ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل) اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب في «شرح الأربعين» على حديث أبي ذر القدسي: وقوله: «كلكم ضال إلا من هديته» قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار .. «خلقت عبادي حنفاء» وفي رواية «حنفاء مسلمين». وليس كذلك فإن الله خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لابد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل لا يعلم شيئًا، كما قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. والمراد وجدك غير عالم بما علَّمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، فإن هداه الله سبب له من يعلمه الهدى فصار مهتديًا بالفعل بعد أن كان مهتديًا بالقوة، وإن خذله الله قيَّض له من يعلمه ما يغيِّر فطرته كما قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه وينصرانه ويمجسانه».
قلت: لا شك أن الله خلق الخلق وفطرهم على الإسلام، فإن سلمت هذه الفطرة واتصلت بها الهداية التي بعث الله بها رسله كتبت للعبد السعادة وهو الذي أصابه النور في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، وإن انحرفت الفطرة بفعل شياطين الجن والإنس، كان الضلال والشقاوة وهو الذي أخطأه النور في الحديث المتقدم، والتغى حكم الفطرة لأن الأعمال بالخواتيم، هذا ما تيسر جمعه، والله المسئول أن يختم لنا بخاتمة السعادة، وأن يدخلنا دار الكرامة بمنِّه
стр. 37
وكرمه آمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (١)(٢).
стр. 38
هل يشرع التكبير لسجود التلاوة ؟
روى عبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٣٤٥): عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مرَّ بسجدة كبَّر وسجد فسجدنا معه».
ورواه أبو داود في «سننه» (عون ٤/ ٢٨٧) قال: حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي قال: أنبأنا عبد الرزاق قال: أنبأنا عبد الله به. وقال عقبة: قال عبد الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود يعجبه لأنه كبَّر.
ورواه البيهقي في «سننه» (٢/ ٣٢٥) من طريق أبي داود به.
خالفه عبيد الله.
قال أحمد في «مسنده» [٤٦٦٩]: «حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة، فيقرأ السجدة، فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد مكانًا لموضع جبهته».
ورواه البخاري (٢/ ٥٥٦، ٥٦٠، ٥٥٧)، ومسلم [٥٧٥]، وأبو داود «عون» [٤/ ٢٨٧]، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (١/ ٢٢٢) كلهم من طرق عن عبيد الله ليس في شيء منها ذكر التكبير.
ولفظ الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: «كنَّا نجلس عند النبي ﷺ فيقرأ القرآن فربما مرَّ بسجدة فيسجد
стр. 39
ونسجد معه». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قلت: وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني قال أحمد بن حنبل: لا بأس به ولكن ليس مثل أخيه، وقال مرة كان يزيد في الأسانيد ويخالف، وكان رجلًا صالحًا، وقال: كان عبد الله يُسأل عن الحديث في حياة أخيه فيقول: أما وأبو عثمان حي فلا -يعني عبيد الله-. وقال ابن معين: صويلح، وقال ابن المديني: ضعيف، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق في حديثه اضطراب، وقال صالح جزرة ليّن مختلط الحديث، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه. اهـ. بتصرف من «التهذيب». وقال في «التقريب»: ضعيف عابد من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين، وقيل بعدها، روى له مسلم والأربعة. اهـ. قلت: روى له مسلم مقرونًا.
وأما عبيد الله أخوه المصغر فقد قال أحمد فيه: إنه أثبت أصحاب نافع وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحبُّ إليَّ من مالك في حديث نافع. وقال النسائي: ثقة ثبت، ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم. اهـ. بتصرف من «التهذيب».
قال في «التقريب» عنه: أبو عثمان ثقة ثبت مات سنة بضع وأربعين، من الخامسة، روى له الجماعة.
قلت: رواية عبد الله المكبر فيها ثلاثة مطاعن:
стр. 40
الأول: حال عبد الله فإنه ضعيف.
ثانيهما: مخالفته لأخيه عبيد الله وهو أوثق منه.
الثالث: مما يدل على أن عبد الله لم يحفظ الحديث بل كان يهم فيه ما رواه أحمد في «مسنده» [٦٤٦١]: قال حدثا حماد قال: حدثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يُعلمنا القرآن، فإذا مرَّ بسجود القرآن سجد وسجدنا معه».
فأسقط التكبير هنا (١)، ولهذا لم تختلف الروايات عن عبيد الله المصغر بإسقاطه وهي الرواية المحفوظة بلا شك.
ولهذا ضعف النووي في «المجموع» رواية عبد الله (٣/ ٥٦٠).
تنبيه: قال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٩):
حديث ابن عمر سدد خطاكم كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا، رواه أبو داود وفيه العُمري عبد الله المكبّر، وهو ضعيف، وخرجه الحاكم من رواية العمري أيضًا لكن وقع عنده مُصغرًا وهو الثقة، فقال: إنه على شرط الشيخين. قلت: (القائل الحافظ) وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر.
قلت: (القائل عبد الله) لكن ليس في رواية الحاكم ذكر التكبير كما تقدم، ولهذا قال الحافظ في البلوغ: رواه أبو داود بإسناد فيه لين ولم يزد.
стр. 41
أما الشواهد فلم أر في المرفوع شيئًا، لكن روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٣٦٤) آثارًا عن الحسن وإبراهيم النخعي وأبي قلابة وابن سيرين أنهم أفتوا بالتكبير للسجود، والله أعلم (١).
стр. 42
قطف الأترج في حل حديث أم سلمة في الحج
عن أم سلمة ﵂ قالت: كانت ليلتي التي يصير فيها إليَّ رسول الله ﷺ مساء يوم النحر، فصار إليَّ، فدخل عليَّ وهب بن زمعة معه رجل من آل أبي أمية مقمصين، فقال رسول الله ﷺ لوهب: «هل أفضت أبا عبد الله؟» قال: لا والله يا رسول الله! قال ﷺ : «انزع عنك القميص»، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: «إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا، -يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء-، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به».
أخرجه أحمد (١٢/ ٢٠١ ساعاتي)، وأبو داود (بذل ٩/ ٣٢٧ عون) (٥/ ٤٨٠) «تهذيب السنن» (٢/ ٤٢٧)، «المنهل العذب» (٢/ ١٧٤)، وابن خزيمة (٤/ ٣١٢)، والحاكم (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠)، والبيهقي (٥/ ١٣٧)، والطبراني (٢٣/ ٤١٢) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة به.
وأبو عبيدة هذا ترجمه في «التهذيب» (١٢/ ١٥٩) روى عنه الزهري وابن إسحاق وغيرهم، قال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا سماه، له عند مسلم حديث عن أمه زينب عن أمها أم سلمة في الرضاعة. اهـ.
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكره خليفة بن خياط في طبقاته في الطبقة الثالثة من «قبائل قريش» ص [٢٥٦]، قال ابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٤٢) بعدما ذكر حديث الترجمة: (ولا يصح لأن أبا عبيدة وإن كان مشهور الشرف والجلالة في الرياسة فليس معروفًا بنقل
стр. 43
الحديث، ولا معروفًا بالحفظ، ولو صح لقلنا به مسارعين إلى ذلك وقد قال به عروة بن الزبير) (١) اهـ.
