← Фикх общий

Фикх общий · id 14368

نفح العبير

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (326 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الله - في مصنفه فطن لهذا، فقد عقد في مصنفه (٣/ ٢٦٨) باب إقامة الرجل أخاه ثم يختلف في مجلسه، وذلك في آخر أبواب الجمعة. وذكر حديث جابر، وابن عمر. والحديثان وما جاء في معناهما وإن كانا جاءا في الجلوس إلا أن النهي أعم فيشمل إقامة الرجل من مكانه لأجل الصلاة أو القراءة أو غير ذلك، العلة جلية وهي العدوان على الغير بإقامته من مكان سبق إليه فلا يحل ذلك إلا بطيب نفس، وما دام الشخص يريد هذا الفعل لتحقيق الفصل (١) بين الفريضة والنافلة فالأذكار كافية أو البحث عن مكان ليس فيه أحد أحرى من تحويل مسلم وإزعاجه وقطع ما هو فيه من ذكر أو فكر. وهنا أضع القلم، وأسأل الله أن يضع عنا الأوزار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ . قاله وكتبه أبو محمد عبد الله بن مانع

стр. 282

من آداب السفر وأحكامه

стр. 283

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . أما بعد، فهذه بعض آداب السفر وأحكامه انتقيتها من كتب الحديث والفقه ولم أقصد الاستيعاب وإنما أردت التذكير بالمهم من ذلك والله نسأل التوفيق والسداد. ١ - طلب الصحبة في السفر: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» إسناده حسن أخرجه مالك وأحمد وأهل السنن. ٢ - التأمير في السفر: لحديث أبي هريرة وأبي سعيد: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) أخرجه أبو داود بسند جيد، وفي حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا وأمر عليهم رجلًا وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. أخرجه البخاري وغيره. ٣ - الإتيان بدعاء الركوب ودعاء السفر: فقد جاء عن علي ﵁ أنه أُتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: (بسم الله) فلما استوى على ظهرها قال: (الحمد لله) ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤] ثم قال: الحمد لله (ثلاثًا) الله أكبر (ثلاثًا)

стр. 284

سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. الحديث رواه أحمد وأهل السنن وفي إسناده اختلاف، وإسناده عند الطبراني والحاكم جيد ثابت، وأخرج مسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا ثم قال: «﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بُعْدَهْ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل» إذا رجع قالهن وزاد فيهن «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» وفي حديث أنس عند مسلم: حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: «أيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة فعلى هذا تقال هذه العبارة عند بداية القفول وعند قدومه لبلده. وروى مسلم عن عبد الله بن سرجس أيضًا: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكون وفي بعض النسخ (الكور) ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال).

стр. 285

ودعاء الركوب إنما يقال في الأسفار خاصة كما اختاره شيخنا ابن باز ﵀. ٤ - الخروج يوم الخميس إذا تيسر ذلك: فقد روى البخاري عن كعب بن مالك قوله: (لقلَّما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج إلا يوم الخميس) وبوب عليه البخاري في كتاب «الجهاد»، وهذا من باب الأفضلية، وإلا فقد خرج النبي ﷺ في حجة الوداع يوم السبت. ٥ - التسبيح عند هبوط الأودية والتكبير إذا علا مرتفعًا: كما ثبت ذلك في حديث جابر، وابن عمر، ولفظ حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شَرَف من الأرض، ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» وهو عام في كل سفر. ٦ - توديع الأهل والأقارب وغيرهم: وجاء في ذلك أحاديث وآثار ثابتة. ٧ - تعجيل العودة بعد الفراغ من الحاجة التي سافر لأجلها: لقوله ﵊: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهمته (بفتح النون: أي حاجته) فليعجل رجوعه إلى أهله» [متفق عليه].

стр. 286

٨ - عدم اصطحاب المنكرات والمكروهات في السفر: أخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب ولا جرس». ٩ - كان النبي ﷺ إذا كان في سفر وأسحر يقول: «سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذًا بالله من النار» أخرجه مسلم عن أبي هريرة. ١٠ - الدعاء إذا نزل في مكان: فقد قال رسول الله ﷺ : «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» [رواه مسلم]. ١١ - الدعاء في السفر: فإن حال السفر من أسباب إجابة الدعاء، وفي الحديث: «ثلاثة لا ترد دعوتهم» وذكر منهم «المسافر». أخرجه أهل السنن، وعند مسلم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر. ١٢ - من السنة ألا يطرق أهله ليلًا إذا قدم: إلا إذا أخبرهم بذلك، كما ثبت ذلك في حديث جابر وغيره، ومعنى الطروق: القدوم ليلًا. ١٣ - من السنة النقيعة: وهي: الإيلام عند القدوم من السفر، كما ثبت ذلك عنه ﷺ في حديث جابر عند البخاري في آخر كتاب «الجهاد» من صحيحه، وانظر: «المجموع للنووي» (٤/ ٢٨٥).

стр. 287

١٤ - كان النبي ﷺ إذا قدم المدينة فرآها حرَّك دابته من حب المدينة، كما أخرجه البخاري. ١٥ - من السنة عند القدوم من السفر: أن يأتي المسجد ويصلي فيه ركعتين، كما دل على ذلك حديث جابر المتفق عليه، وقد أخرجه البخاري في بضعة عشر بابًا. مسائل هامة في السفر ١ - يشرع الإنسان في السفر القصر إذا خرج عن بنيان بلدته، وقد علق البخاري في صحيحه عن علي ﵁ أنه خرج من الكوفة فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة قال: حتى ندخلها، ووصله الحاكم والبيهقي، وصلى النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. ٢ - إذا دخل عليه الوقت وهو مقيم ثم سافر فصلى الصلاة في السفر فهل يصليها تامة أو مقصورة؟ الصحيح القصر وحكاه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٥٤) إجماعًا، والمشهور عند أصحابنا الحنابلة الإتمام، وهو مرجوح. ٣ - إن ذكر صلاة حضر في سفر أتم: وحكاه ابن المنذر إجماعًا. «الأوسط» (٤/ ٣٦٨)، وإن ذكر صلاة سفر وهو في الحضر ففيه خلاف هل يتم أم يقصر، والصحيح أنه يقصر.

