Полный текст (1 440 стр.). Показаны 37–76 · переход к 42.
стр. 37
كالشيخ محمد بن عبد الرحمن بن محمد المعلمي والشيخ محمد بن أحمد بن محمد المعلمي (١).
وممن أدركه ولم يتتلمذ عليه لكن رآه وسمعه شيخُنا عبدالوكيل بن عبد الحق الهاشمي، وقد أعطاني ورقة بخط المعلمي فيها تقريظ لكتاب والده المحدّث عبد الحق الهاشمي "مسند الصحيحين"، وحدَّثني ببعض المواقف التي يذكرها.
وهناك غيري من الباحثين ممن لقي تلاميذه ومعارفه ونقل عنهم واستفاد منهم، ومن هؤلاء التلاميذ: محمد عثمان الكَنَوي، وعبد الله الحكمي، وغيرهما.
٧ - الكتب والمقالات التي ترجمَتْ له
وهي مجموعة من كتب التواريخ والرجال، وهي تتفاوت من حيث الأصالة والدقة وثراء المعلومة، أقدمُها "نشر الثناء الحسن" للوشلي (ت ١٣٥٦) وأفدتُ منه فوائد كثيرة، ومن آخرها "هجر العلم ومعاقله في اليمن" للأكوع (ت ١٤٢٤). ومن المقالات مقال لعبد الله المعلمي نُشر في مجلة الحج سنة ١٣٨٦، ثم نُشر في مقدمة كتاب "التنكيل".
_________
(١) وقد طلبتُ من الشيخ الكريم عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت الشيخ المعلمي) أن يسعى في تحصيل هذه التراجم من هؤلاء الأفاضل، فبادر إلى ذلك مشكورًا، ثم أرسلها إليّ.
стр. 38
المبحث الثاني
اسمه ونسبه ، ومولده ونشأته (١)
* اسمه ونسبه
هو: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن مُحُمَّد (٢) بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن حسن المعلمي العُتْمي اليماني (٣).
والمُعَلِّمِي: بفتح العين وتشديد اللام المكسورة وكسر الميم، آخره ياء، نِسبةً إلى أحد أجداده.
وقد وقع في نسب آل المعلمي خلاف هل يعود نسبهم إلى أبي بكر الصديق وهو من قبيلة تيم مرّة أم إلى قبيلة بجيلة؟ فقد ساق المؤرخ
_________
(١) ذكرتُ في مبحث مصادر ترجمة الشيخ أنه كتب ترجمةً لنفسه، وهذه الترجمة لم تكتمل، ولم يكتب الشيخ منها سوى أربع ورقات، تكلم فيهما عن اسمه ونسبه ونشأته وبداية طلبه للعلم، وكيف ترقى فيه .. وقال في أولها بعد الحمدلة والتصلية: "أما بعد، فهذه ترجمتي أكتبها لرغبة بعض الإخوان إليّ، على أن لا يطلع عليها أحد، وعسى أن تنشر بعد موتي". وما سننقله منها جعلناه بين قوسين صغيرين وصدرناه بـ "قال الشيخ".
(٢) هكذا ضبطها الشيخ بضم الحاء في الأول، وفتحها في الاسم الثاني، وهذا ضبط معروف في بعض مناطق اليمن. وقد ذكر شيخنا إسماعيل الأكوع في "هجر العلم": (٤/ ٢٢٥١) أن اسم الإمام الشوكاني يضبط هكذا بضمّ الميم والحاء، قال: "سمعت ذلك من بعض شيوخي عن شيوخهم المعاصرين له، وهذا الاستعمال شائع في نجد اليمن ... ".
(٣) هذا الاسم بهذا التمام مقيّد بخط الشيخ في عدة مجاميع ومقيدات ووصايا.
стр. 39
إسماعيل الوشلي (ت ١٣٥٦) في كتابه "نشر الثناء الحسن" (١) نسبَ آل المعلمي في ترجمة الشيخ المعلمي، ورَفَع نسبَهم إلى أبي بكر الصديق، فقال في ترجمة الشيخ إكمالًا لسياق نسبه السالف: "بن صالح بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن عبد القادر بن قاسم بن عبد الله بن سليمان بن علي بن الحسين المعلِّم المقبور بـ"عواجة"، وهو أخو البجلي والحكمي بن أحمد بن علي بن المثنى بن عبد الواسع بن صالح بن عبد الحفيظ بن أحمد بن إبراهيم بن علان النقشبندي ... بن خليل بن علان بن عبد الملك بن علي بن المبارك بن أبي بكر المأمون بن محمد بن طاهر بن حسين بن عفيف الدين بن يونس بن يوسف بن إسحاق بن عمران بن أبي العتيق عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁" (٢).
وهذا النسب نقله الوشليّ من خط الشيخ عبد الرحمن المعلمي، فالظاهر أنه كان يرى صحته.