وقال الذهبي في «الكاشف» (٣/ ٣١٥): أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة .. ثقة، وقال الحافظ في «التقريب»: مقبول.
طريق أخرى: وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير عن زينب عن أم سلمة به، قلت: وهذا إسناد ضعيف، محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه، وخالد مولى الزبير، قال الحسيني في «الإكمال» [٢٢١]: خالد مولى الزبير بن نوفل عن زينب بنت أبي سلمة وعنه يزيد ابن رومان لا يُدرى من هو. وتبعه الحافظ من التعجيل [٢٦٧] وقال العراقي في «ذيل الكاشف» [٩٢]: لا أعرفه. اهـ.
طريق أخرى: أخرج الطحاوي في «شرح المعاني» (٢/ ٢٢٧ـ ٢٢٨) من طريق ابن لهيعة، ثنا الأسود عن عروة عن جُدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب صاحب النبي ﷺ وأخًا له آخر جاءاها حين غابت الشمس يوم النحر فألقيا قميصيهما فقالت: ما لكما؟ قالا: إن رسول الله ﷺ قال: «من لم يكن أفاض من هنا فليلق ثيابه». وكانوا تطيبوا ولبسوا الثياب.
وأخرجه من طريق ابن لهيعة به عن عروة عن أم قيس بنت محصن قال: دخل عليَّ عكاشة بن محصن وآخر في منى مساءً يوم الأضحى فنزعا ثيابهما وتركا الطيب، فقلت: ما لكما؟ فقالا: إن رسول الله ﷺ قال لنا: «من لم يفض إلى البيت من عشية هذه فليدع الطيب والثياب» اهـ. وذكر هذين الطريقين الحافظ ابن حجر في «الإصابة» في ترجمة عكاشة بن وهب .. وقال:
стр. 44
كأن الطريق الثانية أصح - يعني عن عروة عن أم قيس، فقد جاء الحديث من وجه آخر عنها رواه الحاكم (١/ ٤٩٠) اهـ.
قلت: الطريق التي أشار إليها الحافظ أخرجها الحاكم بعد حديث الترجمة قال: وقال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس، يعني به مثله وهذان الطريقان فيهما ابن لهيعة وهو عبد الله القاضي صدوق خلط بعد احتراق كتبه .. كذا في «التقريب»، والمختار أن حديثه حسن في الشواهد، وعند التفرد ضعيف.
وخلاصة ما تبين لي في هذا الحديث أنه بهذه الطرق يصل إلى درجة الاحتجاج ولا أشك في ذلك، لكن الشأن في متنه، قال البيهقي (٥/ ١٣٦): لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول به. وقال أبو العباس الطبري في «القرى لقاصد أم القرى» [٤٧٢]: وهذا حكم لا أعلم أحدًا قال به، وذكره النووي في «المجموع» (٨/ ٢٠٥)، وصدَّره بقوله: (فرع) في بيان حديث مُشكل، وقال عقبه: وهذا الإسناد صحيح ثم ذكر كلام البيهقي المتقدم، ثم قال: فيكون الحديث منسوخًا دلَّ الإجماع على نسخه، فإن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ، لكن يدل على ناسخ. اهـ.
وحديث الترجمة قال عنه ابن القيم في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٢٧) إنه محفوظ، وذكره الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٢٦٠) وسكت عنه، وجوَّده الساعاتي وصححه الألباني كما في «صحيح ابن خزيمة» حديث رقم [٢٩٥٨] (٤/ ٣١٢) وكذلك جوَّده أمين خطاب في تكملة شرح والده على أبي داود في المسمى «المنهل العذب المورود» وقد أفتى به عروة كما ذكر ذلك ابن حزم وتقدم، وأفتى به الشيخ علي ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - كما في مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، وأما عبد الله ابن الشيخ محمد فقد قال:
стр. 45
(ونحن ما تجاسرنا على الفتيا به لأجل أنه خلاف أقوال العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم) اهـ.
وسألت شيخنا العلامة المحدِّث سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز ... - حفظه الله - فقال: (هو حديث شاذ .. والنبي ﷺ قد بيَّن أمر الحج أتم البيان ..) اهـ.
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: إنه حديث شاذ.
تنبيه: ذكر بعضهم إجابة عن هذا الحديث خلاصتها أن هذا كان من النبي ﷺ لهذين الرجلين على سبيل الاحتياط وخشية مواقعة المحرم من إتيان النساء قبل طواف الإفاضة، وذلك لما دخلا عليه متطيِّبَيْن فسلم هذا الطريق معهم سدًّا للذريعة ولم يكن تعبدًا بل سياسة .. إلخ.
قال صاحب «بذل المجهود» آثرًا له عن بعض شيوخه، وهو في «شرح إعلاء السنن» (١٠/ ١٦٥).
قلت: وهذا ليس بشيء فإن النبي ﷺ سنَّ لأمته التطيب قبل الطواف بفعله وقوله ولم يستثن حالة ولا أشخاصًا ولم يبين هذا لأمته بيانًا عامًّا يحصل به البلاغ حتى يذكره لرجلين دخلا عليه، وإنما هو مُبلغ.
وإطلاقات الأحاديث الصحيحة المخرَّجة في الصحيحين وغيرهما صريحة في عدم تقييد الإحلال بزمن معيَّن فرجوع الحلال حرامًا بعدما حل بالرمي والذبح والحلق لأجل كونه لم يطف بالبيت حتى المساء مستنكر غريب في النصوص المتظاهرة في صفة الحج، ثم الأحكام التي تُبلغ في مثل هذا الجمع تتوافر الهمم والدواعي على نقلها، وقد كان النبي ﷺ ينسك المناسك ويقول: «خذوا عني مناسككم». وهذا حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه الذي هو منسك متكامل دقيق لم يذكر مثل هذا.
стр. 46
وقال شيخنا في «شرح البلوغ»: (حديث جابر حديث عظيم لم يرد في الأنساك مثله، وحديث جابر منسك مستقل) اهـ. بحروفه.
هذا جهد المقل حسب ما تيسر ونسأل الله حسن الختام، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١).
стр. 47
مدة المهادنة مع الكفار
قال أبو محمد في «المغني» (١٣/ ١٥٤ـ١٥٥): (ولا تجوز المهادنة من غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية).
فصل
ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة لما ذكرناه، قال القاضي: وظاهر كلام أحمد أنها تجوز أكثر من عشر سنين، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، عام خُصَّ منه مدة العشر لمصالحة النبي ﷺ قريشًا يوم الحديبية عشرًا ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم، فعلى هذا إن زاد المدة على عشر بطل في الزيادة وهل تبطل في العشر على وجهين بناءً على تفريق الصفقة، قال: وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنه يجوز على أكثر من عشر على ما يراه الإمام من المصلحة، وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأنه عقد يجوز في العشر فجاز على الزيادة عليها كعقد الإجارة والعام مخصوص في العشر لمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصُّلح أكثر منها في الحرب» اهـ.
