الفقيه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
المحدث الألباني ﵀ كما في «صحيح الجامع» (١).
* والذي يترجَّح عندي أن الحديث منكر، وهذا جارٍ على قواعد المتقدمين. لا إشكال عندهم في ذلك.
стр. 16
المسك المدوف في حل حديث عبد الرحمن بن سمرة في الكسوف
«عن عبد الرحمن بن سمرة سدد خطاكم قال: بينما أنا أرمي بأسهمي في حياة رسول الله ﷺ ، إذ انكسفت الشمس فنبذتهن، وقلت: لأنظرن إلى ما يحدثُ لرسول الله ﷺ في انكساف الشمس اليوم، فانتهيت إليه وهو رافع يديه، يدعو ويكبر ويحمد ويهلل، حتى جُلِّي عن الشمس، فقرأ سورتين وركع ركعتين». وفي لفظ: «فأتيته وهو قائم في الصلاة رافع يديه». ...
أخرجه مسلم «نووي» (٦/ ٢١٦) وأبو داود «عون» (٤/ ٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (١/ ٥٦٦)، و «المجتبى» (٣/ ١٢٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٣١٠)، وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٢٩٤)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٢٩)، والبيهقي في «السنن» (٣/ ٣٣٢)، كلهم من طرق عن سعيد بن إياس الجريري عن حيَّان بن عمير عن عبد الرحمن به.
قال النووي في «شرح مسلم»: «وهذا مما يُستشكل ويظن أن ظاهره أنه ابتداء صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس وليس كذلك؛ فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث محمول على أنه وجده في الصلاة كما صرَّح به في الرواية الثانية، ثم جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء وتكبير وتهليل وتسبيح وتحميد وقراءة السورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميمًا للصلاة فتمت جملة الصلاة ركعتين أولها في حال الكسوف وآخرها بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من تقدير لابد منه
стр. 17
لأنه مطابق للرواية الثانية ولقواعد الفقه، ولرواية باقي الصحابة، والرواية الأولى محمولة عليه أيضًا لتتفق الروايتان، ونقل القاضي عياض عن المازري أنه تأوله على صلاة ركعتين تطوعًا مستقلًا بعد انجلاء الكسوف لا أنها صلاة كسوف، وهذا ضعيف مخالف لظاهر الرواية الثانية، والله أعلم.
وقال على قوله: «وهو قائم في الصلاة رافع يديه» .. فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت ورد على من يقول لا ترفع الأيدي في دعوات الصلاة» اهـ.
وقال الطيبي في «شرح المشكاة» (٣/ ٢٦٥): قوله: «حسر عنها» أي أزيل، وأذهب عن الشمس خسوفها يعني دخل رسول الله ﷺ في صلاة الكسوف ووقف في القيام الأول وطوَّل التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد حتى ذهب الخسوف، ثم قرأ القرآن وركع وسجد ثم قام في الركعة الثانية وقرأ فيها القرآن وركع وسجد وتشهد وسلم» اهـ.
وبوَّب على حديث الترجمة ابن خزيمة وابن المنذر بقولهما: باب رفع اليدين عند الدعاء والتسبيح والتكبير والتحميد في الكسوف.
والذي تحرر لي أن الحديث وإن كان ثابت الأصل إلا أن سياقه غير محفوظ لوجوه:
١ - إن لفظة النسائي في «المجتبى» و «الكبرى» تدل على أن الدعاء والتسبيح وقع قبل الصلاة ولفظه: «فأتيته مما يلي ظهره وهو في المسجد فجعل يسبح ويكبر ويدعو حتى حسر عنها ثم قام فصلى ركعتين وأربع سجدات».
٢ - إن الراجح في صفة صلاة الكسوف أن تصلى بركوعين في كل ركعة كما في حديث عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو وكلها متفق عليها، وليس في شيء منها ذكر التسبيح والدعاء ورفع
стр. 18
اليدين في الصلاة، وفي هذه الأحاديث المتفق عليها ذكر أشياء حفظت عنه ﷺ من تقدمه لتناول العنب من الجنة وتأخره مما يدل على أن الراوي حفظ ما لم يحفظ غيره، فعائشة وابن عباس ﵄ حفظا الواقعة قبل دخوله في الصلاة وفي أثنائها وبعد انصرافه منها، وعبد الرحمن إنما أتى ووجده في الصلاة فشهدا ما لم يشهد أولًا.