стр. 288

٤ - إذا صلى المسافر خلف المقيم: فإنه يصلي أربعًا مطلقًا حتى لو لم يدرك إلا التشهد الأخير، فإنه يصلي كصلاة المقيم أربعًا، وهو قول الجمهور، وظاهر السنة وهو اختيار الإمامين (ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله) وانظر: «المجموع» للنووي (٤/ ٢٣٦). ٥ - إذا صلى المسافر بمقيمين فإنه يقر ويشرع له إذا سلم أن يقول: (أتموا صلاتكم) وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر ﵁ أنه كان يأتي مكة ويصلي بهم فيقول: (أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) وروي مرفوعًا عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ لكنه ضعيف أخرجه أبو داود وغيره، وإن نبه عليهم قبل الصلاة فلا بأس حتى لا يقع عليهم الالتباس. ٦ - السنن الرواتب التي تسقط في السفر: هي سنة الظهر القبلية والبعدية وراتبة المغرب (وهي بعدية) وراتبة العشاء (وهي بعدية)، ولا تسقط سنة الفجر ولا يسقط الوتر بل يصلي سنة الفجر والوتر، وله أن يصلي صلاة الضحى وبعد الوضوء وعند دخول المسجد ....... ٧ - السنة تخفيف القراءة في السفر: فقد ثبت عن عمر أنه قرأ في الفجر بـ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش] وقرأ أيضًا بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] وقرأ أنس بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى] أخرجها ابن أبي شيبة وكلها صحيحة.

стр. 289

٨ - إذا جمع بين الصلاتين المجوعتين: فإنه يؤذن أذانًا واحدًا ويقيم إقامتين لكل صلاة إقامة، وله أن يجمع في أول الوقت ووسطه وآخره فكل ذلك محل للصلاتين المجموعتين. ٩ - الجمع بين الصلاتين في السفر سنة: عند الحاجة إليه، كما قال شيخ الإسلام ﵀، وعند عدم الحاجة مباح. ١٠ - من لم يجب عليه حضور الجمعة: كالمسافرين والمرضى يجوز لهم أداء صلاة الظهر بعد أن تزول الشمس ولو لم يصل الإمام صلاة الجمعة. ١١ - المسافر له أن يصلي النافلة على السيارة أو الطائرة: كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في التطوع على الدابة من وجوه كثيرة. ١٢ - كل من جاز له القصر: جاز له الفطر بلا عكس. ١٣ - السفر يوم الجمعة جائز: لكن إن أذن المؤذن الثاني لصلاة الجمعة وهو مقيم لزمه أن يمكث حتى يصلي الجمعة إلا إن كان يخشى فوات رفقة أو فوات حجز طائرة فيباح له السفر حينئذ، وكذلك يجوز له السفر بعد نداء الجمعة الثاني إذا كان سيصلي الجمعة وهو مسافر، كما لو كان سيمر ببلد قريب فيصلي معهم الجمعة. ١٤ - الأذكار التي بعد الصلاة الأولى: عند الجمع تسقط وتبقى أذكار الصلاة الثانية لكن، إن كان الذكر بعد الأولى أكثر فيأتي به كما لو جمع بين المغرب والعشاء فيأتي به بعد صلاة العشاء.

стр. 290

١٥ - إذا صلى الظهر وهو مقيم ثم سافر: فهل له أن يصلي العصر في السفر قبل دخول وقتها؟ اختار المنع الشيخان ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله. اهـ. وذلك لفقد شروط الجمع ولأنه لا حاجة إلى ذلك وهو سيصلي العصر ولابد فلا يصليها إلا بعد دخول وقتها. ١٦ - إذا تأخر الصلاتين المجموعتين وهو مسافر: ثم أقام قبل خروج وقت الأولى لزمه الإتمام سواء صلى الأولى في الوقت أو بعد خروجه، وأما إذا فاتت الأولى في السفر ثم أقام في وقت الثانية فيصلي الصلاة الأولى تامة، واختاره الشيخ ابن عثيمين، وأما الثانية فتامة على كل حال وانظر: «المجموع» للنووي (٤/ ٢٤٥). ١٧ - إذا كان المسافر يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيصل إلى بلدة قبل صلاة العصر أو قبل صلاة العشاء فالأفضل له ألا يجمع؛ لأنه ليس هناك حاجة للجمع وإن جمع فلا بأس. انظر: «مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن عثيمين» (١٥/ ٤٢٢). ١٨ - لا يشرط في السفر نية القصر: على الصحيح، انظر: «فتاوى شيخ الإسلام» (٢٤/ ١.٤). ١٩ - منع كثير من أهل العلم أن تجمع العصر مع الجمعة: وهو المشهور عند الحنابلة والشافعية وغيرهم واختار المنع الشيخان (ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله) انظر: «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (١٥/ ٣٧١).

стр. 291

٢٠ - القصر سنة مؤكدة، وقيل: بوجوبه حتى قال ابن عمر ﵄: (صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر) إسناده صحيح أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥١٩ - ٥٢) والطحاوي وغيره. ٢١ - رخص السفر: تستباح في سفر الطاعة والمعصية على الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام المشهور عنه. ٢٢ - المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم: وهو كل ذكر بالغ عاقل تحرم عليه المرأة على التأبيد بنسب أو سبب مباح. ٢٣ - إذا جمع المسافر بين المغرب والعشاء جمع تقديم: يدخل وقت الوتر على القول الراجح من أقوال أهل العلم ولا يحتاج إلى الانتظار حتى يدخل وقت صلاة العشاء. ٢٤ - إذا شك المأموم وهو مسافر في الإمام: هل هو مسافر أو مقيم فالأصل أن المأموم يلزمه الإتمام لكن لو قال المأموم في نفسه إن أتم أتممت وإن قصر قصرت صح ذلك، وهذا من باب التعليق وليس من باب الشك كما قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٤/ ٥٢١). ٢٥ - الجمعة لم تلزم المسافر المستقر في بلد: ما دام يسمى مسافرًا، وقد نقل ابن المنذر في «الأوسط» الإجماع على ذلك وقال: ولم يخالف فيه إلا الزهري، وإن حضر المسافر الجمعة أجزأته عن الظهر.