قال الوشلي: "وصورة هذا النسب ساقه صاحب الترجمة (يعني المعلمي) بخطه ناقلاً له عن والده، والنقل متضمن لإجازةٍ لأحد أجداده الأعلين، وصورة ذلك: قد وجدت بخط والدي العلامة قال ما لفظه: وجدت بخط سيدي العلامة الفقيه عبد الله بن أحمد الموقري المسلمي قال: نقلتُ عن خطِّ شيخنا العلامة أحمد بن حسن الموقري من إجازة جعلها لتلميذه الفقيه عبد الله بن يحيى المعلمي قال فيها: قد أجزت الولد
_________
(١) (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) جاء في هامش الكتاب: جاء في هامش الأصل: ينظر في تدريج هذا النسب.
стр. 40
الفقيه العلامة عبد الله بن يحيى بن محمد. ثم ساق النسب إلى الصديق ﵁.
ومحمد هذا هو ابن حسن بن صالح بن عبد الرحمن، وإليه ينتهي نسب صاحب الترجمة".
قلت: وهذا النسب إلى أبي بكر الصديق كان مشهورًا شائعًا لدى أسرة آل المعلمي سواء ممن كانوا في قرية الطُّفَن أو ممن انتقلوا إلى صنعاء (١)، ومن شواهد ذلك ما جاء في رسالة من الشيخ محمد بن عبد الرحيم المعلمي إلى الشيخ مؤرّخة سنة ١٣٦٠ فقد صدّرها بقول الشاعر (٢):
فتًى من بني تَيْم بن مُرّة أصله ... عليه من الصديق نورٌ ورونق
والبيت واضح في النسبة إلى قبيلة تيم، وإلى أبي بكر الصديق ﵁.
قلت: لكن الشيخ المعلمي رجع عن هذا الرأي ورجَّح أن نسب آل المعلمي يرجع إلى قبيلة بجيلة، وقد صرّح بهذا فيما علّقه على كتاب "الأنساب" للسمعاني، عند حرف الباء مع الجيم (٣). قال ﵀: "بجيلة عك: بطنٌ من بني عبس بن سمارة بن غالب بن عبد الله بن عك، منهم كما في "طرفة الأصحاب" (ص ٦٥): محمد بن حسين البجلي الصالح، وهو مشهور جدًّا في اليمن، يقال للمنتسبين إليه "بنو البجلي". وله أخ اسمه
_________
(١) ذكره الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي في أوراق لدي بخطّه.
(٢) "الرسائل المتبادلة" (ص ٣٥٨).
(٣) (٢/ ٨٧) حاشية (٧).
стр. 41
"علي" وكان أبوهما "حسين" يعرف بـ"المعلم"؛ لكثرة تعليمه الناس، وإلى علي بن حسين هذا ينتسب جدُّنا محمد بن الحسن المعلمي، الذي ينتسب إليه عشيرتنا بنو المعلمي". انتهى.
والعُتْمِي: نسبة إلى "عُتْمة" بضم العين وسكون المثناة من فوق ثم ميم مفتوحة، وهو حصن في جبل وُصاب من أعمال زبيد (١).
* ولادته
أما وقت ولادته ومكانها فقد قال الشيخ في ترجمته: "وُلدت في أواخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف، بقرية المحاقرة من عُزلةِ الطُّفَن (٢) من مخلاف رازح من ناحية عُتْمة من قضاء آنِس (٣) التابع لولاية صنعاء في اليمن".
وعليه فما هو مذكور في بعض الكتب والدراسات الحديثة من أنه ولد سنة ١٣١٣ ليس بصحيح، أو أنه تصحيف.
* نشأته
نشأ الشيخ نشأة صالحة في بيت صلاح وعلم، وبيئة صالحة، وقد
_________
(١) انظر "معجم البلدان": (٤/ ٨٢)، و"معجم بلدان اليمن وقبائلها": (٣/ ٥٧٦)، و"معجم البلدان والقبائل اليمنية": (٢/ ١٠١٤).
(٢) بضمّ الطاء ثم فاء مفتوحة، وكتبها الشيخ في موضع بالثاء "الطُّثَن"، وهي لغة فيها والمشهور بالفاء.
(٣) بمدّ الهمزة وكسر النون، وهي منطقة واسعة في الشمال الغربي من مدينة ذمار. "معجم البلدان والقبائل اليمنية": (١/ ٩).
стр. 42
نصَّ الشيخ على هذه النشأة وهذه البيئة فقال: "ربّيتُ في كفالة والديَّ، وكانا من خيار تلك البيئة، وهي بيئة يغلب عليها التديُّن والصلاح".
ثم ذكر طريقة طلبه للعلم، وكيف تدرّج فيه، وما هي العلوم التي درسها فقال:
"قرأت القرآن على رجل من عشيرتنا، وعلى والدي. وكانت طريقة القراءة: تحفيظ القرآن في اللوح حفظًا موقتًا، أي أن يحفظ الدرس في اليوم الأول ثم يعيد حفظه في اليوم الثاني، ثم لا يُسأل عنه بعد ذلك؛ إلا الالتزام بتلاوة القرآن في المصحف كل يوم صباحًا ومساءً لكل أحد، حتى بعد الكبر. وعلى كل حال، فإن قراءتي كانت متقنة من جهة القراءة والكتابة.
