ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) قال ابن القيم في «الهدي» (٥/ ١٥١): (إذا أراد السفر لم يجز أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة)، وقال: (إنه لا يقضي للبواقي إذا قدم، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يقضي للبواقي) اهـ.
أما إذا خرج بدون قرعة بإحداهن أو بعضهن فإنه إذا قدم يقضي للبواقي حقهن متواليًا ويحسب عليه مدة غيابه بما فيها الذهاب والإياب، وقولنا: (يقضي حقهن متواليًا) لأن هذا الحق مجتمعًا في ذمته فليقضه من غير تأخير ومن ضرورة ذلك التوالي، ولا يسقط عليهن إلا بإذنهن.
قال في «الإنصاف»: إذا رضي الزوجات بسفر واحدة معه، فإنه يجوز بلا قرعة نعم إذا لم يرض الزوج بها وأراد غيرها أقرع. اهـ. قلت: فإن خرج سهم التي لم يردها أولًا لزمه السفر بها.
٢٠ - إذا سافر بزوجتين بقرعة عدل بينهما فإن ظلم إحداهما قضى لها بالسفر فإن لم يتفق قضى في الحضر من نوبة التي ظلمها بها.
٢١ - لو اصطحب واحدة بقرعة وأخرى بلا قرعة عدل بينهما أيضًا ثم إذا رجع قضى للمخلفة من نوبة المستصحبة بلا قرعة.
٢٢ - إذا سافر الزوج بامرأة لحاجتها فإنه يقضي للبواقي.
стр. 247
٢٣ - إذا سافرت الزوجة في حاجة لها ولزوجها جميعًا فلا يسقط حقها في القسم فيقضي لها إذا عادت وضم حاجتها إلى حاجته لا يضرها.
٢٤ - إذا خرجت القرعة لإحداهن في السفر لم يجز السفر بغيرها، فإن أبت صاحبة القرعة فله إكراهها على السفر معه، فإن أبت فهي ناشز عاصية وللزوج استئناف القرعة مرة أخرى.
٢٥ - من لا يمكن اصطحابها في السفر لمرض أو نحوه فإنه يخرج بالأخرى فإن كن أكثر من اثنتين أقرع بينهن؛ لأن القرعة إنما تكون مع استواء حالهن وصلاحيتهن للسفر وهذه قاعدة القرعة.
٢٦ - إذا سافرت المرأة في حاجة لها بإذن زوجها فلا قسم لها، فإذا عادت لا يقضي لها على القول الراجح، وإذنه لها لدفع الإثم عنها، وأما إذا سافرت في حاجة له أي للزوج بإذنه، فإنه يقضي لها إذا عادت وأما إذا سافرت في حاجة لها بلا إذن الزوج فهي عاصية ناشز لا قسم لها ولا نفقة.
٢٧ - لو سافر ببعض نسائه بقرعة فأراد إبقاء إحداهن أو بعضهن في بعض المنازل في السفر فبالقرعة.
٢٨ - لو خرج مسافرًا وحده ثم نكح في سفره لم يلزمه القضاء للباقيات؛ لأنه تجدد حقها في وقت لم يكن عليه تسوية؛ وإن خرج لأجل النكاح احتسب عليه مدة الغياب بعد حق المنكوحة.
стр. 248
٢٩ - إذا سافر بإحدى زوجاته بقرعة إلى محل ثم بدا له غيره أو أبعد منه فله أن يصحبها معه لأن حكمه حكم سفر القرعة.
٣٠ - إذا تزوج امرأة وأراد السفر بها لم يجز إلا بقرعة بينها وبين نسائه ويحتمل أن له السفر بلا قرعة، ووجه ذلك أن القسم قسمان ابتدائي واستمراري وهذه الجديدة قسمتها ابتدائي بنص الحديث تستحقه بلا قرعة، وشرط القرعة تساوي جهات الاستحقاق وهذه لها البداءة، كما لو تزوجها ومكث أيامًا ثم سافر بها قبل انقضاء حق العقد فلم يحتج إلى القرعة، فكذا في مسألتنا ويتداخل حق العقد مع حق السفر فإن قدم من سفره قبل مضي مدة ينقضي بها حق العقد أتمه في الحضر.
٣١ - للمرأة أن تهب ليلتها لإحدى ضراتها فإن لم يقبل الزوج فإنه يقسم للواهبة ويرد هبتها، وإن قبل فلا يجوز للزوج جعلها لغير الموهوبة وإن وهبتها للزوج فله جعلها لمن شاء منهن، وفي حال هبتها لضرتها إذا كانت ليلة الواهبة تلي الموهوبة قسم لها ليلتين متواليتين، وإن كانت لا تليها، فهل له نقلها إلى مجاورتها؟ الصحيح عدم الجواز إلا بإذن البواقي؛ لأن في ذلك تأخير حق غيرها، وتغيير لليلتها بغير رضاها، (وهو اختيار صاحب المعني) وللزوج إن وهبته إحدى نسائه ليلتها له أن يجعلها مرة لإحدى نسائه ومرة لأخرى، أو يجعله مشاعًا بينهن ومعنى مشاعًا بينهن أن وجود الواهبة كعدمها فيبقى القسم للأخريات بينهن.
стр. 249
وأصل المسألة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة.
وللواهبة أن ترجع متى شاءت في المستقبل دون الماضي؛ لأن الأيام تتجدد فهي هبة في شيء لم يقبض، فحقها يتجدد أما الماضي فقد قبض ولا رجعة لها فيه.
وقولنا (للواهبة أن ترجع متى شاءت) هذا ما لم يكن صلحًا بينهما كما لو كره الزوج المقام معها أو عجز عن حقوقها أو بعض حقوقها، فخيرها بين الطلاق وبين المقام معه، على أن لا حق لها في القسم والوطء والنفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما يتفقان عليه، فإن رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة بعد الرضى، وليس لها الرجوع بعد ذلك؛ فإن هذا الصلح جرى مجرى المعاوضة وهذا هو الصواب الذي لا يسوغ غيره. اهـ. انظر: «زاد المعاد» (٥/ ١٥٣).
٣٢ - لو وهبت نوبتها لامرأة معينة وأذن الزوج وأبت الموهوبة فيقسم للموهوبة ولا يشترط رضاها.
