← Фикх общий

Фикх общий · id 14368

نفح العبير

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (326 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بحث في صلاة من أغمى عليه فصل في المروي مرفوعًا: روى الدارقطني في «سننه» (٢/ ٨٢) من طريق عبد الله بن حسين عن الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي أن القاسم بن محمد بن أبي بكر حدثه أن عائشة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يُغمى عليه فيترك الصلاة فقال: «ليس بشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه في وقت صلاة فيفيق وهو في وقتها فيصليها». ورواه البيهقي في «سننه» (١/ ٣٨٨) عن عبد الله بن الحسين به نحوه، وقال عقبة: عبد الله بن الحسين ذكره البخاري في التاريخ وقال فيه نظر، والحكم بن عبد الله الأيلي تركوه كان ابن المبارك يوهِّنه ونهى أحمد عن حديثه. اهـ. قلت: الأمر كما قال البيهقي، وفي «التقريب»: ضعيف، والحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي ترجمه في «الميزان» (١/ ٥٧٢). قال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب، وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث. اهـ. قلت: لا يصح في المسألة خبر مرفوع، والله أعلم. فصل في الآثار عن الصحابة ﵃: ما روي عن عمار سدد خطاكم: قال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: (حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن السدي عن رجل يُقال له يزيد عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق في بعض الليل فقضاهن). ورواه عبد الرزاق وابن عبد البر في «الاستذكار»، والدارقطني

стр. 72

والبيهقي عن سفيان به مثله إلا أن الدارقطني قال عن يزيد مولى عمار. قلت: يزيد مولى عمار ترجمه في «الجرح» وبيَّض له فلم يذكر فيه شيئًا، وقال شمس الحق آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني: يزيد مولى عمار مجهول، وقال البيهقي في «المعرفة»: قال الشافعي: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت فمحمول على الاستحباب. قاله في «نصب الراية». وروى ابن المنذر في «الأوسط» من طريق عبد الله بن الحارث بن فضيل الخطمي عن أبيه عن لولوة مولاة عمار أنه أغمي عليه ثلاثًا فترك الصلاة ثم أفاق فدعا بوضوء فتوضأ ثم ابتدأ صلوات الثلاث حتى فرغ منها. ورواه من وجه آخر عن عبد الله بن الحارث به، وقال عن أم سعيد مولاة عمار: فلعل اسمها لولوة وكنيتها أم سعيد، وبكل حال لم أجد لها ترجمة بعد البحث الكثير عنها، والله أعلم. ما روي عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵄. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص عن التيمي عن أبي مجلز قال: قيل لعمران بن حصين إن سمرة بن جندب يقول في المغمى عليه يقضي مع كل صلاة مثلها؟ فقال عمران: ليس كما يُقال يقضيهم جميعًا. ورواه ابن المنذر عن سليمان التيمي به ولفظه: قال عمران: ليصليهن جميعًا. ورواه ابن عبد البر في الاستذكار من طريق حفص بن غياث به مقتصرًا على قول عمران بن حصين سدد خطاكم. قلت: وهذا إسناد صحيح إلى الصاحبين ﵄. ما روي عن ابن عمر ﵄:

стр. 73

روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أغمي عليه فذهب عقله فلم يقض الصلاة. ورواه ابن أبي شيبة عن نافع ولفظه: «أنه أغمي عليه يومين فلم يقضِ». ورواه عبد الرزاق عن العمري المكبَّر لكن قال: يومًا وليلة. ورواه إبراهيم الحربي من طريق العمري المصغَّر مثله. ولعبد الرزاق من وجه آخر عن نافع فذكر شهرًا ولم يقض. ورواه محمد بن الحسن الشيباني من طريق مالك مثله. وروى الدارقطني من طرق عن نافع في بعضها يوم، وبعضها يومان، وبعضها ثلاثة، ولم يقض فيها. ورواه البيهقي وابن المنذر عن نافع به نحوه. وهذا إسناد في غاية الصحة عنه سدد خطاكم. تنبيه: روى محمد بن الحسن ما يخالف ما تقدم عن ابن عمر فقال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي عن ابن عمر في المغمى عليه يومًا وليلة قال: يقضي. قلت: وفي هذا الإسناد نظر، فإن أبا حنيفة ﵀ مع جلالته وإمامته تكلم في حفظه فقد ضعفه من جهة حفظه البخاري ومسلم والنسائي وابن عدي، وأيضًا شيء آخر: فإبراهيم النخعي قال أبو حاتم: لم يلق أحدًا من الصحابة إلا عائشة ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه. ثم هذا يخالف مذهب ابن عمر الذي نقله عنه أصحابه الحجازيُّون وهم به أبصر، والله أعلم. ما روي عن أنس سدد خطاكم: قال ابن المنذر: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، ثنا عمرو ابن أبي قيس عن عاصم قال: أغمي على

стр. 74

أنس بن مالك سدد خطاكم فلم يقض صلاته. اهـ. قلت: وهذا إسناد جيد وعاصم هو ابن سليمان الأحول. حديث: «يأتي على الناس زمان يأكلون الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره». في كلام الأئمة: قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١/ ٢٨٩): ذهب مالك والشافعي وأصحابه إلى مذهب ابن عمر وهو قول طاووس، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبه قال أبو ثور، وكل هؤلاء يجعل وقت الظهر والعصر النهار كله إلى الغروب، ووقت المغرب والعشاء الليل كله على ما تقدم من أصولهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أغمي عليه يومًا وليلة قضى، وإن أغمي عليه أكثر لم يقض، وجعلوا من أغمي عليه يومًا وليلة في حكم النائم، ومن أغمي عليه أكثر في حكم المجنون الذي رفع عنه القلم. قال: وقال عبيد الله بن الحسن: المغمى عليه كالنائم يقي كل صلاة من أيام إغمائه، وبه قال أحمد بن حنبل وهو قول عطاء. اهـ. وقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٢٣٤): والمغمى عليه لا يعقل ولا يفهم، فالخطاب عنه مرتفع، وإذا كان من ذكرنا غير مخاطب بها في وقتها الذي أُلزم الناس أن يؤدوها فيه، فلا يجوز أداؤها في غير وقتها؛ لأنه لم يأمر الله بذلك، وصلاة لم يأمر الله بها لا تجب، وبالله التوفيق. اهـ. وانظر: «التمهيد» (٣/ ٢٩٠) فهو مهم. وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٩٤): الإغماء مرض من الأمراض، والذي يلزم المريض إذا عجز عن القيام أن يصلي قاعدًا، ويسقط عنه فرض القيام لعجزه عن ذلك، فإن لم يستطع أن يصلي

