Полный текст (96 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطَّلاق تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم
المؤلف: العلامة الشيخ / محمود غريب
(أسلم على يدي المؤلف خمسةٌ من علماء أوربا في فترة السبعينيات)
الناشر: دار القلم للتراث - القاهرة
الطبعة: الثانية - ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٤ م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وسلام على النبي المصطفى
أمّا بعد
فكثير من موضوعات الفقه الإسلامي تحتاج إلى إعادة الاجتهاد فيها وعمق الدراسة، حتى تعرض عصرنا بما يسد حاجة المسلم ويعالج مشكلاته الحياتية.
وأخص بالذكر موضوع الطلاق لخطورة الآثار التي تترتب عليه في المجمتع. فبعض الناس يعتبرونه هيناً وهو عند الله عظيم.
والمجتمع المسلم بحاجة إلى دعاة فقهاء. لأن الدعاة يجيدون عرض ما يعلمون. ولكنَّ كثيراً منهم يهتم بالأسلوب وفن الإلقاء والتأثير عن البضاعة التي يعرضها. وحصيلة البعض منهم - في عصرنا - من الفقه وأدلته فيها ندرة "الفيتامين" في الطعام.
وحاجتنا إلى دعاة فقهاء كحاجتنا إلى فقهاء دعاة يجيدون فن الدعوة لما انتهوا إليه من قضايا معاصرة أو تراثية تعرض بلغة العصر. وَقَلِيلٌ مَا هُمْ.
وفي مطلع محاولتي لعرض بعض قضايا الفقه في موضوع الطلاق اعترف أنني لست سباحاً ماهراً في بحور الفقه ولا حتى في أنهاره.
ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
وحسبي من هذه الدراسة خدمة ما فيها من آيات القرآن الكريم، فقد عشت كل حياتي في الدعوة وما رافقت فيها من قلمي لخدمة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم. وما يلزمها من سنة النبي ﷺ .
стр. 3
آيات القرآن في الموضوع.
ومجموع آيات القرآن في الموضوع الواحد يكمل بعضه بعضاً ويُفسره.
وقد أفرد القرآن سورة باسم (الطلاق) سبقتها أحكام في سورة البقرة والنساء والأحزاب وأحكام أخرى متفرقة في سور.
دور السنة في الموضوع .
وقد بينت السنة كثيراً من الأحكام المتعلقة بالموضوع كبيان طلاق السُنَّة متى يقع الطلاق ومتى يحرم.
في حديث طلاق ابن عمر ﵄ وحكم من طلَّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد ومن طلق امرأته وهو في مرض يغلب فيه أنه مرض الموت. وبينت السنة أحكام العدة للمطلقة ومتى تنتهي عدة الحامل المتوفي زوجها وعدة المطلقة، والمصالحة بين المرأة وزوجها في أن تتنازل لزوجته الأخرى عن حقها في المبيت ولا يطلقها.
وأحكام أخرى كثيرة بينتها السنة في موضوع الأسرة عامة وموضوع الطلاق. مما يؤكد حاجة الدارس للسنة.
* * *
تعدد الآراء خير من الرأي الواحد
التزمت في هذه الدراسة باختيار الرأي الذي أشعر بأنه الأقوى دليلاً على قدر الطاقة في التزجيح للأدلة، وسبق أن قلت: إنني لست سباحاً ماهراً في بحار الفقه ولا حتى في أنهاره. ولكنها المحاولة والاجتهاد والله أسأل أن يرزقنا الصواب.
ولا يشك عاقل أن تعدد الحلول للمشكلة الواحدة خير من حتمية الحل الواحد. وهذا ما أنعم الله به على الأمة الإسلامية مما جعل علماءها يقولون اختلاف الأئمة رحمة.
وأئمتنا لم يتعمَّدوا الاختلاف. ولكن طبيعة اللغة العربية، ومحاولة العمق في فهمها، وسعة عطاء الجمل والمفردات بسبب اختلاف الإعراب وغير ذلك مما سبب اختلاف الأئمة.
وقد بينت هذا بإسهاب في كتابي "شريعة الله يا ولدي"
стр. 4
كتاب وفقيه انتفعت بهما
انتفعت كثيراً في موضوع الأسرة بناؤها ودوامها بموسوعة أخي الأستاذ الفقيه الدكتور عبد الكريم زيدان "المفصل في أحكام المرأة" (١٢ مجلداً)
عرض فيها الفقه الإسلامي على جميع مذاهب السنة وغيرها، وأدلة كل رأي، وحاول بيان الرأي الراجح من آراء المذاهب الثمانية.
أما الفقيه الذي نفعني الله بمصاحبته فهو الأستاذ الدكتور أحمد محمود كريمة - أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر الشريف والمدرس بجامعة السلطان قابوس بصلالة.
وقد جاورته ولازمته عدة أعوام مباركة يحضر لي درس التفسير الموضوعي للقرآن الكريم كل أسبوع ثم نذهب في رفقة طيبة إلى البحر - في صلالة - فننتفع بكل ما يقول حتى مداعباته وإشاراته وتعليقاته على الأحداث. نفع الله به وبمثله من الفقهاء.
* * *
منهجي في كتاب الأسرة بناؤها ودوامها
الرسالة ليست فقهاً مذهبياً ولا فقهاً مقارناً ولكنها محاولة لعرض المسائل الفقهية في صورة قصة أو حوار تيسر لذلك السبيل.
وقد سبق أن كتبت "سلسة يا ولدي" لطلاب الجامعات في بغداد ومصر بهذه الطريقة ثم طلب مني أخي المرحوم الدكتور / كمال مصطفى الأستاذ بكلية الدعوة بالأزهر الشريف أن أتم مشروع سلسلة يا ولدي بأسلوب العرض العلمي عميق الفكرة واضح الأسلوب بجانب أسلوب الحوار لنصل إلى ما نريد من أقرب طريق.
والله أسأل أن يجعل عملي نافعاً فهو - سبحانه - يتحقق مراده بمجرد أن يريد. وتيسيره لنا عَلامةٌ على القبول منا.
محمود غريب
صلالة ص ب ٥٩٣ رمز بريد ٢١١
سلطنة عمان ت ٢٩٥١٧٩
والزقازيق طريق بنايوس ٢٣٥٥٢٨٧
стр. 5
أنواع الطلاق
* الطلاق الرجعي هو الأصل
* الطلاق البائن بينونة صغرى
* الطلاق البائن بينونة كبرى
* الخلع - وهو الطلاق بعوض
* التفريق قضاء
стр. 6
الطلاق الرجعي وحكمه
ذكرت في الحديث عن الطلاق السني أنه طلقة واحدة رجعية.
هو الطلقة الأولى أو الثانية. وله أحكام نوجزها.
١ - يملك الزوج أن يراجع زوجته بدون موافقتها وبدون عقد جديد أو مهر جديد ما دامت في العدة. لأنَّ العدة في الطلاق الرجعي امتداد للزوجية.
أو هي عطلة زوجية تعود الحياة بعدها أكثر نشاطاً ورغبة في البقاء.
فكلاهما عروس جديد. وقد استفاد كلاهما من التجربة.
٢ - لا يجوز للزوج أن يُخرجها من بيته، ولا يجوز لها أن تخرج، ليبقى كلاهما بجوار الآخر مدة العدة فلعل قربهما يُحدث بعد ذلك أمراً، فتعود الحياة أحسن مما كانت.
وقد أمر الله بهذا ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ففي العدة لا يجوز بُعدها عن بيت الزوجية وفراش الزوجية، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً من الحب بعد الكره، والرغبة في العودة بعد الطلاق.
وقد نسب البيت لهن ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ مع أن البيت غالباً مِلْكٌ الزوج، حتى تعيش في راحة نفسية فلا تطلب الخروج.
أما إِن سلكت الفحش في القول أو في العمل فلا حكمة من بقائها فخروجها أفضل.
فالزوجة الفاحشة لا حرص عليها ولا خير في بقائها.
إذا ذهب الحمار بأمِّ عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
стр. 7
٣ - إذا مات أحد الزوجين في العدة ورثه الآخر لأن الزوجية قائمة حكماً في أثناء العدة.
٤ - الطلاق الرجعي يُنقص عدد الطلقات التي شرعها الله سبحانه.
٥ - ينتهي الطلاق الرجعي بانتهاء العدة.
فليسارع لردها ويتحول بعد انتهاء العدة إلى طلاق بائن بينونة صغرى وله أحكام تختلف عن الطلاق الرجعي.