٣ - أن التجلي إنما حصل بعد الصلاة كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي أخرجه الشيخان ولفظه: «لما انكسف الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي أن الصلاة جامعة، فركع النبي ﷺ ركعتين في سجدة ثم قام فركع النبي ﷺ في سجدة ثم جلس، ثم جُلي عن الشمس فقالت عائشة ﵂: «ما سجدت سجودًا قط كان أطول منها».
٤ - قال علي بن سلطان القاري في «شرح المرقاة» على قوله: «وهو قائم في الصلاة رافع يديه» لا يُعرف مذهب أنه يرفع يديه في صلاة الكسوف في أوقات الأذكار، وقال شيخنا المحدِّث عبد العزيز بن باز ﵀: «رواية عبد الرحمن مجملة وفيها خفاء وعدم وضوح والعمدة على حديث عائشة وابن عباس ﵄» اهـ.
فأصاب شيخنا كبد الحقيقة، فإن هذا هو التحقيق لما تقدم، والروايات المجملة المشكلة تحمل على الروايات المبينة المفسرة حتى يتبين الأمر قال غير واحد من أئمة الحديث: إن الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه.
فصل
١ - قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه القاري في المرقاة: أن رفع اليدين المذكور كان لإرادة الركوع الأول، فجعل من ذلك الركوع
стр. 19
سبح .. وتعقبه بقوله: ولا يخفى ما فيه من التكلف» اهـ.
٢ - وقع في رواية لعبد الرزاق (٣/ ١٠٣) عن الثوري عن سليمان الشيباني عن الحكم عن حنش عن علي أنه أمَّ الناس في المسجد للكسوف قال: فجهر بالقراءة فقام فقرأ ثم ركع ثم قام فدعا ثم ركع أربع ركعات في سجدة يدعو فيهن بعد الركوع .. الحديث.
ورواه البيهقي (٣/ ٣٣٠) من طريق الحكم به، وفي آخره: «ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ كذلك فعل».
قلت: وحنش هذا هو ابن المعتمر ابن ربيعة.
قال البخاري: تكلموا فيه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، ووثَّقه العجلي. وقال ابن حزم: ساقط مطرح .. هذا ما عندي، وصلى الله على نبينا محمد ﷺ (١).
стр. 20
الزهو المعطر في تخريج حديث «قاء فأفطر»
حديث: «أن النبي ﷺ قاء فأفطر».
رواه أحمد في «مسنده» (٦/ ٤٤٣)، والدارمي في «سننه» (١/ ٣٤٦)، والترمذي في «جامعه» (١/ ١٤٢)، وأبو داود في «سننه» (٧/ ٨) «عون»، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٩٦)، والبيهقي في «سننه» (٤/ ٢٢٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٢٤)، وابن حبان (٣/ ٣٧٧)، والحاكم في «مستدركه» (١/ ٤٢٦)، والدارقطني في «سننه» (١/ ١٥٨)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٣٣)، وغيرهم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن حسين المُعلِّم عن يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الرحمن الأوزاعي عن يعيش بن الوليد المخزومي عن أبيه عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء سدد خطاكم «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وَضوءه». ورواه ابن حزم في «المحلى» (١/ ٢٥٨) من الطريق نفسها بلفظ: «قاء فتوضأ».
وفي نسخة للترمذي: «قاء فأفطر فتوضأ» (١). وهذا إسناد جيد، فاللفظان محفوظان «قاء فأفطر فتوضأ» ويدل لذلك تصديق ثوبان لأبي الدرداء بقوله: «صدق أنا صببت له وَضوءه».
ويشهد له رواية عبد الرزاق في مصنفه (١/ ١٣٨) عن معمر عن يحيى عن يعيش بن الوليد عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء سدد خطاكم قال: «استقاء رسول الله ﷺ فأفطر، وأتي بماء فتوضأ».
لكن طعن الترمذي في رواية معمر هذه فقال: «روى معمر هذا
стр. 21
الحديث عن يحيى ابن أبي كثير فأخطأ فيه فقال: عن يعيش بن الوليد عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء ولم يذكر الأوزاعي، وقال عن خالد بن معدان وإنما هو معدان بن أبي طلحة».
وتعقبه أحمد شاكر بقوله: «ولسنا نوافق الترمذي في ادعائه خطأ معمر، وإنما هو إسناد آخر للحديث، وخالد بن معدان ثقة تابعي معروف، ومعمر ثقة حافظ متقن لا نحكم عليه بالخطأ جزافًا» اهـ.