стр. 75

قاعدًا صلى على جنب يومئ على قدر طاقته، وسقط عنه فرض القعود، فإذا أغمي عليه فلم يقدر على الصلاة بحال فلا شيء عليه؛ لأنه لما قالوا: يسقط عن المريض كل عمل لا سبيل له إليه، فكذلك لا سبيل للمغمى عليه إلى الصلاة في حال إغمائه، وإذا لم يكن عليه في تلك الحال صلاة لم يجز أن يوجب عليه ما لم يكن عليه، وإلزام القضاء إلزام فرض، والفرض لا يجب باختلاف، ولا حجة مع من فرض عليه قضاء ما لم يكن عليه حال الإغماء، وليس كالنائم الذي يوجد السبيل إلى انتباهه، وهو سليم الجوارح، لأن المغمى عليه واهي الجوارح من تعبها لا سبيل لأهله إلى تنبيهه، فإن أفاق المغمى عليه وقد بقي مقدار ما يصلي ركعة قبل غروب الشمس فعليه العصر، وإن أفاق قبل طلوع الفجر بركعة صلى العشاء، وإن أفاق قبل طلوع الشمس بركعة صلى الصبح، وفي قول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» بيان لمن وفق لفهمه أنه غير مدرك لغيرها، إذ لو كان مدركًا لغيرها لكان بيان ذلك في الحديث. اهـ. وقال السرخسي في «المبسوط» (١/ ٢١٧): (والفقه أن الإغماء إذا طال يجعل كالطويل عادة وهو الجنون، وإذا قصر يجعل كالقصير عادة وهو النوم، فيحتاج إلى الحد الفاصل بين القصير والطويل، فإن كان يومًا وليلة أو أقل فهو قصير؛ لأن الصلاة لم تدخل في حدِّ التكرار، وإن كان أكثر من يوم وليلة يكون طويلًا؛ لأن الصلاة دخلت في حدِّ التكرار» اهـ. وقال صالح بن أحمد في «مسائله» (٢/ ٢٠١): لأبيه ﵀. قلت: المغمى عليه كم يعيد؟ قال: يعيد الصلاة كلها. قلت: فإن ابن عمر أُغمي عليه أكثر من ليلة فلم يعد الصلاة؟ قال: روي عن عمار أنه أغمي عليه ثلاثًا فقضى، وروي عن عمران بن حصين

стр. 76

وسمرة بن جندب أنه يعيد، قال سمرة مع كل صلاة صلاة يقول: مع الظهر الظهر، ومع العصر العصر، قال عمران: بل يعيدهن جميعًا، فمن ذهب إلى حديث ابن عمر يقول: إن القلم عنه مرفوع فلا يعيد شيئًا، فأما من قال: خمس صلوات، فلا نعلم له معنى، إما أن يعيد الصلوات كلهن، وإما لا يعيد. هذا ما تيسر جمعه، والله الهادي إلى سواء السبيل (١).

стр. 77

حديث: «يأتي على الناس زمان يأكلون الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره». رواه أحمد في «مسنده» (٢/ ٤٩٤): قال حدثنا هشيم عن عباد بن راشد عن سعيد بن أبي خيرة قال: حدثنا الحسن منذ نحو من أربعين سنة عن أبي هريرة سدد خطاكم أن رسول الله ﷺ قال، فذكره. ورواه أبو داود في «سننه» (٣/ ٢٤٣): قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا هشيم به بنحوه. ورواه النسائي في «المجتبى» (٧/ ٢٤٣) قال: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن سعيد بن أبي خيرة به. ورواه أبو داود (٣/ ٢٤٣) قال: حدثنا وهب بن بقية قال: أخبرنا خالد عن داود - يعني ابن أبي هند - به نحوه وفيه: «أصابه من بخاره». رواه ابن ماجه في «سننه» (٢/ ٧٦٥) قال: حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا إسماعيل بن عُلية قال: حدثنا داود بن أبي هند به. ورواه الحاكم في «مستدركه» (٢/ ١١) من طريق خالد بن عبد الله عن داود بن أبي هند (١) عن الحسن عن أبي هريرة .. وقال عقبة: وقد اختلف أئمتنا في سماع الحسن عن أبي هريرة فإن صح سماعه منه فهذا حديث صحيح. ورواه البيهقي في «سننه» (٥/ ٢٧٥) من طريق هشيم قال: أنبأنا عباد بن راشد قال: سمعت سعيد بن أبي خيرة يحدث داود بن أبي

стр. 78

هند قال: حدثنا الحسن بن أبي الحسن منذ أربعين سنة أو نحو ذلك عن أبي هريرة فذكره. ورواه كذلك من طريق أبي داود الثانية بإسناده ومتنه سواء. ورواه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٦٤٧) من طريق المسيَّب بن واضح قال: حدثنا ابن المبارك عن عبَّاد بن راشد عن سعيد بن أبي خيرة عن الحسن به. ومدار هذا الحديث على الحسن وهو البصري الزاهد المشهور، وسماعه من أبي هريرة مختلف فيه، والمنقول عن أكثر الأئمة الكبار نفي سماعه، كما قال أحمد وابن معين، وابن المديني، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والبزَّار، والنسائي، والترمذي، وكذلك قاله أيوب وبهز ابن أسد، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد .. ولهذا قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ١٠): (والجمهور على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة) فالحديث منقطع (١).

стр. 79

بحث في مشروعية ستر قبر المرأة عند الدفن روى عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ٤٩٨) عن معمر عن أبي إسحاق قال: حضرت جنازة الحارث الأعور الحوتي وكان من أصحاب علي وابن مسعود ﵄ فرأيت عبد الله بن يزيد الأنصاري كشف ثوب النعش عنه حين أُدخل القبر وقال: إنما هو رجل، وقال: رأيت الذريرة على كفنه، واستلّه من نحو رجل القبر، ثم قال: هكذا [السنة] (١) ورواه من طريق الثوري عن أبي إسحاق نحوه (٣/ ٥٠٠). ورواه البيهقي من طريق زهير عن أبي إسحاق أنه حضر جنازة الحارث الأعور فأبى عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبًا، وقال: إنه رجل قال أبو إسحاق وكان عبد الله بن يزيد قد رأى النبي ﷺ وهذا إسناد صحيح وإن كان موقوفًا رواه جماعة عن أبي إسحاق. اهـ. كلام البيهقي (٤/ ٥٤). قال الحافظ في «التلخيص»: إسناده صحيح (٢/ ١٢٩). ورواه مختصرًا ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ١٦). قلت: وعبد الله بن يزيد روى عنه أبو إسحاق كما في «التهذيب وفي التقريب» صحابي صغير ولي الكوفة لابن الزبير. وروى البيهقي في «سننه» (١/ ٥٤) عن علي بن الحكم عن رجل من أهل الكوفة عن علي بن أبي طالب سدد خطاكم أنه أتاهم قال: ونحن ندفن ميتًا وقد بُسط الثوب على قبره فجذب الثوب من القبر وقال: إنما يُصنع هذا بالنساء، ثم أسنده البيهقي وقال: هو في معنى المنقطع لجهالة الرجل من أهل الكوفة. قال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ١٢٩): (وروى أبو يوسف