стр. 292

٢٦ - المسافر إذا أدرك من الجمعة ركعة فأكثر أتمها جمعة، فإن أدرك أقل من ركعة فإنه يصليها ركعتين على أنها ظهر مقصورة. ٢٧ - إذا كان الإنسان مسافرًا في شهر رمضان: فله الفطر وله الصوم، ولكن الأفضل له فعل الأيسر، فإن كان الأيسر الصيام صام، وإن كان الأيسر له الفطر أفطر، وإذا تساويا فالصوم أفضل؛ لأن هذا فعل النبي ﷺ ، وهو أسرع في إبراء الذمة وأهون على الإنسان، وحكاه بعضهم قول الجمهور. ٢٨ - ذكر النووي في «المجموع:» أكثر من ستين فائدة في السفر وبعضها فيه نظر فراجعها إن شئت وفقك الله. إعداد كبير المرشدين والمدرسين بإدارة الشؤون الدينية للقوات الجوية عبد الله بن مانع العتيبي

стр. 293

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حديث (نهى أن يُضحى بأعضب القرن والأذن) أخرجه أبو داود [٢٨٠٥] والترمذي [١٥٠٤] والنسائي (٧/ ٢١٧) وابن ماجه [٣١٤٥] وأحمد (١/ ٨٣) والحاكم والبيهقي وأبو يعلى وغيرهم من طريق قتادة عن جُري بن كليب عن علي ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب القرن والأذن). وهذا إسناد ضعيف. جُري بن كليب قال ابن المدني: مجهول ما روى عنه غير قتادة: وقال أبو حاتم: شيخ لا يحتج بحديثه، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة! وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٣٦) ورُوي في الأعضب أثر أنه لا يجزيء ولا يصح لأنه من طريق جُري بن كليب وليس مشهورًا .. اهـ. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٥/ ١٣٣ - ١٣٤) وفي إجماعهم على إجازة التضحية بالجماء ما يبين لك أن حديث القرن لا يثبت ولا يصح. اهـ. طريق أخرى: قال أحمد في مسنده [٨٦٤] حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن جابر عن عبد الله بن نجيّ عن علي به، وإسناده تالف من أجل جابر الجعفي. والمحفوظ عن علي ما رواه أحمد (١/ ٩٥) ومواضع أخرى والدارمي [١٩٥٧] وابن ماجه [٣١٤٣] والترمذي [١٥٠٣] والنسائي (٧/ ٢١٧)

стр. 294

وغيرهم من طرق عن سلمة بن كهيل عن حجية الكندي عن علي ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن) حسب. وجاء من طريق أخرى ... فأخرجه عبد الله بن أحمد (١/ ١٣٢)، وهو من زوائده عن محمد بن بكار عن الجراح بن مليح (والد وكيع) عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم عن علي مرفوعًا ولفظه: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن فصاعدًا) حسب. وأما ما رواه أحمد (١/ ٨٩) وأبو داود [٢٨٤] والترمذي [١٤٩٨] والنسائي (٧/ ٢١٦) وابن ماجه [٣١٤٢] وغيرهم من طرق عن أبي إسحاق عن شريح بن النعمان عن علي قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء) فهذا لم يسمعه أبو إسحاق عن شريح كما قال الدارقطني في «علله» (٣/ ٢٣٨) بل صحح وقفه على علي ﵁ من قوله. قلت: ومما يدل على ذلك ما رواه أحمد في «مسنده» (١/ ٥) عن عفان عن شعبة عن سلمة بن كهيل أنبائي حجِّية بن عدي قال: (سمعت رجلًا سأل عليًا قال: إني اشتريت هذه البقرة للأضحى عن سبعة قال القرن: قال: لا يضرك). وحجية لا بأس به، ورواه أحمد أيضًا (١/ ٩٥) عن وكيع عن سفيان عن سلمة به وفيه (مكسورة القرن. قال: لايضرك)، ولو كان النهي عن الأعضب ثابتًا لما أفتى عليٌّ

стр. 295

بخلافه، وحديث جُري أيضًا مخالف لمفهوم حديث البراء ... (أربع لا تجوز في الأضاحي) وحديث البراء جرى مجرى البيان والحصر ولهذا أنكر البراء على من كره العيب في الأذن والقرن. وقال في «الفروع» (٣/ ٥٤٢): ويتوجه احتمال (أعضب القرن والأذن) مطلقًا؛ لأن في صحة الخبر نظرًا ثم الخبر الصحيح المشهور: (أربع لا تجوز في الأضاحي ....) يقتضي الأعضب، فيكون النهي للكراهة، والمعنى يقتي ذلك لأن القرن لا يؤكل، والأذن لا يقصد أكلها غالبًا ... اهـ (١).