٣٣ - إذا شق القسم على الزوج المريض فإنه يستأذن زوجاته في المكث عند إحداهن كما فعل النبي ﷺ فإذا أذنَّ له مكث عند إحداهن فإذا أبين إلا أن يدور أو تشاححنَّ ولم يكن به قدرة على الدوران فإنه يقرع فأيتهن خرج سهمها مكث عندها؛ وعلم مما تقدم أنه إذا كان مرضه لا يمنعه من القسم فيجب عليه القسم.
стр. 250
٣٤ - القسم في أثناء السفر في النزول والمسايرة في الطريق.
٣٥ - إذا رغبت المريضة والنفساء ونحوهن في تأخير قسمهن ثم القضاء بعد متواليًا لم يجز إلى برضى الزوج وإذن سائر نسائه.
٣٦ - من كان له امرأتان في بلدين فعليه العدل بينهما لأنه اختار المباعدة بينهما فلا يسقط حقهما، فإما أن يمضي إلى الغائبة في أيامها وإما أن يقدمها إليه فإن امتنعت من القدوم مع الإمكان فهي ناشز لا حق لها في القسم، وإن أحب أن يقسم بينهما في بلديهما ولم يمكن القسم ليلة ليلة جعل القسم على حسب ما يمكن كشهر أو أكثر أو أقل.
٣٧ - يجوز للمرأة أن تبذل قسمها لزوجها بمال فتعاوضه على ليلتها على القول الراجح، وأما بذلها مالًا لزوجها ليزيدها في القسم على حساب ضراتها فحرام لأنه رشوة.
٣٨ - من أتاها زوجها ليبيت عندها فأغلقت بابها دونه ومنعته من الاستمتاع، أو قالت: لا تدخل علىَّ فهي ناشز لا قسم لها.
٣٩ - تجزي أضحية واحدة عن الرجل ونسائه؛ ولهذا ضحى النبي ﷺ بأضحية واحدة عنه وعن أهل بيته وأما الهدايا في الحج فعلى كل واحدة هدي إذا تمتعت أو قرنت.
стр. 251
٤٠ - لا يجوز أن تؤخذ بويضة المرأة ثم تلقح بماء زوجها ثم توضع في رحم ضرتها.
٤١ - لو مات الزوج فلزوجاته أن يغسلنه فإن وضعت إحداهن وهو على السرير فلا يجوز لها أن تغسله لخروجها من العدة وحلها للأزواج.
٤٢ - إذا مات المعدد يحد جميع نسائه وهذا لا خفاء به؛ لكن عند بعض النساء اعتقاد فاسد أنه إذا ولدت إحداهن بعد موته ولدًا فإنها ترفع الإحداد عن نفسها وعن سائر ضراتها وهذا باطل؛ فالبواقي على إحدادهن حتى يخرجن من العدة على حسب حالهن.
٤٣ - إذا حبس الزوج فهو باق على نصيبه منهن وهن كذلك فإذا أمكن خروجه إليهن أو ترددهن إليه فذاك، ولو تباعد ما بين ذلك فهو على ترتيب النوبات.
وختامًا أقول: والعاقل من الأزواج صاحب الدين يستطيع صيانة دينه ونفسه وعرضه دون كثير عناء، والأحمق منهم لا يزيده ما ذكرت إلا بلاء وفتنة وحيرة، والموفق من وفقه الله، والمهتدي من هداه الله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
قاله وكتبه
أبو محمد عبد الله بن مانع
في صفر /١٤٢٤هـ.
стр. 252
الإهتداء إلى حكم حضور الجمعة على المسافر القار في بلد أو مارٍّ إذا سمع النداء
стр. 253
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ...
فهذا بحث متعلق بمسألة حضور الجمعة للمسافر النازل في البلد هل يجب عليه حضور الجمعة أم لا؟ وقد أسميته: (الاهتداء إلى حكم حضور الجمعة على المسافر القار في بلد أو مار إذا سمع النداء).
وقبل الشروع في هذه المسألة أقول إن المسافر له حالتان:
الأولى: حال استقلال بجماعة المسافرين وانفصاله عن البلد.
الثانية: حال استقرار في بلد لا يقطع حكم السفر.
ففي الصورة الأولى: هل تجب الجمعة على المسافرين وحدهم؟
والجواب: يقال إن الجمعة لا تجب على المسافرين؛ بل لو صلوها جمعة لا تصح منهم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ سافر أسفارًا كثيرة في حياته ﵊؛ ولم ينقل عنه حرف واحد أنه جمع بأصحابه، وقد صادفته الجمعة في أسفاره كثيرًا ولو صلى الجمعة في أسفاره لكانت الهمم متوافرة على نقل ذلك. ولا أدل على ذلك من سفره لحجه ﵊؛ فقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة، ومع ذلك فقد صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا وقد سماها جابر الظهر
стр. 254
كما في صحيح مسلم (١٢١٨)، ولم يجهر بالقراءة وأيضًا خطب قبل الأذان خطبة واحدة ثم أذن وصلى، وهذا العلم به ظاهر لأهل العلم لا يكادون يختلفون في ذلك (١). وقد قال النبي ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» [رواه مسلم].
وإنما محل البحث في:
الصورة الثانية: وهي إذا كان المسافر مستقرًا في بلد استقرارًا لا يقطع أحكام السفر فهل يجب عليه حضور الجمعة أم لا؟
وسيأتي الكلام على هذه المسألة لاحقًا.
وقد وردت آثار في نفي وجوب الجمعة على المسافر لا بأس بذكرها مع الكلام على أسانيدها ثم نذكر - إن شاء الله - كلام أهل العلم.
أولاً: حديث تميم الداري:
أخرجه البيهقي (٣/ ١٨٤) من طريق محمد بن طلحة عن الحكم عن ضرار بن عمرو عن أبي عبد الله الشامي عن تميم الداري عن النبي ﷺ قال: «الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مريض أو عبد أو مسافر» وهذا
стр. 255
الحديث واه جدًا فضرار بن عمرو منكر الحديث، كما قال البخاري وأورد له العقيلي هذا الحديث في «ضعفائه» (٢/ ٢٢٢) وقال: لا يتابع عليه وأبو عبد الله الشامي لا يعرف كما قال الذهبي في «الميزان». والحديث قال عنه أبو زرعة الرازي عبيد الله ابن عبد الكريم قال: هذا حديث منكر «علل ابن أبي حاتم» (٢/ ٢١٢).