وقال في «الإنصاف»: (وإن هادنهم مطلقًا لم يصح).
هذا المذهب وعليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين: تصح وتكون جائزة ويعمل بالمصلحة لأن الله تعالى أمر بنبذ العهود المطلقة، وإتمام المؤقتة.
فائدة: لو قال: «هادنتك ما شئنا وشاء فلان» لم يصح على الصحيح من المذهب، وقيل: يصح اختاره القاضي، ولو قال: «نُقركم على ما أقرَّكم الله» لم يصح على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين: يصح أيضًا وأن معناه في قوله: «ما شئنا» اهـ.
стр. 48
وقال في «حاشية الروض» (٤/ ٢٩٩): (وقال الشيخ: وأما المطلق فهو عقد جائز يعمل فيه الإمام بالمصلحة، ومتى مات الإمام أو عزل، لزم من بعده الوفاء بعقده).
وقال أبو العباس في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٤٠): (ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: أن الهدنة لا تصح إلا مؤقتة: فقوله- مع أنه مخالف لأصول أحمد يرده القرآن وترده سنة رسول الله ﷺ في أكثر المعاهدين، فإنه لم يؤقت معهم وقتًا).
وقال أبو هبيرة في «الإفصاح» (٢/ ٢٩٦): (واختلفوا في مدة العهد فقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز ذلك على الإطلاق إلا أن أبا حنيفة قال: متى وجد للإمام قوة نبذ إليهم عهدهم وفسخ، وقال مالك والشافعي: لا يجوز أكثر من عشر سنين) اهـ.
فصل
وقال النووي في «شرح مسلم» على حديث الصلح (١٢/ ١٤٣): (وفي هذه الأحاديث دليل لجواز مصالحة الكفار إذا كان فيها مصلحة وهو مجمع عليه عند الحاجة، ومذهبنا أن مدَّتها لا تزيد على عشر سنين إذا لم يكن الإمام مستظهرًا عليهم، وإن كان مستظهرًا لم يزد على أربعة أشهر، وفي قول: يجوز دون سنة، وقال مالك: لا حدَّ لذلك بل يجوز ذلك قلَّ أم كثر بحسب رأي الإمام، والله أعلم) اهـ.
وقال في «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٣٥): (وإن كان بالمسلمين ضعف، جازت الزيادة إلى عشر سنين بحسب الحاجة، ولا تجوز الزيادة على العشر، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية استؤنف العقد) اهـ.
وقال في «شرح السنة» في فوائد الصلح (١١/ ١٦١): (واختلف أهل العلم في مقدار المدة التي يجوز أن يُهادَن الكفار إليها عند ضعف الإسلام، فذهب الشافعي إلى أن أقصاها عشر سنين لا يجوز أن
стр. 49
يجاوزها، لأن الله سبحانه أمر بقتال الكفار في عموم الأوقات، فلا يخُرج منها إلا القدر الذي استثناه الرسول ﷺ عام الحديبية، وقال قوم: لا يجوز أكثر من أربع سنين، وقال قوم: ثلاث سنين، لأن الصلح لم يبق بينهم أكثر من ثلاث سنين، ثم إن المشركين نقضوا العهد، فخرج النبي ﷺ إليهم وكان الفتح، وقال بعضهم: ليس لذلك حد معلوم، وهو إلى الإمام يفعل على حسب ما يرى من المصلحة ... إلى أن قال: ولو هادنهم إلى غير مدة على أنه متى بدا له نقض العهد، فجائز) اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» (٥/ ٣٤٣): (وقد اختلف في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين، فقيل: لا تجاوز عشر سنين وهو قول الجمهور والشافعي، وقيل تجوز الزيادة، وقيل: لا تجاوز أربع سنين، وقيل: ثلاثًا، وقيل: سنتين، والأول هو الراجح، والله أعلم) اهـ.
فصل
قال ابن عبد البر في «الكافي» (١/ ٤٦٩): (ويستحب ألا تكون مدة المهادنة أكثر من أربعة أشهر إلا مع العجز).
وقال الشيخ محمد عليش في «شرح مختصر خليل»: (ولا حدَّ لمدة المهادنة واجب والرأي فيها للإمام بحسب اجتهاده وندب ألا تزيد مدتها على أربعة أشهر لاحتمال حدوث قوة بالمسلمين، وهذا حيث استوت المصلحة في تلك المدة وفي غيرها» اهـ.
وقال أحمد الدردير في «الشرح الكبير» (٢/ ٢٠٦): («قوله: ولا حد واجب لمدتها» لا يقال هذا يخالف ما سبق من أن شرط المهادنة أن تكون مدتها معينة، لأنا نقول المراد أن شرطها أن يكون في مدة بعينها لا على التأبيد ولا على الإبهام ثم تلك المدة لا حدَّ لها بل يعيُّنها الإمام باجتهاده) اهـ.
стр. 50
وقال القرطبي في «تفسيره» (٨/ ٤١): (وقال ابن حبيب عن مالك: تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين وإلى غير مدة) اهـ.
فصل
قال ابن الهمام في «فتح القدير على شرح البداية» (٥/ ٤٥٨): (قوله وإن رأى الإمام موادعة أهل الحربُ وأن يأخذ المسلمون على ذلك مالًا جاز لأنه لما جاز بلا مال، فبالمال وهو أكثر نفعًا أولى إلا أن هذا إذا كان بالمسلمين حاجة، أما إذا لم تكن فلا يوادعهم لما بيّنا من قبل يعني قوله، لأنه تركٌ للجهاد صورة ومعنى) اهـ.
وقال الكاساني في «بدائع الصنائع» (٧/ ١٠٨): (ولا تجوز - يعني الموادعة - عند عدم الضرورة لأن الموادعة ترك القتال المفروض فلا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال) اهـ. وأطلق فلم يذكر مدة ولا حدًّا. وصرح به في الهداية فقال: (ولأن الموادعة جهاد معنى إذا كان خيرًا للمسلمين لأن المقصود وهو دفع الشر حاصل به ولا يقتصر الحكم على المدة المروية لتعدي المعنى إلى ما زاد عليها بخلاف ما إذا لم يكن خيرًا؛ لأنه ترك للجهاد صورة ومعنى) اهـ. بواسطة «إعلاء السنن» (١٢/ ٣٠).
فصل
قال ابن المنذر في «الإقناع» (٢/ ٤٩٨): (ولا يجوز أن يصالحهم إلى غير مدة؛ لأن في ذلك ترك قتال المشركين، وذلك غير جائز، ولا أحب أن يجُاوز بالمدة عشر سنين لأن ذلك أكثر ما قيل إن النبي ﷺ هادن قريشًا إليه) اهـ.