стр. 296

قنوت النوازل

стр. 297

قنوت النوازل القنوت: يطلق على معان والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. وقنوت النوازل: هو الدعاء في النوازل التي تنزل بالمسلمين لدفع أذى عدو أو رفعه أو رفع بلاء ونحو ذلك. قال النووي في «شرح مسلم»: (والصحيح المشهور أنه إذا نزلت نازلة كعدو وقحط ووباء وعطش وضرر ظاهر بالمسلمين ونحو ذلك، قنتوا في جميع الصلوات المكتوبات). ١ - دليل المشروعية: عن أنس ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ سبعين رجلًا لحاجة، يُقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم: رعل وذكوان .. فقتلوهم فدعا النبي ﷺ شهرًا في صلاة الغداة وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت) [متفق عليه]، والحديث فيه قصة معروفة. وعن أنس وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاته شهرًا: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج

стр. 298

عياش بن أبي ربيعة. اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» [متفق عليه]. وعن أبي هريرة سدد خطاكم قال: إن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع ... الحديث أخرجه البخاري. وقنت الصحابة بعد النبي ﷺ ، فقد قنت أبو بكر في محاربة الصحابة لمسيلمة، وعند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوت عمر، وقنوت عليّ عند محاربته لمعاوية وأهل الشام. ٢ - في أي الصلوات يشرع: ثبت عن النبي ﷺ أنه قنت في الصلوات الخمس. ففي سنن أبي داود وغيرهما عن ابن عباس ﵃ قال: (قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في دبر كل صلاة، إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من العرب من بني سليم رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه) وإسناده صحيح. وثبت قنوته في الظهر والعشاء والفجر من حديث أبي هريرة (متفق عليه). وثبت قنوته في المغرب والفجر من حديث البراء عند مسلم ومن حديث أنس عند البخاري.

стр. 299

وأكثر ما قنت في صلاة الفجر، وهذا يدل على التوسعة في مسألة القنوت في الفرائض، وأن الإنسان لو قنت في بعض الفرائض دون بعض أو فيها كلها أو في واحدة منها أن ذلك كله سائغ لا تضييق فيه. قال ابن حبان: (فإذا كان بعض ما وصفنا موجودًا قنت المرء في صلاة واحدة أو الصلوات كلها أو بعضها دون بعض). وقال النووي في «شرح مسلم»: (باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة). ٣ - القنوت في صلاة الجمعة: اختلف العلماء في القنوت في صلاة الجمعة ولا أعلم في السنة أصلًا للقنوت فيها، والجمعة إحدى الصلوات الخمس في يوم الجمعة، فالأمر يحتمل، وقد نقل في «الإنصاف» عن شيخ الإسلام وجدِّه المجد ترك القنوت فيها. وهكذا اختار الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ونص كلامه: يقول (العلماء إنه لا يقنت في صلاة الجمعة لأن الخطبة فيها دعاء للمؤمنين ويدعو لمن يقنت لهم أثناء الخطبة). انظر: «مجموع فتاويه» (١٦/ ١١٥). ورجح في «الشرح الممتع» القنوت في الجمعة.

стр. 300

٤ - لمن يشرع القنوت: القنوت مشروع لكل مصل كما قال شيخ الإسلام انظر: «الإنصاف» (٤/ ١٣٦) و «فتاوى ابن عثيمين» (١٤/ ١٧٥) لكن ينبغي أن يكون الأمر منضبطًا فلا يقنت إلا في النوازل التي تنزل بالمسلمين، وينبغي مشاورة أهل العلم وعدم الاختلاف في ذلك. ٥ - موضع القنوت: الأمر في ذلك واسع فيجوز القنوت قبل الركوع وبعده في الركعة الأخيرة، وقد بوَّب البخاري: باب القنوت قبل الركوع وبعده، لكن القنوت بعد الركوع أكثر في الأحاديث النبوية، كما نص على ذلك جماعة من أهل العلم. ٦ - صفة القنوت: يدعو الإمام جهرًا، وقد نقل الحافظ الاتفاق على ذلك في «فتح الباري» (٢/ ٤٩١) ويؤمن من خلفه كما في حديث ابن عباس ﵄، وتقدم، ويرفع يديه ويرفع المأمومون أيديهم، وقد صح هذا عن عمر، أخرجه البيهقي وصححه البخاري في جزء رفع اليدين. وبعد الدعاء لا يمسح الإمام وجهه ولا المأمومون وجوههم، وهكذا في كل الدعاء، وأحاديث مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ضعاف لا تقوم بها حجة

стр. 301

والأحاديث الصحيحة المتواترة في رفع اليدين ليس فيها مسح الوجه فلا يشرع هذا بل هو من البدع. ٧ - صفة الدعاء: ينبغي أن يدعو بما يناسب النازلة وبما يفي بالمقصود. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/ ١.٩): (فسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على شيئين: ١ - أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس بسنة دائمة في الصلاة. ٢ - أن الدعاء فيه ليس دعاء راتبًا، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي ﷺ أولًا، وثانيًا كما دعا عمر وعلي ﵄ لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، والذي يبين هذا أنه لو كان النبي ﷺ يقنت دائمًا، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم.

стр. 302

وقال الحافظ ابن حجر في «بذل الماعون في فضل الطاعون» (ص٣٣٤) ما نصه: (لم أقف في شيء من كتب الفقهاء على ما يدعو به في القنوت في النوازل، والذي يظهر أنهم وكلوا ذلك إلى فهم السامع، وأنه يدعو في كل نازلة بما يناسبها. انظر: «مجموع فتاوى ابن عثيمين» (١٤/ ١٨٢). مسائل هامة: ١ - الصحيح استحباب الدعاء برفع الطاعون، وأنه من جملة النوازل، وقد أطال البحث فيه الحافظ ابن حجر في كتابه الماتع «بذل الماعون» (ص٣١٥) وهذا خلاف المشهور عند الحنابلة. ٢ - لا ينبغي للإمام إطالة الدعاء والإشقاق على الناس. ٣ - لا ينبغي للإمام الإتيان بالأدعية المسجوعة المتكلِّفة. ٤ - لا ينبغي للمأمومين العجلة بالتأمين قبل استكمال الدعاء، وقد روي أن معاذًا أبا حليمة قال في دعائه: (اللهم قحط المطر فقالوا آمين، فلما فرغ قال قلت: اللهم قحط المطر فقلتم آمين. ألا تسمعون ما أقول ثم تؤمنون) اهـ. من «مسائل أبي داود» لأحمد .. ط رشيد (ص٦٩).