٦ - والأصل في الطلاق أن يكون طلاقاً واحداً رجعياً فما زاد عنها فإسراف نهينا عنه. لأنه لا فائدة منه. وإغلاق لباب لم يغلقه الله.
٧ - قد يطلق الرجل زوجته وهو في مرض الموت ليحرمها من الميراث ومن هنا أوجب الشرع لها أن ترث ما دام العدة مستمرة.
٨ - الطلاق الرجعي هو الأصل
الأصل في الطلاق هو الحظر، وقد أبيح لضرورة، فيقدر بقدر الضرورة.
وقد دعا الله للمراجعة فلا نعطل دعوة الله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (سورة البقرة آية: ٢٢٩)
والمرتان دليل على المراجعة مرة بعد مرة ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (سورة البقرة آية: ٢٢٨)
فزوجها الأول أحق بردها حتى لا تنكشف كل مرة أمام رجل جديد، ولعل لها منه أولاداً فترجع لأولادها.
٩ - والطلاق رجعي بالنسبة للعدة
فإن انتهت العدة فطلاق بائن: فليسارع إلى ردها.
стр. 8
وإن خلا الطلاق من العدة أصلاً فطلاق بائن ويخلو الطلاق من العدة إن طلقها قبل الدخول بها عند الشافعي والحنفي والمالكي. أو قبل الخلوة عند أحمد.
١٠ - والطلاق المتمم للثلاثة تبين به بينونة كبرى وله أحكام سنذكرها.
أمر يغيب على بعض الناس:
أحكام الطلاق الرجعي لا تشمل الطلاق بعوض لأنها لو شملت الطلاق بعوض ربما يأخذ الأزواج المال ويطلقها على هذا المال فتشعر أنها افتدت نفسها من سجنه النفسي، ثم يقوم بمراجعتها في العدة. من هنا كان الطلاق على مال - الخلع - طلاقا بائنا. فلا يراجعها إلا بعقد جديد ومهر جديد.
كيف يراجعها في العدة ؟
اخترت مذهب الإمام أبي حنيفة.
والرجعة عنده قول أو عمل دال على المراجعة في أثناء العدة.
القول أن يقول لها: راجعتك.
والعمل أن يعاشرها في العدة (المفصل في أحكام المرأة جـ ٨ ص ١٩) واشترط القرآن الكريم حُسن القصد في الرجعة. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (سورة البقرة آية: ٢٢٨) .
وسبب هذا الشرط أنه قد يراجعها بقصد أن يطيل عليها العدة. فهو يراجعها قبل أن تنتهي العدة بيوم، ثم يطلقها فتبدأ عدة جديدة فتطول العدة عليها وهكذا ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ شرط بين العبد وبين الله. والله - وحده - يحاسب على النيات.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (سورة البقرة آية: ٢٣١) .
وفي أحكام القرآن للجصاص: "ودل على أن إباحة هذه الرجعة مقصورة على حال إرادة الإصلاح، ولم يرد بها الإضرار" (أحكام القرآن للجصاص جـ ١ ص ٣٧٣) .
стр. 9
وقد شاهدت في مجالس الصلح التي حضرتها ما جعلني أوقن أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ نافذة من الغيب يطلع الله النبي ﷺ من خلالها على كثير من أمراض المجتمعات المعاصرة مما لم يكن له وجود في عصر السلف ﵃
هل يجب إعلامها بالرجعة ؟
ربما يختلف أمر الناس اليوم عن أمرهم أيام الأئمة ﵃ مما يجعلني أميل إلى الرأي القائل بضرورة إعلامها بالرجعة إن كان قد أعلمها بالطلاق. فربما مرت العدة ولم يراجعها ثم يدعي أنه راجعها في العدة ليفلت من العقد الجديد والمهر الجديد وحريتها في القبول والرفض.
الإشهاد على الرجعة
القرآن الكريم ذكر الإشهاد على الرجعة، وطلب إشهاد العدل من الشهود.
واختلف المفسرون في المراد من الأمر هل هو الوجوب أم الندب.
وأوامر الله في القرآن تحتمل الأمرين وغيرهما من المعاني.
والأصل في الأمر الوجوب، ويجوز أن يُحمل الأمر على الندب لقرينة تبيح هذا.
جاء في الإشهاد على الرجعة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
وحملوا الأمر على الندب قياساً على الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (سورة البقرة آية: ٢٨٢)
إذ يتم البيع بدون إشهاد. فالأمر للندب وقاسوا الأمر في الإشهاد على الرجعة بالأمر بكتابه الدين في أطول آية في القرآن، إذ قال الله بعدها ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (سورة البقرة آية: ٢٨٣)
стр. 10
ومع أنه الأمر في الإشهاد محمول على الندب إلى أن ما يندب إليه - سبحانه - يستوجب الطاعة.
والإشهاد يمنع المشكلات فقد تنكر الزوجة أنه راجعها في العدة فراراً من الزوجية.
ولكي يصبح لها أن تقبل أو لا تقبل العودة ما دامت العدة قد انتهت.
ويصبح لها مهر جديد إن أراد أن يعقد عليها.
ولكن الإشهاد ينفي كل هذه المشكلات. وتوثيق العقود في أيامنا يمنع هذه المشكلات.
وأكثر الأئمة على جعل الإشهاد مندوباً. فلو راجعها من غير إشهاد تم قصده، خلافا للظاهرية الذين قالوا بوجوب الإشهاد. فكل من طلق ولم يُشهد ذوي عدل أو راجع ولم يشهد ذوي عدل متعدياً لحدود الله تعالى.
وقال ﷺ "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (البخاري. ١٩٩٧)
وقد رجح أستاذي عبد الكريم زيدان الإشهاد على الرجعة، وجعله شرطا لصحتها، وواجباً على الزوج المطلق.
وهذا يمنع الخلاف بين دعوته ردها في العدة ودعوتها عدم الرد للأسباب التي سبق ذكرها.
وبعد
جمعا للموضوع في سطور
١ - المراجعة حق للزوج في أثناء العدة لأن الزوجية قائمة في العدة.
وشرط المراجعة أن يكون الطلاق على غير مال مدفوع منها وهو ما يسمى (خلع) لأن الخلع يُعدُّ طلاقا بائنا.
٢ - المراجعة تكون في مدة العدة فقط فإن انتهت العدة فلا بد من عقد جديد ومهر جديد ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (سورة البقرة آية: ٢٣١)
стр. 11
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ هنا معناها قاربن بلوغ الرحيل وسيأتي للتعبير نفسه معنى آخر في الآية ١٣٢ من البقرة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي راجعوهن إذا كنتم لا تريدون الإضرار بهن - كما سبق أن قلت.
﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ اتركوهن حتى تنتهي العدة وينتهي معها حق الزوج في المراجعة.
وفي الموضوع نفسه جاء قوله تعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ معنى بلوغ الأجل هنا يختلف عن الآية التي قبلها فالمعنى هنا انتهاء العدة فعلاً.
لفظ واحد جاء مرة مجازاً بمعني المقاربة.
وجاء مرة حقيقة لغوية. بمعنى الانتهاء فعلاً.
وعلى الذين ينكرون المجاز في القرآن أن يبينوا لنا كيف نفرق بين اللفظ الواحد في الموضعين.
فالمراجعة في العدة
ومن لا عدة عليها لا مراجعة لها.
التي تطلق قيبل أن يدخل بها لا عدة عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (سورة الأحزاب آية: ٤٩)
وما يلزم غير هذا فموضعه كتب الفقه وكتب التفسير التي تهتم بأحكام الفقه كتفسير القرطبي جـ ٣ وكتاب المفصل في أحكام المرأة جـ ٨ وفقه الظاهرية المحلي جـ ١٠ وغيرها.
البينونة الصغرى
لا أريد أن أسهب في الأحكام الفقهية فلها كتبها ولكن أحدد فقط متى يكون الطلاق بائناً بينونة صغرى. وماذا تعني البينونة الصغرى.
стр. 12
١ - الطلاق قبل الدخول بها
سبق أن بينت ذلك. والآية التي حددت هذا الحكم الآية ٤٩ من سورة الأحزاب.
٢ - الطلاق على مال - الخلع -
سبق أن بينت أن الطلاق على مال طلاق بائن حتى لا يأخذ منها المال ثم يراجعها.
٣ - انتهاء العدة قبل المراجعة يجعلها بائنة
٤ - يمكن لمن بانت بينونة صغرى أن يراجعها بعقد جديد ومهر جديد.