стр. 80

القاضي بإسناد له عن رجل عن علي ..) مثله. وروى البيهقي في «سننه» (٤/ ٥٤) من طريق يحيى بن عقبة عن علي بن بذيمة الجزري عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: (جلل رسول الله ﷺ قبر سعد بثوبه). وقال عقبة: (لا أحفظه إلا من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف) اهـ. وضعفه البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣٩٩). ورواه من وجه آخر مرسل ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ١٦). قلت: (يحيى بن عقبة: قال ابن معين فيه ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وضعفه أبو زرعة) (١). ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥٠٠) عن ابن جريج عن رجل عن الشعبي أن زيد ابن مالك قال: «أمر النبي ﷺ بثوب فسُتر على القبر حين دلَّى سعد بن معاذ فيه» .. الحديث، وقد ضعفه النووي في «المجموع» (٥/ ٢٥٥). وذكر ابن أبي شيبة آثارًا عن شريح والحسن في المنع من ستر قبر الرجل بثوب. قال في «المغني» .. مسألة قال: (والمرأة يخُمر قبرها بثوب). قال: لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافًا وقد روى ابن سيرين أن عمر كان يغطي قبر المرأة .. ثم ذكر أثر عليٍّ المتقدم وذكر مثله عن أنس سدد خطاكم قال: ولأن المرأة لا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون فإن كان الميت رجلًا كره ستر قبره لما ذكرنا .. ثم قال: ولأن كشفه أمكن وأبعد من التشبه بالنساء مع ما فيه من أتباع أصحاب رسول الله ﷺ .اهـ. (٣/ ٤٢٩).

стр. 81

وفي «المجموع» (٥/ ٢٥٥) قال: (ويستحب أن يُسجَّى القبر بثوب عند الدفن سواء كان رجلًا أو امرأة، هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب قالوا: والمرأة آكد، وحكى الرافعي وجهًا أن الاستحباب مختص بالمرأة، واختاره ابن عبدان أبو الفضل من أصحابنا، وهو مذهب أبي حنيفة) اهـ. قلت: فأصبح ستر قبر المرأة هو قول الجمهور، وفيه أثر عبد الله بن يزيد وهو جيد، وأثر عمر وعلي وأنس، وأثر علي ضعيف، وأثر عمر وأنس لم أرهما، وفيه آثار لبعض التابعين، والله أعلم (١).

стр. 82

إيقاد المجامر بضعف حديث المطاهر قال الطبراني في «الأوسط»: (حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا محرز بن عون، ثنا حسان بن إبراهيم عن عبد العزيز بن أبي روَّاد عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قلت يا رسول الله، الوضوء من جر جديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ قال: «لا بل من المطاهر، إن دين الله يسر الحنيفية السمحة» قال: وكان رسول الله ﷺ يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين). رواه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٠٣)، حدثنا محمد بن علي بن خنيس، ثنا أحمد بن يحيى الحلواني به، وقال عقبة غريب تفرد به حسان بن إبراهيم لم نكتبه إلا من حديث محرز. قلت: هكذا رواه حسان متصلًا وقد أرسله غيره، فقد رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١/ ٧٤). عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: (أخبرني محمد بن واسع أن رجلًا قال: يا رسول الله: جر مخمر جديد أحب إليك أن تتوضأ منه أو مما يتوضأ الناس منه أحب؟ قال: «أحب الأديان إلى الله الحنيفية» وقيل: وما الحنيفية؟ قال: «السمحة» قال: الإسلام الواسع). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٠٣): من طريق أبي علي محمد بن أحمد بن واسع أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ قال: فذكره حتى قوله: إن أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحاء» قال أبو نعيم: رواه خلاد عن عبد العزيز عن محمد بن واسع مرسلًا، ورواه حسان بن إبراهيم متصلًا. ورواه ابن عدي في «الكامل» من الوجهين متصلًا ومرسلًا، فقال (٢/ ٧٨٣): «ثنا ابن صاعد، ثنا محمد بن حرب، ثنا هارون بن عون،

стр. 83

ثنا حسان بن إبراهيم، ثنا عبد العزيز بن أبي روَّاد عن نافع عن ابن عمر أنه قيل: يا رسول الله! الوضوء من جرجديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ قال: «بل من المطاهر، إن دين الله الحنيفية السمحاء». اهـ. هكذا متصلًا دون آخره. ورواه مرسلًا: «ثنا ابن صاعد، ثنا القاسم بن يزيد الوزان، ثنا وكيع، قال عبد العزيز بن أبي رواد عن محمد بن واسع الأزدي، جاء رجل إلى النبي ﷺ » فذكر نحوه. اهـ. ذكره ابن عدي في ترجمة حسان مما أنكر عليه. قلت: فقد رواه عن عبد العزيز بن أبي رواد أربع أنفس: حسان بن إبراهيم، وعبد الرزاق، ووكيع، وخلاد تفرد حسان برفعه وأرسله الباقون، وقد غمز أبو نعيم رواية حسان المتصلة حيث قال: رواه حسان بن إبراهيم متصلًا، وبعد سياقه لها قال: غريب تفرد به حسان، وكذلك ابن عدي فإنه ساق الرواية المرسلة عقب المتصلة. ثم قد خالف حسان فأرسله عبد الرزاق ووكيع الإمامان الجليلان فهما أحفظ منه وأثبت. وشيء آخر: أن حسان له ما يستنكر، قال الحافظ في التهذيب (٢/ ٢٤٥): «وجاء أن أحمد أنكر عليه بعض حديثه، وقال العقيلي: في حديثه وهم ... وقال ابن حبان في «الثقات»: ربما أخطأ» اهـ. قال ابن عدي: ولحسان شيء من الأصناف وله حديث كثير، وقد حدث بإفرادات كثيرة عن أبان بن تغلب عن إبراهيم الصائغ عن ليث بن أبي سليم وعاصم الأحول وسائر الشيوخ فلم أجد له أنكر مما ذكرته من هذه الأحاديث، وحسان عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء، وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنادًا أو متنًا وإنما هو وهم منه وهو عندي لا بأس به.

стр. 84

ثم الزيادة: «وكان يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين». قد تكون لو حفظت أن الراوي قالها تفقهًا وظنًّا والظن أنها من كلام غير ابن عمر. وبكل حال هي رواية ضعيفة منكرة، والمحفوظ في الرواية الإرسال دون قوله: وكان يبعث ... إلخ. فالعلل فيها الإدراج والإرسال والنكارة. فأصبحت ضعيفة إسنادًا منكرة متناً، كيف وقال قال النبي ﷺ لأصحابه حينما قالوا له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال لهم: «الله أكبر: إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة». رواه أحمد وأهل السنن وهو من أحاديث كتاب «التوحيد» لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبوَّب عليه، باب من تبرك بشجرة أو حجر أو نحوهما ... يعني فقد أشرك. وإنما كتبت هذا لما رأيت الشيخ العلامة المحدث الألباني قد جوَّد الرواية المرفوعة المتصلة مع السياق المذكور فأوهم أن النبي ﷺ كان يتبرك بما مسته أيدي المسلمين وتبين لك أخي ضعف الرواية وعدم صحتها، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١).