ثانيًا: حديث جابر:
أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ٣) والبيهقي (٣/ ١٧٤) وابن عدي في «كامله» (٢٤٢٥) وابن الجوزي في «التحقيق» (٧٨٨) من طريق ابن لهيعة عن معاذ بن محمد الأنصاري عن أبي الزبير عن جابر أن الرسول ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد» وهذا الحديث كسابقه واه جدًا.
ابن لهيعة ضعيف ومعاذ بن محمد قال العقيلي: في حديثه وهم، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وذكر حديثه هذا وضعفه الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٦٥)، وقال ابن عبد الهادي لا يصح، وكذا قال الذهبي. انظر «التحقيق» لابن الجوزي (٤/ ١٢١).
стр. 256
ثالثًا: حديث أبي هريرة:
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٩٦) من طريق إبراهيم بن حماد بن أبي حازم المديني، ثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خمسة لا جمعة عليهم المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية» قال الطبراني: لم يروه عن مالك إلا إبراهيم.
والحديث أخرجه الدارقطني في «غرائب مالك»، كما ذكره الحافظ في «لسان الميزان»، (١/ ٢٦٨) قال الدارقطني: تفرد به إبراهيم وكان ضعيفًا.
رابعًا: حديث ابن عمر:
أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ٤) والطبراني في «الأوسط» (٨٨٢) من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «ليس على المسافر جمعة» وهذا إسناده ضعيف جدًا كذلك، فعبد الله بن نافع قال أبو حاتم: فيه منكر الحديث وهو أضعف ولد نافع؛ وقال البخاري: منكر الحديث، والمحفوظ في هذا الحديث الوقف على ابن عمر، أخرجه البيهقي (٣/ ١٨٤) من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ليس على المسافر جمعة، قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف ورواه عبد الله بن نافع عن أبيه فرفعه. اهـ. وقد رواه ابن المنذر (٤/ ١٩) وعبد الرزاق (٥١٩٨) (٣/ ١٧٢) موقوفًا.
стр. 257
خامسًا: مرسل الحسن:
روى عبد الرزاق (٣/ ١٧٤) عن ابن عيينة عن عمرو (هو ابن دينار) عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ «ليس على المسافر جمعة» وهو ضعيف لإرساله، والحسن هو ابن محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي مدني تابعي ثقة، وأبوه هو ابن الحنفية.
وأما الآثار عن الصحابة والتابعين:
فمنها أثر ابن عمر المتقدم وهو صحيح ثابت:
أثر علي: أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٩) من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: (ليس على المسافر جمعة)، والحارث واه، وروى عبد الرزاق (٣/ ١٦٨) وابن أبي شيبة (٢/ ١.١) وغيرهما من طريق سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي أنه قال: (لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع) إسناده صحيح.
أثر عبد الرحمن بن سمرة: وأخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤٣٥٢) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٦) من طريق هشام بن حسان عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة في بعض بلاد فارس سنتين وكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين. وإسناده صحيح،
стр. 258
وأخرجه البيهقي (٣/ ١٨٥) من طريق يونس بن عبيدة عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة بخراسان نقصر الصلاة ولا نُجمِّع. قال البيهقي: هكذا وجدته في كتابي، ولا نُجمِّع بالتشديد ورفع النون.
أثر أنس: وأخرج ابن المنذر (٤/ ٢) من طريق يونس عن الحسن أن أنسًا أقام بنيسابور سنة أو سنتين وكان يصلي ركعتين ولا يجُمِّع، إسناده صحيح.
أثر عمر بن عبد العزيز: وأخرج ابن أبي شيبة من طريق رجاء بن أبي سلمة عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك قال: خرج عمر بن عبد العزيز من دبق وهو يومئذ أمير المؤمنين فمر بحلب يوم الجمعة فقال الأمير: جمع فإنا سفر، وإسناده لا بأس به.
أثر مسروق وعروة بن المغيرة وجماعة من أصحاب ابن مسعود: وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١.٤) عن أبي أسامة عن أبي العميس عن علي بن الأقمر قال: خرج مسروق وعروة بن المغيرة ونفر من أصحاب عبد الله فحضرت صلاة الجمعة فلم يجمعوا وحضروا الفطر ولم يفطروا. إسناده ثابت.
وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن إبراهيم (وهو النخعي) قال: كانوا لا يجمعون في سفر ولا يصلون إلا ركعتين. صحيح، ورواه ابن أبي
стр. 259
شيبة عن أبي الأحوص عن المغيرة به بلفظ: كان أصحابنا يغزون فيقيمون السنة أو نحو ذلك يقصرون الصلاة ولا يجمعون.
أثر طاووس: وأخرج عبد الرزاق (٣/ ١٧٢) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: ليس على المسافر جمعة.
أثر الزهري: وأخرج عبد الرزاق (٣/ ١٧٤) برقم (٥٢.٥) عن معمر عن الزهري قال: سألته عن المسافر يمر بقرية فينزل فيها يوم الجمعة؟ قال: إذا سمع الأذان فليشهد الجمعة. صحيح.
وعلَّقه البخاري في صحيحه من رواية إبراهيم بن سعد عنه ويأتي الكلام عليه وله سياق آخر عند عبد الرزاق برقم (٥١٨٨) بالإسناد نفسه.
стр. 260
فصل في أقوال أهل العلم
قال الشافعي في «الأم» (١/ ٣٢٧): وليس على المسافر أن يمر ببلد جمعة إلا أن يجُمّع فيه مقام أربع، فتلزمه الجمعة إن كانت في مقامه. اهـ.
وقال ابن المنذر ﵀ (٤/ ٢) في «الأوسط»: ومما يحتج به في إسقاط الجمعة عن المسافر أن النبي ﷺ قد مر به في أسفاره جمع (١) لا محالة فلم يبلغنا أنه جمع (١)
وهو مسافر، بل أنه ثبت عنه أنه صلى الظهر بعرفة وكان يوم الجمعة فدل ذلك من فعله على أنه لا جمعة على المسافر؛ لأنه المبين عن الله معنى ما أراد بكتابه فسقطت الجمعة عن المسافر استدلالًا بفعل النبي ﵊، وهذا كالإجماع من أهل العلم؛ لأن الزهري مختلف عنه في هذا الباب؛ حكى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي أنه قال: لا جمعة على المسافر وإن سمع المسافر أذان الجمعة
стр. 261
وهو في بلد فليحضر معهم يحتمل أن يكون أراد استحبابًا ولو أراد غير ذلك كان قولًا شاذًا خلاف قول أهل العلم وخلاف ما دلت عليه السنة. اهـ.