وهو الفارق بين الطلاق الرجعي و الطلاق البائن بينونة كبرى .
والبائنة بينونة كبرى لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
الطلاق البائن بينونة كبرى
هو العقوبة الكبرى لمن أسرف في الطلاق.
فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً آخر. نكاحاً كاملاً يُقصد به المعيشة.
فإن مات أو طلقها يجوز للزوج الأول أن يراجعها.
هل ستقبل نفسه مراجعتها؟
وهل ستقبل هي أن ترجع له بعد أن مارست الحياة الزوجية مع غيره؟
ربما كانت راضية به في الزواج الأول لأنها تزوجته بكراً ولم تعرف غيره من الأزواج؟
وهو ... هل سيعيش على أمل أن تفشل في زواجها الجديد حتى يجوز له مراجعهتا. هل هذا دليل على حبه؟ ألم تكن في عصمته؟
سوف ندع لكل أسرة ما أحلّه ﷺ لها. ما قدّره.
стр. 13
الطلاق الثلاث في مجلس واحد
صورة لما شرعة الشيطان من طلاق.
فقد تجاوز ما شرعه الله من جواز السنة.
إن الله أخبر أن الطلاق مرتان. ولم يقل طلقتان وقال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ والطلاق الثلاث قطع هذا الأمل.
طلاق الكناية ماذا يراد به؟
ومن طلاق الكناية ما عرض على محكمة الاستئناف الشرعي بالمملكة الأردنية الهاشمية في ١٤/٣/١٩٧٤.
ادعت الزوجة أن زوجها قال لها: "لا اعتبرك زوجة بعد الآن، وبعد الذي حصل منك".
قال الزوج إنه لم يقصد الطلاق. وإنما أراد أنها لم تعد بعد الذي عملته زوجة مثالية.
وقالت المحكمة: هذا القول من الكنايات التي تحتمل الطلاق وغيره، ولا يقع به الطلاق إلا بالنية.
ويقبل قوله عدم إرادة الطلاق، وعليه اليمين.
وهذا ما يوافق ما ذكره ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار في باب الكنايات جـ٢ وما جاء في بهجة المشتاق ص ٤٢.
واعتبرت المحكمة الابتدائية بعد أن سمعت الشهود أنه قال: لقد طلقت زوجتي. اعتبرت هذا القول طلقة رجعية لشهادة الشهود وردت محكمة الاستئناف الحكم.
"المبادئ القضائية التي استقر عليها الاجتهاد".
стр. 14
ما يجب أن يسبق الطلاق
الطلاق الذي شرعه الله يختلف اختلافاً كبيراً عن الطلاق الذي ابتدعه السفهاء.
الطلاق الذي شرعه الله لا بُدَّ أن يسبقه وعظهن. وهجرهن في المضاجع وليس هجر المضجع وآخر الدواء الكي إن كانت مريضة بالقسوة الجنسية ثم تتدخل الأسرة فتبعث حكما من أهله وحكما من أهلها.
ما هي الحدود المشروعة للحكمين؟
هل لهما إيقاع الطلاق إن رأى الحكمان ذلك؟
أم تقف المسألة عند اقتراح ذلك للقاضي؟
المسألة خلافية.
وبيان الرأي الراجح.
стр. 15
احذروا سيتصدع البناء
صاح المهندس كثيراً: احذروا سوف يتصدع البناء واستعمل مكبر الصوت الذي بالمسجد.
وقليل من سكان البيت من استجاب فنجا. والأعمار - بعد ذلك - بيد الله.
إن إحساس المهندس بالخطر خبرة ودراية ولغير المهندس فطرة وكمال.
وقد وصف الله بها السيد المسيح ﵇ ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (سورة آل عمران آية: ٥٢) .
وبناء الأسرة فوق كل بناء، وأهم من كل بناء، لأنه بناء مقدس.
فهل يمكن لولي الأمر أن يحس مستقبلها قبل أن يتصدع البناء؟
من هنا عبر القرآن بقوله تعالى ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ مجرد الخوف (سورة النساء آية: ٣٤) .
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (سورة النساء آية: ٣٥) .
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (سورة النساء آية: ١٢٨) .
مجرد الخوف يستدعي الإسراع في إنقاذ الأسرة
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (سورة النساء آية: ٣٤) مجرد الخوف يستدعي الأخذ بأسباب العلاج
* * *
النشوز - عصيانها فيما أمر الله من طاعة الزوج، وما أوجبه عليها حق الزواج كما لو امتنعت من فراشه أو خرجت من دارة وترفعها عليه، وإظهار كراهيته، بما يهدد دوام الزوجية واستمرارها.
стр. 16
وقد تخاف المرأة العاقلة البصيرة من زوجها نشوزاً أو إعراضاً فلتعالج نفسها وبيتها بالمصالحة مع زوجها قبل الطلاق، ودفعاً للطلاق.
وقد عالجت السيدة سودة بنت زمعه ﵂ أمرها عندما كبر سنها واستغنت عن الرجال فتنازلت عن ليلتها للسيدة عائشة.
وحسبها أن تبقى من أمهات المؤمنين ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النساء آية: ١٢٨) .
فعظوهن - الوعظ خطاب للعاطفة
والمرأة أكثر عاطفة من الرجل من هنا كان خطاب العاطفة للمرأة أقرب للمشاعر، وأهدى للنفس.
(وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)
جاء في كتاب "التاج المذهب" في فقه الزيدي:
والهجر في المضجع لا في الكلام. لأن الهجر في الكلام منهي عنه إذا زاد عن ثلاثة أيام، أمَّا الهجر في المضجع فقد يستمر شهراً.
والهجر في المضجع يجعل الذين يعيشون معهما لا يشعرون بشيء.
وخصوصاً الأولاد حفاظاً عليهم من العُقد النفسيّة. وحتى لا تتدخل الأسرة كحماته وأمه في الموضوع.
(وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) . فيخطئ من يفهم من الآية الكريمة هجر المضجع. والمبيت في مكان آخر. فالمطلوب هي في المضجع.
وهجرها في المضجع عقوبة للزوجين من الناحية الجسدية ولكنه من الناحية النفسية للمرأة أشد.
لأنها على يقين من ضعفها، لذلك تستخدم فتنتها بدلاً من القوة، وهي مطمئنة أن سلاح الفتنة أقوى، فإذا قاربت الرجل مضاجعة له، وهي في أشد حالاتها إغراء، ثم لم يستجب لها فسوف ترى الرجل في أقدر حالاته، ويكون جديراً بهيبتها وإذعائها. فهذا تأديب نفسي وليس تأديباًَ جسدياً لها.
стр. 17
[المرأة في القرآن - عباس محمود العقاد ص ١١٥] ثم آخر الدواء الكي.
واضربوهن. وليس كلُّ النساء يصلحهن الضرب.
فبعضهن مصاب بمرض نفسيّ "القوة الجنسية" وبعض الأئمة تعتبر ترتيب العقوبة حسب الآية الكريمة.
فلابد من الوعظ أولاً: فإذا لم ينفع فالهجر في المضاجع.
فإذا لم ينفع فالضرب.
راجع تفسير ابن عاشور جـ ٥ ص ٤١.
وناقش الإمام أحمد: هل يُسأل الزوج عن سبب ضرب زوجته "قضاء".
قال الإمام أحمد: ربما سكون الضرب من أجل الفراش فيستحي أن يجيب وإن أخبر بغير الحقيقة (من الحياء) فقد كذب ففضل الإمام أحمد ألا يُسأل.
والضرب - كما سبق أن قلت - ضرب غير مبرح.
لقوله ﷺ "فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ". (مسلم. ٢١٣٧) .
قد اشترط العلماء أن يكون الضرب مشروطاً بالسلامة وله أن يستعمله أو يتركه.
[المغني جـ ١٠ ص ٣٤٩ والتشريع الجنائي جـ ١ ص ٥١٧]
وقد تكرر نهي النبي ﷺ عن الضرب.
حتى قال بعض الشافعية إن الضرب قد نُسخ بالسنة. ولكن النسخ لا يثبت إلا بدليل.
والغرض من العقوبة هو استمرار الحياة الزوجية وعلاج المشكلات، والإسلام دين لكل العالم، والنساء طبائع متباينة.
فمنهن من تُغنيها الابتسامة، ومنهن من تقول: [ضرب الحبيب كأكل الزبيب] عبارة باللهجة المصرية - ومن الحماقة أن نقول: إن العلاج بمشرط الطبيب يسبب الألم، ولكن الموت لا يشعر معه الميت بألم.
