Полный текст (96 стр.). Показаны 71–96 · переход к 76.
стр. 71
وفي سند الحديث كلام، لأن الغازي بن جبلة منكر الحديث، كما قال صاحب نصب الراية في تخرج أحاديث الهداية حـ ٣ ص ٢٢٣ الزيلعي.
وفي البخاري عن علي - كرم الله وجهه قال:
كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمكره.
واستدل على ذلك بحديث النبي ﷺ رفع القلم عن ثلاث المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يدرك والنائم حتى يستيقظ؟
بعد الطلاقة الثالثة لا تحل له وتتزوج غيره فإن مات الثاني أو طلقها؟
الزوج الثاني طلقها أو مات. ورجعت للزوج الأول، هنا نسأل: ما حكم الطلقات الثلاثة في الزواج الأول؟
إجماع الأئمة على أن الزواج الجديد يبدأ - كما يقولون - من الصفر وعفا الله عما سلف، وكفاه من التأديب على الإسراف في الطلاق أنه رأي زوجته في أحضان زوج آخر، وليت الأمر يقف على الأحضان، بل يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته.
وكانت في الزواج الأول معه لا تعرف فراش غيره.
فكانت راضية به، أما بعد أن جربت فراش غيره فالأمر يختلف.
عقوبة شديدة هي ثمن سوء استعمال الحق وإسرافه فيه.
ولكنها ترجع إليه بثلاث طلقات.
هذا رأي جميع الأئمة. أما إذ طلقها طلقة وانتهت عدتها أو طلقتين وانتهت عدتها قبل أن يراجعها، وتزوجت غيره وطلقها الزوج الجديد أو مات ورجعت للأول فهنا أجد اجتهاداً غريباً لا أعرف دليله الشافعي والمالكي والحنابلى ومحمد بن الحسن وزفر من تلاميذ أبي حنيفة كلهم يقولون: ترجع إلى الزوج الأول بما بقى لها من عدد الطلقات.
إن كان قد طلقها طلقة واحدة رجعت بطلقتين، وإن كان قد طلقها طلقة واحدة رجعت بتطليقتين.
وإن كان قد طلقها طلقتين رجعت بواحدة.
هل يمكن بعد كل العذاب النفسي الذي تحمله وهي في فراش.
стр. 72
الزوج الثاني.
وبعد دعائه لها طوال الليل أن تفشل في زواجها الثاني لترجع إليه. وتحقق الأمل. وعادت إليه. هل يمكن أن ترجع بزواج شبه مستهلك ويكون كمن اشترى ثوباً نصف عمر؟
هنا كان اجتهاد الإمام أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف والإمامية من الشيعة يباركون له ثوباً جديداً خالياً من رقع الماضي. وبقعه النفسية.
ترجع بطلقات ثلاث. وعليهما الحفاظ على ما وهبهما الله ولعل "العود أحمد"
стр. 73
الطلاق في السُّنَّة وآثار السلف
من طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد أخرج أبو داود عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إذا قال الرجل: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة" وعنه أنه قال: "إِذا قال: أنت طالق.أنت طالق. أنت طالق. ثلاث مرات فهي واحدة, إن أراد توكيد الأولى. وكانت غير مدخول بها".
روى الترمذي وأبو داود عن عبد الله بن يزيد عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله، إني طلقت امرأتي ألبتة. فال: ما أردت بها؟ قال: واحدة. قال: آلله قلت آلله. قال فهو ما أردت. ومعنى طلقتها أي في مجلس واحد.
* إن طلق بلفظ ليس صريحاً في الطلاق ولكن أراد به الطلاق.
يسمى الطلاق بالكناية. ولا يقع به الطلاق إلا إذا قصد إيقاع الطلاق. فالنية مدار المؤاخذة.
تقول عائشة ﵂ خيرنا رسول الله ﷺ فاخترانه، فلم يكن ذلك طلاقاً" البخاري ومسلم.
* ومن أعطى لها حرية الاختيار فاختارت نفسها فهي طلقة واحدة رجعية.
قال رجل لابن عمر ﵄: إني جعلت أمر امرأتي بيدها فطلقت نفسها فقال ابن عمر: أراه كما قالت.
وقال له: أنت فعلته" الموطأ وتقع طلقتها له طلقة واحدة رجعية.
هذا ما أفتى به زيد بن ثابت لمحمد بن عتيق "ارتجعها إن شئت فإنها هي واحدة، وأنت أملك بها. (الموطأ عن خارجة بن زيد)
ووردت آثار توقع الكنايات ثلاث تطليقات. فمن قال لامرأته أنت علي حرام فالإمام علي بن أبي طالب كان يقول: إنها ثلاث تطليقات (جاء في المؤطأ)
ولا أعرف العلة لهذا التشديد من الإمام علي - كرم الله وجهه - إلا تأديب القائل وتخويفه.
стр. 74
وقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ إذا حرم الرجل امرأته عليه فهي يمين يكفرها.
ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ووجه الاستدلال بآية الأسوة هنا هو ما جاء في أول سورة التحريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ ثم قال بعدها ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
* من خير امرأته فاختارت الحياة معه لا يعتبر طلاقاً. لأن النبي ﷺ خير نسائه بين الحياة معه راضيات بما قسم الله لهن من عيش وبين أن يُردن الحياة الدنيا وزينتها فاخترن الله ورسوله.
وفي السنة المطهرة
" لا يحل لأمرأة أن تسأل طلاق أختها لتستفرغ في ما في صحفتها. ولتنكح. فإنُما لها ما قُدر لها"
(جامع الأصول من أحاديث الرسول) (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي)
فإن اشترطت المرأة عند زواجها أن يطلق زوجته الولى فالشرط باطل. لأنه لا ضرر ولا ضرار.