وقبل أن أختم القرآن ذهبتُ مع أبي إلى بيت الرَّيمي حيث كان أبي يمكث هناك يعلِّم أولادهم ويصلِّي بهم.
ثم سافرت إلى الحِجَرية (١) حيث كان أخي الأكبر محمد بن يحيى ﵀ كاتبًا في المحكمة الشرعية. وهناك شَرِكتُ في مكتب للحكومة كان يعلَّم فيه القرآن والتجويد والحساب واللغة التركية.
فمكثت هناك مدة ومرضت في أثنائها مرضًا شديدًا. طال مرضي فحوّلني أخي إلى بيت أرملةٍ من الجيران تُمَرِّضني. وكان لي في مرضي إسهال مستمر، فجاء أخي مرَّة بطبيب فوصف دواءً زعم أنه يصفِّي بطني، فجيء بالدواء في كأس فامتنعَتْ ممرِّضتي أن تسقينيه وأهرقتْه؛ قالت: بطنه يتصفّى كل يوم، فالدواء الذي يصفِّي عسى أن
_________
(١) بكسر الحاء وفتح الجيم، بلدة في مقبنة، تقع غربيّ تعز، تبعد عنها ٥٠ كيلو مترًا. انظر "معجم المدن والقبائل اليمنية": (١/ ٤٢٢) للمقحفي.
стр. 43
يقتله، ثم دعتْ لي رجلًا كان يوصف بالصلاح فجاء بسفوف، فصارت تعطيني من ذاك السفوف، ورزقني الله العافية".
تعتبر هذه المرحلةُ إلى هذا الحدّ المرحلةَ الأولى في التعلّم التي لم تتعد القراءة والكتابة وتعلّم القرآن ومبادئ الحساب، والظاهر أن الشيخ لم يكن في هذه المرحلة قد جاوز الخامسة عشرة من عمره لدلائل عديدة.
ثم بدأت المرحلة الثانية من طلبه للعلم من حين قدوم والده إلى الحجرية وتوجيهه لدراسة النحو، وهذا واضح من كلام الشيخ ﵀، قال:
"ثم جاء والدي ﵀ لزيارتنا ومكث هناك مدَّة. سألني عمّا أقرأ في المكتب فأخبرته. ثم قال لي: فالنحو؟ فأخبرته أنه لا يُدرَّس في المكتب، فقال: ادرسه على أخيك. ثم كلَّم أخي أن يقرِّر لي درسًا في النحو، فكان يُقرئني في "الآجرُّومية" مع "شرح الكفراوي". استمرَّ ذلك نحو أسبوعين ثم سافرتُ مع والدي. ولا أدري ما الذي استفدته تلك الأيام من النحو، غير أن رغبتي اتَّجهت إليه، فاشتريتُ في الطريق بعض كتب النحو.
ولما وردْتُ (بيتَ الرَّيمي) وجدت أحمد بن مصلح الريمي ﵀ قد عاد من شُهارة (١) [معقل] (٢) الإمام يحيى حميد الدين، وقد كان تعاطى هناك طلب النحو، وكانت معه كرَّاسة فيها قواعد وشواهد وإعرابات. فاصطَحَبْنا وكنّا عامة أوقاتنا نتذاكر، ونحاول إعراب آيات أو
_________
(١) بضم الشين كما في "تاج العروس": (٧/ ٦٨) وتنطقها العامة بفتح الشين وكسرها، وهو حصن عظيم باليمن في محافظة صعدة. اتخذه كثير من أئمة الزيدية معقلًا لهم لتحصينه، انظر "معجم بلدان اليمن": (١/ ٨٨٠ - ٨٨٢)، و"هجر العلم": (٢/ ١٠٥٧ - ١٠٦٠).
(٢) كلمة لم تتبين ولعلها ما أثبت.
стр. 44
أبيات، وكنا نستعين بتفسيرَي "الخازن" و"النسفي".
وأخذَتْ معرفتي تتقوَّى، حتى طالعتُ "مغني ابن هشام" نحو سنة، وحاولت تلخيص قواعده المهمَّة في دفتر. وحصَلَتْ لي بحمد الله تعالى مَلَكَة لا بأس بها، في حال أن زميلي لم يحصل على كبير شيء، وكان مني بمنزلة الآلة".
وتُعدُّ هذه المرحلة من أهم مراحل نشأة الشيخ وتكوينه العلمي، وقد بدت في أمرين، الأول: اهتمامه بعلم النحو دراسة وتطبيقًا وقراءة، ومن الواضح أنه أقبل على هذا العلم بكلّيته، واتّجه إليه برغبة وإقبال.
الثاني: الاستعداد الذهني والذكاء فإنه قد استوعب النحو وفهمه في مدة وجيزة، بحيث لم تطل دراسته عند أخيه، فلم تتعدّ الأسبوعين، ثم اتجه بنفسه إلى القراءة والبحث فيه، بدليل ما يأتي من كلام شيخه أحمد بن محمد المعلمي.