стр. 303

٥ - الصلاة على النبي ﷺ مشروعة في القنوت، وقد جاءت في قنوت رمضان، فقد كان أبو حليمة معاذ القاري يفعله، وهو الذي رتبه عمر إمامًا في التراويح إذا غاب أُبيّ بن كعب. أخرجه إسماعيل القاضي في كتاب «فضل الصلاة على النبي ﷺ بسند صحيح، كما قال الحافظ في «نتائج الأفكار» (٢/ ١٥٦). وأبو حليمة اختلفوا في صحبته. وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب «قيام الليل» بسند صحيح عن الزهري: (كانوا يلعنون الكفرة في رمضان يشير إلى دعاء القنوت ثم يُصلي على النبي ﷺ ثم يدعو للمسلمين (ومن طريق وهب بن خالد عن أيوب نحوه، وسنده صحيح أيضًا .. انتهى من «نتائج الأفكار». ٦ - أحكام قنوت النوازل وقنوت الوتر متقاربة إلا ما ثبت الفرق فيه فيشتركان، مثلًا في الجهر بالدعاء ورفع اليدين والتأمين على الدعاء ونحو ذلك وقد عقد البخاري (باب القنوت قبل الركوع وبعده)، وذكر حديث أنس في القنوت في الفجر في «أبواب الوتر». ٧ - هل اليدان تكونان مضمومتين أو مفرجتين حال الرفع؟ سألت شيخنا ابن باز ﵀ عن ذلك فقال: تكون مضمومة، ونص عليه الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع».

стр. 304

٨ - لا بأس من التنصيص على اسم أحد في الدعاء، كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁، وقد فعله أصحاب النبي ﷺ من بعده. وقد عقد ابن أبي شيبة في مصنفه «باب في تسمية الرجل في القنوت»، وقال العراقي في «طرح التثريب» على فوائد حديث أبي هريرة ... (الخامسة) فيه حجة على أبي حنيفة في منعه أن يدعى لمعين أو على معين في الصلاة، وخالفه الجمهور فجوزوا ذلك لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة، وقال أيضًا ... (السابعة) فيه جواز الدعاء على الكفار ولعنتهم، وقال صاحب «المفهم»: (ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم). وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁، ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأننا لا ندري بما يختم له، واستدل بعضهم بهذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين. واختار

стр. 305

ذلك الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله ﵇ في صحيح البخاري في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» قالوا: فَعِلَّة المنع من لعنه؛ بأنه يحب الله ورسوله، فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن، والله أعلم. وقد قسَّم بعض أهل العلم هذه المسألة تقسيمًا حسنًا فقال: - اللعن: بوصف عام مثل: لعنة عامة على الكافرين وعلى الظالمين والكاذبين. - اللعن بصفة أخص منه، مثل لعن آكل الربا، ولعن الزناة، ولعن السراق والمرتشين. والمرتشي، ونحو ذلك. - لعن الكافر المعين الذي مات على الكفر، مثل فرعون. - لعن كافر معين مات، ولم يظهر من شواهد الحال دخوله في الإسلام فيلعن. وإن توقى المسلم وقال: لعنه الله إن كان مات كافرًا، فحسن. - لعن كافر معين حي، لعموم دخوله في لعنة الله على الكافرين، ولجواز قتله، وقتاله، ووجوب إعلان البراءة منه. - لعن المسلم العاصي - معينًا - أو الفاسق بفسقه، والفاجر بفجوره. فهذا اختلف أهل العلم في لعنه على قولين، والأكثر- بل حكي الاتفاق عليه-

стр. 306

على عدم جواز لعنه؛ لإمكان التوبة، وغيرها من موانع لحوق اللعنة، والوعيد مثل ما يحصل من الاستغفار، والتوبة، وتكاثر الحسنات وأنواع المكفرات الأخُرى للذنوب. وإن ربي لغفور رحيم. اهـ. «معجم المناهي اللفظية» للشيخ بكر أبو زيد. قلت: مما يدل على عدم جواز لعن المعين المسلم أن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة، كما في الحديث الذي في السنن، ولما أتي بمن شرب فلعنه بعض أصحاب النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله»، وأما الكافر الحي المعين فقد منع بعضهم لعنه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]. فذكر لعنه بعد ما مات على الكفر .... انظر: «تفسير ابن سعدي». - مدة القنوت في النازلة يتبع حال النازلة وشدتها واستمرارها، وقد قنت النبي ﷺ شهرًا لما بلغه قتل أصحابه، فالنازلة قد انتهت لكنها كانت شديدة .... انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (٧/ ٤٩) ط. بلنسية. وكتب /أبو محمد عبد الله بن مانع ١٠/ ٢/١٤٢٤هـ

стр. 307

تغطية المحرم وجهه

стр. 308

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .... أما بعد: فهذا بحث مختصر في مسألة تغطية المحرم وجهه هل يجوز أم لا؟ وأصل المسألة الحديث الذي يرويه الستة وأحمد وغيرهم من طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قصة الرجل الذي كان واقفًا مع النبي ﷺ بعرفة فوقع من راحلته فمات فقال رسول الله ﷺ «اغسلوه بماء وسدر وكفَّنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيبًا ولا تخمِّروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا». وهذا الحديث له ألفاظ متقاربة، ويرويه عن سعيد بن جبير اثنا عشر راويًا وهذا تفصيل رواياتهم: ١ - أبو الزبير: أخرجه مسلم [٢٩] عن هارون بن عبد الله عن أسود بن عامر عن زهير عنه، وفيه ذكر الوجه ولفظه: (وأن يكشفوا وجهه - حسبته قال ورأسه-) قال البيهقي: (ذكر الوجه على شك فيه في متنه ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى أن تكون محفوظة اهـ. كلام البيهقي، ويأتي مزيد بيان إن شاء الله. ٢ - إبراهيم بن أبي حرة: أخرجه أحمد عن سفيان بن عيينة عنه بدون ذكر الوجه.