وقال الشوكاني في «السيل الجرار» (٤/ ٥٦٥): (وأما كون المدة معلومة فوجهه أنه لو كان الصلح مطلقًا أو مؤبدًا لكان ذلك مبطلًا للجهاد الذي هو من أعظم فرائض الإسلام، فلابد من أن يكون مدة
стр. 51
معلومة على ما يرى الإمام من الصلاح، فإذا كان الكفار مستظهرين وأمرهم مستعلنًا جاز له أن يعقده على مدة طويلة ولو فوق عشر سنين، وليس في ذلك مخالفة لعقده ﷺ للصلح الواقع مع قريش، فإنه ليس في هذا ما يدل على أنه لا يجوز أن تكون المدة أكثر من عشر سنين إذا اقتضت المصلحة) اهـ.
هذا ما تيسر إعداده لشيخنا الفاضل ﵀ وسدده آمين (١).
стр. 52
من أفطر يظن غروب الشمس ثم تبين أنها لم تغب هل يقضي أم لا ؟
اختلف في هذه المسألة على قولين:
والأصل في هذا ما رواه البخاري في «صحيحه» قال ﵀: (باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس): وأسند حديث هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس)، قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: بدٌّ من القضاء؟ وقال معمر: سمعت هشامًا يقول: لا أدري أقضوا أم لا (١).
فذهب الجمهور الأئمة الأربعة إلى وجوب القضاء وهو إحدى الروايتين عن عمر سدد خطاكم وهو اختيار صاحب «المغني» و «المجموع».
واختاره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وابنه عبد الله والشيخ محمد بن إبراهيم - على سبيل الاحتياط - واختاره سماحة الشيخ ابن باز، وذهب أحمد في الرواية الأخرى وإسحاق إلى عدم القضاء واختاره ابن خزيمة من الشافعية، وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين ﵏ أجمعين.
стр. 53
فصل
حاصل ما استدل به الموجبون للقضاء:
أولاً: عموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ الآية. وهذا قد أكل في النهار.
ثانيًا: بقول هشام بن عروة أحد رواة الحديث: بدٌّ من القضاء.
ثالثًا: ما روي عن عمر فقد روى الأثرم عنه أنه قال: من أكل فليقض يومًا مكانه، وروى البيهقي عن علي بن حنظلة عن أبيه قال: كنت عند عمر في رمضان فأفطروا وأفطر الناس فصعد المؤذن ليؤذن فقال: أيها الناس هذه الشمس لم تغرب، فقال عمر: من كان أفطر فليصم يومًا مكانه، وفي رواية له عنه: لا نبالي والله نقي يومًا مكانه، وروى من طريق الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أخيه خالد بن أسلم أن عمر أفطر في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! قد طلعت الشمس، فقال عمر: الخطب يسير وقد اجتهدنا. قال الشافعي ومالك: معنى الخطب يسير قضاء يوم مكانه. قال البيهقي: وفي تظاهر هذه الروايات عن عمر دليل على خطأ رواية زيد بن وهب - وستأتي - في ترك القضاء.
رابعًا: ما رواه البيهقي بإسناده عن شعيب بن عمرو بن سليم الأنصاري قال: أفطرنا مع صهيب الخير في شهر رمضان في يوم غيم وطش، فبينما نحن نتعشى إذ طلعت الشمس، فقال صهيب: طعمة الله، أتموا صيامكم إلى الليل واقضوا يومًا مكانه.
فصل
حاصل ما استدل به المسقطون للقضاء:
أولاً: عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
стр. 54
فجمع بين النسيان والخطأ، ومن فعل محظورًا ناسيًا لم يكن قد فعل منهيًّا عنه فلا يبطل بذلك شيء من العبادات.
ثانيًا: الرواية الأخرى عن عمر في ترك القضاء، فقد روى البيهقي من طريق الأعمش عن المسيب بن رافع عن زيد بن وهب قال: (بينما نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان والسماء متغيمة فرأينا أن الشمس قد غابت وأنَّا قد أمسينا فأُخرجت لنا عِساس من لبن من بيت حفصة فشرب عمر سدد خطاكم وشربنا فلم نلبث أن ذهب السحاب وبدت الشمس فجعل بعضنا يقول لبعض نقضي يومنا هذا فسمع بذلك عمر فقال: والله لا نقضيه وما تجانفنا لإثم).
قال شيخ الإسلام: (إسناده أثبت من إسناد الرواية الأخرى، وقال قوله: الخطيب يسير: تأول ذلك من تأوله على أنه أراد خفة القضاء، لكن اللفظ لا يدل على ذلك) اهـ. وأخرجه في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٧٦٥).
ورواية صهيب فيها نظر ففيها شعيب بن عمرو لم يوثقه سوى ابن حبان (١).
ثالثًا: قول هشام: بدٌّ من القضاء من كلامه ولهذا قال في رواية معمر عنه لا أدري أقضوا أم لا. وقد خالفه أبوه وهو أعلم منه. قاله شيخ الإسلام ﵀ ونقله ابن حزم عن عروة في ترك القضاء.
رابعًا: دعوة الشارع إلى المسارعة بالفطر، قال شيخ الإسلام: (ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك إلا بعد أن يذهب وقت طويل من الليل يفوت المغرب، ويفوت تعجيل الفطور، والمصلي مأمور بصلاة المغرب وتعجيلها فدلَّ على أنه لا يستحب التأخير مع الغيم إلى أن يتيقن الغروب، فإن الصحابة لم يفعلوا
стр. 55
ذلك (١)، ولم يأمرهم به والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ورسوله والفطر قبل صلاة المغرب أفضل بالاتفاق.
خامسًا: (أنه لو كان القضاء واجبًا لنقل، فإن النبي ﷺ لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل دلَّ على أنه لم يأمرهم به) اهـ. من كلام شيخ الإسلام ﵀ (٢)، والله أعلم (٣).
стр. 56
التحرير في حكم قتل الخنزير قبل نزول عيسى ﷺ -
عن أبي هريرة سدد خطاكم قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» رواه الشيخان وغيرهما.
فصل في كلام أهل العلم
قال ابن القيم ﵀ في «الهدي» (٥/ ٧٨٣): (وفي رواية أبي طالب - يعني عن الإمام أحمد - إذا أسلم وله خمر أو خنازير، تصب الخمر، وتُسرَّح الخنازير وقد حرُما عليه، وإن قتلها فلا بأس).
وقال في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦١): (وقال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبد الله عن خنازير أهل الذمة وخمورهم؟ قال: لا تقتل خنازيرهم فإن لهم عهدًا).
وقال في «الطرق الحكمية» ص [٢٥١]: (وفي مسائل صالح قال أبي: يُقتل الخنزير ويُفسد الخمر ويُكسر الصليب ..). ثم ذكر حديث الباب بعد ذلك في جملة أحاديث مستدلًا بها على جواز التعزير بإتلاف المال، ثم قال: (فهؤلاء رسل الله ﷺ كلهم على محَقْ المحرَّم وإتلافه بالكلية).
وقال في «شرح الشروط العمرية في أحكام أهل الذمة» (٢/ ٧٢٥): قوله: (ولا نجاورهم بالخنازير، ولا بيع الخمور) قال: ولا تكون الخنازير مجاورة لهم ويجوز أن يكون بالزاي أي لا نتعدى بها عليهم جهرة بل إذا أتينا بها إلى بيوتنا أتينا بها خفية بحيث لا يطلعون على ذلك.