ثم انتقل الشيخ بعد هذه المرحلة التأسيسية إلى مرحلة جديدة من العلم، وهي الانتقال إلى قراءة علم الفقه والفرائض، وقد وفّق حين درس على الشيخ أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي، وقد وصفه الشيخ بالتبحّر في العلم كما سيأتي.
قال الشيخ:
"ثم ذهبتُ إلى بلدنا الطُّفن، ورأى والدي أن أبقى هناك مدَّةً لأقرأ على الفقيه العلامة الجليل أحمد بن محمد بن سليمان المعلِّمي (١)، وكان
_________
(١) من العلماء المحققين (ت ١٣٤٠). انظر "هجر العلم": (٣/ ١٢٦٥).
стр. 45
متبحِّرًا في العلم، مكث بزبيد مدة طويلة، ثم عاد بعلمه إلى جهتنا، ولم يستفيدوا من علمه إلا قليلًا.
فأخذتُ من كتب والدي كتابَ "منهاج النووي" مخطوطًا وذهبتُ إلى الشيخ، وكان يختلف إليه جماعة من أبناء عشيرتنا يقرؤون عليه، فبعد أن سلَّمت عليه وأخبرته خبري قال: في أي كتاب تريد أن تقرأ؟ قلتُ: في "منهاج النووي" فوَجَم. ثم لمَّا جاء دوري أمرني أن أقرأ، فشرعت أقرأ خطبة "المنهاج" وهو يستمع لي. فبعد أن قرأت أسطرًا تناول مني الكتاب ونظر فيه، ثم قال لي: هل صحّحت هذا الدرس على أحد؟ قلت: لا. قال: فهل قرأتَ في النحو؟ قلتُ: قليلًا. قال: "لا، ليس بقليل"، وكرَّرها.
ثم قال: أخبرْتَني أولًا أنك تريد القراءة في "المنهاج" فلم يُعجبني ذلك، لأني أرى أنّ على طالب العلم الذي يريد أن يقرأ في "المنهاج" أن يبدأ قبل ذلك بدراسة النحو حتى يتمكّن من الفهم، لكن كرهت أن أكسر خاطرك، فرأيتُ أن آذن لك في القراءة، وطبعًا تخطئ في الإعراب فأردّ عليك فيكثُر ذلك فتنتبه بنفسك إلى احتياجك إلى دراسة النحو أولًا، ولكن لمَّا قرأتَ لم تخطئ، فظننتُ أن الكتاب مضبوط بالحركات، فلمّا رأيته غيرَ مضبوط قلتُ: لعلك قد صححت ذاك الدرس على بعض العلماء، فلما نفيتَ ذلك علمتُ أنك قد درست النحو. فأخبرته بالواقع، وأني في الحقيقة لم أدرسه دراسة مرتّبةً. فقال: على كل حال معرفتك بالنحو جيدة، فاقرأْ في "المنهاج" وتحضر عندما يتيسَّر لك مع هؤلاء في درسهم في النحو.
ثم درستُ عليه شيئًا في الفرائض فتيسَّرت لي جدًّا لمعرفتي السابقة بمبادئ الحساب".
стр. 46
وقد انتفع المعلمي بشيخه أحمد بن محمد المعلمي، وكان بينهما مراسلات عديدة، وصفه شيخُه في تلك الرسائل (١) بأوصاف تدلّ على نبوغه المبكر وألمعيته السريعة، وقد أجازه إجازةً عامة في الحديث وغيره من كتب العلم سنة ١٣٣٥ وعمره ثلاثة وعشرون عامًا، وأشار إلى إجازته هذه الوشلي في "نشر الثناء الحسن" (٢) مما يدلّ على اعتداد الشيخ بها.
ولتمام الفائدة نسوق هنا نصَّ إجازته من شيخه أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل الرواية من الدين؛ لكونها سببًا موصلًا إلى سيد المرسلين بل إلى رب العالمين. وبذلك أيضًا حصلت الصيانة له عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين، حتى قيل: إن كل فائدة لم تُسند إلى صاحبها فهي لقيطة كالطفل المنبوذ الذي لا يُعرف أبوه في المنتسبين.
والصلاة والسلام على سيدنا وواسطتنا إلى ربنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:
فإن من جملة طرق الإسناد الإجازةَ التي مضى عملها بين الزهاد، ومضى العمل بها قديمًا وحديثًا، وسعوا في طلبها سعيًا حثيثًا.
وقد التمسها من الحقير مَن هو أحقّ بها وأهلُها لحسن ظنِّه بأنه يحسنها ومن رجالها. والحقيقة بأنه كالسُّلَّم لسبب الرقيّ إلى ذروتها. فالآمر المقرّر على الارتقاء إلى السطح آمرٌ بالسُّلَّم، ليس فيه فضيلة سوى الصعود عليه، فهو كالواو من "عَمْرٍو" المنسوب إليه.
_________
(١) كما سيأتي في مبحث الثناء عليه.
(٢) (٣/ ٢٢١).