قلت: وقول الزهري: علقه البخاري في صحيحه تحت باب (المشي إلى الجمعة وقول الله جل وعلا ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وعلق آثارًا ثم قال: وقال إبراهيم بن سعد عن الزهري: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة وهو مسافر فعليه أن يشهد. قال الحافظ (٢/ ٣٩١) ما نصه: لم أره من رواية إبراهيم وقد ذكره ابن المنذر عن الزهري، وقال: إنه اختلف عليه فقيل عنه مثل قول الجماعة إنه لا جمعة على المسافر كذا رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري.
قال ابن المنذر: وهو كالإجماع من أهل العلم عن ذلك لأن الزهري اختلف عليه فيه. اهـ. ويمكن حمل كلام الزهري على حالتين: فحيث قال: (لا جمعة على المسافر) أراد على طريق الوجوب وحيث قال: (فعليه أن يشهد) أراد على طريق الاستحباب (١)
ويمكن أن تحمل رواية سعد بن إبراهيم هذه على صورة مخصوصة
стр. 262
وهو إذا اتفق حضوره في موضع تقام فيه الجمعة فسمع النداء (١) لها، لا أنها تلزم المسافر مطلقًا حتى يحرم عليه السفر قبل الزوال من البلد الذي يدخلها مجتازًا مثلًا، وكأن ذلك رجح عند البخاري، ويتأكد عنده بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فلم يخص مقيمًا من مسافر وأما ما احتج به ابن المنذر على سقوط الجمعة على المسافر بكونه ﷺ صلى الظهر والعصر جمعًا بعرفة وكان يوم الجمعة فدل ذلك من فعله على أنه لا جمعة على المسافر فهو حمل صحيح إلا أنه لا يدفع الصورة التي ذكرتها. اهـ.
وقال الموفق (٣/ ٢١٦): وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه، كذلك قاله مالك في أهل المدينة والثوري في العراق والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي، وحكي عن الزهري والنخعي أنها تجب عليه لأن الجماعة تجب عليه فالجمعة أولى، ولنا أن النبي ﵊ كان يسافر ولا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم الجمعة فصلى الظهر وجمع بينها ولم يصل جمعة، والخلفاء الراشدون ﵃ كانوا يسافرون للحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم. وقد قال إبراهيم: كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وبسجستان السنين
стр. 263
لا يجمعون ولا يشرقون (ثم ذكر أثر أنس وعبد الرحمن بن سمرة وتقدما) ثم قال: وهذا إجماع مع السنة الثابتة فيه فلا يسوغ مخالفته .... إلى أن قال (٣/ ٢٢) والأفضل للمسافر حضور الجمعة لأنها أفضل.
ونقل ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٧٦) الإجماع على أنه ليس على المسافر جمعة.
وقال ابن حزم في «المحلى» (٥/ ٤٩): وسواء فيما ذكرنا في وجوب الجمعة للمسافر في سفره والعبد والحر والمقيم إلى قوله (ص٥١) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] قال علي: فهذا خطاب لا يجوز أن يخرج منه مسافر ولا عبد بغير نص من رسول الله ﷺ .اهـ.
وقال البغوي في «شرح السنة» (٤/ ٢٢٦): ولا تجب على المسافر، وذهب النخعي والزهري إلى أن المسافر إذا سمع النداء (١) فعليه حضور الجمعة.
стр. 264
وقال النووي في «المجموع» (٤/ ٣٥١): لا تجب الجمعة على المسافر، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا وحكاه ابن المنذر وغيره عن أكثر العلماء وقال الزهري والنخعي: إذا سمع النداء لزمه قال أصحابنا: ويستحب له الجمعة للخروج من الخلاف ولأنها أكمل هذا إذا أمكنه ..... اهـ.
وقال العمراني في «البيان» (٢/ ٥٤٣): ولا تجب الجمعة على المسافر، وبه قال عامة الفقهاء، وقال الزهري والنخعي: إذا سمع النداء وجبت عليه، دليلنا حديث جابر؛ ولأنه مشغول بالسفر ويستحب له إذا كان في بلد في وقت الجمعة أن يحضرها.
وقال ابن هبيرة في «الإفصاح» (٢/ ٩٣): (واتفقوا على أن الجمعة لا تجب على صبي ولا عبد ولا مسافر ولا امرأة إلا رواية عن أحمد رواها في «العبد» خاصة. اهـ. ونقل الاتفاق صديق حسن خان عن صاحب المسوي .... انظر «الروضة الندية» (١/ ٣٤١).
وقال المجد في «المحرر» (١/ ١٤٢): (ولا تجب على مسافر له القصر).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «المجموع» (٢٤/ ١٨٤):
стр. 265
(وكذلك يحتمل أن يقال بوجوب الجمعة على من في المصر من المسافرين، وإن لم يجب عليهم الإتمام كما لو صلوا خلف من يتم فإن عليهم الإتمام تبعًا للإمام، كذلك تجب عليهم الجمعة تبعًا للمقيمين .... لأن قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩] ونحوها يتناولهم وليس لهم عذر ولا ينبغي أن يكون في مصر المسلمين من لا يصلي الجمعة إلا من هو عاجز عنها كالمريض والمحبوس، وهؤلاء قادرون عليها. لكن المسافرين لا يعقدون جمعة؛ لكن إذا عقدها أهل مصر صلوا معهم، وهذا أولى من إتمام الصلاة خلف الإمام المقيم). اهـ. ونقله عنه في «الاختيارات» ملخصًا (ص ١١٩).
وقال في «الفروع» (٢/ ٧٤): (ويحتمل أن يلزمه تبعًا للمقيمين خلافًا لهم)، قاله شيخنا: وهو متجه. اهـ. يعني بشيخنا شيخ الإسلام ونقله ابن قاسم عن الشيخ وصاحب «الفروع»، قال: وهو من المفردات.
وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على البخاري المسمى «فتح الباري» (١/ ٣، ٤): على قول البخاري (باب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب؟ لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال
стр. 266
عطاء: إذا كنت في قرية جامعة، فنودي بالصلاة من يوم الجمعة، فحق عليك أن تشهدها، سمعت النداء أو لم تسمعه.
وكان أنس بن مالك في قصره، أحيانًا يجمع، وأحيانًا لا يجمع، وهو بالزاوية على فرسخين.