стр. 85

تخريج حديث إباحة الصلاة بمكة في وقت النهي عن مجاهد عن أبي ذر سدد خطاكم أنه أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد الفجر حتى تطلع الشمس إلا بمكة إلا بمكة». رواه أحمد في «مسنده» (٥/ ١٦٥): ثنا يزيد عن عبد الله بن المؤمَّل عن قيس بن سعد عن مجاهد به. ورواه الدارقطني (١/ ٤٢٤) (٢/ ٢٦٥) والبيهقي (٢/ ٤٦١)، والفاكهي في «أخبار مكة» (١/ ٢٥٦) كلهم من طرق عن عبد الله بن المؤمَّل عن حمُيد مولى عفراء عن قيس بن سعد به. ورواه ابن عدي من طريق عبد الله بن المؤمل ولم يذكر قيسًا. ورواه الفاكهي (١/ ٢٥٥): حدثنا عبد الوهاب بن فُليح، ثنا اليسع بن طلحة عن مجاهد أنه كان يقول: بلغنا أن أبا ذر ... به. وقال البيهقي عقبه: عبد الله ضعيف إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه في ذلك عن حميد وأقام إسناده. ثم رواه من طريق إبراهيم بن طهمان، ثنا حميد مولى عفران عن قيس بن سعد عن مجاهد قال: جاءنا أبو ذر ... فذكره، وقال حميد الأعرج: ليس بالقوي، ومجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: جاءنا يعني جاء بلدنا، والله أعلم. قلت: عبد الله بن المؤمَّل ضعفه ابن معين في رواية والنسائي، وقال أبو داود: منكر الحديث، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: أحاديثه عليها الضعف، وقال في «التقريب»: ضعيف الحديث، وحمُيد مولى عفراء: هو حميد بن قيس الأعرج

стр. 86

المكي القارئ لا بأس به، روى له الجماعة قاله في «التقريب». واليسع بن طلحة ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح» (٩/ ٣٠٩) وسأل أباه عنه فقال: شيخ ليس بالقوي منكر الحديث. قال الحافظ في «التلخيص» (١/ ١٨٩): قال أبو حاتم الرازي لم يسمع مجاهد من أبي ذر وكذا أطلق ابن عبد البر والبيهقي والمنذري وغير واحد. قال أبو محمد في «المغنى» (٢/ ٥٣٥): ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، وقال الشافعي: لا يمنع فيها لقوله ﷺ : «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» وعن أبي ذر ... فذكر حديثه حديث الترجمة قال: ولنا عموم النهي .. وحديثهم أراد به ركعتي الطواف، فيختص بهما، وحديث أبي ذر ضعيف ..». اهـ. وحديث الترجمة ضعفه ابن الجوزي في «التحقيق» وتبعه ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٢/ ١٠٠٦)، وضعفه النووي في «المجموع» (٤/ ٨٢) (١)، والله أعلم (٢).

стр. 87

حصول السعادة في الرضي والإستخارة حديث: «من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ». أخرجه أحمد في «مسنده» [١٤٤٤] حدثنا روح، حدثنا محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده سعد بن أبي وقاص سدد خطاكم قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. وأخرجه الترمذي في «جامعه» من طريق محمد بن أبي حميد به نحوه. وأخرجه الحاكم في «مستدركه» (١/ ٥١٨) من طريق روح به مقتصرًا على قوله: «من سعادة ابن آدم استخارته إلى الله، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله». قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد، ويقال له أيضًا: حماد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم المديني، فليس هو بالقوي عند أهل الحديث. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في «تلخيص المستدرك»: صحيح! ومع ذلك فقد عدَّ الذهبي هذا الحديث من منكراته فذكره في «ترجمته في الميزان» (٣/ ٥٣١) (١). تنبيه: قال الحافظ في «الفتح» (١١/ ١٨٤): «وجاء ذكر

стр. 88

الاستخارة في حديث سعد رفعه «من سعادة ابن آدم استخارته الله». أخرجه أحمد وسنده حسن!». قلت: حديث سعد هذا تقدم ذكر إسناده، وقد حكم عليه شيخنا المحدث ابن باز بقوله: الحديث ضعيف بهذا الطريق عند قراءة المسند عليه. ومحمد بن أبي حميد ضعفه ابن معين، والجوزجاني، والنسائي، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو داود، والدارقطني، وغيرهم كما في «ترجمته في التهذيب» (٩/ ١٣٢). طريق أخرى عن إسماعيل بن محمد. أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٢/ ٦٠): حدثنا موسى بن محمد بن حيَّان البصري، حدثنا عمر بن علي بن عطاء بن مقدَّم عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله عن إسماعيل به نحوه. وهذا إسناد ضعيف، موسى بن محمد ضعفه أبو زرعة كما في «الميزان»، وعمر بن علي يدلِّس تدليسًا شديدًا وقد عنعن، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم كما في «التهذيب» (٦/ ١٤٦)، والله أعلم (١).

стр. 89

البرهان في تخريج حديث استحواذ الشيطان حديث: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تُقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية». رواه أبو داود في «سننه» (٢/ ٢٥٠) عون (٤/ ١٢٥) بذل: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا السائب بن حُبيش عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء سدد خطاكم قال: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكره. وقال أبو داود عقبه: قال زائدة، قال السائب: يعني بالجماعة الصلاة في الجماعة. ورواه النسائي في «سننه» (٢/ ١٠٦): حدثنا سويد بن نصر، أنبأنا عبد الله ابن المبارك عن زائدة بن قدامة به. ورواه أحمد في «مسنده» (٥/ ١٩٦): حدثنا وكيع قال: حدثني زائدة بن قدامة به، ورواه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة به (٦/ ٤٤٦). ورواه من طريق أخرى مطولًا وفيه قصة (٦/ ٤٤٥): حدثنا علي بن ثابت، حدثني هشام بن سعد عن حاتم بن أبي نصر عن عُبادة بن نُسي قال: كان رجل بالشام يُقال له: معدان كان أبو الدرداء يقرئه القرآن ففقده أبو الدرداء فلقيه يومًا وهو بدابق فقال له أبو الدرداء: يا معدان! ما فعل القرآن الذي كان معك كيف أنت والقرآن اليوم؟ قال: قد علم الله منه فأحسن، قال: يا معدان أفي المدينة تسكن اليوم أو في قرية؟ قال: لا بل في قرية قريبة من المدينة، قال: مهلًا ويحك يا معدان فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من خمسة أهل أبيات لا يؤذن فيهم بالصلاة وتقام فيهم

стр. 90

الصلوات إلا استحوذ عليهم الشيطان وإن الذئب يأخذ الشاذة فعليك بالمدائن ويحك يا معدان». ورواه كذلك الحاكم في «مستدركه» (١/ ٢١١) وابن خزيمة (٢/ ٣٧١) وابن حبان (٥/ ٤٥٧) في «صحيحيهما»، والبيهقي في «سننه» (٣/ ٥٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٤٦)، كلهم من طرق عن زائدة به. وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صدوق رواته شاهد لما تقدمه متفق على الاحتجاج برواته إلا السائب بن حبيش وقد عرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات وأقره الذهبي. قلت: السائب بن حبيش الكلاعي الحمصي، وثقة العجلي، وقال الدارقطني: صالح الحديث من أهل الشام، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١٥٣)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولخصَّ الحافظ الكلام عليه في «التقريب» بقوله: «مقبول» يعني عند المتابعة. اهـ. قلت: لكن رواية زائدة عنه مقوية لحديثه، قال أحمد كما في ترجمة زائدة في «التهذيب» (٣/ ٣٠٦): إذا سمعت الحديث عن زائدة فلا تبالِ أن لا تسمعه من غيره. ووصفه أيضًا بأنه من المتثبتين في الحديث، فهذا الحديث على كل حال لا ينزل عن رتبة الحسن، ولهذا صححه النووي في «المجموع» (٤/ ٨٤) وحسنه المحدث الألباني في «صحيح الترغيب» [٤٢٥]. تنبيه: وقع في نسخة الحاكم تصحيف حيث رواه من طريق أبي داود المتقدمة إلا أن فيه السائب بن جبير، وهو غلط «المستدرك» (١/ ٢٤٦). تنبيه آخر: قال في «العون» نقلًا عن «المرقاة» قوله: «ما من ثلاثة» وتقييده بالثلاثة المفيد ما فوقهم بالأولى نظرًا إلى أقل أهل القرية