стр. 57
وقال ابن قاسم في «حاشية الروض» (٤/ ٣١٦) على قول صاحب الروض: (ويُمنعون من إظهار خمر وخنزير فإن فعلوا أتلفناهما) قال: أي أتلفنا الخمر والخنزير إذا أظهروهما في الأسواق وغيرها لتأذي المسلمين بذلك وفُشُوه فيهم، وإن لم يظهروهما لم نتعرض لهم.
فصل
قال الخطابي في «معالم السنن» «تهذيب السنن» (٦/ ١٧٧): (قوله: ويقتل الخنزير: فيه دليل على وجوب قتل الخنزير .. وذلك أن عيسى - صلوات الله عليه - إنما يقتل الخنزير في حكم شريعة نبينا محمد ﷺ لأن نزوله إنما يكون في آخر الزمان وشريعة الإسلام باقية).
وقال البغوي في «شرح السنة» (١٥/ ٨١): (ومعنى قتل الخنزير تحريم اقتنائه وأكله وإباحة قتله؛ لأن عيسى ﵇ إنما يقتلها على حكم شرع الإسلام، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه).
وقال النووي في «المجموع» (٩/ ٢٧٨): (لا يجوز اقتناء الخنزير سواء كان فيه عدوى تعدو على الناس أم لم يكن، لكن إن كان فيه عدوى وجب قتله قطعًا وإلا فوجهان:
١ - يجب قتله.
٢ - يجوز قتله، ويجوز إرساله وهو ظاهر نص الشافعي).
وقال في «الروضة» (١٠/ ٢٥٩): (وإذا دخلنا دراهم - يعني الكفار- غُزاة قتلنا الخنازير وأرقنا الخمور).
وقال الحافظ في «الفتح» (٥/ ٤٢): (وقال أبو عبد الملك: وأما قوله في كل كبد رطبة أجر) قال: مخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يُقوَّى ليزداد ضرره .. ، وتعقبه ابن التين بقوله: (ولا يمتنع إجراؤه على عمومه يعني فيُسقى ثم يُقتل).
стр. 58
وقال الحافظ (٥/ ١٢١): (على قول البخاري باب كسر الصليب وقتل الخنزير، قال وفي إيراده هنا إشارة إلى أن من قتل خنزيرًا أو كسر صليبًا لا يضمن لأنه فعل مأمورًا، وقد أخبر ﵇ أن عيسى سيفعله وهو إذ نزل كان مقررًا لشرع نبينا محمد ﷺ .
ونقل الدَّميري في «حياة الحيوان» (١/ ٣٠٣، ٣٠٥) كلام الخطابي المتقدم وكلام النووي وقال: (ونقل ابن المنذر الإجماع على نجاسته وفي دعواه الإجماع نظر، لأن مالكًا يخالف فيه نعم هو أسوأ حالًا من الكلب فإنه يستحب قتله).
فصل
وقال العيني في «شرح البخاري» (١٠/ ٣٤٩) تحت باب قتل الخنزير: (أي هذا باب في بيان قتل الخنزير هل هو مشروع كما شرع تحريم أكله؟ والجمهور على جواز قتله مطلقًا إلا ما روي شاذًّا عن بعض الشافعية أنه يترك الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة، وقال ابن التين: ومذهب الجمهور أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها وتمكنَّا من قتله قتلناه. قلت: - القائل العيني -: ينبغي أن يُستثنى خنزير أهل الذمة لأنه مال عندهم، ونحن نهينا عن التعرض لأموالهم فإن قلت: يأتي عن قريب أن عيسى ﵇ حين ينزل يقتل الخنزير مطلقًا. قلت: يقتل الخنزير بعد قتل أهله).
فصل من مات وهو محرم هل يكمل حجه ؟
وقال ابن حزم في «المحلى» (١١/ ٣٣٥): (فيمن سرق خمرًا لذمي أو لمسلم أو سرق خنزيرًا .. قال بعد كلام طويل: من سرقها لم يسرق مالًا لأحد، لا قيمة لها أصلًا ولا سرق شيئًا يحل إبقاؤه جملة،
стр. 59
فلا شيء عليه، والواجب هرقها على كل حال لمسلم وكافر وكذلك قتل الخنازير).
تنبيه: روى حميد بن زنجويه في «الأموال» (١/ ١٨٠): (من طريق عبيد الله بن عمرو عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير ونقص أثمانها لأهل الجزية من جزيتهم).
قلت: وهذا إسناد ضعيف، ليث ضعيف ولم يدرك عمر، هذا ما تيسر إيراده مع ضيق الوقت، والله أعلم (١).
стр. 60
من مات وهو محرم هل يكمل حجه ؟
المحرم إن مات في إحرامه هل يؤدى عنه ما بقي؟
الأصل في ذلك حديث ابن عباس ﵃ أن رجلًا كان مع النبي ﷺ فوقصته دابته وهو محرم، فمات فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماءٍ وسدرٍ وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبيًا» متفق عليه.
الحديث بوب عليه البخاري في «صحيحه»: باب المحرم يموت بعرفة، ولم يأمر النبي ﷺ أن يؤدى عنه بقية الحج.
قال الحسين بن مسعود البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣٢٣) بعدما ذكر الحديث: (وفي الحديث دليل على أن المحرم لا يؤدى عنه بقية الحج؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك).
ومن «الفتاوى السعدية» ص [٢٥١]: (إذا مات المحرم في أثناء النسك فهل يقضى عنه بقيته؟
الجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أن من مات، وقد شرع في النسك ولم يكمله أنه يكمل عنه مع وجود ذلك.
بل الثابت عن النبي ﷺ في قصة الذي وقصته راحلته عشية عرفة، أنه أمر بتغسيله وتجنيبه ما يتجنبه المحرم، وأخبر أنه يُبعث ملبيًا يوم القيامة.
فهذا يدل على أنه من كرامته على الله، أن نسكه مستمر، وأنه يبعث يوم القيامة بصفة المحرمين.
فلو كان في الإمكان أن يناب عنه في الدنيا، لكان نائبه بمنزلته،
стр. 61
وإذا كمل النسك، خرج منه الأصيل والنائب.
وأيضًا فالنبي ﷺ لم يأمر فيه ولا في أمثاله أن يكمَّل عنه، وإنما الثابت عنه ﷺ أنه أجاز النيابة في جميع النسك، لا في بعضه.
ويؤيد هذا أن كل عبادة مات العبد قبل تكميلها، أنها لا تكمل عن صاحبها، فإما أن تسقط عنه ولا يلزم أن تقضى، وإما أن يقضى جميعها من أولها، فما الموجب لخروج النسك عن هذا الضابط العام؟ اهـ.
وقال النووي في «المجموع» (٧/ ١٢٢): (فرع إذا مات الحاج عن نفسه في أثنائه، هل تجوز النيابة على حجه؟
فيه قولان مشهوران (الأصح) الجديد لا يجوز كالصلاة والصوم و (القديم) يجوز لدخول النيابة فيه .. إلخ).