أما إذا اشترطت لنفسها عند العقد عليها إلا يتزوج عيلها فلها ما أخذت من شرط.
المحلل والمحلل له .
بينت السنة المشرفة موضوع المحلل. وهو أن يطلق الرجل زوجته ثلاثاً في ثلاثة أطهار فتبين منه بإجماع المذاهب ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً شرعياً كاملاً ويدخل بها دخولاً كاملا لقوله ﷺ :
" حتي تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك: كما في حديث امرأة رفاعة القرظي التي جاء للنبي ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ - (أي في الإسترخاء) فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". رواه الجماعة عن عائشة ﵂.
стр. 75
ومعناه: أن القليل من الجماع يكفي فما حكم الزوج الثاني؟
* هو إما عازم على الزواج الدائم، وهذا بارك الله له، فإن طلقها فلا إثم عليه.
* وإما متطوع بهذا الزواج وفي نبته أن يطلقها لترجع إلى زوجها وأولادها، فزواجه مكروه عند الأحناف والشافعية؛ لأن الزواج شرعا لا بد فيه من نية الدوام.
وإلا أشبهَ زواج المتعة.
وهذا زواج باطل فاسد عند المالكية والحنابلة، فلو طلقها لا تحل للأول.
* الزواج الثالث: أن يتزوجها بشرط أن يطلقها.
وهذا زواج باطل وفاعله ملعون لحديث: " لعن الله المحلل والمحلل له ".
أخرجه النسائي والترمذي وصححه.
وحديث عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ " ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ بلى يارسول الله.
قال: هو المحلل. لعن الله المحلل والمحلل له ".
رواه ابن ماجة والحاكم.
هل رأى الحب سكارى مثلهم؟!
قد يكون الواقع أعجب من الخيال.
خيال الشاعر في هذه القصيدة واسع وخصب، ولكن الواقع أعجب.
اشترى زوجها سيارة من مصنع اليابان، واشترى أخوها سيارة من مصنع بلد آخر.
وجلس كلاهما (يشرب) ويمدح سيارته ويثني على اختياره، واشتدَّ أثر الشراب فاقترح واحد منهما أن يركب كل واحد منهما سيارته وأن يقفا على بعد مائة متر مثلاً، وأن ينطلق كل واحد بسيارته بسرعه فيدخل في الآخر فيتبين كل واحد منهما أي السيارتين أقوى.
يتبين بتجربة عملية، فالجانب العملي ينهى عن الجدل، وتيقنت المرأة أنها ستدفع الثمن وحدها. فسوف تفقد زوجها وأخاها.
إنهما في سكر وسوف يفيقان على يد ملك الموت، قامت فاستدرجت زوجها إلى غرفة النوم، ثم أغلقت عليه الباب، وحاول ثم حاول الخروج فلم تستجب له.
стр. 76
فلم يجد ما يقذفها به سوى كلمات الطلاق.
فلما ذهبت عنه السكرة وجاءت الفكرة، جاءني يلتمس حكم الله في الطلاق!!
جاءت معه لأنها لا تثق في إخباره، وكثرا أولئك الذين يكذبون على العلماء في مثل هذه القضايا. هكذا لعمل الخمر في عقول شاربيها إن بقيت فيهم عقول.
وأجاب الشيخ:
من رحمة الله أن حرم الخمر، فالخمر مهلكة للعقل ولخلايا المخ وشبكة الأعصاب.
والدارس لخلايا الجسم يرى أن خلايا الجسم كلها تتغير كل عدة سنوات إلا خلايا المخ والأعصاب تبقى تالفة حتى يموت.
وأنت يا بنيتي قد أحسنت صنعا، وذلك على رجحان عقلك.
فحفظ الشرع الحكيم لك زوجك، ولم يقع الطلاق، فالرأي الراجح أن طلاق السكران لا يقع.
لا يقع طلاق السكران لأنه لا يعلم ماذا يقول!
(لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) .
وسيدنا حمزة ﵁ وقبل تحريم الخمر - سكر فبقر بطن البعير فلما عاتبه النبي ﷺ ثمل حمزة واحمرت عيناه - أي غلبه الشراب.
فقال: هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟ فعلم النبي ﷺ أنه ثمل فخرج معه.
وقد أفتى سيدنا عثمان بن عفان ﵁ بعدم وقوع طلاق السكران، وأفتى ابن عباس ﵄ بذلك، ورجع الإمام أحمد إلى هذا الرأي.
واستلوا على عدم وقوع طلاق السكران بالآية الكريمة السابقة، وبأن النبي ﷺ لم يطلب من حمزة ﵁ أن يجدد إسلامه لقوله في سكره - أنتم عبيد أبي، ولانتفاء القصد.
فارجعي بزوجك فالطلاق لم يقع.
стр. 77
وبعد: ما ذكرته في القصة السابقة هو رأي الأئمة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنبلي لأن الطلاق أمر شرعي ما شرعه الله إلا لحكمة والسكران لا يستطيع أن يتصرف بحكمة. فلا يقع طلاقه.
وخالفهم الإمام الحنفي إذا كان السكر من شراب محذور أما إذا كان من أمر لا إثم فيه كالبنج لإجراء عملية جراحية فلا إثم فيه ولا يقع طلاقه.
ومعلوم أن وقوع طلاق السكران يؤذي الزوجة بدون ذنب منها.
روي البخاري عن عثمان بن عفان ﵁: ليس لسكران ولا مجنون طلاق.
والطلاق - في الإسلام - أمر عظيم فلا نبحث للناس عن كلمة نهدم بها البيت فقد قال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس" رواه البخاري.