стр. 91

غالبًا، ولأنه أقل الجمع وأنه أكمل صور الجماعة وإن كان يتصور باثنين. اهـ. قلت: أقل الجماعة اثنين، قال في «المغني» (٣/ ٧): وتنعقد الجماعة باثنين فصاعدًا لا نعلم فيه خلافًا اهـ. وحكاه الوزير إجماعًا وقال في «المجموع» (٤/ ٩٢) قال أصحابنا: أقل الجماعة اثنان .. وهذا لا خلاف فيه، ونقل الشيخ أبو حامد وغيره فيه الإجماع، اهـ. قلت: في الباب حديث اثنان فما فوقهما جماعة. رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وابن سعد في «الطبقات،» وطرقه كلها ضعيفة، فقد رواه ابن ماجه، والحاكم، والدارقطني من حديث أبي موسى الأشعري وفيه عندهم الربيع بن بدر عن أبيه عن جده، والربيع ضعيف، وأبوه وجده مجهولان، ورواه الدارقطني من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا وفيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي قال البخاري: تركوه. ورواه أحمد من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا، وإسناده واهٍ، قال ابن حبان: وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله وعلي بن يزيد والقاسم لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم. ورواه أحمد: حدثنا هشام بن سعد، ثنا ابن المبارك عن ثور بن يزيد عن الوليد ابن أبي مالك، قال: دخل رجل المسجد فصلى فقال رسول الله ﷺ : «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟» فقام رجل فصلى معه، فقال رسول الله ﷺ : «هذان جماعة». وهذا مرسل صحيح. ورواه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٤١٥) من طريق بقية بن الوليد عن عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب قال: سمعت الحكم بن عمير الثمالي وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه

стр. 92

وسلم -، فذكره مرفوعًا وإسناده ضعيف بقية مدلس، ولم يصرح بالسماع وشيخه عيسى بن إبراهيم الهاشمي قال البخاري في «تاريخه» (٦/ ٤٠٧): منكر الحديث، والحديث ضعفه الحافظ في «الفتح» (٢/ ١٤٢)، و «التلخيص» (٣/ ٨١) ونقل العيني عن ابن حزم قوله (٤/ ٣٤٨) هذا خبر ساقط، وقال البخاري في «صحيحه»: باب اثنان فما فوقهما جماعة. وذكر حديث مالك بن الحويرث وفيه قوله ﷺ : «فإذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما». قلت: فهذا الحديث يغني عنه، وأن الجماعة تلزم الاثنين، وحديث الترجمة مفهوم عدد وهو ضعيف عندهم، وعارضه منطوق حديث مالك وغيره، والله أعلم (١).

стр. 93

نَفْحُ العَبِيْر تَأليف أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع العتيبي قرئَ مِنْهُ على سماحة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز ﵀ مفتي عَام المملكة الْعَرَبيَّة السعودية سَابِقًا «الْجُزْء الثَّانِي» دَارُ الوَطَن للنَّشر

стр. 94

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن للعلم وأهله مراتب عالية ومنازل سامية، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال ﵇: «من يرد الله به خيًرا يفقهه في الدين» متفق عليه، وقال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم، فكان حريًّا على كل مسلم ومسلمة أن يطلب هذا العلم رغبة فيما عند الله وتعلمًا لدينه وأن يبالغ في ذلك. هذا وإن للعلم آدابًا وأخلاقًا يتخلق بها حملته، ويتحلى بها أهله، فكيف وهم قادة أهل الإيمان، وهداة أهل الإسلام، وهم المقتدى بهم عند الخلق ومن أعظم آداب العلم الإخلاص لله والتقوى في طلبه وأن يكون المرء حسن النية في تحصيله غير متكبر ولا معجب بنفسه، متواضعًا، معوانًا على الخير والدلالة عليه، محسناً إلى الخلق بالقول والفعل وبذل الجاه والمال إن تيسر، معلمًا للناس بقوله وفعله رجاعًا إلى الحق طالبًا له غير معرج على ما سواه، محافظًا على حقوق الإخوان والأقارب والجيران وعامة المسلمين ورعًا فيما

стр. 95

يخاف منه في الآخرة، زاهدًا فيما لا ينفعه في آخرته، عفيف اللسان والجوارح عما حرم الله قد سلم المسلمون من لسانه ويده غير مشتغل بما لا يعنيه فضلًا عما يرديه، مقبلًا على شأنه وما ينفعه قوى الهمة في الطلب، حريصًا على مجالسة أهل العلم والإيمان والنهل من علومهم، ومباحثهم. أمارًا بالمعروف نهاءً عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن .. إلى غير ذلك من الصفات الحميدة والخصال الطيبة وإن سيرة نبينا محمد ﷺ ، وسيرة أصحابه لهي خير مثال يحتذى به وخير طريق يقتفى للتأسي بهم والسير على طريقهم، وكذا سلك التابعون وأئمة الهدى في القرون المفضلة فاستحقوا الخيرية على الناس كلهم لقوله ﷺ : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» أخرجه البخاري. وإليك بعض الأمثلة عن أهل الحديث التي تدل على انتفاعهم بعلمهم ونصحهم وإخلاصهم فمن الرجوع إلى الحق ما ذكره حمزة بن محمد الطاهر قال: (كان ابن الأنباري زاهدًا متواضعًا) حكى الدارقطني أنه حضره، فصحف في اسم قال: فأعظمت أن يحمل عنه وهم، وهبته، فعرَّفت مستمليه، فلما حضرت الجمعة الأخرى قال ابن الأنباري لمستمليه: (عرِّف الجماعة أنا صحفنا الاسم الفلاني)، ونبهنا عليه ذلك الشاب على الصواب!! السير (١٥/ ٢٧٧). ومن الورع عن أعراض الناس ما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٣٣٦) قال سمعت أبا عاصم يقول: (منذ عقلت أن الغيبة حرام، ما اغتبت أحدًا قط). ومن همة القوم في الطلب ما ذكره أبو حاتم عن نفسه أنه سأل القعنبي