стр. 47
ولكون رواية الأعلى عن الدون واردةً في صحيح الأخبار كما أخبر ﷺ بحديث الجسّاسة (١) عن تميم الداري= أجاب الطالبَ إلى مطلوبه وساعده على مرغوبه، لرجاء دعوةٍ صالحة تدركه لحياته وموته، أو تدرك عَقِبه وذريته. فأقول متلفظًا وكاتبًا:
أجزتُك أيها العالم الكريم، والنحرير الذي هو بهذا الوقت في النظير له عديم، إجازةً عامَّةً بكل ما يجوز روايته وتنفع درايته من منقول ومعقول، وبكل ما يقرّب إلى رب البرية، بشَرْطه المعتبر المقرر عند أهل الأثر.
وأجزتُ له أن يروي الأوراد القرآنية والنبوية، والأدعية والأحزاب الصوفية، وأن يبيِّن طريق الإسناد بيانًا يزيل الظنون الرَّديَّة.
وتلك الإجازة لمن ذكرنا هو الفقيه الوجيه: عبد الرحمن بن العلامة يحيى بن علي المعلمي، كما أجازني كذلك السيد الجليل والعلامة الحفيل محمد بن محمد بن حسن الأهدل، والشيخ النحرير جمال الإسلام علي بن أحمد المِزجاجي، والشيخ الولي عباس بن داود السالمي الزبيدي، والسيد المحقق الصدّيق ابن إبراهيم البطاح الأهدل، بطرقِ أخذهم عن الشيخ داود بن العباس السلامي الزبيدي، ما خلا الشيخ علي بن أحمد المزجاجي فهو شيخ المذكورين. كما أخذ ذلك هو والشيخ داود عن السيد الجليل محمد بن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل.
وأوصي المجاز بما وصَّانا به مشايخنا من ترك ما لا يعني، وبما وصى الله به خلقه الأولين والآخرين بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا
_________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٤٢).
стр. 48
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وأن لا ينساني من الدعاء ولا ينسى مشايخي وأولادي إن ذَكَر وتسهَّل له.
نسأل الله أن يحقق في الخير أمله والله ولي التوفيق.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله كلما ذكره الذاكرون وغَفَل عن ذكره الغافلون.
قاله بفمه وكتبه بقلمه أحمد بن محمد بن سليمان ين يحيى بن محمد أحمد بن محمد بن الحسن بن صالح المعلمي عفا الله عنهم آمين.
والتحرير يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان أحد شهور سنة ١٣٣٥ خمس وثلاثين وثلاثمائة بعد الألف قمرية هجرية.
قال الشيخ:
"ولم تطُل قراءتي على شيخنا المذكور، بل رجعت إلى "بيت الرَّيمي" وانكببت على كتاب "الفوائد الشنشورية" في الفرائض أحلُّ مسائله، وأَفرِض مسائل أخرى وأحاول حلَّها ثم امتحانها وتطبيقها.
وكانت في كتب والدي كتاب "مقامات الحريري" وبعض كتب الأدب فأُولعتُ بها، ثم حاولت قرض الشعر.
ثم جاء أخي من مقرِّه بالحجرية وأُعجب بما شدوته من النحو والفرائض، ثم رجع إلى الحِجَرية وتركني. ثم كتب يستقدمني، فقدمت عليه وبقيت هناك مدّةً لا أستفيد فيها إلا حضوري معه بعض مجالس نتذاكر فيها الفقه".
وقد وجدت في أحد مجاميع الشيخ (١) أبياتًا له قيّدها في أثناء مقامه
_________
(١) رقم [٤١٠٤].
стр. 49
بالحِجَرية لمناسبة عرضت، قال: "للحقير وأنا في قضاء الحِجَرية لمَّا بنى مفتي القضاء أمين وقف الشيخ عمر الطيار دارَه في مركز القضاء المذكور، فلما أتمَّ طبقتها الثانية أوكر على عادة الناس اليوم في الولائم من الذبح وتفريق اللحم، ثم اجتماع الناس للسمر في بيت المولم. فحضرنا فحصل ازدحام مفرط، فارتجلتُ ولم أفُهْ بها، قلتُ:
بنى المفتي أمين الوقف دارًا ... تفوق متانة القصر المشيد
وأوكر داعيًا للناس ليلًا ... إليها ذي القرابة والبعيد
وكنا في الذين دُعُوا فجِئْنا ... وأظْفرنا محلًّا للقعود
تزاحمْنا كما رُصِفت ورُصَّت ... نُزحزح كالوحوش لدى الورود
فلو من تحتنا الأخشاب زالت ... ثبتنا في الهواء بلا عمود
عسى الرحمن يمنحنا اكتفاءً ... بها الإعفاء عن ضمِّ اللحود
وقلت أيضًا وقد قيل لي: إن أمين الوقف أراد فتح بابٍ لرحبة المسجد المحيط بها السور، وليس له حاجة، وكان يُظَن في الأمين عدم الأمانة:
قالوا نوى الوقفيّ فتح باب ... كقاصدٍ إفساد قول حاب
فقلت تضييعٌ بغير نفعٍ ... لكن رضينا بالخروج بدون باب"
قال الشيخ:
"ثم رجعت إلى عُتمة، وكان القضاء وقتها قد صار إلى الزيدية، وعُيِّن الشيخ علي بن مصلح الريمي كاتبًا للقاضي. فلزمت القاضي، وكان هو السيد علي بن يحيى المتوكِّل (١) رجلًا عالمًا فاضلًا معمَّرًا. آسَفُ
_________
(١) انظر "هجر العلم": (٣/ ١٢٥٦).