فهو أرحم بالمريض. ومن يقل هذا نقول له "قل موتوا"
стр. 18
(فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)
إذا لم تنجح وسائل العلاج الثلاثة السابقة.
الوعظ. والهجر في المضجع. والضرب بشروطه التي ذكرتها، فليتدخل حكماء المجتمع حفاظاً على الأسرة. وذلك حتى لا نُحقق لإبليس أكبر ما يأمل.
روي مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ". (مسلم. ٥٠٣٢) .
من هنا يقوم المجتمع بجهود حكيمة حليمة لينقذ البيت.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (سورة النساء آية: ٣٥) .
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ مُجرّد الخوف - كما سبق أن قلت. وقبل أن تشتعل النار. والشقاق من الشق لأن كل واحد يكون في ناحية ومنه شق عصا الطاعة ومنه قوله تعالى ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾
ونسأل: لمن الخطاب في الآية الكريمة؟
أولاً: المأمور هو القاضي لأنه نائب الوالي.
والأمر للوجوب، كما هو الأصل في أوامر الله - سبحانه - جاء في أحكام القرآن لابن العربي المالكي: "إذا علم الإمام من حال الزوجين الشقاق لزم عليه أن يبعث إليهما حكمين.
[أحكام القرآن جـ ٣ ص ٢٦١]
стр. 19
وعلى أن الأمر للوجوب فقهاء الجعفرية من شيعة آل البيت والمالكية - كما عرفنا - والشافعية - في كتاب الأم جـ ٣ ص ٢٦١.
ورجح هذا الرأي الدكتور عبد الكريم زيدان لأنه الأصل، ولبيان حرص الشريعة على الوفاق بين الزوجين.
[المفصل جـ ٨ ص ٤١٦]
وشدد الإمام ابن العربي المالكي في الأمر عندما أوجب على القاضي أن يرسل الحكمين بمجرد أن يعلم بالشقاق سواء رفُع إليه الأمر أم لم يُرفع.
يقول: لأنه انتظار رفع الأمر إليه يُضيع من حقوق الله من لا جبر له.
[أحكام القرآن القرطبي جـ ١ ص ٤٢٧]
ولعل الأقرب إلى الواقع ما ذكره الجصاص في أحكام القرآن من ضرورة إرسال الحكمين بعد أن يُرفع للقضاء.
فلعل بعض الأسر تعالج مشكلاتها في سرية، ولا تحب أن يطلع أحد عليها. وواضح من الآية الكريمة أن يكون الحكمان من أسرة الزوجين. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
هذا إن تيسر من أهلهما. فإن تعسر ذلك فمن جيرانهما، لأن الجار أدرى بجاره، أو ممن نظن فيهما الخير. كالمجالس النيابية في عصرنا. والأئمة والدعاة. ولا يشترط الإمام الشافعي الذكورة. فيجوز إرسال النساء إن وثقن في قدرتهن. [مغني المحتاج جـ ٣ ص ٢٦١]
مهمة الحكمين
ومع إيجاز الآية الكريمة فقد بينت مهمة الحكمين.
وهي إرادة الإصلاح: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ومنهج الإصلاح واحد في أصله. وإن كان يختلف في طرق العلاج من أسرة إلى أخرى.
стр. 20
فيذكر الرجل بحسن العشرة، وكون الزوجة أمانة أودعها الله عنده.
وخير الرجال خيرهم لأهله وأنا خيركم لأهلي.
كما قال ﷺ وما ينفقه على زوجته صدقه له أجرها ومعرفة سبب الشقاق تيسر وسيلة العلاج.
ويقول للزوجة مل يرقق حسها - وما يُعرفها بحقّ الزوج عليها، والكلمة الطيبة من الزوجة تُدخل السرور على زوجها وتعيش في قلبه.
والرجل بطبعه يحب العطاء لزوجه وأولاده أكثر من أي جهة أخرى وما يعجز عنه اليوم قد ييسره الله غداً. والزوجية لا بد منها. والحياة في ظلها خير من الحياة بدون زوج، وتعدد التجربة في الحياة الزوجية شيء لا تقبله النفوس الكريمة إلا لضرورة.
ومن الأدب الرمزي .
كان الناس يستخدمون الإبريق من الفخار في دوراة المياه.
وشعرت إحدى الأمهات أن ابنتها تريد أن تترفع على زوجها تريد مفارقته.
فتعمدت الأم كسر الإبريق. ثم أظهرت حزنها عليه.
فتعجبت ابنتها. إن ثمنه ليس غالياً. فلماذا الحزن؟
قالت لها: أتريدين أن تنكشف عورتي كل يوم على إبريق جديد؟
فعلمت الابنةُ مراد أمها.
هل للحكمين أن يفرقا بين الزوجين؟
إذا تعذر العلاج وبان للحكمين أن الزجاج قد انكسر،
وأن النفوس قد تنافر ودها، فهل لهما أن يفرقا بين الزوجين؟
هل لهما إيقاع الطلاق عليها بدون توكيل من الزوج؟
والحُكم بالخُلع على مبلغ من المال بدون توكيل منها؟
رأي الأحناف والظاهرية ومذهب الجعفرية من الشيعة أن هذا الأمر يختلف عن مهمتهما في العلاج والإصلاح.
فليس لهما ذلك. ليس لهما إلا محاولة الإصلاح.
стр. 21
وذهب مالك والأوزاعي ورواية عن الإمام أحمد ومن قبلهم من السلف علي بن أبي طالب وابن عباس وسعيد بن جبير. يرون أن للحكمين إيقاع الفُرقة بين الزوجين إن تعسر الصلح.
[مغني المحتاج جـ ٣ ص ٢٦١. والمغني لابن قدامة جـ ٧ ص ٤٩ والمفصل جـ ٨ ص ٤٢٧]
والرأي الأول ينبني على أن الحكمين وكيلان عن الزوجين فإذا تعذر الصلح فعليهما رد الأمر إلى القاضي ليتصرف في حدود اجتهادهما.
ولأن الفُرقة قد تكون خلعاً إذا كانت المرأة هي الناشز، والخلع طلاق على مال تدفعه المرأة لتفتدي نفسها.
والحكمان لا يملكان التصرف في مالها بدون توكيل منها.
ومهُمهة الحكمان في الآية الكريمة هي الصلح ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
وجاء في كتاب المغني لابن قدامة جـ ٧ ص ٤٩ ما يؤيد الرأي الأول قال: البضع حقه. أي المعاشرة والحياة الزوجية حق الزوج والمال حقها.
وأي حق الزوجة. وهو يعني المال الذي يمكن أن تدفعه للمخالعة.
وهما رشيدان. فلا يجوز لأحد غيرهما التصرف في ملكهما إلا بوكالة منهما، أو ولاية عليهما.
[المغني لابن قدامة الحنبلي]
فعليهما رفع الأمر للقضاء. والقاضي يفعل ما يري فيه المصلحة.
وأضيف أن الحكمين قد يكونان تطوعاً بهذا العمل بتكيف من شعورهما الديني، ورغبتهما في الإصلاح فليس لهما إلا رفع الأمر للقاضي ويكونان شاهدان على ما عرفا من السبب في الشقاق. عالمان بالظالم منهما.
والذي أرتاح له (ولستُ من علماء الفقه الإسلامي)
هو أن الأمر في الفُرقة يجب أن يكون بيد القاضي.
стр. 22
لأن كثرة مران القاضي في مثل هذه القضايا تجعل من طبعه الأناة وعدم التسرع في الحكم. فالطبيب الجراح أضبط لأعصابه من والد المريض الذي يرى ولده تحت المشرط.
ولكثرة ما نشاهده في الناس من عدم الصبر في مثل هذه القضايا، وسرعة الانفعال، بل وعدم علمهم بالأحكام الشرعية، فليست كل أسرة لديها الدارس الفاهم من جهة الرجل، والدارس الفاهم من جهة المرأة.
وشدة التصاق الحكمين بالزوجين قد يُحرك أموراً قديمة في النفس، وأسباب أخرى كثيرة قرأتها في صفحات المجتمع الذي عشت فيه بمصر والبلاد العربية التي خالطت أهلها.
تجعلني أؤكد ضرورة أن يكون التفريق بيد القاضي، وليس وللحكمين سوى الشهادة بعد مهمتهما الأولى وهي محاولة الصلح.