قلت: إن كانت محفوظة فهي شاهد ولسنا في حاجة إليها لما تقدم، وفي سماع خالد ابن معدان من أبي الدرداء نظر، فإن خالدًا يرسل كثيرًا وقد توفي سنة ثلاث ومئة، وقيل بعدها، وأبو الدرداء توفي في آخر خلافة عثمان، وقيل عاش بعد ذلك، ونصّ أحمد على عدم سماع خالد من أبي الدرداء، والله أعلم.
ولحديث الترجمة طريق أخرى أخرجها أحمد (٥/ ٢٧٦)، والطحاوي (٢/ ٩٦)، والبيهقي (٤/ ٢٢٠) من طريق شعبة عن أبي الجودي عن بَلْج عن أبي شيبة المهري عن ثوبان قال: «رأيت رسول الله ﷺ قاء فأفطر».
وأبو الجودي الحارث بن عُمير ذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب ثقة.
وبَلْج وأبو شيبة المهري ذكرهما ابن حبان في الثقات، وبيَّض لهما ابن أبي حاتم فلم يذكر فيهما جرحًا، وعلى قاعدة الحافظ: مقبولان، وقد توبعا كما تقدم فهو حسن في الشواهد (١)، والله أعلم (٢).
стр. 22
توالي النذر في بيان حديث «هذه ثم ظهور الحصر»
رواه الإمام أحمد في «مسنده»، ثنا يزيد بن هارون وحجاج قالا: أنبأنا ابن أبي ذئب، وإسحاق بن سليمان قال: سمعت ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة سدد خطاكم أن رسول الله ﷺ قال لنسائه عام حجة الوداع: «هذه ثم ظهور الحصر» قال: فكنَّ كلهن يحججن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة وكانتا تقولان: «والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من النبي ﷺ ».
وأخرجه أبو داود الطيالسي [٢٣١٢] حدثنا ابن أبي ذئب به.
وأخرجه أبو يعلى (١٣/ ٨٠، ٨٨) من طريقين: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا ابن أبي فُديك ح وحدثنا أبو خيثمة، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي كلاهما عن ابن أبي ذئب به.
ورواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ح [٥٦٠٣] حدثا الربيع المرادي، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن أبي ذئب.
ورواه البيهقي في «سننه» (٥/ ٢٢٨) من طريق الطيالسي.
ورواه الطبراني (٢٤/ ٣٣) وعلي بن الجعد في «مسنده» (٢/ ٩٨٦) من طرق عن ابن أبي ذئب به.
وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن أبي ذئب وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة القرشي العامري الفقيه، ثقة فاضل من رجال الجماعة.
وصالح مولى التوأمة: هو ابن نبهان، والتوأمة بنت أمية بن خلف المديني، اختلط بآخره، قال مالك: ليس بثقة، وقال أحمد لما بلغه ذلك: كان مالك أدركه وقد اختلط فمن سمع منه قديمًا فذاك،
стр. 23
وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث ما أعلم به باسًا، وقال ابن معين: إنما أدركه مالك بعد أن كبر وخرف. لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف، وقال الجوُزجاني: تغيَّر أخيرًا، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لسنه وسماعه القديم، وقال ابن عدي: لا بأس به إذا روى عنه القدماء مثل ابن أبي ذئب، وابن جرج، وزياد بن سعد ..». اهـ من «التهذيب».
قلت: والراوي عنه هنا ابن أبي ذئب فالإسناد جيد، ورواه البزار «كشف» (٢/ ٥) من طريقين عن سفيان وصالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة به، ويشهد له ما تقدم.
طريق أخرى:
قال الإمام أحمد في «مسنده» (٥/ ٢١٨): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم عن واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
ورواه البيهقي (٥/ ٢٢٨) من طريق أحمد به.
ورواه أبو داود (٥/ ١٤٦) «عون» عن النفيلي عن الدراوردي به.
ورواه أبو يعلى (٣/ ٣٢) وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» كلاهما من طريق الدراوردي.
وواقد ابن أبي واقد، قال ابن القطان: لا يعرف حاله، وذكره ابن منده في الصحابة، وكناَّه أبا مراوح، قال: وقال أبو داود: له صحبة اهـ. من «التهذيب».
وقال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٧٤): إسناد حديث أبي واقد صحيح، قلت: ويعضدها ما تقدم.