стр. 96

أن يقرأ عليهم الموطأ فقال القعنبي: تعالوا الغداة فقال أبو حاتم وأصحابه: لنا مجلس عند حجاج بن منهال قال: فإذا فرغتم منه. قلنا: نأتي حينئذ مسلم بن إبراهيم قال: فإذا فرغتم قلنا: نأتي أبا حذيفة النهدي قال: فبعد العصر قلنا: نأتي عارمًا أبا النعمان قال: وبعد المغرب فكان يأتينا بالليل فيخرج علينا وعليه كبْل (١) ما تحته شيء من الصيف فكان يقرأ علينا في الحر الشديد حينئذٍ. (٥/ ١٨١) جرح. ومن ذلك ما ذكره في «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٥٣١) عن محمد بن يحي الذهلي قال ارتحلت ثلاث- رحلات- وأنفقت على العلم مائة وخمسين ألفًا. ومن ذلك ما ذكره أيضًا (٢/ ٥٥٠) عن صالح جزرة قال سمعت حجاج بن الشاعر يقول: جمعت لي أمي مائة رغيف فجعلتها في جراب وانحدرت إلى شبابه بالمدائن فأقمت مئة يوم ببابه أجيء بالرغيف فاغمسه في دجلة وآكله فلما نفدت خرجت. ومن آداب الصحبة ما ذكره الذهبي في «السير» (١٣/ ٣٥٨) في ترجمة إبراهيم الحربي صاحب غريب الحديث عن الحسن بن قُريش قال: حضرت إبراهيم الحربي وجاءه يوسف القاضي ومعه ابنه أبو عمر فقال: يا أبا إسحاق لو جئناك على مقدار واجب حقك لكانت أوقاتنا كلها عندك. فقال: ليس كل غيبة جفوة، ولا كل لقاء مودة، وإنما هو تقارب القلوب. ومن الأدب مع النفس ما ذكره الذهبي في سيره (١٢/ ٤٤٨) عن الحسين بن محمد السمرقندي قال: كان محمد بن إسماعيل (يعني البخاري) مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة:

стр. 97

كان قليل الكلام، وكان يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بأمور الناس كل شغله كان في العلم. ومن آداب المباحثة ما ذكره الحافظ الذهبي عن الموفق ﵀ (٢٢/ ١٧٠) قال الضياء كان الموفق لا يناظر أحدًا إلا وهو يتبسم. قال الذهبي معلِقًا: بل أكثر من عاينًا لا يناظر أحدًا إلا وينسْم قلت: من البلايا عند المباحثات والمناظرة العلمية أن تتكيف أنفس المتناظرين على أن من أمامه معادٍ له، مزيف، لقوله، لا يراه ولا يرى قوله شيئًا، ويخاف هو من نصرة خصمة عليه فتذل نفسه عند الحاضرين، فيوصف بقلة العلم وضحالة الجمع، وكل هذا من وساوس الشيطان ومن خطواته الآثمة وقد نهى الله عن أتباع ذلك والواجب تقوى الله والحرص على إظهار الحق وتزييف الباطل مع من كان وأنى وجد مع التأدب والوقار، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] أي مبالغين في إقامة العدل، قوام من قائم. والله نسأل المسامحة والعفو. واختم ببيان بعض الكتب المهمة وكيفية الطلب مستضيئًا بأقوال بعض أهل العلم في هذا العصر وغيره: وذلك على وجه الإيجاز: قال الشيخ حسن بن غانم في كتابه النافع «التقاط الدرر واقتطاف الثمر» من كتب أهل العلم والأثر ص (٢٤٥): سألت شيخنا البحاثة حماد بن محمد الأنصاري عن كيفية التحصيل في الحديث، فأجابني بأن كيفية التحصيل بما يلي: ١ - دراسة الأمهات الست (البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه).

стр. 98

٢ - دراسة مسند الإمام أحمد بن حنبل. ٣ - الاطلاع على كتب العلل في الحديث مثل كتاب «العلل» لابن أبي حاتم والعلل لأحمد بن حنبل. ٤ - معرفة طبقات الرواة كـ «تذكرة الحفاظ»، «وطبقات ابن سعد». ٥ - معرفة الضعاف من الرواة، مثل «ميزان الاعتدال للذهبي»، «ولسان الميزان» لابن حجر. ٦ - معرفة الوحدان، مثل وحدان مسلم. ٧ - معرفة غريب الحديث، كـ «النهاية» لابن الأثير و «الفائق» للزمخشري و «غريب الحديث» لابن أبي عبيد. ٨ - معرفة الناسخ والمنسوخ: كـ «الناسخ والمنسوخ» لابن الجوزي و «الاعتبار» للحازمي. ٩ - معرفة أسباب ورود الحديث، كـ «كتاب البيان والتعريف في بيان أسباب الحديث» للحسيني. ١٠ - الاطلاع على مختلف الحديث، مثل «مختلف الحديث» لابن قتيبة و «المعتصر من المختصر». ١١ - معرفة شيء من إعراب الحديث، كإعراب البخاري لابن مالك. ١٢ - معرفة فقه الحديث، مثل «السنن الكبرى» للبيهقي، والمنتقى للمجد بن تيمية. ١٣ - المذاكرة مع من له إلمام بما ذكر. اهـ.

стр. 99

وقال بكر أبو زيد ﵀ في حلية طالب العلم ٢٧ - ١٢٩. وقد كان الطالب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد: للمبتدئين ثم المتوسطين ثم المتمكنين: ففي التوحيد «ثلاثة الأصول وأدلتها» و «القواعد الأربع» ثم «كشف الشبهات» ثم كتاب التوحيد أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذا في «توحيد العبادة» وفي «توحيد الأسماء والصفات»: «العقيدة الواسطية» ثم «الحموية» و «التدمرية» ثلاثتها لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فـ «الطحاوية» مع شرحها وفي النحو «الأجرومية» ثم «ملحة الإعراب» للحريري، ثم «قطر الندى» لابن هشام و «ألفية ابن مالك» مع شرحها لابن عقيل وفي الحديث «الأربعين» للنووي ثم «عمدة الأحكام» للمقدسي ثم «بلوغ المرام» و «المنتقى» للمجد ﵏ فالدخول في قراءة الأمهات الست وغيرها. قال وفي الفقه مثلًا: «آداب المشي إلى الصلاة»، ثم «زاد المستنقع» للحجاوي ثم «عمدة الفقه» ثم «المقنع للخلاف المذهبي والمغني للخلاف العالي ثلاثتها» لابن قدامة ﵀ وفي «الأصول الورقات» للجويني ثم «روضة الناظر» لابن قدامة وفي «الفرائض الرحبية» ثم مع شرحها و «الفوائد الجلية»، وفي التفسير «تفسير ابن كثير ﵀» وفي أصول التفسير «المقدمة» لشيخ الإسلام ﵀ وفي السيرة «مختصرها» لمحمد بن عبد الوهاب ﵀ و «أصلها» لابن هشام وفي «زاد المعاد» لابن القيم وفي «لسان العرب» العناية بأشعارها كـ «المعلقات السبع والقراءة في القاموس» للفيروز آبادي ... إلخ ما ذكر قال: ويركزون على كتيب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب أئمة الدعوة وفتاويهم لاسيما محرراتهم في