وقال في «المغني» (٥/ ٤٠) ط. التركي: (ولو أحرم بالحج ثم مات صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك سواء كان إحرامه لنفسه أو لغيره، نص عليه، لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد فعل بعضها قي عنه باقيها كالزكاة.
قلت: لم يذكر رواية أخرى.
وفي «الفتاوى الكبرى الفقهية» لابن حجر المكي (٢/ ١٣٠) سؤال عمن أحرم بالحج تطوعًا ثم مات وقد بقي عليه نحو طواف الركن فهل يجب القضاء من تركته؟
فأجاب: لا قضاء عليه، لأن موجبه الفوات أو الإفساد ولم يوجد واحد منهما هنا، وتقصيره بنحو الطواف لو فرض أن فيه تقصيرًا لا يوجب القضاء كما هو ظاهر.
وقال في «الفتاوى الهندية» العالمكيرية (١/ ٢٦٠): (الحاج عن الميت إذا مات بعد الوقوف بعرفة أجزأه عن الميت ولو لم يمت
стр. 62
ورجع قبل طواف الزيارة فهو حرام عن النساء فيرجع بغير إحرام بنفقته ويقي ما بقي كذا في الذخيرة في فصل المأمور بالحج) اهـ.
وقال في «حاشية رد المحتار» لابن عابدين (٢/ ٥٩٤): (قوله فلتمام حجه به) قالوا المأمور بالحج إذا مات بعد الوقوف بعرفة قبل طواف الزيارة يكون مجزئًا (بحر).
وفي موضع آخر (٢/ ٦٠٤) قال: وفي التجنيس: إذا مات بعد الوقوف بعرفة أجزأ عن الميت لأن الحج عرفة بالنص (١).
стр. 63
تحبير المقال في حديث الأوعال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
حديث العباس بن عبد المطلب سدد خطاكم قال: (كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ بالبطحاء، فمرت سحابة فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما هذا؟» قلنا: السحاب. قال: «والمُزن»، قلنا: المزن، قال: «والعنان»، قال: فسكتنا، قال: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين رُكبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ﵎ فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء».
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن خزيمة، وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية، وعلى المريسي، وابن أبي عاصم، والآجري، وأبو الشيخ، وابن منده، واللالكائي، والطبري، والبيهقي، وأبو يعلى، والجوزقاني (١)، وابن الجوزي من طرق عن سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس عن العباس سدد خطاكم به .. وقد رواه عن سماك أربعة، وهم: إبراهيم بن طهمان، وعمرو بن أبي قيس،
стр. 64
والوليد بن أبي ثور، وشعيب بن خالد .. وهذا تفصيل رواياتهم:
أما رواية إبراهيم بن طهمان فقد أخرجها أبو داود «عون» (١٣/ ١٠) في سننه، وابن منده في «كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله» (١/ ١١٥)، والآجري في «الشريعة» ص [٢٩٢]، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٥٨)، والجوزقاني في «الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير» (١/ ٧٧) كلهم من طرق عنه به.
وأما رواية عمرو بن أبي قيس فقد أخرجها أبو داود «عون» (١٣/ ١٠) والترمذي في جامعه «تحفة» (٩/ ٢٣٣) وابن أبي عاصم في «كتاب السنة» برقم [٥٧٧]، وابن خزيمة في «كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب» (١/ ٢٣٤)، وابن منده في «التوحيد» (١/ ١١٤)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٥٦٦)، واللالكائي، والطبري في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٣٨٩) كلهم من طرق عنه به.
وأما رواية الوليد بن أبي ثور فقد أخرجها أحمد في «مسنده» (١/ ٢٠٧)، وأبو داود في سننه «عون» (١٣/ ٥)، وابن ماجه في «سننه» (١/ ٦٩)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٢٣٦)، والآجري في «الشريعة» ص [٢٩٢]، واللالكائي، والطبري في «شرح أصول الاعتقاد» (٣/ ٣٩٠)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٢٤) كلهم من طرق عنه به.
وأما رواية شعيب بن خالد فقد أخرجها أحمد في «مسنده» (١/ ٢٠٦)، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده» برقم [٦٧١٣]، والحاكم في «مستدركه» (١/ ٣٧٨)، وابن الجوزي في «العلل» (١/ ٢٣) عنه به، ولكنها لا تصح؛ لأنها عندهم من طريق يحيى بن العلاء عن شعيب، ويحيى كذبه أحمد وقال في «التقريب»: (رمي بالوضع).
تنبيه: سقط من طريق شعيب الأحنف بن قيس بين ابن عميرة والعباس سدد خطاكم مداره على عبد الله بن عميرة وتلميذه سماك بن حرب، قال في «التهذيب»: (٥/ ٣٤٤) عن عبد الله بن عميرة:
стр. 65
كوفي روى عن الأحنف بن قيس عن العباس حديث الأوعال، وعنه سماك بن حرب وفيه عن سماك اختلاف، وقال البخاري: (لا يعلم له سماع من الأحنف، وذكره ابن حبان في الثقات، وحسَّن الترمذي حديثه .. ولخص الكلام عليه في «التقريب» بقوله: (مقبول).
وسماك بن حرب «قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال صالح جزرة: يضعف، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال ابن المديني: روايته عن عكرمة مضطربة، وقال يعقوب بن شيبة: هو في غير عكرمة صالح الحديث، وليس من المتثبتين» قاله في «الميزان».
وقال في «التقريب»: صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيَّر بآخره فكان ربما تلقن.
طريق آخر: عن الحسن عن أبي هريرة سدد خطاكم مرفوعًا، رواه أحمد في مسنده (٢/ ٣٧٠) قال: حدثنا سريج، حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن به.
والترمذي «تحفة» (٩/ ١٨٥): قال حدثنا عبد بن حمُيد وغير واحد - المعنى واحد - قالوا: أخبرنا يونس بن محمد شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال حدث الحسن به.
وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٥٤): قال حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبو جعفر الرازي عن قتادة به.
والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٤٣) من طريق آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان حدثنا قتادة به.
ولفظه عندهم نحو حديث العباس دون ذكر الأوعال في آخره. وفيه الحسن عن أبي هريرة ولم يسمع منه عند الجمهور.
طريق آخر: عن أبي ذر سدد خطاكم مرفوعًا:
стр. 66
رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٤٤) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي ذر سدد خطاكم ومن طريق البيهقي أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٢٦) غير أنه زاد بين الأعمش وأبي ذر أبا نصر، وهو مختصر دون ذكر الأوعال.
طريق آخر موقوف على ابن مسعود سدد خطاكم.
قال الطبراني في «الكبير» (٩/ ٢٢٨): حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود مختصر دون ذكر الأوعال .. قال في «المجمع» (١/ ٨٦): ورجاله رجال الصحيح.
ورواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٢٤٥): من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد به، ورواه البيهقي أيضًا من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود سدد خطاكم .. دون ذكر الأوعال.
ورواه الحاكم في «مستدركه» (٢/ ٣٧٨) من طريق شريك عن سماك .. غير أنه وقفه على العباس سدد خطاكم ولفظه عن العباس سدد خطاكم في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحافة: ١٧]. أملاك على صورة الأوعال بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين سنة أو خمس وستين سنة.