وللحديث طريق أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٩٢) (مجمع البحرين). من طريق عاصم بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بنحو ما تقدم، وعاصم ضعيف.
стр. 24
فصل
قال البخاري في «صحيحه»: باب حج النساء (٤/ ٧٢)، وذكر إذن عمر سدد خطاكملأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ ثم أسند حديث عائشة، «لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج المبرور».
قال عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ . قال الحافظ: وأغرب المهلب فزعم أن حديث: «هذه ثم ظهور الحصر» من وضع الرافضة لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل، وهو إقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل، والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها بقوله ﷺ : «لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة». ومن ثم عقبه المصنف بهذا الحديث في هذا الباب، وكأن عمر سدد خطاكم كان متوقفًا في ذلك، ثم ظهر له الجواز فأذن لهن وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة، ومن في عصره من غير نكير ..». .
وقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» في الجمع بين قوله ﷺ : «جهادكن الحج المبرور» مع حديث الترجمة: وكان جواب رسول الله ﷺ في استئذانها إياه لها ولمن سواها للخروج معه في الجهاد ما ذكر من جوابه إياها من هذا الحديث، فكان دليلًا على أن جهادهن لا ينقطع كما لا ينقطع جهاد الرجال، فاحتمل أن يكون ذلك بعد قوله ﷺ لها ولسائر نسائه: «هذه ثم ظهور الحصر» فوقفت على ذلك هي ومن سواها من أزواجه دون من لم يقف عليه، ولم يقف على ذلك منهن
стр. 25
زينب ولا سودة فلزمتا ما في الحديث الأول، وكلهن ﵅ على ما ذكر عليه من ذلك محمودات، وخلفاء رسول الله ﷺ ورضي عن أصحابه وسائر الصحابة في تركهم الخلاف عليهن في ذلك، وفي إطلاقهم إياه لهن محمودون بعلمهم ما علموا من ذلك، ولا يجب أن يحُمل تأويل الأحاديث إلا على ما حملناه عليه؛ لأن في ذلك السلامة وحسن الظن بخلفاء رسول الله ﷺ وأزواجه وأصحابه، وفيما سواه ضد ذلك مما نعوذ بالله منه» اهـ.
فصل
قال الذهبي في «الميزانه»: واقد بن أبي واقد الليثي روى عن أبيه، تفرد عنه زيد ابن أسلم حديثه قال ﷺ لنسائه: «هذه ثم ظهور الحصر». وهذا منكر فما زلن يحججن» اهـ.
قلت: الحديث صحيح فله طريق أخرى والجمع ممكن، فلا نكارة، والله أعلم (١).
стр. 26
حكم الموالاة في الغسل
قال الإمام أحمد (في «مسنده» [٢١٨٠شاكر]: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا أبو علي الرحبي عن عكرمة، أخبرنا ابن عباس ﵄ قال: «اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فلما خرج رأى لمعة على منكبه الأيسر لم يصبها الماء، فأخذ من شعره فبلها ثم مضى إلى الصلاة» (١).
وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٤٦)، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مُستلم (٢) ابن سعيد عن أبي علي الرحبي به.
ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن ماجه (١/ ٢١٧).
وهذا إسناد واهٍ، أبو علي الرحبي اسمه الحسين بن قيس، لقبه حنش، متروك الحديث، قاله أحمد والنسائي والدارقطني والساجي وغيرهم، وفي «التقريب»: متروك.
حديث آخر: قال ابن أبي شيبة (١/ ٤٥): حدثنا هشيم وابن علية ومعتمر عن إسحاق بن سويد العدوي، حدثنا العلاء بن زياد قال: «اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة فخرج فأبصر لمعة بمنكبه لم يصبها الماء، فأخذ بجمته فبلَّها عليه».
ورواه أبو داود في «المراسيل» [٧٤] عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن إسحاق به.
وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح غير العلاء بن زياد،
стр. 27
وهو ثقة لكنه مرسل، ورواه عبد الرزاق [١٠١٥] عن هشام بن حسان عن العلاء به.
رواه الدارقطني (١/ ١١٠) من طريق عبد السلام بن صالح عن إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فوصله، قال الدارقطني: عبد السلام بن صالح هذا بصري ليس بالقوي وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلًا، ثم رواه مرسلًا.
حديث آخر: قال ابن ماجه (١/ ٢١٨): حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص عن محمد بن عبيد الله عن الحسن بن سعد عن أبيه عن علي سدد خطاكم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الفجر، ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء»، فقال رسول الله ﷺ : «لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك».