قال: تضمَّن الذي ذكره مسألتين:
المسألة الأولى: أن من هو في قرية تقام فيها الجمعة، فإنه إذا نودي فيها بالصلاة للجمعة وجب عليه السعي إلى الجمعة، وشهودها سواء سمع النداء أو لم يسمعه، وقد حكاه عن عطاء.
وهذا الذي في القرية، إن كان من أهلها المستوطنين بها، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له، وسواء سمع النداء أو لم يسمع، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد، ونقل بعضهم الاتفاق عليه. وإن كان من غير أهلها، فإن كان مسافرًا يباح له القصر، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية، وقد ذكرنا فيما تقدم أن المسافر لا جمعة عليه. وحكي عن الزهري والنخعي، أنه يلزمه تبعًا لأهل القرية. وروي عن عطاء- أيضًا- أنه يلزمه.
وكذا قال الأوزاعي: إن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب ... إلخ.
وقال الصنعاني في «سبل الإسلام» (٢/ ١٥٧):
стр. 267
في شرح حديث ابن عمر: (ليس على المسافر جمعة) ما نصه: (والمسافر لا يجب عليه حضورها) وهو يحتمل أن يراد به مباشر السفر وأما النازل فتجب عليه ولو نزل بمقدار الصلاة وإلى هذا جماعة من الآل وغيرهم، وقيل: لا تجب عليه لأنه داخل في لفظ المسافر وإليه ذهب جماعة من الآل أيضًا وغيرهم وهو الأقرب، لأن أحكام السفر باقية له من القصر ونحوه، ولذا لم ينقل أنه ﷺ صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع لأنه كان مسافرًا، وكذلك العيد تسقط صلاته على المسافر، ولذا لم يرو أنه ﷺ صلى صلاة العيد في حجته، وقد وهم ابن حزم ﵀ فقال: إنه صلاها في حجته، وغلَّطه العلماء. اهـ.
وقال في «مطالب النهى» في «شرح غاية المنتهى» (١/ ٧٥٨): (ولا تجب على مسافر أبيح له القصر)؛ لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير، وكما لا تجب عليه لا تلزمه بغيره، نص عليه، فلو أقام المسافر ما يمنع القصر لشغل أو علم أو نحوه. ولم ينو استيطانًا لزمه بغيره لعموم الآية والأخبار. اهـ.
وفي «الدرر السنية» (٥/ ٦): سئل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن المسافر إذا أدركته الجمعة؟ فأجاب: المسافر إذا قدم ولم ينو إقامة تمنع القصر والفطر في رمضان فهذا لا جمعة عليه بحال إذا صلى الجمعة مع أهل البلد أجزأته والأفضل في حقه
стр. 268
حضورها إذا لم يمنع مانع، فإن كان المسافر قد نوى إقامة مدة تمنع القصر والفطر فهذا تلزمه بغيره فإذا كان في بلد تقام فيها الجمعة وجب عليه حضورها. اهـ.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ١٥) بعد ما قرر عدم وجوب الجمعة على المسافر، بل بعدم صحتها من المسافرين قال ما نصه: (أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة كما لو مر إنسان في السفر ببلد ودخل فيه ليقيل ويستمر في سيره بعد الظهر فإنها تلزمه الجمعة لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذا عام ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون إلى النبي ﷺ ويبقون إلى الجمعة يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي ﷺ . اهـ. وقرر في فتاويه مثله (١٦/ ٧٤).
وحاصل ما قيل في هذه المسألة:
١ - وجوب حضور الجمعة وأدائها، وقال به النخعي والزهري وعطاء والأوزاعي والبخاري وابن حزم وشيخ الإسلام وابن حجر وصاحب الفروع وابن عثيمين وغيرهم.
٢ - عدم وجوب حضور الجمعة وقال به جماهير الأمة، كما نقله ابن المنذر وابن رجب وغيرهم.
стр. 269
٣ - استحباب حضور الجمعة؛ لأنه أولى وأكمل وخروجًا من الخلاف ومما قال به الموفق (٣/ ٢٢)؛ ونقله النووي عن بعض أصحابه من الشافعية وقال في «الإنصاف» (٥/ ١٧٥): فائدة: كل من لم تجب عليه الجمعة لمرض أو سفر أو اختلف في وجوبها عليه كالعبد ونحوه فصلاة الجمعة أفضل في حقه، وذكره ابن عقيل، وهذا القول لا ينافي ما قبله.
وخلاصة حجج الموجبين:
عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ...﴾ [الجمعة: ٩].
وهذا في البلد الذي يسمع فيه النداء، فهذا العموم يتناوله وليس له عذر في التخلف.
أن الصحابة في المدينة كانوا يفدون إلى النبي ﷺ ويشهدون الجمعة ولا يتخلفون عنها .... وبينوا ذلك فقالوا: لما كان مسافرًا جادًا به السير كان له الترخص بكامل رخص السفر من القصر والجمع والفطر والتنفل على الدابة، وإذا نزل في مكان فإن جماعة من أهل العلم يقولون: يقصر مع التوقيت إما وجوبًا وإما استحبابًا، ويمنعونه من التنفل على الدابة ومع الترخيص له بالفطر والقصر، ويقولون: إن الفطر والقصر مشروع له في الإقامات التي تتخلل في السفر بخلاف الصلاة على الراحلة فإنه لا يشرع إلا في حالة السير، ولأن الله علق الفطر والقصر
стр. 270
بمسمى السفر بخلاف الصلاة على الراحلة، فليس فيه لفظ عام بل فيه الفعل الذي لا عموم له، فهو من جنس الجمع بين الصلاتين الذي يباح للعذر مطلقًا.
وقالوا أيضًا: إن نزول المسافر في مصر ومكثه مدة لا تمنع القصر، فما الذي يخرجه من عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وهو من الذين آمنوا وهو شاهد يسمع النداء معافى، فما الذي يحجزه عن شهود هذا الخير وامتناعه من السعي إلى ذكر الله؟
قالوا: وقد أمر رسول الله ﷺ في صلاة العيد بخروج العواتق وذوات الخدور والحيض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، وأيضًا والجمعة عيد المسلمين في الأسبوع، وهي عيد بالنص والإجماع، فلابد أن يخرج لها من كان بالمصر من الذكور البالغين غير المعذورين، والمسافر المستقر غير معذور، وكيف يأمر النساء بالخروج من خدورهن والحيض ليشهدن العيد ويدع المسافرين فلا يأمرهم بشهود الجمعة؟ بل أمرهم بشهود الجمعة أولى.