فائدة: انقسم العلماء في الحكم على هذا الحديث ثلاثة أقسام:
قسم رأى جودته وصحته منهم ابن خزيمة، فقد صرح في مقدمة كتاب التوحيد أنه لا يذكر إلا ما صح وثبت، وقد ذكره كما تقدم، وحسنه الترمذي، وسكت عنه أبو داود، وقد قال: وما سكت عنه فهو صالح، وصححه الجوزقاني في كتاب الأباطيل، وقواه أبو العباس بن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٩١)، وابن القيم في «تهذيب
стр. 67
السنن» (٧/ ٩١)، وكذلك صححه الحاكم.
وقسم بالغ فقال: هو مُتلقف من الإسرائيليات قاله ابن العربي في «شرح الترمذي» (١٢/ ٢١٨) وتوسط جمع كثير فقالوا: ضعيف، والله أعلم.
تنبيه: وقع في بعض الروايات تقدير المسافة بخمسمائة سنة، وفي بعضها باثنتين أو ثلاث وسبعين سنة.
قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (٧/ ٩٤): (فحيث قدر النبي ﷺ بالسبعين أراد به السير الريع سير البريد، وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب، فكل منهما يصدق الآخر، ويشهد بصحته، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (١).
стр. 68
بزوغ القمرين في تخريج حديث نهيت عن صوتين
قال الترمذي في «سننه» (٤/ ٨٧): (حدثا علي بن خشرم، أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر بن عبد الله سدد خطاكم قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ﷺ فوضعه في حجره فبكى فقال له عبد الرحمن: أتبكي؟ أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: «لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب، ورنَّة الشيطان».
ورواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (١/ ١٥٩منحة)، والبزار في «مسنده» (١/ ٣٨٠ كشف)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٦٢)، وعبد بن حمُيد كما في «المنتخب» [١٠٠٤]، وابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٣٨)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٩٣)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٤٠)، والبيهقي في «السنن» (٤/ ٦٩)، والحكيم الترمذي في «المنهيات» ص [٤٢]، والآجري في «ذم الملاهي» ص [١١٩]، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٤٣١)، كلهم من طرق عن ابن أبي ليلى به، وزاد نسبته في «نصب الراية» إلى مسند إسحاق وأبي يعلى.
ووقع في بعض ألفاظه: «صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة». وفي لفظ: «صوت عند نعمة» بالمهملة ورجحه المُناوي في «الفيض» لمقابلته المصيبة.
والحديث حسنه الترمذي وفي بعض النسخ بزيادة صحيح، وصححه الطحاوي بإيراده في شرح معاني الآثار محتجًّا به كما يُعلم
стр. 69
ذلك من مقدمته، وصححه الحاكم ولم يتعقبه الذهبي بشيء، وسكت عنه الحافظ في «الفتح» (٣/ ٧٤).
ومداره على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال شعبة: (ما رأيت أسوأ من حفظه، وقال القطان: سيئ الحفظ جدًّا، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: رديء الحفظ كثير الوهم ..) اهـ من «ديوان الضعفاء» للذهبي (٢/ ٦٠٣). وفي «التقريب»: صدوق سيء الحفظ جدًّا.
ثم رأيت له شاهدًا رواه البزار في «مسنده» (١/ ٣٧٧ كشف) قال: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر البجلي، قال سمعت أنس سدد خطاكم يقول: قال رسول الله ﷺ : «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة». قال البزار: لا نعلمه عن أنس إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٣): رجاله ثقات، وسبقه إلى ذلك المنذري في «الترغيب» وصدَّره بقوله: وعن أنس .. ومن اصطلاحه في هذه اللفظة التصحيح أو التحسين أو ما قاربهما كما صرح بذلك في المقدمة.
قلت: وهذا إسناد صحيح لولا شبيب بن بشر البجلي .. فقد ليَّنه أبو حاتم ووثَّقه ابن معين، وفي «التقريب» صوق يخطئ روى له الترمذي وابن ماجه. اهـ.
وعمرو بن علي الفلاس، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد ثقتان جليلان من رجال الجماعة.
فحديث أنس هذا شاهد للطريق الأولى فالحديث حسن على أقل الأحوال، قال الحافظ في «النخبة»: (ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر وكذا المستور، والمرسل، والمدلس صار حديثهم حسنًا لا لذاته بل بالمجموع) اهـ.
стр. 70
وحديث أنس هذا رواه الضياء في «المختارة»، وقد قال ابن تيمية في أحاديثه هو أعلا مرتبة من تصحيح الحاكم وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البُستي، وقواه أبو العباس في «الاستقامة» (١/ ٢٩٢) وحسنه الألباني وزاد نسبته لأبي بكر الشافعي في «الرباعيات» (وإن كان لم يذكر كثيرًا من الطرق الماضية) وصححه الغماري بإيراده في كتابه «الكنز الثمين»، وحسنه الشيخ حمود التويجري - رحم الله الجميع - في رده على أبي تراب الظاهري.
والحمد لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا (١).
стр. 71
بحث في صلاة من أغمى عليه
فصل في المروي مرفوعًا:
روى الدارقطني في «سننه» (٢/ ٨٢) من طريق عبد الله بن حسين عن الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي أن القاسم بن محمد بن أبي بكر حدثه أن عائشة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يُغمى عليه فيترك الصلاة فقال: «ليس بشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه في وقت صلاة فيفيق وهو في وقتها فيصليها».
ورواه البيهقي في «سننه» (١/ ٣٨٨) عن عبد الله بن الحسين به نحوه، وقال عقبة: عبد الله بن الحسين ذكره البخاري في التاريخ وقال فيه نظر، والحكم بن عبد الله الأيلي تركوه كان ابن المبارك يوهِّنه ونهى أحمد عن حديثه. اهـ.
قلت: الأمر كما قال البيهقي، وفي «التقريب»: ضعيف، والحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي ترجمه في «الميزان» (١/ ٥٧٢).
قال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب، وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث. اهـ.
قلت: لا يصح في المسألة خبر مرفوع، والله أعلم.
فصل في الآثار عن الصحابة ﵃:
ما روي عن عمار سدد خطاكم: قال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: (حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن السدي عن رجل يُقال له يزيد عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق في بعض الليل فقضاهن).
ورواه عبد الرزاق وابن عبد البر في «الاستذكار»، والدارقطني
стр. 72
والبيهقي عن سفيان به مثله إلا أن الدارقطني قال عن يزيد مولى عمار.
قلت: يزيد مولى عمار ترجمه في «الجرح» وبيَّض له فلم يذكر فيه شيئًا، وقال شمس الحق آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني: يزيد مولى عمار مجهول، وقال البيهقي في «المعرفة»: قال الشافعي: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت فمحمول على الاستحباب. قاله في «نصب الراية».