стр. 309

٣ - عمرو بن دينار: واختلف عليه في ذكرها كثيرًا فالحديث يرويه عن عمرو أكثر من أربع عشرة نفسًا. (أ) الثوري: أخرجه مسلم عن أبي كريب عن وكيع ح؛ وأخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي كلاهما (الطنافسي وأبو كريب) عن وكيع عن الثوري عن عمرو بذكر الوجه، وتابع وكيعًا أبو داود الحفري: أخرجه النسائي [٢٧١٤] عن عبدة بن عبد الله الصفار عن الحفري عن سفيان، وفيها ذكر الوجه، ورواه محمد بن كثير عند أبي داود (٣٢٣٨) والبيهقي (٣/ ٣٩١) عن الثوري بدون ذكر الوجه. ومن طريق مسلم المذكورة أخرجه البيهقي (٥/ ٥٣) وابن حزم (٧/ ٩٢)، وقال ابن حزم خبر ثابت وقال البيهقي: ورواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع دون ذكر الوجه فيه، وكذا رواه محمد بن كثير وعبد الله بن الوليد العدني عن سفيان دون ذكر الوجه. اهـ. (ب) ابن عيينة: روى الحديث عنه أربعة: أحمد في «المسند» [١٩١٤] والحميدي في مسنده [٤٦٦] وابن أبي شيبة عند مسلم [٢٨٩١] وابن أبي عمر عند الترمذي [٩٥١] وليس في شيء من ذلك ذكر الوجه.

стр. 310

(ج) يونس بن نافع: أخرجه النسائي [١٩٠٤] أخبرنا عتبة بن عبد الله حدثنا يونس وليس فيها ذكر الوجه. (د) ابن جريج: أخرجه أحمد [٣٢٣] عن يحيى عنه، وليس فيها ذكر الوجه، وكذلك أخرجه النسائي [٢٨٥٨] أخبرنا عمران بن يزيد حدثنا شعيب بن إسحاق أخبرنا ابن جريج وليس فيها ذكر الوجه. (هـ) عمرو بن الحارث: أخرجه ابن حبان [٣٩٢٨] أخبرنا ابن سلم عن حرملة عن ابن وهب عن عمرو وليس فيها ذكر الوجه. (و) حماد بن زيد: أخرجه مسلم [٢٨٩٢] حدثنا أبو الربيع الزهراني قال حدثنا حماد وليس فيها ذكر الوجه، وأخرجه البخاري [١٨٤٩] حدثنا سليمان بن حرب ح؛ وحدثنا مسدد [١٢٦٨] كلاهما (سليمان ومسدد) عن حماد عن عمرو، وليس فيها ذكر الوجه. (ز) سَليم (بفتح السين) بن حيان: أخرجه الطبراني في «الصغير» (٢/ ١٨٨) برقم [٤١] وليس فيها ذكر الوجه.

стр. 311

ورواها - أعني ذكر الوجه - عن عمرو كل من عبد الله بن علي الأزرق، وأبان العطار وأشعث بن سوار، وأبان بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبو مريم، وعمر بن عامر، وكل رواياتهم عنه عند الطبراني (١٢/ ٧٦ فما بعدها) ورواية عمر بن عامر أخرجها كذلك الدارقطني (٢/ ٢٩٥). ٤ - رواية أيوب السختياني: أخرجها البخاري [١٢٦٥] حدثنا أبو النعمان عن حماد عن أيوب ليس فيها ذكر الوجه، وأخرجه النسائي عن قتيبة عن حماد وليس فيها ذكر الوجه، وبمثل طريق النسائي أخرجها البخاري بسنده ومتنه سواء [١٢٦٦] وأخرجها أحمد (٣.٧٦) عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب ليس فيها ذكر الوجه، وكذلك أخرجها أحمد (٢٥٩١) عن محمد بن جعفر عن سعيد بن أبي عروبة عن أيوب ليس فيها ذكر الوجه. ٥ - رواية الحكم بن عتيبة: أخرجه البخاري [١٨٣٩] عن قتيبة عن جرير عن منصور عن الحكم ورواها النسائي [٢٨٥٦] أخبرنا محمد بن قدامة عن جرير به ليس فيها ذكر الوجه، وكذا رواها أبو داود [٣٢٤١] عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير دون ذكر الوجه. ورواها أحمد عن حسين عن شيبان عن منصور عن الحكم ليس فيها ذكر الوجه ثم أردفه أحمد برواية أسود حدثنا إسرائيل بإسناده إلا أنه قال: (ولا تغطوا وجهه).

стр. 312

ورواه مسلم في الصحيح [٢٩١] عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور عن سعيد وفيها ذكر الوجه، فأسقط إسرائيل الحكم، وقد خالفه عمرو بن أبي قيس عند أبي عوانة برقم (٢/ ٢٧٣) وعبيدة بن حميد عن الدارقطني (٢/ ٢٩٥) فهؤلاء أربعة جرير، وشيبان، وعمرو بن أبي قيس، وعبيدة بن حميد، كلهم يذكرون الحكم ولا يذكرون الوجه إلا في رواية عبيدة قال البيهقي (٣/ ٣٩٣) هذا هو الصحيح: منصور عن الحكم عن سعيد، وفي متنه: «ولا تغطوا رأسه» ورواية الجماعة في الرأس وحده وذكر الوجه غريب اهـ. وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي بقوله: «قد صح النهي عن تغطيتهما فجمعها بعضهم وأفرد بعض الرأس، وبعضهم الوجه، والكل صحيح ولا وهم في شيء منه وهذا أولى من تغليط مسلم». ٦ - عبد الكريم الجزري: أخرجها أحمد [٣٧٧] حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري وليس فيها ذكر الوجه، وكذا رواية عبيد الله بن عمرو عن الجزري عند الطبراني (١٢/ ٨) ليس فيها ذكر الوجه. وروى الطبراني (١٢/ ٨) من طريق قيس بن الربيع عنه وبها ذكر الوجه، وقيس ضعيف، وقد خولف. ٧ - طريق أبي بشر: واختلف عليه في ذكر الوجه فيرويه عن أبي بشر:

стр. 313

(أ) شعبة: أخرجه مسلم [٢٨٩٩] عن محمد بن بشار وأبو بكر بن نافع كلاهما عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي بشر بذكر الوجه وعن محمد بن جعفر أخرجه أحمد [٢٦ ..] بذكر الوجه وأخرجه النسائي [٢٨٥٤] (٥/ ٦٩٦) عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد الحذاء عن شعبة بذكر الوجه وأخرجه ابن ماجه (٨٤، ٣) حدثنا علي بن محمد عن وكيع عن شعبة بذكر الوجه، ورواه ابن حبان [٣٩٦] من طريق أبي أسامة عن شعبة بذكر الوجه، فهؤلاء أربعة يروونه عنه شعبة بذكر الوجه محمد بن جعفر وهو من أثبت الناس فيه، ووكيع وخالد الحذاء وأبو أسامة. (ب) هشيم: أخرجه النسائي [٢٨٥٣] والبخاري [١٨٥١] كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به دون ذكر الوجه، وأخرجه مسلم [٢٨٩٧] عن محمد بن الصباح ويحيى بن يحيى كلاهما عن هشيم به دون ذكر الوجه، وأخرجه أحمد [١٨٥] عن هشيم به دون ذكر الوجه. (ج) خلف بن خليفة: أخرجه النسائي [٢٨٥٧] حدثنا محمد بن معاوية عن خلف بن خليفة عن أبي بشر وفيه ذكر الوجه.

стр. 314

(د) أبو عوانة: أخرجه مسلم [٢٨٩٨] حدثنا أبو كامل الجحدري، عن أبي عوانة به، دون ذكر الوجه. وأخرجه (٣١، ٣) عن عفان حدثنا أبو عوانة به، دون ذكر الوجه وأخرجه البخاري [١٢٦٧] حدثنا أبو النعمان أخبرنا أبو عوانة به دون ذكر الوجه. ٨ - قتادة بن دعامة: أخرجه أحمد [٢٥٩١] عن محمد بن جعفر عن سعيد عن قتادة وأيوب عن سعيد بن جبير به دون ذكر الوجه، وقتادة لم يسمع من سعيد في قول يحيى بن معين وأحمد؛ لكنه هنا مقرون فرجع الحديث إلى أيوب. ٩ - عطاء بن السائب: أخرجه الطبراني (١٢/ ٧٩) من طريقه عنه عن سعيد ليس فيها ذكر الوجه. ١٠ - فضيل بن عمرو: أخرجها الطبراني (١٢/ ٧٣) من طريق شريك عن سعيد بن صالح عنه دون ذكر الوجه وفيه شريك. ١١ - مطر الوراق: أخرجها الطبراني (١٢/ ٨١) من طريق الفضيل بن عياض عن هشام ابن حسان عنه، وفيها ذكر الوجه وكذا أخرجها أبو عوانة (٢/ ٢٧٢)، ومطر ضعيف.

стр. 315

١٢ - سالم الأفطس: أخرجها الطبراني (١١/ ٤٣٦) عن سعيد دون ذكر الوجه، وبها قيس بن الربيع، وفيه كلام. خلاصة ما مضى أولاً: طريق أبي الزبير عن سعيد، وقد وقع فيها الشك، أخرجها مسلم وتقدم كلام البيهقي، وقد اضطرب حفظ أبي الزبير لها فحفظ الوجه وشك في الرأس مع أن الرأس لا خلاف في ذكره، فهذا مما يدل على أنه لم يحفظ كما ينبغي. ثانيًا: طريق عمرو بن دينار عن سعيد: أ - من طريق الثوري ذكرها وكيع عنه، واختلف عليه فذكره الطنافسي وأبو كريب، ولا يذكرها عن الثوري عبد الله بن الوليد ولا محمد بن كثير، ويذكرها أبو داود الحفري؛ فكونها محفوظة في طريق الثوري محل النظر. ب- ورواها عن عمرو من تقدم ذكرهم، وأما سائر أصحاب عمرو من كبار الحفاظ كابن عيينة وحماد وابن جريج ويونس وعمرو بن الحارث وقيس بن سعد لا يذكرونها أصلًا، فهي منكرة من طريق عمرو. ثالثًا: طريق الحكم عن سعيد جاءت الزيادة عنه من طريق إسرائيل عن منصور عنه وخالف إسرائيل شيبان فلم يذكرها، وكذا لا يذكرها جرير ولا عمرو بن أبي قيس فالزيادة في طريق الحكم غير محفوظة، وكلام ابن التركماني المتقدم ليس بشيء ولا يجيء على طريقة الأوائل في مثل هذا الموضع.

стр. 316

رابعًا: طريق منصور بن المعتمر عن سعيد، وجاءت الزيادة عند مسلم من طريق عبد بن حميد عن عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل عن منصور، وهذه الرواية وقع وهم فيها في السند والمتن فرجعت إلى طريق الحكم دون ذكر الوجه، كما تقدم. خامسًا: طريق أبي بشر عن سعيد: أ - الزيادة من هذا الطريق رواها عن شعبة وكيع ومحمد بن جعفر وخالد الحذاء وأبو أسامة. ب- طريق خلف بن خليفة جاءت من طريق واحد عند النسائي، أخرجها عن محمد بن معاوية عن خليفة، وأما سائر أصحاب أبي بشر كهشيم وأبي عوانة فلا يذكرونها وكونها محفوظة عن أبي بشر إنما هذا من ناحية التحمل عنه؛ لكن من جهة حفظه إياها فمحل نظر، فسائر الرواة عن سعيد كأيوب وإبراهيم بن أبي حرة وعبد الكريم الجزري فلا يذكرونها أصلًا، إذًا شعبة بريء من العهدة، والحمل في ذلك على أبي بشر في ذكرها، ومما يدل على ذلك أنَّ هشيمًا وأبا عوانة لا يذكرون الزيادة، وهما من هما قال علي بن حجر: هشيم في أبي بشر مثل ابن عيينة في الزهري سبق الناس هشيم في أبي بشر، وقال ابن المبارك: من غيَّر الدهرُ حفظَه فلم يغير حفظ هشيم، وقال ابن مهدي: حفظ هشيم أثبت من حفظ أبي عوانة