من تجاربي في فندق
كان النزيل "ع. م. ا. ع" يقيم إقامة كاملة بالفندق وكان في سلوكه طيب لا يخالط أحداً وفوجئت برجوعه يوماً في حالة سكر شديد - على غير عادته. والتف حوله عمال الفندق وبعض النزلاء الشباب يصفقون ورجل الأعمال يرقص!! حتى تطاول عليه أحد الشباب وأراد أن يسقط "البنطال" عنه واعتبروها سهرة سعيدة.
وفي الصباح لقينى وألقى عليّ التحية. وتعمدت عدم الرد بصوت يسمعه ولما راجعني عرضت عليه الشريط المؤلم الذي سجلته له. كاد لا يصدقني لولا وضوح الصوت وضحك الشباب واستخفافهم به.
إنه تاجر الذهب بوسط القاهرة. وهو صاحب اليد السخية على العمال وبعض النزلاء. كيف تجعله زجاجة الخمر في هذه المهانة؟
إنها المرة الأخيرة يا شيخ محمود
مرَّتْ سنوات أنهيت فيها دراستي الجامعية. وذهبت لزيارة أستاذي الدكتور كمال شلال بالفندق - عليه رحماتُ الله - وفاء لما كان يخصني به من خلاصات
стр. 78
عبقريته وأنا طالب. وشاهدت الأخ الكريم ساجداً بين يد الله يطيل السجود. الضراعة. لقد تاب توبة أسعدتني.
فلو سجلنا لمن يغيب عقله بالسكر ما يحدث منه في سكره فلن يقبل لنفسه أن يعود. هذه تجربتي. التسجيل لعلاجه في منح الشريط بعد أداء دوره فلا حاجة لنا في الحفاظ عليه.
ولدي الحبيب. أين ذهبت ؟
عشت حياتي قبل أن أرزق بك. عشت أنتظرك وتحملت متاعب السهر والدراسة من أجل أن يقال لك ابن الأستاذ.
ومن أجلك تحملت رق الوظيفة ومتاعبها حتى يقال عنك: ابن المدير.
وصارعت رغباتي وأهوائي حتى أوفر لك رخاء العيش وسعته. وما تأخذه من مالي أحب إلي مما أنفقه أنا من أجلك يا ولدي تخيرت سيدة الحي لتكن أمك وأشهد بالله أنها قدمت أكثر مما قدمت لك.
وفي ساعة مظلمة بل ظالمة توقف عقلي وفكري ونطقت بكلمة هدمت كل شيء كيف نطقت بكلمة جعلت زوجتي حراماً علي؟
وقع الطلاق الأول. واعتبرته إجازة من الحياة الزوجية ثم عادت الحياة.
وتكرر الخطأ. بل تكررت الخطيئة.
الخطيئة التي أنهت رصيدي. وحرمت زوجتي للأبد بالطلقة الثالثة.
هل تقبل نفسي أن أنتظر لها فشلاً جديداً في حياتها؟ مع الزوج الجديد فيطلقها لترجع إلى فراشي؟
ليست هذه أخلاقي يا ولدي. ولعلك تعرف ذلك.
سوف أتحمل تكاليف خطئي بل خطيئتي.
وأغلاها أني خسرت زوجتي.
ولو كل النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال.
فلا التأنيث في اسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
стр. 79
ولكن ماذا جنيت أنت يا ولدي حتى حكمت عليك أن تعيش مع زوج أبيك بدلاً من أمك؟ إنها امرأة طيبة. ولكنها تشعر أن ما أقدمه لك أقدمه لغير ولدها.
وإن عشت مع أمك فهي أقرب وداً لك. ولكن زوجها لا يحب أحداً يشاركه فراشه. وهي بينها وبين زوجها مودة ورحمة.
وأنت يا بنيتي
هل وافقت على أول خاطب لرغبة صادقة فيه؟
هل هو - في تصورك - الفارس صاحب الفرس الأبيض الذي يطير بك إلى عش السعادة؟! أخشى يا بنيتي أن تكوني أردت الفرار من زوجة أبيك.
أو ضاق صدرك من بعض الدلال التي عاملها به لأنها تخدم غير أولادها ولفارق العمر بيننا. أو لحقها عليّ كزوجة. أرجو أن تكوني قد حظيت باختيار الله في هذا الشاب فاختيار الله للإنسان خير من اختيار الإنسان لنفسه
الطلاق بلاء ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ "١٥ النور"
فاحذره يا ولدي.
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا
وربما كانت هي السبب. فقد انشغلت بالفليم الأجنبي ونسيت الطعام على الطباخ فتلف كل شيء ولكنى الحياة الزوجية فنون. ألم يحرق هو القميص عندما عزم على كيه؟
هذه بتلك.
كان يمكن للمشكلة أن تنتهي ولكن من حوله ومن حولها لا بُدَّ أن يشعلوا النار إنها - كما يقولون - ضريبة السعادة أو نار في ليلة لكنها أحرقت كل شيء وانتهى الأمر بالطلاق العاجل - طلاق السفهاء.
طلاق لم يسبقه عزم ولم يحكمه ما شرعه الله من الطلاق في طهر لم يجامعها فيه فلا طلاق في حيض. ولا في طهر عاشرها فيه هذا ما شرعه الله.
стр. 80
جاءني يريد أن يرد زوجته إلى عصمته - أن يراجعها.
سألته: كم يتكلف الطلاق في هذه الأيام؟
كان يتوقع أي سؤال غير هذا السؤال قال: لو ذهبنا إلى المأذون القاضي سيأخذ رسوماً للطلاق ورسومها للمراجعة "هذا في بعض البلاد العربية"
قلت له: ما عن كل هذا اسأل.