وأيضًا لم نعلم أن الصحابة الذين كانوا يفدون على النبي ﷺ كانوا يتخلفون عن الجمعة معه، وقد أخرج مسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب قال فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل عليّ
стр. 271
رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليّ فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدًا قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها، ومسلم أخرجه في «أبواب الجمعة» (١) وهذا هدي محمد ﷺ وهدي أصحابه.
وقالوا: إن من القواعد المقررة عند علماء الملة (أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا)، وهذه قاعدة صحيحة عند جماهير علماء الأمة على اختلاف مذاهبهم وقد اختلفت تعبيراتهم عنها، فعند الحنابلة: ما قدمناه من لفظ القاعدة، وعند الشافعية: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها.
وعند الأحناف: الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعًا وحكمًا وإن كان قد يبطل قصدًا. وقد ضرب العلماء لهذه القاعدة أمثلة كثيرة في العبادات والمعاملات وقد دلت عليها الأدلة الشرعية وجاءت بتقريرها، ومسألتنا فرد من أفراد تلك القاعدة: فلما كان المسافر قارًا في البلد، كان حكمه في إجابة نداء الجمعة حكم المقيمين، كما لو صلى المسافر خلف من يتم كان عليه أن يتم تبعًا للإمام، كذلك يجب عليهم الجمعة تبعًا للمقيمين، بل شهودهم الجمعة أولى من إتمامهم الصلاة خلف الإمام المقيم (٢).
стр. 272
قال المسقطون: مهلًا مهلًا فقد أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم وقد قلتم فأكثرتم وأحسنتم فأنصفونا، فإنا نقول: إن الله قد علق أحكامًا كثيرة بمسمى السفر من القصر والفطر والمسح ثلاثًا على الخفين، والعفو عن الجمعة والاستعاضة عنها بالظهر مقصورة رحمة من الله وتخفيفًا، وكل ذلك صدقة من الله على عباده فاقبلوا صدقته واكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا .... وهذه المسامحة والعفو والتخفيف لا يحل رفعها عن عباد الله والإشفاق عليهم إلا بحجة بينة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، أو إجماع متيقن أو قياس صحيح يجب المصير إليه، وأين هذا في مسألتنا؟
فأما قولكم: عموم الآية وشمولها للمسافر القار فنحن نمنع ذلك. فكما لم يجب عليه الصوم ولم يدخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] كذلك لم يدخل في عموم آية الجمعة، وسبب سقوط الصوم عنه السفر بنص الآية قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فكذا في مسألتنا ونحن معنا فهم السلف وجمهورهم فهذا ابن عمر يقول: (لا جمعة على مسافر) فهذا عذرهم الذي عذرهم به السلف، وأنتم أبيتم ذلك!! ..
وأما قولكم: إن المسافر إن مكث بمكان لا يقطع حكم السفر فإنه لا يتنفل على الدابة ما دام نازلًا وتتوصلون بهذا إلى أحكام المسافر القار تتبعض! فنعم
стр. 273
فلا حاجة له إلى ركوب دابته والتنفل عليها ما دام نازلًا، وإنما رخص له في حال السير وهكذا ثبتت به السنة. فكان ماذا؟!!
وأما قولكم: فكيف يأمر الحيض وذوات الخدور بالخروج للعيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، فكيف لا يشهد المسافر القار الخير في الجمعة ودعوة المسلمين وذكر الله؟ فالجواب أننا نحاكمكم إلى أنفسكم فالعيد إنما هو مرتان في السنة ومجمعه أكبر مجامع المسلمين بعد مشهد عرفة فشرع لعامة المسلمين شهوده ومنهم المذكورات لقلة دورانه في الحول، أما الجمعة فإنها تتكرر في السنة نحوًا من خمسين مرة، وأيضًا العيد لو لم تشهده المرأة فإنه لابد له، والجمعة لها بدل مفروض فلم يستويا.
وأما قولكم: لم نعلم أن الصحابة الذين كانوا يقصدون النبي ﷺ ويفدون إليه أنهم كانوا يتخلفون عن التجميع معه، فنعم فلعمرو الله لقد كانوا يشهدونها ويحرصون عليها، فلقد كان نظرهم إليه وسماع كلامه أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم والناس أجمعين، ونحن نشهد الله على ذلك؛ فإنه أحب إلينا من آبائنا وأمهاتنا وأولادنا والناس أجمعين ولو خيرنا بين لقياه ﵊ وبقاء الأهل والأولاد والأموال وأهل الأرض كلهم لاخترنا لقياه ﵊ على ذلك بأبي هو وأمي، على أن الصحابة ﵃ كان لزامًا عليهم إذا كانوا معه ﷺ على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، قال تعالى:
стр. 274
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] وقد فر الأمر الجامع بشهود الجمعة أو كانوا في زحف، صح التفسير بذلك عن الزهري وابن جريج، كما رواه ابن جرير، عنهما واختاره.
وهذا يعم أصحابه المقيمين والوافدين إليه وقد التزم نظير ذلك بعض أهل العلم في مسألتنا فقالوا: إذا حضر المسافر المسجد الجامع لزمته صلاة الجمعة وقد لام النبي ﵊ من دخل المسجد ولم يصل وقال: «ما منعكما أن تصليا معنا». مع أنهما قد صليا في رحالهما ... وهذه المسألة أخص من المسألة المتنازع فيها.
وأما قولكم: إنه يثبت تبعًا ما يثبت استقلالًا وأن المسافر يأخذ حكم المقيم إن كان ماكثًا نازلًا في وجوب إجابة النداء؛ فنحن نسلم بصحة هذه القاعدة، ولكننا نقول إن محلها ما لم يكن استقل التبع بحكم آخر يمنع إلحاقه بالمتبوع واعتبر هذا بالبهيمة المذكاة إن وجد جنين في بطنها أنه إذا خرج ميتًا فهو كجزء من أجزائها وإن خرج حيًا فلابد من تذكيته ولا يتبع أمه، وفي مسألتنا فإن
стр. 275
المسافر مستقل بأحكام خاصة تناسب حاله فلا يخرج عنها إلا بدليل، وإنما يثبت تبعًا هنا أهل مصر ممن لا يسمع النداء ومن كان حوله وحده كثير منهم بفرسخ.