وقد ذكر صاحب المفصل في أحكام المرأة دراسة واسعة في هذا الموضوع يحسن للدارس أن يرجع إليها. ولكنني عبرت عن الرأي الذي أرتاح له في عصرنا لما عمَّتْ به البلوى.
وللشاعر العربي الأستاذ محمد مصطفى حمام شعر في الموضوع
لا تخافوا شقاقا في بيوتكمو ... بل اضمروا الحبُّ يبقى الحبُّ منتصراً
فإن تعاظمكم خلف وأعضلكم ... فخالفوا آمر التفريق إن أمرا
واستخلصوا حكما من أهلكم وخذوا ... من أهلها حكماً واسترحموا القدرا
ولستُ أرضى سوى الأهلين محكمة ... وليبق سري وسرُّ البيت مدَّخرا
فإن قضى الله تفريقا فنازلة ... إن تلق صبرا فطوبى للذي صبرا
وربما كان في التفريق منفعة ... قد يبرأ الجسم من عضو قد انبترا
الطلاق عزيمة
لست من الذي يخلطون بين الفتوى والورع، فالورع خاص بمن يفتى به.
وخصوصاً في مثل موضوع الطلاق.
стр. 23
فيحكمون على الطلاق بالوقوع. وعلى البيت بالخراب، وعلى الأولاد بالشتات لمجرد كلمة تخرج من الأب في ساعة انفعال كلمة يعرف معناها ولكنه لا يدرك - ساعتها - أبعادها كما أنني لست مع الذين لا يوقعون الطلاق الكامل الأركان، المستوفى الشروط، الصادر من عقل كامل لمجرد أنه في غير ساحة القضاء - كما يحدث في بعض البلاد.
وأرجو الله أن يوفق المجتهدين من علماء الفقه والفقه المقارن أن يجتهدوا في هذه الأمور فإن الجموع البشرية الأن تختلف عنها منذ نصف قرن، فكيف بأيام أئمتنا المجتهدين ﵃.
لقد قرأت كتاباً يدرس في إحدى كليات الشريعة في بلد عربي لا يكاد مؤلفه يسمع كلمة (ط ل ق) حتى يوقع الطلاق. حتى قال بالحرف الواحد: لو قال: الحقي بأهلك وقع الطلاق لأنه كناية عن الطلاق. صحيح أنا لست من أهل الاجتهاد، ولم أبلغ نصابهم.
ولكنني زوج وأب وبشر قد ينفعل وقد يخطئ.
والذي أؤمن به أن الطلاق كما أن الزواج عزيمة ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٢٣٥ سورة البقرة)
فالزواج عزيمة
بحث عن الزوجة. وخطبة لها، واتفاق مع وليها، وصداق ثم زفاف. والطلاق عزيمة كذلك
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٦ سورة البقرة)
فالطلاق عزيمة كذلك.
أعني الطلاق الذي شرعه الله. وليس طلاق (الحشاشين والسفهاء) الذي يخالف شرع الله ويحسبونه على الإسلام.
الطلاق عزيمة. لا بُدَّ أن يسبقه ما سبق
стр. 24
أن فصلته من مقدمات نص عليها القرآن الكريم.
عظوهن - لأن الوعظ خطاب للعاطفة. والمرأة أعلى عاطفة من الرجل.
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ولا تهجروا مضاجعهن. ولا تهجروهن خارج المضجع لأن الهجر خارج المضجع لا يزيد عن ثلاثة أيام.
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ضرب حبيب. يريد الإصلاح.
﴿ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وقد ناقشت هذه القضية.
سلام على عمر بن الخطاب
فهم عمر مقاصد الإسلام
أليس عمر من تلاميذ النبي ﷺ المقربين.
وقد وجدت هذه القصة في قراءتي
قالت امرأة لزوجها: سمّنى. أي اختر لي اسماً.
فقال لها: أنت طيبة.
قالت: لا. اختر لي اسماً آخر.
قال: اختاري أنت.
فقالت: خليّة طالق. أو خليلة طالق.
فقال لها: أنت خليّة طالق.
فذهبت إلى عمر وقالت له: إن زوجي طلقني.
قال لي أنت خليّة طالق.
فأتى الرجل وقص عليه الخبر.
فأوجع عمر رأسها.
وقال الرجل: خذ امرأتك وأرجع رأسها.
إن فقه عمر ﵁ جعله لا يتسرع في الحكم للمرأة بأنّها قد طلقت.
стр. 25
والرجل الذي فقد ناقته في الصحراء وعليها طعامه وشرابه وتيقن الموت، ثم نام مستسلماً للموت. ثم استيقظ فوجدها، أسرع في شكر الله.
أراد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك. فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.
لم يؤاخذه الله. فليراجع علماء الفقه في عصرنا ما يسمى بطلاق الكناية ولهم الأجر من الله.
وذكرت أن زواج السنة والبدعة في المدخول بها فقط، أما التي لم يدخل بها فليس لها عدة فيجوز طلاقها حائضاً.
стр. 26
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
ليس بالعيش وحده يحيا الإنسان.
السيد المسيح
* لمن الغلبة في معركة الإغراء؟
* العبادة عندما تُضعف الزوج عن واجبه
* صوم النافلة عندما يمنع الزوج حق
* المعاشرة كالطعام
* عندما يتحول وقت المعاشرة إلى وقت طلبات
* الفرار إلى زوجة ثانية
стр. 27
لا ضرر ولا ضرار
الحياة الزوجية شرمة عالية الروابط أخذ كل من الزوجين على الآخر ميثاقاً غليظاً. فلا بُدَّ أن تبقى في ظلال هذا الميثاق.
بيَّن القرآن فيها ما على كل طرف وماله بالمعروف. ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ "٢٢٨ سورة البقرة" وكرر القرآن ضرورة أداء كل واحد من الزوجين واجبة بالمعروف في الحب وفي الكره. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ "١٩ سورة النساء"
حتى عندما تنتهي الحياة الزوجية بالطلاق ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ "٤٩ الأحزاب" والحياة الزوجية - كما قلت - حقوق وواجبات النفقة والسكنى والحقوق المادية شغلت مساحة واسعة من كتب الفقه.
والحقوق الزوجية الأخرى لا تقل في أهميتها وفي اهتمام علماء الإسلام بها عن هذه الحقوق.
لقد كره العلماء أن يجهد الزوج نفسه في العبادة حتى تضعفه العبادة عن القيام بحق الزوجة من الكسب لها ومعاشرتها. حتى قال الإمام مالك: إن كان هجرها بغير ضرورة أُلزم به أي بالجماع والمعاشرة أو يفرق بينهما (صحيح البخاري بشرح العسقلاني حـ ٩ ص ٢٩٩)
وإذا كان المبيت عندها يفضى عادة إلى جماعها فإن عمر بن الخطاب أقر قضاء كعب بن سوار بإلزام رجل أن يبيت عند زوجته ليلة كل أربع ليال، وعلق بن قدامة الحنبلي على هذه القضية بأنها انتشرت فلم ينكرها أحد فكانت إجماعاً (المغني حـ ٧ ص ٢٩) وناقشوا المدة التي يجب أن يباشرها الزوج فيها، قال ابن حزم "وفرض على الرجل أن يجامع امرأته، وأدنى ذلك مرة كل طهرٍ، إن قدر على ذلك، وإلا فهو عاص لله تعالى وبرهان ذلك ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ "الآية ٢٢٢ سورة البقرة ثم قال ويجبر على ذلك من أبى بالأدب لأنه أتى منكراً من العمل" المحلي حـ ١٠ ص ٤٠ ورأى العلماء أن الأمر في الآية للإباحة، وليس للوجوب، وقال بعضهم يجب
стр. 28
كل ستة أشهر إن كان مسافراً أخذا برأي عمر بن الخطاب عندما أمر قادة الجيوش ألا يباعدوا بين الجنود وبين أزواجهن أكثر من ستة أشهر.
(المغني لابن قدامة حـ ٧ ص ٣١)
واختار أستاذي الدكتور عبد الكريم زيدان رأي الإمام ابن تيمية بعدم تحديد مدة لهذا الأمر وردّ الأمر لكفايته وقدرته على ذلك، وإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم كالنفقة. هذا رأي ابن تيمية "الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية صـ ٢٤٦"
وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: الراجح ما ذهب إليه ابن تيمية لأنه المطلوب تحصين المرأة ضد الفاحشة بوطئها من قبل زوجها بقدر كفايتها وبقدر ما يحصل به هذا التحصين، وهذا في الأحوال الاعتيادية والزوج حاضر يعيش مع زوجته. (المفصل جـ ٧ ص ٢٤٢)
عندما تسوق دلالها عليه.