إنني اسأل عن ثمن الطلقة الواحدة الآن.
إن أقل زواج الآن يتكلف ثلاث الآف دولار مثلاً، والإسلام يعطيك ثلاث تطليقات. وهذا من باب رحمة الله. فالطلقة الواحدة تتكلف ثلث تكاليف الزواج تتكلف ألف دولار على الأقل.
إن تكلف الزواج ثلاثة الآف دولار فهل لمن الطعام الذي تلف قريب.
من هذا المبلغ؟
قال: عجباً أسمع هذا الكلام لأول مرة
قلت: لو أن الدعاة يسألون الناس هذا السؤال على المنابر وفي المحاضرات لتراجع كثير من النساء بسبب الغلاء الشديد في ثمن الطلاق.
إنني أعمل ألف حساب لإشارة المرور. لأن العزم كبير هذا بخلاف ما يجره الطلاق على الأسرة من ضياع الأولاد والوالدين وهو أكبر من كل أموال الدنيا. الطلاق ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ "١٥ النور"
أنصفتني يا شيخ عارف
كانت هذه كلمتها الأخيرة التي ودعتني بها: أنصفتني يا شيخ عارف
وابتسم زوجها الطبيب الشاب وقال: عندما يتصدى للفتوى من لم يدرس الشريعة دراسة عميقة تتعقد حياة الناس.
قلت لهما: إن الله خلق العنب. غذاء وشفاء ولكن يد البشر تتدخل في العنب فتجعله خمراً.
стр. 81
خرجت هي وزوجها الطبيب وبقيت في بيتي أراجع ما حدث فما قصة الضيف؟
جاء يسألني عن الطلاق الذي أوقعه عليها. ويطلب إرجاعها لعصمته.
إنها ما زالت في العدة.
وكنت أشعر أن هذه المشكلات تحتاج إلى معالجة أكثر من حاجتها إلى فتوى. فإن عدم علاجها جيداً هو السبب في تكرارها.
إن الطبيب الذي يعالج أمراض الجلد من الظاهر يختلف عن الطبيب المتخصص الذي يحلل الدم ويعالج ما تحت الجلد فيغيب المرض إلى الأبد. أو يغيب طويلاً.
درست سبب المشكلات وحاولت تقريب وجهات النظر.
إن أمة لها ما أعطاها الإسلام من حقوق وتكريم. ولكن هذه الحقوق يجب ألا تتعدى ولدها ولو كان وحيداً إلا من باب التطوع. والمتطوع أمير نفسه. والكريم يتطوع ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ "٣٤ النساء"
وليس "واهجروا مضاجعهن" حتى لا يعلم من في البيت شيئاً عن الخلافات. فيموت الخلاف في حجم ولادته.
عتبت عليها لأنها تلميذتي. ولكرمها وفي مثل هذه الحالة نعتب على الكريم. عتبت عليها فصرخت وقالت: دائماً المرأة هي المخطئة؟ لقد حمل إناء الطعام وضربني به وطلقني كان الإناء ساخناً.
والله كان الإناء ساخناًَ. نظرت إليه وسألته:
هل صحيح ما قالته يا دكتور؟
قال في حياء: زحام العمل يشد أعصابنا حتى أصبح الإنسان لا يدري ما يفعل؟
والطبيب يحتاج إلى طبيب أجل لا أدري كيف فعلت هذا ولكنه حدث؟
ضحكت حتى ظن أنني أضحك من تصرفه
стр. 82
وقلت له: قم يا دكتور خذ زوجتك وارجع إلى بيت الزوجية السعيد.
الطلاق لم يقع يا دكتور. أجل الطلاق لم يقع.
الطلاق ليس كلمة تخرج من فم إنسان منفعل لا يدري ماذا يقول؟
روت السيدة عائشة أن النبي ﷺ قال:
"لا طلاق في إغلاق"
قال أبو داود: الإغلاق الغضب الشديد (أعلام الموقعين جـ ٤ ص ٤٢)
وإذا كان طلاق السكران لا يقع حتى تكون عقوبة لها من غير ذنب فطلاق الغضبان عند إغلاق العقل لا يقع.
وعلماء الإسلام هم الذين يجدون الطلاق الذي يقع والذي لا يقع.
وسيدنا موسى ﵇ عند غضبه على بني إسرائيل ألقى التوراة التي كتبها الله بيده في الألواح. فلما سكت عنه الغضب أخذ الألواح.
والرجل الذي فقد ناقته في الصحراء وتيقن الموت والهلاك. ثم نام فاستيقظ فرأى الناقة فأراد أن يشكر الله فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك. لم يؤاخذه الله على سبق لسانه.
الطلاق لم يقع يا دكتور فالطلاق عزيمة
كلمات للأئمة في طلاق الغضبان
بعد أن عرضت على القارئ الكريم قصة الطبيب العراقي وزوجته والتي سبق أن نشرتها بمجلة "رسالة الأزهر" نأتي إلى بعض الأحكام الفقهية في الموضوع.
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" رواه أبو داود.
وقال: الإغلاق أظنه الغضب (عون المعبود حـ ٦ صـ ٢٦١
وكثير من الناس في أيامنا تخالط المخدرات والمهدئات دمهم وأكثر منهم من يؤثر هموم العيش وتكاليف الحياة والسعي في طلب الكماليات في أعصابه مما يجعل الانفلات في الكلام لا يحكمه قصر. ولا يقول ما يريد.
وهؤلاء يدخلون في حكم الإغلاق رحمة بأطفالهم ونسائهم. بل ورحمة بهم لأن الطلاق - كما ذكرت. عزيمة وليس كلمة طائشة تنفلت من اللسان.