стр. 50
لتقصيري، إذ لم أقرأ عليه شيئًا ولا طلبتُ منه إجازةً. ثم عُزل، ووَلِي القضاء بعده السيد محمد بن علي الذاري (١)، وكتبتُ عنده مدّةً، وكان رجلًا شهمًا كريمًا على قلّة علمه".
وقد وجدنا ما يحدّد لنا الوقت الذي عمل فيه الشيخ كاتبًا عند الذاري، فقد كان ذلك في سنة ١٣٣٥ وعمره ثلاثة وعشرون عامًا، فقد صرَّح بذلك في كتاب "تحقيق الكلام في المسائل الثلاث" (٢) قال: " ومن ذلك أني كنت سنة ٣٥ (٣) ببلدتي "عُتمة" بمركزها المعروف بـ"الربوع"، وأنا إذ ذاك أكتب لحاكمها السيّد محمد بن علي الذّاري، وكان قد أرسل رسولًا إلى الإمام يحيى بن محمد، فأبطأ الرسول. وبينا أنا يومًا جالس أمام القلعة خَطَر لي أن ذلك الرسول الذي ينتظره سيمرّ حينئذٍ من تحت القلعة، فصوّبت نظري إلى تحت القلعة؛ وإذا بذلك الرجل مارًّا من ذلك المكان".
فهذه هي المراحل التي مرّ بها الشيخ في نشأته باليمن وتلقيه أنواع العلوم من تعلّم القراءة والكتابة، والقرآن والتجويد، وعلم الحساب، ثم النحو والاهتمام به وحذقه إياه في أقرب مدة وبراعته فيه، ثم الفقه الشافعي، والفرائض وإتقانه لها وحلّه لمسائلها، ثم ولعه بكتب الأدب وقرضه للشعر.
وقد كشفت لنا دفاتر الشيخ ومجاميعه مدى عنايته باللغة والأدب
_________
(١) له مشاركة في العلم، تولّى للإمام يحيى حميد الدين على عدة بلدان منها عُتمة، وعزله الإمام لما كثرت الشكوى ضده، (ت ١٣٤٤). انظر "نزهة النظر" (ص ٥٦٩)، و"هجر العلم": (٢/ ٦٦١).
(٢) (ص ٣٦١).
(٣) أي سنة ١٣٣٥.
стр. 51
والشعر، ففي المجموع [٤١٠٤] فوائد شتى وتقييدات كثيرة نحوية وصرفية وأدبية، وقصائد برمتها منها المعلقات السبع ولامية الشنفرى وقصيدة لأحيحة بن الجُلاح، ومرثية لأخت المنذر بن عبد شمس وغيرها كثير، قيّدها بخطه الدقيق المتقن.
ولا أجزم أن كل ما في هذا المجموع مكتوب إبان إقامته في اليمن، بل من الواضح أن بعضه مكتوب في اليمن وبعضه الآخر حين إقامته لدى الإدريسي، ومع ذلك فليس الفاصل الزمني بينهما كبيرًا بل يمكن أن يعدّا في فترة زمنية واحدة؛ لأنه ارتحل إلى الإدريسي وعمره خمسة وعشرون عامًا وبقي عنده خمس سنوات فقط.
فالمحقَّق أن فنون العربية بأنواعها كانت محلّ اهتمام الشيخ وعنايته، وقد برع فيها وأصبح ذا مَلَكة قوية وهو لم يزل بعدُ في سن مبكرة، مع تفننه في العلوم الأخرى كالفقه والفرائض والحساب وغيرها.
стр. 52
المبحث الثالث
تنقلات الشيخ ورحلاته
للشيخ ثلاث رحلات رئيسة، الأولى رحلته إلى الإدريسي، والثانية إلى الهند، والثالثة رحلته إلى مكة المكرمة واستقراره بها، وقد تخلل ذلك انتقاله إلى عدن وإندونيسيا، وهذا تفصيل خبرها.