ورواه مسدد عن أبي الأحوص بإسناده ومتنه (١).
وهذا إسناد واهٍ كسابقه: محمد بن عبيد الله العرزمي بتقديم الراء تركه ابن مهدي وابن المبارك والقطان ابن معين والفلاس وابن الجنيد والأزدي، وسويد متكلم فيه.
حديث آخر: قال الطبراني في «معجمه الكبير» (١٠/ ٢٨٤): حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، حدثنا عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ التيمي (٢) عن جابر بن سيلان عن عبد الله بن مسعود سدد خطاكم أن رجلًا سأل
стр. 28
النبي ﷺ عن الرجل يغتسل من الجنابة فيخطئ بعض جسده الماء؟ فقال النبي ﷺ : «يغسل ذلك المكان ثم يصلي».
وأخرجه البيهقي في «سننه» (١/ ١٨٤) من طريق إسحاق به.
وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي قال معن بن عيسى: ثقة، وأثنى عليه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال البخاري: فيه نظر، وقال الذهبي في «تهذيب البيهقي» (١/ ١٩٥): واه، وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق يهم، وجابر بن سيلان بكسر السين مقبول، وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٧٣): رجاله موثقون.
قلت: إذا ضمَّ إلى مرسل العلاء بن زياد اعتضد به، ولهذا أخذ الإمام ﵀ بمرسل العلاء، قال الموفق (١/ ٢٩٢) «مغني»، وروي عن أحمد أنه سئل عن حديث العلاء بن زياد .. قال: نعم آخذ به.
حديث آخر: روى عبد الرزاق في «مصنفه» (١/ ٢٦٥) عن ابن جريج قال: «حُدثت أن النبي ﷺ اغتسل من جنابة ثم خرج ورأسه يقطر، وما بين كتفيه أو فوق ذلك مثل موضع الدرهم لم يمسه الماء، فقال أحدٌ للنبي ﷺ : اغتسلت يا رسول الله؟ قال: «نعم»، قال: فإن مثل موضع الدرهم لم يمسّه الماء، فأخذ النبي ﷺ بكفه من بعض رأسه من الذي فيه فمسحه به». قلت: إسناده معضل.
حديث آخر: روى الدارقطني في «سننه» (١/ ١١٢) من طريق عطاء بن عجلان عن عبد الله بن أبي ملكية عن عائشة ﵂ قالت: «اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة فرأى لمعة بجلده لم يصبها الماء، فعصر خصلة من شعر رأسه فأمسها ذلك الماء». وعطاء بن عجلان الحنفي متروك بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب، كذا في «التقريب».
стр. 29
حديث آخر: «روى الدارقطني في سننه من طريق أبي المتوكل بن فضيل عن أبي ظلال عن أنس سدد خطاكم قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح وقد اغتسل من جنابة، فكان نكتة مثل الدرهم يابس لم يصبه الماء، فقيل: يا رسول الله، في هذا الموضع لم يصبه الماء، فسلت شعره من الماء فمسحه به، ولم يعد الصلاة».
قال الدارقطني: المتوكل ضعيف (١).
قلت: وكذا أبو ظلال القسملي واسمه هلال بن أبي هلال.
وأيضًا متنه منكر حيث لم يعد الصلاة.
حديث آخر: روى الحافظ الإسماعيلي عن إسماعيل بن يحيى، ثنا مسعر عن حميد ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قلت يا رسول الله إن أهلي تغار عليَّ إذا أنا وطئت جواري قال: وبم يعلمن ذلك؟ قلت: من قبل الغسل، قال: إذا كان ذلك منك فاغسل رأسك عند أهلك فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر بدنك .. إسماعيل متروك عندهم (٢).
стр. 30
فصل في الآثار الواردة عن الصحابة
قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن مهدي عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن شداد بن أوس قال: «إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف الجنابة».
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٩٤) على حديث عمر في وضوء الجنب عند النوم: الوضوء هنا الشرعي والحكمة فيه أنه يخفف الحدث لاسيما على القول بجواز تفريق الغسل فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي: فذكره.
فصل في كلام الأئمة
قال البخاري في صحيحه «فتح» (١/ ٣٧٥) باب تفريق الغسل والوضوء: ويذكر عن ابن عمر ﵄ أنه غسل قدميه بعدما جفَّ وضوءُه، قال العيني: أي هذا باب في بيان تفريق الغسل والوضوء هل هو جائز أم لا؟ وذهب البخاري إلى أنه جائز وأيده بفعل ابن عمر ﵄.