стр. 83
* الزواج عزيمة ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ "٢٣٥ البقرة"
والطلاق عزيمة ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ "٢٢٧ البقرة"
ولا وزن لصيحات وانفعال لا يدري أحدهم ساعتها ما يقول.
وعندما طلق الرجل زوجته ثلاث ثم ندم وقال للنبي ﷺ والله ما أردت إلا واحدة أعتبرها النبي ﷺ واحدة.
وكثيراً ما أقول: عمار البيت على رأي مرجوح خير من خرابه على رأي راجح يقول الإمام ابن تيمية في الإغلاق "أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه إنغلق عليه قصره وإرادته فيدخل في ذلك كل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال.
أبو حنيفة وطلاق المخطئ يوقع الأحناف طلاق من أراد كلمة فخرجت كلمة الطلاق. يوقعها قضاء - أمام القاضي - ومن الناحية الدينية يسأل أمام الله عن نيته. إغلاق لباب التراجع وادعاء الخطأ ولكن الأئمة مالك والشافعي والحنابلة والظاهرية والزيدية والجعفرية فيشترطون القصد في الألفاظ ولا يوقعون طلاق المخطئ.
ورأي الجمهور أولى بالفتوى.
стр. 84
الخلع
* الزوج يطلق. فماذا للزوجة؟
* كل خسارة مادية بعد المودة والرحمة هينة
* الإسلام حفظ المرأة مالها إلا عن طيب نفس منها
* لا يجوز للزوج أن يضيق على زوجته حتى يرغمها على الخلع
* خذ الحديقة وطلقها تطليقة.
* هل يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها؟
* هل الخلع طلاق أم فسخ لعقد؟
* وماذا ينبني على هذا الخلاف؟
стр. 85
الزوج من حقه أن يطلق، فماذا لها ؟
المطلق غارم لأنه دفع الصداق وتحمل النفقات.
وغرمه قد يمنعه من تكرار الطلاق. أو حتى مجرد التفكير فيه.
أما الزوجة فماذا تفعل إن فسدت الحياة الزوجية، وأذهب الله المودة والرحمة من قلبها؟
شرع الإسلام لها فداء نفسها من طوق لا تطيقه. وغلّ لا تقوى عليه. وزواج لا تؤدي حق الله فيه وهذا ما جاء في كتب الشريعة بعنوان "الخلع"
قال ابن الأثير (الخلع) من خلع الثوب. كما في النهاية وإن كان القرن لم يستخدما الخلع إلا مرة واحدة في حديثه مع موسى ﵇.
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ١٢ طه) .
واستعمل القرآن كلمة ﴿افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي افتدت به نفسها ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢٢٩ سورة البقرة)
فالرجل له أن يطلق وهو غارم وتكاليف الطلاق كبيرة وهي تعدل ثلث تكاليف الزواج وضياع الأسرة أكبر.
والمرأة تفتدي نفسها إذا أصبحت الحياة الزوجي أغلالاً وإذا فسدت الحياة الزوجية وخلت من المؤدة والرحمة فكل خسارة مادية بعد المودة والرحمة هينة.
والآن مع بعض أحكام القرآن الكريم وفقه الفداء أو الخلع
* في فقه الأحناف "الخلع إزالة ملك النكاح المتوفقة على قبول الزوجة بلفظ الخلع أو ما في معناه "الدر المختار حـ ٣ ص ٤٣٩"
* أما في القرآن الكريم فلقد حرم الله على الزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئاً إلا عن طيب نفس منها ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤ النساء)
الهنيء ما يصاغ مضغه. والمريء ما يفيد الجسد.
стр. 86
* ومرة ثانية حرم القرآن مال المرأة على زوجها مع الاحتفاظ بالاستثناء في الآية الأولى أعني "طيب النفس"
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢٢٦ سورة البقرة) شرع الله الطلاق وجعله تسريحاً بإحسان ومن إحسان التسريح أن يكون بدون عوض. وهذا ما يتفق مع النفوس الكريمة.
وقد خاطب الله به النبي ﷺ عند ما خير زوجاته ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب)
فالتسريح بإحسان. والسراح الجميل يقتضيان عدم أخذ مال على طلاقها.
ولكن النفوس تختلف، والمثالية ثمنها كبير لا تقوى عليه الجموع من الناس، والتشريع للخاص والعام فلا بُدَّ أن يتسع للجميع.
ومن ناحية المرأة قد تكون بالغت في طلب الطلاق وأرهقت الزوج فلا يتصور أن يتنازل عن غرمه عندما تطلب الطلاق، من هنا شرع القرآن أن تفدي نفسها بمالها - كما قلت: كل شيء بعد خسارة المودة والرحمة أمر سهل.
* ثالثاً:
وحرم القرآن أن يعضل الزوج زوجته بأن يسيء معاملتها ويضيق عليها حتى يرغمها إلى طلب فداء نفسها من قيد الزواج به ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ "١٩ النساء"
وإذا حرم القرآن أخذ بعض ما أتاها فإن أخذ كل ما أتاها حرام باب أولى. وأشد في التحريم أن يأخذ أكثر مما آتاها "تفسير المنار حـ ٤ صـ ٤٥٦ للسيد رشيد رضا"
وفي موضع رابع في القرآن الكريم
جاء التحريم في محاولة يرغب فيها بعض أصحاب النفوس الصغيرة أن يجعله على المرأة خستين.
стр. 87
خسة أن يستبدل بها زوجة أخرى سواء معها أو يطلقها، وخسة أن يأخذ مالها ليدفعه مهراً لزوجة أخرى أمران أحلاهما مرٌّ.
أما ان يجمع الأمرين ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ "٢٠ النساء"
وهذا استفهام إنكاري وتوبيخ على أخذ مال المرأة ظلماً.