стр. 100

«الاعتقاد» (وهكذا كانت الأوقات عامرة في الطلب ...). وقال العز بن عبد السلام وكان أحد المجتهدين: (ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل «المحلي» لابن حزم وكتاب «المغني» للشيخ موفق الدين)، قلت صدق الشيخ عز الدين وثالثهما «السنن الكبير» للبيهقي ورابعهما «التمهيد» لابن عبد البر، فمن حصل هذه الدواوين وكان من أذكياء المفتين وأدمن المطالعة فهو العالم حقًا .. قاله في «السير» (١٨/ ١٩٣). وهذه المقدمة جعلتها بين يدي بعض البحوث الحديثيّة والفقهية قد كتبها بطلب من سماحة شيخنا ﵀ وبعضها كتبته ابتداء فما كان معلَّقًا عليه فقد قرئ على الشيخ، وما سواه لم يقرأ وهي ضمن المباحث الموسومة بنفح العبير أسأل الله العلي القدير أن يسلك بنا سبل رضاه، وأن يثبتنا على دينه حتى نلقاه وصلوات ربي وسلامه على خاتم المرسلين وخير البريَّة أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. كتبه أبو محمد عبد الله بن مانع العتيبي رجب/ ١٤١٧ ص. ب ٩٠١٠ الرياض ١١٤٣١

стр. 101

حديث «نهي عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه» ... رواه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والبغوي وابن منذر كلهم في طريق ابن المبارك عن الحسن (١) بن ذكوان عن سليمان الأحول عن عطاء ابن أبي هريرة سدد خطاكم عن النبي ﷺ ، فذكره (٢). والحسن بن ذكوان أبو سلمة البصري ضعفه ابن معين وأبو حاتم وقال النسائي ليس بالقوي، وقال ابن عدي. روى عنه يحيى القطان وابن المبارك وناهيك به جلالة أن يرويا عنه، وأرجو أنه لا بأس به ووثقه ابن حبان، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطي ورمي بالقدر وكان يدلس من السادسة روى له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه لكنه لم ينفرد به فقد رواه أحمد والترمذي وابن حبان والبغوي من طريق حماد بن سلمة عن عِسْل بن سفيان عن عطاء به مرفوعًا دون آخره وهو قوله «وأن يغطي ..» .. وعِسْل ضعفه ابن معين وقال البخاري عنده مناكير وقال النسائي ليس بالقوي وقال ابن عدي وهو مع ضعفه يكتب حديثه. ورواه أحمد والدارمي عن سعيد بن أبي عروبة عن عسل به. وفي الباب حديث ابن مسعود سدد خطاكم رواه عبد الرزاق ومن طريقه

стр. 102

البيهقي عن بشير بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن أباه كره السدل في الصلاة، قال أبو عبيدة وكان أبي يذكر أن النبي ﷺ ، ينهى عنه، وبشر ضعيف، وأبو عبيدة لا يصح له سماع من أبيه. وفي الباب حديث أبي جحيفة رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة والبزار والبيهقي من طريق حفص بن أبي داود عن الهيثم بن حبيب الصيرفي عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة ووقع في الكبير عن الصيرفي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أبصر النبي ﷺ ، رجلاً يصلي وقد سدل ثوبه فدنا منه فعطف عليه ثوبه، ووقع في «الكبير» مر النبي ﷺ ، برجل ... وفيه فقطعه عليه. وحفص هذا هو الكوفي القاري قرأ على عاصم وكان ابن امرأته تركه الحفاظ كابن المديني والبخاري ومسلم والجوزجاني والنسائي وفي «التقريب»: متروك الحديث مع إمامته في القراءة. قال البيهقي وقد كتبناه من حديث إبراهيم بن طهمان عن الهيثم فإن كان محفوظًا فهو أحسن من رواية حفص القاري. واختلف في معنى السدل: ففره الخطابي بالإسبال. وفي النهاية: أن يلتحف الرجل بثوبه، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك وكانت اليهود تفعله، وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب، وقيل هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه، ورجع السيوطي القول الثاني، وقال: وهو الذي اختاره البيهقي والهروي في «الغريب» وجزم به من أصحابنا أبو إسحاق في «المهذب» والشاشي وصاحب «البيان» ومن الحنفية صاحب «الهداية» والينابيعي، والزيلعي، والزاهدي، وغيرهم من الحنابلة موفق الدين ابن قدامة في «المغني».

стр. 103

وقوله «وأن يغطي الرجل فاه» قال الخطابي: إن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض للمصلي الثوباء فيغطي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء فيه. فائدة: سئل شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٤). هل طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في أكمامه مكروه؟ فأجاب: لا بأس بذلك، باتفاق الفقهاء، وقد ذكروا جواز ذلك، وليس هذا من السدل المكروه، لأن هذه اللبسة ليست لبسة اليهود. والقباء ممدود من الثياب الذي يلبس مشتقٌ من ذلك لاجتماع أطرافه كذا في اللسان، وفي الوسيط: ثوب يلبس فوق الثياب أو القيمص ويُتمنطق عليه (١). والله أعلم.

стр. 104

مكث الجنب في المسجد إذا توضأ قال ابن أبي شيبة ﵀ (١/ ١٣٥) حدثنا وكيع عن هشام بن سعدي عن زيد بن أسلم قال: كان الرجل منهم يجنب ثم يدخل المسجد فيتحدث فيه. وروى حنبل بن إسحاق- صاحب أحمد- قال حدثنا أبو نعيم حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، يتحدثون في المسجد، وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ، ثم يدخل المسجد، فيتحدث فيه. وروى سعيد بن منصور في «سننه»: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، يجلسون في المسجد، وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة. ومدار هذا الخبر على هشام وقد ضعفه أحمد وابن معين وقال مرة صالح وضعفه النسائي وقال ابن المديني صالح وليس بالقوي وقال أبو حاتم لم يكن بالحافظ وقال العجلي جائز الحديث حسن الحديث وقال أبو زرعة محلة الصدق وهو أحب إليَّ من إسحاق وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وقال الآجري عن أبي داود هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم. وقال ابن عدي وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وقال ابن سعد كان كثير الحديث يستضعف وقال الساجي صدوق، وذكره ابن عبد البر ممن نسب إلى الضعف ممن يكتب حديثه. قال الموفق ﵀ في «المغني» (١/ ٢٠٢): فصل: إذا توضأ الجنب فله اللبث

стр. 105

في المسجد في قول أصحابنا وإسحاق وقال أكثر أهل العلم لا يجوز للآية والخبر واحتج أصحابنا بما وري عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ... (الأثر). وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعًا يخص به العموم، لأنه إذا توضأ خف حكم الحدث، فأشبه التيمم عند عدم الماء، ودليل خفته أمر النبي ﷺ الجنب به إذا أراد النوم واستحبابه لمن أراد الأكل ومعاودة الوطء. قلت: ومراده بالآية قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. وقد اختلف في تأويلها على القولين: ١ - إن المراد لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتيمموا وصلوا، وقيل: ٢ - إن المراد لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم جنب إلا مجتازين وهذا القول اختاره ابن جرير. قال ابن كثير وهذا الذي نصراه ابن جرير هو قول الجمهور وهو الظاهر من الآية: ومراد الموفق في قوله واحتجوا بالخبر حديث عائشة في سنن أبي داود عن النبي ﷺ «ولا أحِلَّ المسجد لحائض ولا جنب» وهو حديث ضعيف. قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (١/ ٣٩١) موضحًا عموم الآية «وإنما الوجه في ذلك أن تكون الآية عامة في قربان الصلاة ومواضعها واستثنى من ذلك عبور السبيل وإنما يكون في مواضعها خاصة وهذا إنما فيه حمل اللفظ على حقيقته ومجازه وذلك جائز عندنا على الصحيح، وعلى هذا فتكون الآية الدالة