١) الرحلة إلى الإدريسي (١) (١٣٣٧ ــ ١٣٤١)
في سنة ١٣٣٥ كان المعلمي يعمل كاتبًا للسيد محمد بن علي الذاري، وكان الذاري عاملًا وقاضيًا على عتمة من قبل الإمام يحيى حميد الدين، وقد وُصف بالعسف والجور في أحكامه بحيث كثرت شكوى الناس منه، فعزله الإمام يحيى (٢)، وقد أثنى الم ... علمي على الذاري بالشهامة والكرم إلا أنه وصفه بقلّة العلم. وكان القضاء قبل ولاية الذاري في عُتمة وغيرها
_________
(١) هو: محمد بن علي بن محمد ابن السيد أحمد ابن إِدْرِيس: مؤسسة دولة الأدارسة في صبيا وعسير. ولد سنة ١٢٩٣، أصله من فاس. تعلّم في الأزهر بمصر، وطمح إلى السيادة، فنشر في صبيا طريقة جده (أحمد بن إدريس) فاتبعه كثيرون، فوثب بهم على حكومتها (سنة ١٣٢٧)، فجهزت حكومة الترك الجيوش لقتاله، فلم تفلح. وامتلك بلاد (عسير) واتسع نطاق سلطانه. واستولى بعد الحرب على الحديدة، وتعاقد مع الملك عبد العزيز آل سعود على تأمين مصالح الجانبين. وكان بين عدوّين قويين: الإمام يحيى في اليمن، والشريف حسين بن علي في الحجاز، واستمر في عزّ ومنعة إلى أن توفي سنة ١٣٤١. وكان مدبرًا حكيمًا شجاعًا جوادًا. ملخصة من "الأعلام": (٦/ ٣٠٣ - ٣٠٤) للزركلي.
(٢) انظر "هجر العلم": (٢/ ٦٦١). وانظر ما سبق (ص ٥٣) حاشية (١).
стр. 53
[موكلًا] [*] إلى السنة على مذهب الشافعية، وكان القاضي هو علي بن يحيى المتوكل، وقد أثنى عليه المعلمي بالعلم والفضل، ثم آل القضاء إلى الزيدية بعد اتفاقية دعّان بين العثمانيين والإمام يحيى حميد الدين، والذي أوكل بموجبه تعيين قضاة الأقاليم إلى الإمام يحيى (١).
والذي يظهر أن المعلمي ﵀ كان من المعارضين لحكم أئمة الزيدية، وظهرت له باعتباره كاتبًا لحاكمها أمارات الظلم والعسف والخروج عن السنة فاستحكمت هذه المعارضة، ولذلك بدأ يُنشئ القصائد في التشكِّي منهم، ففي قصيدة أنشأها سنة ١٣٣٥ وصدّرها بقوله: "قبل توجهي إلى الإدريسي"، وموضوعها شكوى إلى السيد محمد بن علي بن أحمد الإدريسي لرفع الظلم عن البلاد اليمانية التي تحت حكم الأئمة الزيدية. ومطلعها:
ظفرت بقلب الصبّ فاكفف عن الصدّ ... وكن عادلًا في الحكم يا عادل العدّ
ويقول فيها:
أتَى اليمنَ الميمونَ مجتهدًا لكي ... يُطهِّره من عُصبة الرفض بالعمد
همُ أخذوا الأحرارَ مِنّا رهائنًا ... وهمْ أخذوا الأموالَ قهرًا بلا عقد
همُ ظلمونا واستباحوا محارمًا ... وأصبح مِنّا الليث يخضع للقرد
فهم عاملونا بالقساوة غِلْظةً ... وهم كفَّرونا إذ وقفنا على الرشد
وقالوا لنا إنّا كفرنا بقولنا ... لهم: إنما الأعمار من قَدَرِ الفرد (٢)
_________
(١) "هجر العلم": (٢/ ٦٦١).
(٢) "ديوان المعلمي" (ق ٨) وعدد أبيات القصيدة ٤٨ بيتًا.
[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس بالمطبوع، وهو ثابت في الأصل الوارد من «عطاءات العلم» جزاهم الله خيرا.
стр. 54
وفي هذا دلالة واضحة أن هناك علاقةً بين المعلمي والإدريسي قبل أن يتوجّه إليه مطلع عام ١٣٣٧. ويؤكد هذه العلاقة القديمة كتابٌ من الإدريسي إلى الشيخ المعلمي بتاريخ ٦ محرم سنة ١٣٣٦ أي قبل توجه المعلمي إليه بعام يذكر فيه أن المعلمي أرسل له كتابًا وأنه وصل بمعيّة أخيه (لعله محمد)، ثم ذكر أنه أرسل لوالده وأخيه ستين ريالًا، مع الاعتذار له بسبب جدب البلاد.
والذي يظهر أن الإدريسي كان يرغّب الشيخ في القدوم عليه، فها هو يقول في آخر رسالته السالفة: "ونسأل الله أن يمنَّ بالاتفاق عاجلًا على أحسن وفاق" (١).
ولم يمض شهران على رسالة الإدريسي هذه حتى قوي عزم الشيخ المعلمي على الارتحال عن بلدته إلى الحضرة الإدريسية. ولعل الذي قوّى عزمه على الرحلة رؤيا منامية حكاها للمؤرخ إسماعيل الوشلي (٢)، فإنه حين التقاه في بلدة المنيرة سنة ١٣٣٦ في أثناء توجهه إلى زيارة المسجد النبوي ذكر له أن السبب الباعث له على التوجه للزيارة رؤيا منامية رآها. فقال: "لما كان ليلة الاثنين لعله عاشر شهر ربيع الأول من سنة ١٣٣٦ رأيته ﷺ رؤيا منامية، كأنه في مسجد لا أعرفه، وحوله جماعة كثيرة، فدخلت المسجد فقبّلت يده الشريفة، وقلت له: يا رسول الله إني أحبك، فالتفت إلى رجل واقف عن يمينه، وقع في ذهني أنه الصدّيق ﵁، فقال له: أنشد البيتين، فقال:
_________
(١) "الرسائل المتبادلة" (ص ٢٥٥).