стр. 317

وكتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم اهـ. «تهذيب الكمال» (٣/ ٢٨٢) قلت: قد اجتمعا. والحقيقة أن القول بأنها محفوظة في الحديث قول فيه بعد مع أن مسلمًا ﵀، أخرج الحديث عن أصحاب عمرو كسفيان بن عيينة وحماد وابن جريج، ثم جعل طريق الثوري عن عمرو آخر ما ذكر، ثم أخرج مسلم الحديث عن أصحاب أبي بشر، فبدأ برواية هشيم ثم أبي عوانة، ثم جعل طريق شعبة عن أبي بشر آخر ما ذكر. ثم أخرج في آخر الباب حديث أبي الزبير عن سعيد، وحديث منصور عن سعيد، والمتتبع لطريقة مسلم في كتابه الصحيح يجده يقدم الأصح أولًا في الأغلب ثم يردفه، بما دونه، فمسلم مع إخراجه له قد صنع به ما ترى وقد بوب النسائي للحديث باب (النهي عن أن يخمر وجه المحرم ورأسه إذا مات)، وقال ابن حزم: إنه خبر ثابت عن رسول الله ﷺ في أمره في الذي مات محرمًا ألَّا يخمر رأسه ولا وجهه رويناه من طرق حجة منها من طريق مسلم: حدثنا أبو كريب فذكره. اهـ. وحكى ابن المنذر الخلاف ولم يرجِّح (٥/ ٣٤٥). وقال البيهقي (٥/ ٥٣): باب لا يغطي المحرم رأسه وله أن يغطي وجهه وذكر بعض الطرق عن سعيد عن ابن عباس والاختلافات في الزيادة .. وقد مررنا على ذلك بتمامه، ثم أسند عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال رأيت عثمان بن

стр. 318

عفان ﵁ بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان. وكذا أخرجه ابن حزم (٧/ ٩١). قلت: أثر عثمان أخرجه مالك (١/ ٣٢٧). وأسند البيهقي أيضًا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم. وأسند أيضًا عن يعلى بن عبيد عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: يغتسل المحرم ويغسل ثيابه ويغطي أنفه من الغبار ويغطي وجهه وهو نائم. اهـ. ثم قال البيهقي: خالفهم ابن عمر، وأسند من طريق مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم. اهـ. وأثر جابر أخرجه ابن حزم أيضًا، وأخرج كذلك من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن الفرافصة بن عمير، قال: كان عثمان وزيد بن ثابت وابن الزبير يخمرون وجوههم وهم محرمون، وأسند ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر وابن الزبير أنهما كانا يخمران وجوههما وهما محرمان، ومن طريق حماد عن عيسى بن سعد عن عطاء عن ابن عباس، أنه قال: المحرم يغطي ما دون الحاجب.

стр. 319

ثم قال ابن حزم: وعن عبد الرحمن بن عوف، أيضًا إباحة تغطية المحرم وجهه، وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وعلقمة وإبراهيم النخعي والقاسم بن محمد كلهم أفتى المحرم بتغطية وجهه، وبين بعضهم من الشمس والغبار والذباب وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأبي سليمان وأصحابهم. وروي عن ابن عمر لا يغطي المحرم وجهه، وقال به مالك ولم ير على المحرم إن غطى وجهه شيئًا لا فدية ولا صدقة ولا غير ذلك، إلا أنه كرهه فقط، بل قد روي عنه ما يدل على جواز ذلك. اهـ. وقال أبو الطيب في تعليقه على الدارقطني (٢/ ٢٩٦): وقال الحاكم في كتاب «علوم الحديث» وذكر الوجه في الحديث تصحيف لرواية الجماعة الثقات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته ولا تغطوا رأسه. اهـ، والمرجع في ذلك إلى مسلم، لا إلى الحاكم، فإن الحاكم كثير الأوهام، وأيضًا فالتصحيف إنما يكون في الحروف المتشابهة، وأي مشابهة بين الوجه والرأس في الحروف، إلى آخر كلام أبي الطيب. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١١/ ٤٥): اختلف العلماء في تخمير المحرم وجهه بعد إجماعهم أنه لا يخمر رأسه، فكان ابن عمر فيما رواه مالك وغيره عنه يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم، ولذلك ذهب مالك وأصحابه، وبه قال محمد بن الحسن من غير خلاف عن أصحابه، قال ابن القاسم: كره مالك للمحرم أن يغطي ذقنه أو شيئًا مما فوق ذقنه لأن إحرامه في

стр. 320

وجهه ورأسه، قيل لابن القاسم: فإن فعل أترى عليه فدية؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، ولا أرى عليه شيئًا، لما جاء عن عثمان في ذلك. وقد روي عن مالك: من غطى وجهه وهو محرم أنه يفتدي، وفي موضع آخر من كتاب ابن القاسم: أرأيت محرمًا غطى وجهه ورأسه في قول مالك. قال: قال مالك: إن نزعه مكانه فلا شيء عليه وإن تركه فلم ينزعه مكانه حتى انتفع بذلك افتدى، قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم إلا أن مالكًا كان يوسع للمرأة أن تسدل رداءها فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترًا، وإن كانت لا تريد سترًا فلا تسدل. قال أبو عمر: روي عن عثمان وابن عباس وعبد الرحمن بن عوف وابن الزبير وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله: أنهم أجازوا للمحرم أن يغطي وجهه فهم مخالفون لابن عمر في ذلك، وعن القاسم بن محمد وطاووس وعكرمة أنهم أجازوا للمحرم أن يغطي وجهه، وقال عطاء: يخمر المحرم وجهه إلى حاجبيه، وبه قال الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود، وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كان عثمان وزيد ابن ثابت يخمران وجوههما وهما محرمان، وكل من سمينا في هذا الباب من الصحابة ففي كتاب عبد الرزاق. اهـ.
следующие страницы →