وروى ابن المنذر في «الأوسط» من طريق عبد الله بن الحارث بن فضيل الخطمي عن أبيه عن لولوة مولاة عمار أنه أغمي عليه ثلاثًا فترك الصلاة ثم أفاق فدعا بوضوء فتوضأ ثم ابتدأ صلوات الثلاث حتى فرغ منها. ورواه من وجه آخر عن عبد الله بن الحارث به، وقال عن أم سعيد مولاة عمار: فلعل اسمها لولوة وكنيتها أم سعيد، وبكل حال لم أجد لها ترجمة بعد البحث الكثير عنها، والله أعلم.
ما روي عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵄.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص عن التيمي عن أبي مجلز قال: قيل لعمران بن حصين إن سمرة بن جندب يقول في المغمى عليه يقضي مع كل صلاة مثلها؟ فقال عمران: ليس كما يُقال يقضيهم جميعًا.
ورواه ابن المنذر عن سليمان التيمي به ولفظه: قال عمران: ليصليهن جميعًا.
ورواه ابن عبد البر في الاستذكار من طريق حفص بن غياث به مقتصرًا على قول عمران بن حصين سدد خطاكم.
قلت: وهذا إسناد صحيح إلى الصاحبين ﵄.
ما روي عن ابن عمر ﵄:
стр. 73
روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أغمي عليه فذهب عقله فلم يقض الصلاة.
ورواه ابن أبي شيبة عن نافع ولفظه: «أنه أغمي عليه يومين فلم يقضِ».
ورواه عبد الرزاق عن العمري المكبَّر لكن قال: يومًا وليلة.
ورواه إبراهيم الحربي من طريق العمري المصغَّر مثله.
ولعبد الرزاق من وجه آخر عن نافع فذكر شهرًا ولم يقض.
ورواه محمد بن الحسن الشيباني من طريق مالك مثله.
وروى الدارقطني من طرق عن نافع في بعضها يوم، وبعضها يومان، وبعضها ثلاثة، ولم يقض فيها.
ورواه البيهقي وابن المنذر عن نافع به نحوه.
وهذا إسناد في غاية الصحة عنه سدد خطاكم.
تنبيه: روى محمد بن الحسن ما يخالف ما تقدم عن ابن عمر فقال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي عن ابن عمر في المغمى عليه يومًا وليلة قال: يقضي.
قلت: وفي هذا الإسناد نظر، فإن أبا حنيفة ﵀ مع جلالته وإمامته تكلم في حفظه فقد ضعفه من جهة حفظه البخاري ومسلم والنسائي وابن عدي، وأيضًا شيء آخر: فإبراهيم النخعي قال أبو حاتم: لم يلق أحدًا من الصحابة إلا عائشة ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه.
ثم هذا يخالف مذهب ابن عمر الذي نقله عنه أصحابه الحجازيُّون وهم به أبصر، والله أعلم.
ما روي عن أنس سدد خطاكم:
قال ابن المنذر: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، ثنا عمرو ابن أبي قيس عن عاصم قال: أغمي على
стр. 74
أنس بن مالك سدد خطاكم فلم يقض صلاته. اهـ.
قلت: وهذا إسناد جيد وعاصم هو ابن سليمان الأحول.
حديث: «يأتي على الناس زمان يأكلون الربا
فمن لم يأكله أصابه من غباره».
في كلام الأئمة:
قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١/ ٢٨٩): ذهب مالك والشافعي وأصحابه إلى مذهب ابن عمر وهو قول طاووس، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبه قال أبو ثور، وكل هؤلاء يجعل وقت الظهر والعصر النهار كله إلى الغروب، ووقت المغرب والعشاء الليل كله على ما تقدم من أصولهم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أغمي عليه يومًا وليلة قضى، وإن أغمي عليه أكثر لم يقض، وجعلوا من أغمي عليه يومًا وليلة في حكم النائم، ومن أغمي عليه أكثر في حكم المجنون الذي رفع عنه القلم.
قال: وقال عبيد الله بن الحسن: المغمى عليه كالنائم يقي كل صلاة من أيام إغمائه، وبه قال أحمد بن حنبل وهو قول عطاء. اهـ.
وقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٢٣٤): والمغمى عليه لا يعقل ولا يفهم، فالخطاب عنه مرتفع، وإذا كان من ذكرنا غير مخاطب بها في وقتها الذي أُلزم الناس أن يؤدوها فيه، فلا يجوز أداؤها في غير وقتها؛ لأنه لم يأمر الله بذلك، وصلاة لم يأمر الله بها لا تجب، وبالله التوفيق. اهـ. وانظر: «التمهيد» (٣/ ٢٩٠) فهو مهم.
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٩٤): الإغماء مرض من الأمراض، والذي يلزم المريض إذا عجز عن القيام أن يصلي قاعدًا، ويسقط عنه فرض القيام لعجزه عن ذلك، فإن لم يستطع أن يصلي
стр. 75
قاعدًا صلى على جنب يومئ على قدر طاقته، وسقط عنه فرض القعود، فإذا أغمي عليه فلم يقدر على الصلاة بحال فلا شيء عليه؛ لأنه لما قالوا: يسقط عن المريض كل عمل لا سبيل له إليه، فكذلك لا سبيل للمغمى عليه إلى الصلاة في حال إغمائه، وإذا لم يكن عليه في تلك الحال صلاة لم يجز أن يوجب عليه ما لم يكن عليه، وإلزام القضاء إلزام فرض، والفرض لا يجب باختلاف، ولا حجة مع من فرض عليه قضاء ما لم يكن عليه حال الإغماء، وليس كالنائم الذي يوجد السبيل إلى انتباهه، وهو سليم الجوارح، لأن المغمى عليه واهي الجوارح من تعبها لا سبيل لأهله إلى تنبيهه، فإن أفاق المغمى عليه وقد بقي مقدار ما يصلي ركعة قبل غروب الشمس فعليه العصر، وإن أفاق قبل طلوع الفجر بركعة صلى العشاء، وإن أفاق قبل طلوع الشمس بركعة صلى الصبح، وفي قول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» بيان لمن وفق لفهمه أنه غير مدرك لغيرها، إذ لو كان مدركًا لغيرها لكان بيان ذلك في الحديث. اهـ.
وقال السرخسي في «المبسوط» (١/ ٢١٧): (والفقه أن الإغماء إذا طال يجعل كالطويل عادة وهو الجنون، وإذا قصر يجعل كالقصير عادة وهو النوم، فيحتاج إلى الحد الفاصل بين القصير والطويل، فإن كان يومًا وليلة أو أقل فهو قصير؛ لأن الصلاة لم تدخل في حدِّ التكرار، وإن كان أكثر من يوم وليلة يكون طويلًا؛ لأن الصلاة دخلت في حدِّ التكرار» اهـ.
وقال صالح بن أحمد في «مسائله» (٢/ ٢٠١): لأبيه ﵀.
قلت: المغمى عليه كم يعيد؟ قال: يعيد الصلاة كلها. قلت: فإن ابن عمر أُغمي عليه أكثر من ليلة فلم يعد الصلاة؟ قال: روي عن عمار أنه أغمي عليه ثلاثًا فقضى، وروي عن عمران بن حصين