عادة ما يستغل الضعيف كل ما يملك من سلاح ليغلب خصمه، أو ليفرض رأيه.
وكثيراًَ ما نستخدم بعضهن دلالها وتحاول منه نفسها عنه عندما تعلم رغبته في جسدها لتؤكد مطالبها التي لا تنتاهي.
وقت الفراش يحاول الرجل أن يجعله لحظات سُكر من مشكلات الحياة وتحاول بعض النساء أن تجعله لطلب ما تعسر طلبه في أوقات أخرى.
وإذا كان لكل فعل رد فعل - كما يقولون - فلا بُدَّ أن يأتي اليوم الذي يشعر فيه الزوج أن حاجتها إليه لا تقلّ عن حاجته إليها.
فلماذا لا يتعودّ الردّ عليها بالسهام نفسها. أليس أمراً عاديا أن يرد على محاولة دلالها بمحاولة هجرها. وقد يطول الهجر لاستغنائه بزوجة أخرى فيميل إليها كلَّ الميل. ويترك صاحبة الدلال كالمعلقة. وكان لا بُدَّ من نزول قرآن ينظم الدلال والهجر أقرَّ مبدأ التأديب حفاظاً على استمرار الحياة.
стр. 29
ولكن منع العناد. وأباح القَسَمْ على عدم اقترابها. ولكن له أربعة أشهر: وبعدها إما أن يفيء وإما أن تطلق.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٦ البقرة)
شرع له القرآن الحق في هجر جسدها رداً على محاولة استعمال جسدها لدلالها، ومحاولتها إرغامه على تحقيق ما وكان يريد هذا معتادا.
وللرجل فيه مطلق الحرية قبل نزول الآيات الكريمة.
وكان الرجل يقصد به الإذلال. وكان بعض الرجال يستعين على إزائها بزوجة أخرى، أو بالصبر على بُعدها وهجرها فيطيل المدة، ولكن الله - سبحانه - حدّد المدّة من الزمن لا يجوز للزوج أن يتجاوزها وهو يقصد الإضرار بالزوجة. فإن قصد مجرد التأديب والهجر في المضجع فالنبي ﷺ قد حلف على نسائه شهراً وأتمه. وقد أقره القرآن.
وإن قصد جانباً طبياً كعدم الرغبة في الحمل حتى يتم فطام طفلها فلا إثم.
وإن كان العلم الحديث قد عالج هذه الأمور علاجاً مأموناً - غالباً. بالموانع من وصول النطفة أو إلغاء مفعولها بالعقاقير.
أربعة أشهر وبعدها إما أن يفيء وإما أن يطلق. ما دام الزوج مقيماً غير مسافر، صحيحا غير مريض. وللمريض بعد ذلك رأيان.
رأى يرى أن مجرد مرور الأشهر الأربعة يوقع طلقة بائنة عليه عقوبة له.
وهذا رأي الأحناف.
والإمام الشافعي والمالكي والإمام أحمد يرون ضرورة تدخل القاضي لإيقاع الطلاق.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ "٢٢٧ البقرة"
وهذا الشرط "وهو العزم على الطلاق" يكاد ينتفي في مذهب الأحناف.
стр. 30
والرأي الثاني أكثر نظاماً، وقد اخترته لما فيه من تسجيل الإدارة القضائية للحادثة فلا تتكرر، ولإثبات وقوع الطلقة بائنة فلا يستطيع أن يراجعها إلا بعقد جديد ومهر جديد، وباستشارتها، وهذا أن كان له رصيد من الطلقات. ووقع الأمر للقضاء حقا، فلها أن تصبر وتحتسب، ومع هذا فالمعاشرة لا تثبت قضاء إلا بشهادتها.
وقد نهى النبي ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص عن مواصلة الصيام نهاراً وقيام الليل لما فيه من ظلم للمرأة كما نهى الإسلام المرأة أن تصوم النافلة وزوجها حاضراً إلا بإذنه ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢٢٨ سورة البقرة)
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١٩ النساء)
" خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي". (الترمذي. ٣٨٣٠) .
الطلاق وعلاقته بالمهر والعدة
الطلاق قضية كبيرة ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ "النور ١٥"
يترتب عليه أمور كبيرة، هدم للأسرة وضياع للنشئ، ومعانات وفراغ نفسي، وشماتة من الحاقدين.
وأخشى ما أخشاه أن الحياة الزوجية كانت تسد حاجة الجسد الجنسية فلتتدخل السماء باللطف والعفة لحفظ المتفارقين من الانحراف الجنسي.
ولكنني هنا أتحدث عن آثاره الشرعية من المهر والعدة والمتعة والنفقة.
أولاً: الطلاق قبل الدخول بها وقد حدد لها صداقاً.
بين القرآن الكريم أن لها نصف المهر الذي حدده لها. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢٣٧ سورة البقرة)
فلها نصف المهر الذي اتفقا عليه ما دام لم يذكر أي الجهتين المطالبة بالعفو في قوله تعالى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ "يعفون يعني النساء
стр. 31
لاخلاف في هذا. والنون نون النسوة. ولها أن تتنازل عن حقها وما لها لمن تشاء ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٥ النساء) .
أما قوله تعالى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾
فالمعنى يحتمل زوجها ووليها فهو يشملها.
وقد ذكر ابن العربي الأندلسي أدلة ترجيح احتمال كل واحد منهما فأجاد وأفاد، ورجح أن يكون الولي هو المقصود (أحكام القرآن جـ ١ ص ٢١٩)
لها نصف المهر وإذا لم يكن دخل بها قبل الطلاق وليس عليها عدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ "الأحزاب ٤٩"
ثانياً: إذا طلقها من قبل الدخول بها ولم يحدد لها صداقاً في العقد فليس لها شيء من الصداق لأن الصداق مجهول والمجهول لا يُنصف ولكن لها "المتعة" حق لازم يحدده لها القضاء.
لأن بقية الآية الكريمة ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٤٩ الأحزاب) والمتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ "٣٣٦ البقرة"
وهي شكر للمطلقة، ووفاء لها على ما قدمت أيام الحياة الزوجية.
وقد أمر الله النبي ﷺ أن يُقدم مثل هذا العطاء لزوجاته عندما خيرهن بين البقاء مع الرضا بضيق العيش وبين الفراق الجميل إن رغبن في الدنيا. ولكنّهنّ جميعاً اخترن الله ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٢٨ الأحزاب) .
وهل المتعة واجبة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ "٢٤١ سورة البقرة".
أم أن الأمر للندب كما ذهب الإمام مالك وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم.
стр. 32
والظاهر أن الأمر الوجوب للشعور بالملكية في قوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ ولقوله تعالى ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ولكلّ عصر تحديد المبلغ الذي يليق بالمتعة، ولكل أسرة فلا ضرورة لنقل آراء القدامي في تحديدها.
وقد روي القرطبي أن الإمام الحسن لما بايعه الناس بالخلافة بعد استشهاد الإمام علي قالت له زوجته عائشة الخثعميّة تهنئه بالخلافة.
وكان الإمام الحسن مصاباً باستشهاد والده فاعتبر هذه التهنئة شماتة فطلقها.
فلما قضت عدتها بعث إليها بعشرة الآف متعة.
فقالت: "متاع قليل من حبيب مفارق"
فلما علم بذلك ندم على طلاقها وقال لولا أنها. الثالثة لرددتها.
فليتق الله من يسرع بالطلاق ويعط لنفسه فرصة ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ .
ثالثا - لو طلقها بعد الدخول بها.
لها الصداق كاملاًَ إن كان قد حدده لها. ولها مهر المثل إن كان لم يحدد لها صداقا.
وقد حكم النبي ﷺ بمهر المثل في قضية بنت واشق الأشجعية. (أبو داود والترمذي)
وقال بمهر المثل الأئمة الأحناف والشافعية والحنابلة والأباضية في الرأي الراجح عندهم.
والعلماء يلجؤن إلى مهر المثل إذا عقد عليها ولم يُسمّ لها مهراً أو سمّى لها مهراً فاسداً كالخمر والخنزير.
أو سمَّى لها مهراً مجهولاً كالبيت الذي لد يحدد مكانه ولا عدد غرفه، أو سيارة ولم يحدد نوعها وسنة صنعها. وغير هذا.