стр. 106

على منع اللبث أو تكون الصلاة هي الأفعال ويكون قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] استثناءً منقطعًا، ويدل ذلك على منع اللبث لأن تخصيص العبور بالذكر يوجب اختصاصه بالحكم ولأنه مستثنى من كلام في حكم النفي كأنه قال لا تقربوا الصلاة ولا مواضعها إلا عابري سبيل، وإذا توضأ الجنب جاز له اللبث (وذكر الأثر المتقدم) ثم قال: وهذا لأن الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء ويرفع حكم الحدث الأصغر عن سائر البدن فيقارب من عليه الحدث الأصغر فقط ولهذا أمر الجنب إذا أراد النوم والأكل بالوضوء ولولا ذلك لكان مجرد عبث. وقال في موضع آخر (٢٠٨) وكان أصحاب رسول الله ﷺ ، يتحدثون في المسجد إذا توضأوا وهم جنب ولولا أن الجنابة تُنقض بالوضوء لم يكن في ذلك فائدة وإنما تنتقض إذا صح تبعيضها ..» .. قلت: يشير إلى عدم الموالاة في غسل الجنابة وهو الحق. وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن شداد بن أوس ﵁ قال: (إذا أجنب أحدكم فأراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف الجنابة). وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢/ ٣٦٩) في معرض نقل الصحابة لتقريرات النبي ﷺ ، ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا. والخلاصة أن أثر زيد لا بأس به وليس في الباب ما يدفعه ولهذا احتج به الإمام أحمد ﵀ وهذا القول من مفرداته وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم، واختاره ابن المنذر حيث قال: (ولا نعلم حجة تمنع الجنب من دخول المسجد) وظاهره دون قيد الوضوء وكذا ابن حزم في «المحلي»، والتقليل بخفة الحدث يعضده قال أبو العباس في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٧٩): (فإذا توضأ ذهبت

стр. 107

الجنابة عن أعضاء الوضوء فلا تبقي جنابته تامة، وإن كان بقي عليه بعض الحدث، وإن كان حدثه فوق الحدث الأصغر فهو دون الجنب فلهذا ينام ويلبث في المسجد). وقال أيضًا (٢١/ ٣٤٥) وقد تنازع العلماء في- دخول الكافر المسجد- والمسلمون خير من الكفار ولو كانوا جنبًا فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال لأبي هريرة «إن المؤمن لا ينجس» وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. فلبث المؤمن الجنب إذا توضأ في المسجد أولى من لبث الكافر فيه عند من يجوز ذلك، ومن منع الكافر لم يجب أن يمنع المؤمن المتوضئ، كما نقل عن الصحابة. اهـ. قلت: والكفار لا تنفكون عن جنابة وقد دخلوا المسجد في عهده ﷺ ، للحاجة والوضوء أو الغسل لا يصح منهم ولو فعلوه، فدخول المسلم الجنب المسجد أولى وأحرى بالجواز سيما إذا توضأ والله أعلم.

стр. 108

تخريج حديث أفضل الصدقة سقي الماء رواه النسائي (٦/ ٢٥٤) وابن ماجه (٣٦٨٢) وابن خزيمة وأبو داود والحاكم (١/ ٤١٤)، والبيهقي (٤/ ١٨٥)، والطبراني (٥٣٧٩)، ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٦١٥) كلهم من طريق قتادة عن سعيد بن المسيِّب عن سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال فذكره: وسعيد لم يدرك سعدًا. ورواه أحمد (٥/ ١٨٥)، وأبو داود والطبراني والنسائي والبيهقي من طرق عن الحسن عن سعد به ... وهو مثل الذي قبله فالحسن لم يدرك سعدًا. ورواه أبو داود من طريق أبي إسحاق السبيعي عن رجل عن سعد وفيه هذا المبهم، وفي تهذيب الكمال أبو إسحاق السبيعي عن رجل عن سعد، هو الحسن وسعيد قلت عاد إلى الحديث الأول قال الحافظ المنذري: هو منقطع الإسناد عند الكل. ورواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ١٢٣) بالطريق المتقدم تحت باب: فضل سقي الماء إن صح الخبر ورواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ٧٩) مجمع. حدثنا موسى بن هارون ثنا محمد بن أبي عمر العدني ثنا مروان بن معاوية عن حميد عن أنس أن سعدًا أتى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله إنَّ أمي توفيت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء» وهذا إسناد جيد إلا أن الحافظ موسى بن هارون شيخ الطبراني ذكر أنه معلول فقال: (وهم فيه مروان بمكة إنما هو عن حميد عن الحسن يعني مرسلًا) ذكره الطبراني بعد روايته. ورواه الطبراني في «الكبير» (٥٣٨٥) من طريق ضِرار بن صُرد أبو نعيم

стр. 109

الطحان ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غَزيَّة عن حميد بن أبي الصعبة عن سعد نحوه. وضرار أبو نعيم قال عنه ابن معين: كذاب وقال البخاري، والنسائي: متروك، وقال أبو حاتم: صدوق صاحب قرآن وفرائض، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال الساجي: عنده مناكير، وقال ابن قانع: ضعيف كذا في «التهذيب» فالعجب من الحافظ كيف يقول في «التقريب» صدوق له أو هام وخطأ! فحاله أسوأ من هذا بكثير فالأقرب أنه ضعيف جدًا واهٍ في الحديث. وحميد بن أبي الصعبة ذكره ابن حبان في الثقات، وعبد الرحمن بن أبي حاتم في الجرح فلم يذكر منه شيئًا، وكذلك لم يدرك سعدًا فإنه يروي عنه عُمارة بن غزية وعُمارة لم يدرك أنسًا مع تأخر وفاته فيبعد إدراكه لسعد ﵁، فإنه متقدم الوفاة. فهذا الإسناد واهٍ. وفي الباب حديث ابن عباس وأبي هريرة. أما حديث ابن عباس فرواه أبو يعلى الموصلي (٥/ ٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره والبيهقي في «الشعب» (٦/ ٥٣٣) من طريق موسى بن المغيرة حدثنا أبو موسى الصفَّار قال: سألت ابن عباس أي الصدقة أفضل؟ قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة الماء ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]. وموسى بن المغيرة مجهول وشيخه لا يعرف كما في الميزان وغيره، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البيهقي في «الشعب» (٦/ ٥٥١). من طريق يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي عن أبيه عن يزيد عن خصيفة وعن يزيد بن رومان عن

стр. 110

سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «وليس صدقة أعظم أجرًا من ماء». وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٧٠٣) من حديث يحي بن يزيد بن عبد الملك عن أبيه سعيد به ويزيد وضعيف (١).
следующие страницы →