فصل
وفي مسائل صالح بن أحمد (١/ ١٦٥): سألت أبي عن الرجل يتوضأ ويترك شيئًا من جسده؟ قال: إذا كان جفَّ الوضوء أعاد الوضوء كله، ويجزيه في الجنابة أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء.
وقال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٧٩) مسألة: واختلف في الموالاة في الطهارة الصغرى .. ثم قال: ونقل حنبل أنها
стр. 31
غير واجبة؛ لأنها إحدى الطهارتين فأشبه غسل الجنابة فإنه لا تختلف الرواية أن الموالاة غير واجبة فيه.
وقال في «المغني» (١/ ١٩١ - ١٩٢) بعدما ذكر الخلاف: «وما عليه الجمهور أولى؛ لأنه غسل لا يجب فيه الترتيب فلا تجب فيه الموالاة كغسل النجاسة».
وقال أبو العباس بن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤١٨): «والموالاة في غسل الجنابة لا تجب للحديث الذي فيه أنه رأى في بدنه موضعًا لم يصبه الماء فعصر عليه شعره، والأصحاب فرقوا بينه وبين الوضوء فإنه يجب ترتيبه فكذلك الموالاة».
وقال في «الإنصاف» (١/ ١٤١): ولا تشترط في الغسل موالاة على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وحكي عن بعض الأصحاب الاشتراط كالوضوء.
وقال في «الفروع» (١/ ٢٠٤): ولا يجب موالاة على الأصح.
وقال في «كشاف القناع» (١/ ١٥٣): ولا تجب الموالاة في الغسل كالترتيب؛ لأن البدن شيء واحد بخلاف أعضاء الوضوء.
فصل
وقال الماوردي في «الحاوي» (١/ ١٣٦): قال الشافعي ﵀: وإن فرَّق وضوءه وغسله أجزأه، واحتج في ذلك بابن عمر.
فصل
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤٢١) بعد ذكر قول من أجاز التفريق: وكذلك نقول؛ لأن الله أوجب في كتابه غسل أعضائه فمن أتى بغسلها فقد أتى بالذي عليه، فرَّقها أو أتى بها نسقًا متتابعًا، وليس مع من جعل حدّ ذلك الجفوف حجة.
وقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٦٨): مسألة: ومن فرَّق وضوءه
стр. 32
أو غسله أجزأه ذلك وإن طالت المدة أو قصرت.
وقال الحافظ ابن رجب في «شرح البخاري» (١/ ٥٩): ولو نوى بوضوئه رفع الحدثين (يعني الحدث الأصغر والجنابة) ارتفع عن أعضاء وضوئه حدثاه جميعًا بناءً على أن الغسل لا تشترط له الموالاة، وهو قول الجمهور خلافًا لمالك.
وانظر: «فتاوى شيخ الإسلام» (٢٦/ ١٧٩) مهم.
فصل
وقال شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز في تعليقه على «سنن ابن ماجه» على حديث ابن عباس المتقدم وذلك سنة ١٤٠٩هـ قال: «الغسل الراجح أنه لا تجب فيه الموالاة». هذا ما تيسر إعداده، والله الموفق (١).
стр. 33
كشف الغمة عن حديث النور والظلمة
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله خلق خلقه في ظلمه وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ».
رواه أحمد في «مسنده» [٦٦٤٤]، حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، ثنا الأوزاعي، ثنا ربيعة بن يزيد، ثنا عبد الله بن الديلمي عن عبد الله به.
وهذا إسناد صحيح، معاوية بن عمرو أبو عمرو البغدادي ثقة، روى له الجماعة، وإبراهيم بن محمد الفزاري حافظ له تصانيف، روى له الجماعة. والأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم ثقة جليل، وربيعة بن يزيد هو الإيادي ثقة عابد روى له الجماعة، والديلمي عبد الله بن فيروز ثقة من كبار التابعين.
ورواه ابن أبي عاصم في «السنة» [٢٤٣]: حدثنا ابن مصفَّى، ثنا بقية، ثنا الأوزاعي عن ربيعة به، وابن مصفَّى هو محمد الحمصي صدوق له أوهام، وكان يدلس لكنه صرَّح بالتحديث، وبقية بن الوليد صدوق معروف بالتدليس لكنه صرَّح بالتحديث، وقد توبعوا كما تقدم وسيأتي.