ومهر المثل يقاس بإخواتها وعماتها وبنات أعمامها ويشترط التقارب بينهن في الدرجة العلمية. وتقارب العصر والبلد، وعلماء الأحناف يطلبون مراعات سن الخاطب شاباً أم شيخاً، ودرجته العلمية والوظيفة.
стр. 33
بهذا الدقة أفتى علماء الإسلام منذ قرن.
وكما يقولون: يبدأ الفقه عندما ينتهي التخصص العلمي.
لها مهر مثل كما قلنا وعليها العدّة.
رابعاً: الفراق بالخلع
الرأي الراجح ليس لها متعة. وعليها العدة إن كان قد دخل بها لعموم قوله تعالى في عدة المدخول بها.
خامساً الفراق بموت الزوج
أمّا عدّة من مات زوجها فواجبة عليها وفاء وعزاء وسلوى لأهله سواء دخل بها أو مات قبل الدخول.
لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ "٢٣٤ سورة البقرة"
وهذا الحكم متفق عليه لصريح النص الكريم.
وفي الموضوع آية أخرى حددت المدة بسنة كاملة. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٤٠ الآية)
هل موضوع الآيتين واحد كما يفهم من النظرة الشريعة؟
وهل إحداهما ناسخة للأخرى؟
وإذا قلنا بالسنخ فآية الأشهر الأربعة هي المتقدمة في ترتيب الآيات فلماذا لم يقل أحد إن لآية المتأخرة في ترتيب الآيات نسخة المتقدمة؟
أليس من الأفضل أن تكون الآية الثانية محكمة كالأولى؟ ولكل واحد منهما موضوع مختلف؟
стр. 34
السلف الصالح ﵃ كثرت أقوالهم في الآيتين سأل عبد الله بن الزبير عثمان بن عفان ﵄ عن آية الحول لماذا كتبها عثمان متأخرة وهي - في فهمه منسوخة فالأصل أن تتقدم.
فأجاب عثمان: لا أغير شيئاً منه - من القرآن - عن مكانه يا ابن أخي "البخاري كتاب التفسير"
وقال العلامة ابن عاشور في "التحرير والتنوير"
جعل الله لها وصية أن تقيم في بيت الزوجية وأن يُنفق عليها سنة كاملة قبل تشريع الميراث. وهي حرة في أن تسكن أو تخرج.
فالأشهر الأربعة والأيام العشر عدّة واجبة تقضيها في بيت الزوجية ولا تخرج منه إلا لضرورة. فقد أخرج الإمام علي ابنته أم كلثوم من بيت عمر بن الخطاب ﵃ بعد استشهاد عمر.
أما بقية العام فوصية من الله لها إن شاء قبلتها وإن شاءت خرجت.
فهي تتعلق بالسكني ولا تتعلق بالعدة ويبدوا أن هذه الوصية رُفعت بالميراث. لقوله إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" "أبو داود وصايا ٦، ترمذي وصايا ٥، وابن ماجة وأحمد ٤ "١٨٦"
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ "البقرة آية ٢٤٠"
والمعروف هو ألا تخطب ولا تتزين ولا تتزوج في أيام العدة.
وأسأل: ما علاقة أهل الميت بتصرفاتها بعد خروجها من بيتهم حتى يقول القرآن الكريم ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ إن الآية الكريمة ترمي إلى شيء بعيد لم يتنبه إليه كثير من الدعاة وهو المسؤولية الجماعية عن تصرًّف الأفراد وخصوصاً النساء. كالجسد الواحد إذا فسد فيه عضو كله.
عدة المتوفي عنها زوجها .
عرفنا عدّة المرأة إذا مات زوجها. وقد بينها القرآن صراحة وهي أربعة اشهر وعشرة أيام. ما لم تكن حاملاً. فإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٤ الطلاق.
стр. 35
وقد بينت السنة المطهرة أن عدتها تنتهي بوضع الحمل لأن الأصل في العدة الاستدلال على براءة الرحم. والوضع يسبب علم اليقين بلذلك ورأى بعض العلماء أن عدتها تنتهي بأطول الأجلين. إما بوضع الحمل وإما بالأشهر، الأبعد منهما.
وهي عزاء ووفاء وطهارة رحم. وحق لله - سبحانه.
حديث سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة
يستدل العلماء بحديثها على انتهاء عدة من مات زوجها بوضع حملها، ولو كان بعد أيام من موت زوجها. فقد مات زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع وهي حامل فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما طهرت من الوضع تجملت للخطاب.
فقال لها أبو السنابل بن بعكك مالي أراك تجملتي للخطاب ترجين النكاح؟ فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر أربعة أشهر وعشر. فذهبت وسألت رسول الله ﷺ فأفتاها بأنها قد حلَّتْ حين وضعتْ حملها وأمرها بالزواج إن بدا لها. (البخاري كتاب المغازي ومسلم كتاب الطلاق)
مجموع ما قرأته من كتب الأئمة يؤكد إجماع الأئمة على وجوب عدة المتوفي عنها زوجها، ووافقهم المفسرون للآية الكريمة.
تجب العدة على المرأة مسلمة أو كتابية، قابلة للحمل أو يائسة، صغيرة لا يحمل مثلها أو كان الزوج صغير لا يتصور منه حدوث الحمل لعموم قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة ٢٣٤)
حتى ولو كانت مطلقة طلاقاً رجعياً فإنها تنتقل إلى عدة المتوفي عنها زوجها - أي أربعة وعشراً ما لم تكن حاملاً فعدتها وضع الحمل - وهو رأي الجمهور - أو طول الأجلين - كما قال بعضهم.
أما أن طلقها بائنا فليس عليها عدة المتوفي عنها زوجها، لأن الطلاق البائن ينهي الزوجية (المغني لابن قدامة جـ ٧ صـ ٤٧٤ والبدائع حـ ٣ صـ ٢٠٠)
стр. 36
- وإذا ثبت أنه يريد الفرار من ميراثها فطلقها تعتد بأطول العدتين لترث منه. ومعلوم أن الطلاق قبل الدخول بها طلاق بائن لعدم وجوب العدة عليها بنص القرآن. إلا إذا كان يريد من طلاقها حرمانها من الميراث فلها الميراث قال العلامة الدردير في كتابه الشرح الصغير: ولمن توفى زوجها ولو كانت مطلقة طلاقاً رجعياً ليس بائناً ولا غير مدخول بها أربعة أشهر وعشرا "الشرح الصغير جـ ١ ص ٥٠٠".
وقد بين حكم البائن إذا أراد بطلاقها الفرار من الميراث.
عدة المطلقة لماذا ؟
عقد الزواج يختلف - في الإسلام عن أي عقد آخر. فهم عقد مقدّس.
من أصل ذلك قدّم له الإسلام بأحكام الخطبة، وأبقى بعده بأحكام العدّة لاستبراء الرحم مما يترتّب عليه حفظ الأنساب. وثبوت النسب أول حقوق المولود.
وفي العدة امتداد للحياة الزوجية وتمهيد للعود إليها بعد الطلاق الرجعي ومن أجل ذلك طلب الله بقاء المطلقة في بيت الزوجية وحرم خروجها منهجتي يؤلّد القرب الرغبة في العودة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ (الطلاق)
وهذا حكم شرعي غاب عن كثير من المجتمعات الإسلامية فالمرأة كثيراً
ما تلتحق ببيت أهلها وتبقى فيه قبل أن يحدث الطلاق فكيف يتصور رجوعها بعد الطلاق لبيتها لقضاء العدّة فيه؟
وهذا مما ساهم في ارتفاع عدد الطلاق البائن بينونة كبرى.
وكثير من أحكام الإسلام في الأسرة قد هجرها المسلمون جهلاً بها.
وهذه مسؤولية المسجد والإعلام وأجهزة التعليم.
فالعدة امتداد للحياة الزوجية، وتحريض على العودة، واستبراء للرحم وقد تكون العدة لحفظ حقوق الزوجة إذا طلقها في مرض موته ليمنعها من حقها في الميراث. فيجعل الإسلام عدتها امتداداً للحياة الزوجية فيجب لها الميراث ويسمى طلاق الفار.
وإذا كانت العدة من موت الزوج فهي مع ما ذكرنا وفاء للحياة الزوجية، وعزاء لأهله.
стр. 37
والعدة قبل كلّ هذا حق لله - سبحانه - فالالتزام بأحكامها تعظيم لشعائر الله.