ثم يستنكر عليه مرة ثانية ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ "٢١ النساء"
كل هذه الآيات تفيد تحريم إكراه الزوجة على أن تفتدي نفسها بمالها.
والكاره في كل هذه الأحوال هو الرجل. أو المنتفع في هذه الأحوال هو الرجل.
وقد شاهدت في بعض البلاد العربية ما يقوم به بعض الذين يعملون في مهنة المحاماة من جعل الانتصار القضائي على المرأة ولها حقوقها فن من فنون المهنة مع أنها مهنة شريفة: يحاول أن ينتصر لموكله فيجرد المرأة من حقوقها التي شرعها الله.
مؤخر الصداق.
النفقة والمتعة.
وينسى أن بعد القضاء في الدنيا قضاء آخر يوم يقول الحق - سبحانه ...
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾
ويقول سبحانه لكثير من المدافعين عن الباطل ﴿هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (النساء ١٠٩)
كما حرم الله أن يجعلها تعيش مكرهة مظلومة لا تملك الصبر على البقاء، لا تملك المال للفداء ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ "٢٣١ سورة البقرة" إن بعد الدنيا حساباً كبيراً.
стр. 88
* يبقى بعد ذلك آية تتحدث عن رغبة الزوجة في (الخلع) في فداء نفسها. هنا هي الكارهة، وهي صاحبة المصلحة في الفداء لقد انتهى من في قلبها من الود له، والصبر على متاعبه، فهي إن عاشت في بيت تخاف ألا تقيم حدود الله من طاعة لزوجها، ورضى به، وتمكيناً له من نفسها.
وصحبته ولو لم يكرها هو، ولم ير منها ما يقتضي فراقها، لأن النبي ﷺ لم يسأل ثابت بن قيس، هل أنت كاره لها أم لا؟
وقد أجمع الصحابة على هذا.
* طلب الخلع بدون ضرورة
الذي يجمع عليه العلماء والأئمة أن الطلاق بدون سبب مُلح عليه حرام أو مكروه. لأن فيه إضرار بالطرف الآخر وهو هدم لما شرعه الله، وأبغض الحلال عند الله الطلاق. ولا يفرح إبليس بشيء كما يفرح بالطلاق.
والخلع كذلك فإذا حلت الحياة الزوجية من الضرورة، وإذا أمكن دفع الرغبة في الانفصال، بالصبر والقدرة على التحمل، فيجب عليها الصبر حفاظاً على الأسرة. وربما رعاية للأولاد إن وجدوا.
* يقول ابن قدامة: والحجة مع من حرمه في حالة الوئام والوفاق بين الزوجين واستشهدوا بالآية الكريمة ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ وقدموها على قوله تعالى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (المغني حـ ٧ ص ٥٤)
* مقدار ما يجوز لها أن تقدمه
محاولة وضع تسعير في مثل هذا الموضوع شيء لا يتفق مع تقلب الأحوال واختلاف القدرة الشرائية غالباً. وحال الأسر من الإعسار واليسار وعكس هذا.
من هنا كان الرأي الراجح رأي جمهور العلماء وهو ما تراضيا عليه، سواء قلَّ عن الصداق أو ساواه أو زاد. وهذا ما حكاه ابن كثير (حـ ١ صـ ٢٧٤)
وفي المحلي من فقه الظاهرية: لها أن تخلى بجميع ما تملك وواضح أن أسعار العملات والأعيان غير ثابتة ويحدث فيها تباين كبير. وهجرت أحد الزوجين
стр. 89
وما يصحبها من اختلاف في اليسار والإعسار كل هذا ربما لم يكن في عصر أئمتنا ﵃.
فالأمر متروك للعرف والقضاء وما يطرأ على مستوى معيشة الطرفين في الأسرة. فقد يكون الألف من الدراهم عند العقد مالاً كثيراً وعند الرغبة في المخالعة لا تساوي شيئاً ولا يعارض هذا مع قول الرسول ﷺ خذ الحديقة وطلقها تطليقة. لقرب الزمن بين العقد والخلع فلم تتأثر القيمة الشرائية للأشياء. ولأن القيمة العينية كالحديقة يقل التباين في ثمنها بخلاف العملة الورقية في عصرنا.
كما لا مانع من احتمال زيادة قمية الحديقة عند الخلع عنها يوم عقد القرآن بسبب نمو شجرها ونضج ثمارها.
* واختلفوا هل يجب رفع الأمر للسلطان ؟
قال بهذا بعض العلماء ولا أعرف دليلاً لهم.
والخلع قريب في أحكام من الطلاق. ولا يجب رفع الطلاق إلى الحاكم. فالخلع كذلك. لأنه طلاق على عوض. كما استدلوا بوقوع الخلع للربيع بنت معوذ في عهد عثمان بن عفان ﵁، فلم يرفعوا الأمر لعثمان ولم ينكر عليهم عثمان، وهو رأي عمر بن الخطاب ﵄
* هل الخلع طلاق أم فسخ ؟
موضع طال فيه الخلاف بين الأئمة واختلافهم رحمة بهذه الأمة وسوف أبين معنى الرحمة. في اختلاف الأئمة إن شاء الله.
أولاً: القول بأن الخلع يقع طلاقا رجعيا قول لا يرقى إلى المناقشة فهو باطل بلا خلاف فالمرآة دفعت مالها لتفتدي نفسها.
فلو كان الخلع طلاقاً رجعياً لأخذا الرجل العوض ثم ردها بدون اختيار منها فهو قول مردود.
أما القول بأن الخلع طلاق بائن فلو سلم هذا الرأي من الاعتراض الموجه إليه لقبلناه. لأن الرأي من الاعتراض الموجه إليه لقبلناه لأن كبار الأئمة قالوا به.