فهذا نهاية إقدام الفريقين وغاية سجال الطائفتين، وأنا على مذهب جماهير الأمة (١) من عدم الوجوب والإلزام، نعم يستحب شهودها من غير حرج وانحتام.
قال الشاطبي في «الموافقات» (١/ ٤٤٣): وأما الرابع فكأسباب الرخص هي موانع من الانحتام بمعنى أنه لا حرج على من ترك العزيمة ميلًا إلى جهة الرخصة كقصر المسافر وفطره وتركه الجمعة وما أشبه ذلك. اه. والله يهدينا إلى صراطه المستقيم.
وهنا مسائل مهمة أنبه عليها على الإيجاز في ختام هذا البحث.
مسائل هامة:
١ - السفر يوم الجمعة: الصحيح جواز السفر يوم الجمعة ما لم يؤذن لها وهذا قول جمهور أهل العلم فإذا أذن لها الأذان الذي تليه الخطبة فلابد من شهودها، ما لم يتضرر بترك السفر بانقطاعه عن رفقة أو فوات مركوب كما في
стр. 276
عصرنا في فوات السفر بالطائرة ونحوها، وكذلك يجوز له السفر إذا كان سيصلي الجمعة في بلد قريب. انظر: «المغني» (٣/ ٢٤٧) و «زاد المعاد» (١/ ٣٨٢) وغيرهما وابن المنذر (٤/ ٢١) و «الإنصاف» (٥/ ١٨٥).
٢ - يجوز للمسافر أن يؤم في صلاة الجمعة: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب الجمهور خلافًا للمشهور من مذهب الحنابلة، واختاره شيخنا ابن باز ﵀، ونص عليه في «شرح الموطأ» عند باب (ما جاء في الإمام ينزل بقرية يوم الجمعة في السفر) (١/ ١٠٧)، ونقل أبو حامد الغزالي الإجماع على صحتها خلف المسافر ... حاشية الروضة (٢/ ٤٢٧).
٣ - من فاتته الجمعة هل يصلي الظهر في جماعة؟ الصحيح جواز ذلك، بل شرعيته لعموم فضل الجماعة، وفعله بعض الصحابة.
لكن هل يصليها جماعة في الجامع؟ قال في «المغني» (٣/ ٢٢٤): (ويكره في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة لأنه يفضى إلى النسبة إلى الرغبة عن الجمعة أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام، أو يعيد الصلاة معه، وفيه افتيات على الإمام وربما أفضى إلى فتنة أو ضرر به وبغيره، وإنما يصليها في منزله، أو موضع لا تحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه). اهـ.
قلت: وهو كلام محرر متين.
стр. 277
٤ - روى مسلم في صحيحه (٨٨٣) من حديث عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة فقال: (نعم. صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك وأن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) وأخرجه أحمد وأبو داود.
وروى أبو داود من طريق ليث عن الحجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة ﵁ قال: (أيعجزكم أحد أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو شماله يعني السبحة). وهذا الحديث ضعفه البخاري في صحيحه فقد قال في صحيحه: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: (لا يتطوع الإمام في مكانه) ولم يصح، وقد ذكره البخاري بالمعنى، والحديث ضعيف فيه ليث بن أبي سليم، وإبراهيم مجهول، وصحح البخاري أن اسمه إسماعيل بن إبراهيم (كما نقله عنه البيهقي) مع الاختلاف في سند الحديث كما قال ابن رجب في «فتح الباري» (٥/ ٢٦٢) ط. طارق.
ولفظ الحديث عند البيهقي (٢/ ١٩): إذا أراد أحدكم أن يتطوع بعد الفريضة. وروى أبو داود [٦١٦] والبيهقي (٢/ ١٩) من طريق عطاء الخراساني عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﵁: «لا يصل أحدكم في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول». قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة. وروى أبو داود [١١٣] من طريق الفضل بن موسى عن عبد الحميد بن جعفر
стр. 278
عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن ابن عمر قال: (كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. وأخرجه مسلم من طريق ليث عن نافع عن عبد الله بشطره الأخير دون صلاته بمكة وسند أبي داود لا بأس به. وروى ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤) من طريق شريك عن ميسرة (وهو ابن حبيب) عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله عن علي قال: إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام. ورواه البيهقي (٢/ ١٩١) من طريق الأعمش عن المنهال به بلفظ من السنة إذا سلم الإمام أن لا يقوم من موضعه الذي صلى فيه يصلي تطوعًا حتى ينحرف أو يتحول أو يفصل بكلام. ثم قال البيهقي: ورواه الثوري عن ميسرة عن حبيب عن المنهال بن عمرو إلا أنه قال: (لا يصلح للإمام) وفي رواية: (لا ينبغي للإمام ..). اهـ. قال الحافظ في «الفتح»: إسناده حسن، كذا قال مع أن في إسناده عباد بن عبد الله وهو الأسدي الكوفي. قال البخاري: فيه نظر. وقال ابن المديني: ضعيف، ونقل ابن الجوزي عن أحمد الضرب على بعض حديثه. ومعنى قول البخاري (فيه نظر) أنه له مناكير. وقال الحافظ في «بذل الماعون» ص [١١٧] وهذه عبارة البخاري فيمن يكون وسطًا.
وروى البيهقي (٢/ ١٩) من طريق يعلى بن عبيد ثنا عبد الملك عن عطاء: قال رأيت ابن عمر ﵁ دفع رجلًا من مقامه الذي صلى فيه المكتوبة وقال: إنما دفعتك لتقدم أو تأخر. وروى عنه بمعناه في الجمعة.
стр. 279
وروى البيهقي أيضًا من طريق الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن حفص بن غياث عن ابن عمر كان إذا صلى تحول من مقامه الذي صلى فيه. وقد روي عن ابن عمر خلافه؛ فقد روى البيهقي من طريق ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع أن عبد الله ابن عمر كان يصلي سبحته في مقامه الذي صلى فيه. وكذلك رواه شعبة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال البيهقي: وكأن يفصل بينهما بكلام أو انحراف أو فعل ما يجوز فعله. وطريق شعبة ذكره البخاري في صحيحه تحت باب: مكث الإمام في مصلاه بعد السلام قال لنا آدم حدثنا شعبة فذكره.