- ما يحل وما يحرم في العدة
الأحكام الشرعية يجب أن يسأل عنها أهل الذكر من العلماء. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٧ الأنبياء)
أما أن تسأل المرأة جدتها عن أحكام الشرع فهذا سبب بقاء الخرافات والخلط بين العادة والعبادة.
في بعض بلاد الخليج يتوارث النساء أحكام العدة للمرأة التي توفي عنها زوجها من "حواديت جدتي"
يقولون بلسان حالهم ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ "٧٤ الشعراء"
يحكمون على المرأة بدخول العدة - على حد تعبيرهم.
والعدة تعني عندهم دخول كالسجن يُحرّمون عليها أن ترى رجلاً أو يراها رجل أجنبي.
ولا يحل لها أن تشاهد الشاشة الصغيرة، ولا تخرج لبيت أحد، ولا لعمل ولا لسوق.
وتعتقد المرأة أن العدة تبدأ من وقت ما تريد هي فيمكن لها أن تؤخر العدة أياماً معدودات أو حتى أشهر حتى تتهيأ لدخولها.
وبعضهن يتسأل: إن زوجها قد مات ولم تجد وقتا لدخول العدة فماذا تفعل؟ وهذا جهل بأحكام الله تجلس المرأة أربعة أشهر وعشرا في سجنها تجلس تسبح على مجموعة من الحصى، فلما تنتهي العدة بهذا الحصى في البحر.
هذا ما يفعلونه. وما سمعته منهن.
والعجيب أنهن يفعلن هذا على أنه أوامر الله.
بعض أحكام العدة
لم نبتعد كثيراً عن موضوع عدة المطلقة عندما نذكر بعض أحكام عدة المتوفي عنها زوجها - مع اختلاف في الأحكام بين عدة المطلقة طلاقاً رجعياً.
وعدة المطلقة بائناً. وعدة من مات زوجها فماذا عن عدة المطلقة رجعياً؟
стр. 38
أولاً: العدة في الطلاق الرجعي امتداد للحياة الزوجية فيجوز فيها ما يجوز بين الزوجين. من ذلك - وأهم شيء ثبوت نسب المولود إذا حملت في العدة من طلاق رجعي.
الطلاق الرجعي لا يمنع الميراث بينهما. فأي الزوجين مات يرث الآخر نصيبه منه.
ثالثاً: يمنع الشارع الحكيم خروج المطلقة رجعياً من بيتها. وإذا كان الزوج قبل الطلاق يجوز له أن يأذن لها في الخوج فإن احتباسها بعد الطلاق وهي في العدة بأمر الله سبحانه فلا هو يخرجها ولا هي تخرج.
وقد نص القرآن على منها من الإخراج أو الخروج في الآية الأولى من سورة الطلاق.
(أحكام القرآن لابن عربي حـ ٤ صـ ١٨١٩)
(وكشاف القناع حـ ٣ صـ ٢٧٧)
وليس لها أن تحج أو تعتمر في أيام العدة (المغني لابن قدامة حـ ٧ ص ٥٢١)
الطلاق البائن هل يمنع الميراث ؟
القياس أن الطلاق البائن يمنع الميراث. كان يكون الطلاق الثالث.
أو الطلاق على عوض "الخلع" أو طلاق يوقعه القاضي بناء على طلبها.
ويستثنى من هذا أن يطلقها طلاقاً بائناً في مرضه الأخير - مرض الموت - ليفر من ميراثها. فيعاقبه الإسلام بعكس قصده، أو تسعى هي للطلاق منه في مرض موتها بخدعه أو خلع أو حكم القاضي في مرض موتها فيعاقبها الإسلام بعكس قصدها.
والمطلقة طلاقاً بائنا إذا ما تزوجها في عدتها وثبت أنه أراد بالطلاق الفراء من ميراثها تعتد بأطول العدتين. لأنه لا يتصور أن نحكم لها بالميراث وهي بائن عقوبة له على فراره ونحكم لها بانتهاء عدتها بأقرب العدتين باعتبارها مطلقة طلاقاً بائنا الغنُم بالغرم. وهذه بتلك.
واعتقد أنها لو كان سيؤذيها إطالة العدة وترى أن الميراث لا يعوضها لقلته أو لثرائها فلها أن تطلب من القضاء اعتدادها بالقروء أو بالأشهر الثلاثة حسب
стр. 39
سنّها وحالها. ولا ترث لأن الأصل في البائن عدم الميراث وميراثها استحسانا فلها التنازل.
عدة المتوفي عنها زوجها والحداد .
تلزمها أحكام العدة ويلزمها الحداد على زوجها - بكسر الحاء - تبقى مدة العدة في البيت الذي عاشت فيه مع زوجها ولا تخرج منه إلا لضرورة مادية أو نفسية - كما سنعرف
خروجها لضرورة
لم يختلف الأئمة في لزوم سكني المعتدة في بيت الزوجية وأجمعوا على أن الضرورة تبيح لها الانتقال إلى مسكن آخر
* فعندما قتل ﵁ نقل علي ابنته أم كلثوم زوجة عمر لأنها كانت في بيت بإيجار.
سبحان الله.
ابنة علي وزوجة أمير المؤمنين ينقلها أبوها في العدة لأن البيت إيجار.
ولو تيسر الإيجار ما نقل عليٌّ ابنَته!!
* وعائشة ﵂ نقلت أختها أم كلثوم بنت أبي بكر ﵃ لما قتل طلحة ﵁ فدل ذلك على جواز الانتقال لعذر (البدائع حـ ٣ ص ٢٠٥)
* والرسول ﷺ أذن لفاطمة بنت قيس أن تنتقل إلى بيت إلى بيت ابن أمِّ مكتوم لأنه رجل أعمى يمكن أن تضع ثيابها "صحيح مسلم" لأنها كانت في مكان موحش والأعذار المبيحة عند الأئمة متقاربة عجز المطلق أو أسرة المتوفي عنها زوجها عن إعداد سكن لها.
* ومن الأعذار أن تخشى على نفسها من سقوط البيت أو عدم.
المعتدة العاملة
الآن قل أن تستقر المرأة في بيتها خالية من العمل الصعوبة الحياة ولحاجة البيت إلى عملها. ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾
"الآية ٢٣ القصص"
стр. 40
ذكاء فائق وعقل راجح، وعلّة للسبب الدافع لخروجهما ﴿أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فالبيت بحاجة لعملنا.
أو لعل المرأة - في عصرنا - عالمة بتخصص لا يجيده كثير من الرجال.
أو كان العمل بحاجة لامرأة فإنها أرفق بالطفل في سنوات الدراسة الأولى، ولابد منها مدرسة للبنات أو قابلة لتوليد المرأة.
المهم هل نكلفها في العدة أن تبقى في البيت مدة قد تصل إلى تسعو أشهر حتى تنتهي عدتها بوضع الحمل.
أليس من الممكن أن تفصل من العمل فتصبح الأسرة قد مات كاسبها وفصلت أمها.
لا. إن النبي ﷺ أذن لخالة جابر بن عبد الله أن تخرج وتجذ نخلها.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طُلّقت خالتي فأرادت أن تجذّ نخلها فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: بلى. فجذي نخلك. فإنك عسى أن تتصدقي أو تفعلي معروفاً "فيجوز خروج المعتدة من طلاق بائن في النهار وعند الشافعي وأحمد وآخرين يجوز لها الخروج في عدة المتوفي عنها زوجها. (صحيح مسلم بشرح النووي صـ ١٠ صـ ١٠٨) .
وفي سنن البيهقي عن مجاهد قال:
" اسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَآمَ نِسَاؤُهُمْ وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِى دَارٍ فَجِئْنَ النَّبِىَّ ﷺ فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْلِ فَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا فَإِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّرْنَا إِلَى بُيُوتِنَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلِتَؤُوبَ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا ". (السنن الكبرى للبيهقي حـ ٩ ص ٢١٣) .
يقول أخي الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان. فالجواز الخروج ليس من أجل الحياة المادية الضرورية فقط بل يشمل الجانب النفسي كالاستيحاش من الوحدة. (المفصل حـ ٩ صـ ٢١٣)
فلا حرج على المرأة العاملة من ذهابها للعمل بشرط أن ترجع إلى بيتها، وهذا عند أئمة السنة كالإمام الشافعي الأمن من اللصوص أو لا تجد إيجار البيت "ما تكترى به البيت" "المفصل في أحكام المرأة حـ ٩ صـ ٢٠٢ وما بعدها"
следующие страницы →