стр. 90
ولا ظلم فيه للمرأة ولا مضرة.
الأحناف اعتبروه طلقة بائنة رجعية، يعني بينونة صغرى (المبسوط حـ٦ صـ ١٧١)
وعند المالكية يقع الخلع طلاق بائنا "بداية المجتهد لابن رشد حـ٢ صـ ٢٦٨".
وللإمام الشافعي رأيان.
رأي وافق الأحناف والمالكية. ورأي قديم قال إنه فسخ (مغنى المحتاج حـ٣ صـ٢٦٨)
والظاهرية حصروا البينونة في الطلقة ثلاثا، أو التي طلقها من قبل المساس بها لأنها ليس عليها عدة. فأي طلاق غير الاثنين يجب أن يكون رجعيا.
ولكن قال فن راجها فعليه رد ما أخذ منها "فإن لم يتم لها مرادها فما لها الذي لم تعطه إلا لذلك مردود عليها".
* والمذهب الجعفري. يقع الخلع طلاقا بائنا إذا دفعت الفداء في العدة.
وإذا لم تدفع الفداء في العدة يمكن أن يرجع في العدة. فإذا انتهت العدة فلا رجوع بعدها (المختصر النافع في فقه الجعفرية صـ٢٨٠)
* أدلة من اعتبر الخلع فسخا .
اعتبر ابن عباس الخلع فسخا, وهو قول مجموعة من أصحاب كطاووس وعكرمة وأحد قولين للشافعي وأحمد بن حنبل وبعض علماء الحديث.
واستدل ابن عباس على أن الخلع فسخ بأن الآية الكريمة ذكرت "الطلاق مرتان" ثم تكلمت عن الخلع ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الآية٢٢٩ سورة البقرة)
فالقرآن تكلم عن طلقتين ثم تكلم عن الخلع.
ثم قال بعدها ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢٢٩ سورة البقرة) .
стр. 91
فلو حسبنا الخلع طلاقا يصبح الطلاق أربعة. من هنا كان دليل من قال:
إن النكاح فسخ أقوى. لأن الأمة وعلماء الفقه والسنة أجمعوا على أن الطلاق ثلاث.
وقد اختار الإمام الشافعي هذا الرأي في أحد مذهبيه، والإمام أحمد في الرأي الظاهر عنده، وتبناه ودافع عنه الإمام ابن تيمية في الفتاوى حـ٣ صـ٣٢) واختاره ودلك عليه الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان في موسوعته العظيمة "المفصل في أحكام المرأة حـ ٨ صـ٢٢٠".
* جانب الرحمة في اختلافات الأئمة .
اعترفت المؤتمرات العالمية بما أحدثه الاختلاف بين علماء المسلمين من ثراء في الفقه الإسلامي وقد ذكرت آراءهم في كتابي (شريعة الله يا ولدي) بما يغني عن التكرار والذين يظهرون ضيقهم باختلاف المذاهب يريدون أن ما ذهبوا إليه من آراء أئمتهم لا يقبل المناقشة. على أي حال ليس هذا موضوعي. ضربت لهذا مثلا.
مسافر من صلالة إلى جدة. وصل إلى مسقط "١٠٠٠ ك" فجاء ضابط آخر وقال "الكمبيوتر" يغني عن السفر. أليس في اختلافهم رحمة؟
ولكن ما علاقة اختلاف الأئمة بموضوعنا؟
عرضت على قضية لأسرة يكثر الزوج فيها الطلاق طلق امرأته طلقة أولى ثم طلقها طلقة ثانية، وهو بصدد الطلاق الثالث.
وسألت أستاذي وشيخي الدكتور عبد العال أحمد عبد العال رئيس قسم التفسير والحديث بالأزهر - غفر الله له فقال لي: إن عزم على الطلقة الثالثة فلا يتعجل يطلب منها أن تفتدي نفسها منه بمبلغ تدفعه له. ويخالعها. ويقينا هي كارهة لتصرفاته فلها أن تفتدي نفسها فإنما رغب في مراجعتها فالباب أمامه مفتوح لأن الخلع فسخ للعقد. فإذا رجع إليها رجع بثلاث طلقات. وليس بطلقة واحدة لأنه عقد جديد.
رحم الله علماء الأمة وأئمتها.
فما نجحت في شيء في حياتي إلا كان ﵀ أستاذي الدكتور / عبد العال أحمد - بعد الله سببا في هذا النجاح.
стр. 92
الظهار
* كان الظهار طلاقا في الجاهلية.
* أوس بن الصامت أول من ظاهر.
* الظهار كذب وزور حذر الإسلام منه، وعاقب عليه.
* المرأة تجادل النبي ﷺ وسبحان من يسمعها من فوق سبع سماوات.
* متى تجب الكفارة؟ وما هي؟ والتنوع فيها رحمة.
* آيات الظهار دليل على نزول القرآن من عند الله والنبي ﷺ يجتهد والله يراقب اجتهاده.
стр. 93
الظهار
التعريف الفقهي تشبيه الزوجة بأنثى لم تكن حلالاً، وهذا التعريف في مذهب الشافعي وقد جاء حكمه وكفارته في مطلع سورة المجادلة ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وكان الإيلاء والظهار طلاقا في الجاهلية فجعل القرآن الإيلاء مدة يراجع الزوج نفسه فيها ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٧ البقرة) .
ومدة الإيلاء أربعة أشهر. وجعل القرآن الظهارة كفارة كما بينت سورة المجادلة.
* أول ظهار وقع في الإسلام .
عن هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة. أن وس بن الصامت كان رجلاً به لمم، وكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته، فنزل الله آية الظهار قال الخطابي ومعنى اللمم هنا شدة الإلمام بالنساء، وشدة الحرص عليهن وشدة التوقان إليهن (عون المعبود في شرح سنن) .