طريق أخرى لابن أبي عاصم [٢٤٤]: ثنا المسيَّب بن واضح، ثنا أبو إسحاق الفزاري وابن المبارك عن الأوزاعي به. والمسيب قال فيه ابن أبي حاتم «الجرح» (٨/ ٢٩٤) سئل أبي عنه فقال صدوق يخطئ كثيرًا فإذا قيل له لم يقبل» اهـ.
قلت: لكنه قد توبع.
ومن طريق ابن المبارك أخرجه ابن حبان [٦١٦٩].
стр. 34
ومن طريق بقية عن الأوزاعي أخرجه اللالكائي الطبري (٣/ ٦٠٤).
وأخرجه الآجري في «الشريعة» ص [١٧٥]: نا الفريابي، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا ربيعة به. وهذا سند جيد.
وأخرجه الحاكم (١/ ٣٠) والبيهقي (٩/ ٤) من طريق الأوزاعي.
ورواه الترمذي في «سننه» (٧/ ٤٠١ تحفة): حدثنا الحسن بن عرفة، أخبرنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي به، وقال: حديث حسن وهو كما قال فالحسن صدوق وإسماعيل صدوق في الشاميين، وهذا منها فشيخه يحيى بن أبي عمرو السَّيباني بالمهملة ثقة حمصي. وتابع إسماعيل ضمرة، أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» [٢٤٢]: حدثنا ابن مصفَّى، حدثنا ضمرة عن يحيى به، ورواه الآجري في «الشريعة» ص [١٧٥]: حدثنا الفريابي حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش به.
طريق أخرى: رواه أحمد في «مسنده» [٦٨٥٤]: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا محمد بن المهاجر، نا عروة بن رويم عن ابن الديلمي به.
واللالكائي (٣/ ٦٠٤)، والبزار «كشف» [٢١٤٥] من طرق عن عبد الله بن عمرو ﵄ به.
فالحديث صحيح بهذه الطرق.
وظاهر الحديث يفيد أن الخليقة في أصل خلقتها على غير الهدى ويؤيده حديث أبي ذر القدسي الذي رواه مسلم في «صحيحه» [٢٥٧٧]. قال النبي ﷺ : «يقول الله : يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.». الحديث.
فإن قيل كيف الجمع بين هذين الحديثين وبين حديث أبي
стр. 35
هريرة المتفق عليه يرفعه «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصِّرانه أو يُمجِّسانه» الحديث «البخاري فتح» (٣/ ٢١٩)، مسلم [٢٦٥٨].
وحديث عياض بن حمار المجاشعي الذي أخرجه مسلم [٢٨٦٥] قال رسول الله ﷺ : يقول الله : «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». الحديث.
قلت: قال أبو العباس في «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٧١): (والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بإفسادها وتغييرها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. وذكر الآيات.
وقال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة سدد خطاكم قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة». وذكر الحديث، وحديث عياض: «خلقت عبادي حنفاء» الحديث.
وقال (٨/ ٤٦٠): والله قد بعث الرسل وأنزل الكتب ودعوا الناس إلى موجب الفطرة من معرفة الله وتوحيده، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة وإلا استجابت لله ورسله لما فيها من المقتضي لذلك، ومعلوم أن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفًا بالله موحدًا له، بحيث يعقل ذلك فإن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨].
وقال: (٨/ ٤٥٥): «ولهذا لم يذكر النبي ﷺ لموجب الفطرة شرطًا بل ذكر ما يمنع موجبها» اهـ.
وقال في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٩٦): (والنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالإلهية، محبة له، تعبده لا تشرك به شيئًا،
стр. 36
ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل) اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب في «شرح الأربعين» على حديث أبي ذر القدسي: وقوله: «كلكم ضال إلا من هديته» قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار .. «خلقت عبادي حنفاء» وفي رواية «حنفاء مسلمين». وليس كذلك فإن الله خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لابد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل لا يعلم شيئًا، كما قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. والمراد وجدك غير عالم بما علَّمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، فإن هداه الله سبب له من يعلمه الهدى فصار مهتديًا بالفعل بعد أن كان مهتديًا بالقوة، وإن خذله الله قيَّض له من يعلمه ما يغيِّر فطرته كما قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه وينصرانه ويمجسانه».