قال حرب (١): حدثنا محمد بن آدم ثنا أبو المليح الرقي عن حبيب قال: كان ابن عمر يكره أن يصلي النافلة في المكان الذي صلى فيه المكتوبة، حتى يتقدم أو يتأخر أو يتكلم. وروى الشافعي عن ابن عتيبة عن عمرو بن عطاء عن ابن عباس أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلم أو يتقدم.
قال ابن رجب: وقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما قبلها فيجوز بالاتفاق، قاله بعض أصحابنا فكرهت طائفة تطوعه في مكانه بعد صلاته، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق، وروى عن علي أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه، ورخص فيه ابن عقيل من أصحابنا، كما رجَّحه البخاري ونقله عن ابن عمر والقاسم بن محمد، فأما المروي عن ابن عمر فإنه لم يفعله وهو إمام بل كان مأمومًا، كذلك قال
стр. 280
الإمام أحمد. وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك وهو قول مالك وأحمد، وانظر: «المغني» (٣/ ٢٥ ..)
قلت: خلاصة ما تقدم من أحاديث وآثار وما نقله الحافظ ابن رجب ما يأتي:
كراهة تنفل الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، بل ينبغي التحول المكاني، وأيضًا ينبغي الاشتغال بالذكر بعد المكتوبة، خلافًا للمشهور عند الأحناف من البداءة بالتطوع؛ ولأن هذا التحول هو فعل النبي ﷺ الراتب، وهذه الكراهة محكية عن أكثر أهل العلم.
أما الإمام فإن تحول عن مكانه بعد الفريضة، أو أتى بالذكر المشروع بعد الفريضة ولم يتحول، أو فصل بينهما بكلام مباح فكل ذلك كاف، ودل على هذا حديث معاوية عند مسلم، نعم، الجمع بين التحول والفصل بالذكر أبلغ وهو ظاهر المروي عن ابن عمر، وصلاة العبد في مكانه بعد الفصل بذكر أو كلام بعد الفريضة لا كراهة فيها عند أكثر العلماء وجميع ما ذكر إنما هو بين الفريضة والنافلة، وأما فعل ابن عمر بمكة في تحوله من موضع إلى موضع في النافلة فمن اجتهاده وهو مباح، وقد كان النبي ﷺ يرد صلاة الليل في موضع واحد.
وهنا مسألة أختم بها وهي مسألة تحويل الغير عن مكانه لأجل فعل السنة الراتبة بعد الصلاة سواء كانت الجمعة أو غيرها، ففي هذا نظر، فلا يجوز أن يقيم المسلم أخاه ويقعد أو يصلي مكانه، وهذا إن كان روي عن بعض السلف، كما ذكر ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه في آخر أبواب الجمعة إلا أن عبد الرزاق - رحمه
стр. 281
الله - في مصنفه فطن لهذا، فقد عقد في مصنفه (٣/ ٢٦٨) باب إقامة الرجل أخاه ثم يختلف في مجلسه، وذلك في آخر أبواب الجمعة. وذكر حديث جابر، وابن عمر.
والحديثان وما جاء في معناهما وإن كانا جاءا في الجلوس إلا أن النهي أعم فيشمل إقامة الرجل من مكانه لأجل الصلاة أو القراءة أو غير ذلك، العلة جلية وهي العدوان على الغير بإقامته من مكان سبق إليه فلا يحل ذلك إلا بطيب نفس، وما دام الشخص يريد هذا الفعل لتحقيق الفصل (١) بين الفريضة والنافلة فالأذكار كافية أو البحث عن مكان ليس فيه أحد أحرى من تحويل مسلم وإزعاجه وقطع ما هو فيه من ذكر أو فكر.
وهنا أضع القلم، وأسأل الله أن يضع عنا الأوزار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ .
قاله وكتبه
أبو محمد عبد الله بن مانع
стр. 282
من آداب السفر وأحكامه
стр. 283
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
أما بعد،
فهذه بعض آداب السفر وأحكامه انتقيتها من كتب الحديث والفقه ولم أقصد الاستيعاب وإنما أردت التذكير بالمهم من ذلك والله نسأل التوفيق والسداد.
١ - طلب الصحبة في السفر: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» إسناده حسن أخرجه مالك وأحمد وأهل السنن.
٢ - التأمير في السفر: لحديث أبي هريرة وأبي سعيد: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) أخرجه أبو داود بسند جيد، وفي حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا وأمر عليهم رجلًا وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. أخرجه البخاري وغيره.
٣ - الإتيان بدعاء الركوب ودعاء السفر: فقد جاء عن علي ﵁ أنه أُتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: (بسم الله) فلما استوى على ظهرها قال: (الحمد لله) ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤] ثم قال: الحمد لله (ثلاثًا) الله أكبر (ثلاثًا)
стр. 284
سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. الحديث رواه أحمد وأهل السنن وفي إسناده اختلاف، وإسناده عند الطبراني والحاكم جيد ثابت، وأخرج مسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا ثم قال: «﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بُعْدَهْ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل» إذا رجع قالهن وزاد فيهن «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» وفي حديث أنس عند مسلم: حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: «أيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة فعلى هذا تقال هذه العبارة عند بداية القفول وعند قدومه لبلده.
وروى مسلم عن عبد الله بن سرجس أيضًا: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكون وفي بعض النسخ (الكور) ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال).
стр. 285
ودعاء الركوب إنما يقال في الأسفار خاصة كما اختاره شيخنا ابن باز ﵀.
٤ - الخروج يوم الخميس إذا تيسر ذلك: فقد روى البخاري عن كعب بن مالك قوله: (لقلَّما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج إلا يوم الخميس) وبوب عليه البخاري في كتاب «الجهاد»، وهذا من باب الأفضلية، وإلا فقد خرج النبي ﷺ في حجة الوداع يوم السبت.
٥ - التسبيح عند هبوط الأودية والتكبير إذا علا مرتفعًا: كما ثبت ذلك في حديث جابر، وابن عمر، ولفظ حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شَرَف من الأرض، ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» وهو عام في كل سفر.
٦ - توديع الأهل والأقارب وغيرهم: وجاء في ذلك أحاديث وآثار ثابتة.
٧ - تعجيل العودة بعد الفراغ من الحاجة التي سافر لأجلها: لقوله ﵊: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهمته (بفتح النون: أي حاجته) فليعجل رجوعه إلى أهله» [متفق عليه].