سبحان من سمع للمرأة .
قالت عائشة ﵂ "تبارك الذي وسع سمعه كلام خولة بنت ثعلبة، وإني لأسمع بعض كلامها ويغيب عني بعضه.
وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكوا إليك.
стр. 94
وكان النبي ﷺ يقول لها: ما أراك إلا قد حرمتي عليه فنزل جبريل بمطلع سورة المجادلة.
الظهار كذب وزور
هكذا سماه القرآن فلا يباح فعله. ويتعلق الحكم الشرعي إن صدر الظهار من الزوج ولا حكم له إن صدر منها لانها لا تملك الطلاق فلا تملك الظهار. ورأي بعض الحنابلة أن عليها كفارة يمين.
ورجح أستاذي الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه "المفصل" أنه لا يلزمها كفارة.
* تكريم الإسلام للمرأة .
امرأة تجادل النبي ﷺ وهو يسمع لها ولا يضيق بها إن لي أولادا إن ضممتهم إلى جاعوا. وإن ضممتهم إليه ضاعوا.
والرسول يقول لها: لا أراك إلا قد حرمتي عليه. فترفع المرأة شكواها إلى الله، وهو يسمعها ويراها.
أشهد أن هذا القرآن من عند الله .
أشهد ينتهي إليها كل من أعمل فكره الحر وجرد نفسه من هواه فالنبي ﷺ يردد: لا أراك إلا قد حرمتي عليه.
والقرآن ينزل بحل جديد للمشكلة.
في المجلس نفسه ينزل تشريع يختلف تماما عن رأي النبي ﷺ عما كان العربي الجاهلية يعتقده ففي المسألة مغايرة بين الموحى إليه والموحي - سبحانه -
* وماذا عليها لو استجابت ؟
لا أعتب على السيدة خولة فقد لقيت ربها. وما حدث بسببها كان سببا في تشريع يحمل ملامح الرحمة فقد شرع الكفارة بدلاً من وقوع الطلاق.
واختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه.
ولكنني أقول لكل زوجين: إن المعاشرة الزوجية استعداد نفسي من الطرفين لا بُدَّ أن يتهيأ كل طرف لها.
إن أوس دخل على خولة وهي تصلي فأجهده جسدها فامتنعت ليحكم الإنسان نفسه بعض الوقت حتى يتهيأ الطرف الآخر ومع ذلك فالنبي ﷺ يعالج الأمر بواقية الإسلام.
стр. 95
يقول إن الشيطان يقبل في صورة امرأة ويدبر، فمن رأى من ذلك شيئا فليأت زوجته. فإن الذي لها مثل الذي لها "أبو داود"
متى تجب الكفارة ؟
هل تجب بقوله لامرأته: أنت على كظهر أمي أو أختي؟
أو تجب الكفارة في العود عن هذا القول لقوله تعالى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ الرأي الذي عليه أكثر الأئمة أن العود بالعزم على وطئها هو الموجب للكفارة وللإمام إبن حزم رأي غريب وذكي في فهم الآية.
يقول: العود يعني العود في الظهار مرة ثانية بأن يكرر ما قاله مرة ثانية ويقول: ولا يعقل في اللغة غير هذا وهو بهذا التأويل يخالف كل الأئمة. (المحلي جزء ١٠ ص ٥٠)
والذي عليه الأئمة أن الرجوع يعني طلبي وطئها بعد أن ظاهرها.
يقول الإمام القرطبي في تفسير الآية الكريمة "وهذا يدل على أن كفارة الظهار لا تلزم بالقول حتى نضم إليه العود" (أحكام القرآن للقرطبي جـ ٧ صـ ٢٨٠)
ومعنى هذا من قال لامرأته كلمة الظهار ثم احتجب عنها ولم يرغب في معاشرتها لا تلزمه الكفارة حتى تحدث الرغبة في معاشرتها فيكفر "يؤدي الكفارة"
كفارة الظهار
جعلها القرآن عتقا لرقبة من قبل أن يتماسا.
أو صوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا.
أو كفارة إطعام ستين مسكيناً.
فعند القدرة يتعين عتق الرقبة حيث قدمته الآية الكريمة.
وقدمه النبي ﷺ في حديثه مع أوس بن الصامت.
الصوم
стр. 96
وعند عدم القدرة على الغداء تنتقل الكفارة إلى الصوم والصوم في كفارة الظهار شهران متتابعان.
وقد شددت فيه فتاوى الأئمة فحرموا فيه الجماع ليلاً من الزوجة التي ظاهر منها.
وإن جامعها أعاد الصيام.
ولكنهم قالوا: إذا أفطر لمرض أو لأمر شرعي كيوم عيد لا يمنع الإتمام
الإطعام
فمن غلب على ظنه عدم القدرة على الصيام لمرض أو لشدة رغبة في الحياة الزوجية تمنعه من الصبر شهرين فعليه إطعام ستين مسكيناً واحدا ستين يوم فقد تمت الكفارة. لأن الحاجة تجدد كل يوم.
لم يقبل ابن قدامى الحنبلي إطعام مسكين واحد ستين يوماً وقال: إن الله ذكر عدد المساكين ولم يذكر عدد الأيام.
وربما تعسر جمع ستين مسكينا في بعض بلادنا الآن.
أو الحصول على المكان الذي يجتمعون فيه.
وعند أبي حنيفة يجوز أن يجوز أن يأخذ المساكين ثمن الطعام وجبتان لكل يوم. ومذهب الأحناف أيسر.
**********
تّمَّ الكتاب ولله الحمد والمنَّة.