قلت: لا شك أن الله خلق الخلق وفطرهم على الإسلام، فإن سلمت هذه الفطرة واتصلت بها الهداية التي بعث الله بها رسله كتبت للعبد السعادة وهو الذي أصابه النور في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، وإن انحرفت الفطرة بفعل شياطين الجن والإنس، كان الضلال والشقاوة وهو الذي أخطأه النور في الحديث المتقدم، والتغى حكم الفطرة لأن الأعمال بالخواتيم، هذا ما تيسر جمعه، والله المسئول أن يختم لنا بخاتمة السعادة، وأن يدخلنا دار الكرامة بمنِّه
стр. 37
وكرمه آمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (١)(٢).
стр. 38
هل يشرع التكبير لسجود التلاوة ؟
روى عبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٣٤٥): عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مرَّ بسجدة كبَّر وسجد فسجدنا معه».
ورواه أبو داود في «سننه» (عون ٤/ ٢٨٧) قال: حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي قال: أنبأنا عبد الرزاق قال: أنبأنا عبد الله به. وقال عقبة: قال عبد الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود يعجبه لأنه كبَّر.
ورواه البيهقي في «سننه» (٢/ ٣٢٥) من طريق أبي داود به.
خالفه عبيد الله.
قال أحمد في «مسنده» [٤٦٦٩]: «حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة، فيقرأ السجدة، فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد مكانًا لموضع جبهته».
ورواه البخاري (٢/ ٥٥٦، ٥٦٠، ٥٥٧)، ومسلم [٥٧٥]، وأبو داود «عون» [٤/ ٢٨٧]، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (١/ ٢٢٢) كلهم من طرق عن عبيد الله ليس في شيء منها ذكر التكبير.
ولفظ الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: «كنَّا نجلس عند النبي ﷺ فيقرأ القرآن فربما مرَّ بسجدة فيسجد
стр. 39
ونسجد معه». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قلت: وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني قال أحمد بن حنبل: لا بأس به ولكن ليس مثل أخيه، وقال مرة كان يزيد في الأسانيد ويخالف، وكان رجلًا صالحًا، وقال: كان عبد الله يُسأل عن الحديث في حياة أخيه فيقول: أما وأبو عثمان حي فلا -يعني عبيد الله-. وقال ابن معين: صويلح، وقال ابن المديني: ضعيف، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق في حديثه اضطراب، وقال صالح جزرة ليّن مختلط الحديث، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه. اهـ. بتصرف من «التهذيب». وقال في «التقريب»: ضعيف عابد من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين، وقيل بعدها، روى له مسلم والأربعة. اهـ. قلت: روى له مسلم مقرونًا.
وأما عبيد الله أخوه المصغر فقد قال أحمد فيه: إنه أثبت أصحاب نافع وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحبُّ إليَّ من مالك في حديث نافع. وقال النسائي: ثقة ثبت، ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم. اهـ. بتصرف من «التهذيب».
قال في «التقريب» عنه: أبو عثمان ثقة ثبت مات سنة بضع وأربعين، من الخامسة، روى له الجماعة.
قلت: رواية عبد الله المكبر فيها ثلاثة مطاعن:
стр. 40
الأول: حال عبد الله فإنه ضعيف.
ثانيهما: مخالفته لأخيه عبيد الله وهو أوثق منه.
الثالث: مما يدل على أن عبد الله لم يحفظ الحديث بل كان يهم فيه ما رواه أحمد في «مسنده» [٦٤٦١]: قال حدثا حماد قال: حدثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يُعلمنا القرآن، فإذا مرَّ بسجود القرآن سجد وسجدنا معه».
فأسقط التكبير هنا (١)، ولهذا لم تختلف الروايات عن عبيد الله المصغر بإسقاطه وهي الرواية المحفوظة بلا شك.
ولهذا ضعف النووي في «المجموع» رواية عبد الله (٣/ ٥٦٠).
تنبيه: قال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٩):
حديث ابن عمر سدد خطاكم كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا، رواه أبو داود وفيه العُمري عبد الله المكبّر، وهو ضعيف، وخرجه الحاكم من رواية العمري أيضًا لكن وقع عنده مُصغرًا وهو الثقة، فقال: إنه على شرط الشيخين. قلت: (القائل الحافظ) وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر.
قلت: (القائل عبد الله) لكن ليس في رواية الحاكم ذكر التكبير كما تقدم، ولهذا قال الحافظ في البلوغ: رواه أبو داود بإسناد فيه لين ولم يزد.