(٢) "نشر الثناء الحسن": (٣/ ٢٢٠).
стр. 55
زُر مَن تحبّ وإن شطّت بك الدارُ ... وحال من دونه حُجْبٌ وأستارُ
لا يمنعنّك بُعدٌ من زيارته ... إن المحب لمن يهواه زوّارُ
فالتفت ﷺ إليَّ فقال: هل سمعت؟ ثم انتبهت، فتقوّت النية ... " اهـ.
ودلالة هذا الخروج المبكّر من البلاد قبل الحج بنحو تسعة أشهر واضحة في أن المؤلف حزم أمره على المغادرة النهائية لبلدته والتوجه للسياحة في البلاد وطلب العلم، وربما لم يكن الشيخ قد اتخذ قرارًا حازمًا للاستقرار لدى الإدريسي بدليل أنه لم يمرّ به ولم ينزل عنده في أثناء سفره إلى الزيارة ثم الحج، وإلا كان بإمكانه ــ وفي الوقت متسع ــ أن ينزل عنده ثم يتوجه إلى الحج، لكنه فيما يظهر ذهب إلى المدينة المنورة للزيارة تحقيقًا لتلك الرؤيا التي سلفت، ثم توجّه بعدها إلى الحج. وقد وجدت له في "ديوانه" (١) أبياتًا يتشوّق فيها إلى الحج كتبها سنة ١٣٣٦ يقول فيها:
متى يبلغ المشتاق مَقْصِده الأسنى ... متى تُنجز الأيام آمالَه الحسنى
متى يشهد النور الجمالي ساطعًا ... حواليه في هاتيكم الروضة الغنّا
متى يتراأى نورَ مكة يقظةً ... وقد حقق الرحمنُ آماله مَنّا
متى نبهَرُ البيتَ الرفيعَ عمادُه ... فنغتنم القربى ونستلم الركنا
ولابد أن نبتاع كتبًا شريفةً ... تكون لنا من جهلنا دائمًا حِصْنا
فيا طالما اشتقنا إلى نيلها ولم ... نَزَل نتمنّى نيلها مُذْ تحقَّقْنا
ومما يؤكد أن وجهته لم تكن محددة حين خروجه من بلدته تعليقٌ وجدناه بخط الشيخ جاء فيه: "إنه لما كان ليلة الخميس ٨ شهر ربيع الأول
_________
(١) (ق ٧٤).
стр. 56
سنة ٣٣٧ (يعني وألف) ظهرت للحقير أمارات بلوغ خبري إلى الوالد الزاهد العابد حفظه الله ورضّاه عني ودعّاه بتوفيقي، وفقني الله لطاعته وبره وعصمني عن عقوقه مدةَ عمره آمين" (١).
وقد يقدح في هذا ما ذكره القاضي العمودي في كتابه: "تحفة القارئ والسامع في اختصار تاريخ اللامع" (٢) أن الإمام الإدريسي أوْفَد الشيخ المعلمي إلى الشريف حسين بمكة سنة ١٣٣٦ وأنه اجتمع به وقال قصيدة يمدحه بها ويكفّر فيها الأتراك.
فتكون رحلة المعلمي إلى الزيارة فالحج لها غرض آخر غير طلب العلم والسياحة، ويكون فيها تكليف من الإدريسي. أقول هذا وعندي بعض التردد في كون هذه الواقعة حصلت في هذا العام ١٣٣٦، فإني أخشى من تداخل بعض أخبار هذا التاريخ إما لتداخل أوراقه أو لخلل في الإلحاقات الكثيرة في حواشيه، وعلى كل حال فالأمر سهل أيضًا.
وتسلسل الأمور يدل أن الشيخ ذهب للزيارة والحج ولقاء الشريف حسين (إن صحّ ما وقع في تاريخ العمودي)، ثم توجّه في أول سنة ١٣٣٧ إلى الإدريسي. والإدريسيُّ وإن كان حاكمًا فهو أيضًا معدود في العلماء، وكان الشيخ المعلمي يعظمه ويجلّه ويخلع عليه لقب "الإمام المجتهد"، فنزوله عليه للتلقي والطلب من أغراض رحلة الشيخ، فاستقرّ به المقام لدى الحضرة الإدريسية، ولم يكن سفره ولا استقراره لديه لأجل وظيفة أو جاه أو منصب.
_________
(١) مجموع رقم [٤١٠٤].
(٢) (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
стр. 57
وقد وجدت ما يدل على تاريخ قدومه إلى الإدريسي، ففي أحد مجاميع الشيخ (١) ما نصه: "يقول العبد الحقير المقر بالتقصير .... عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي ... : إنه لما كان أواخر صفر الطف أحد شهور عام ٣٣٧ (بعد الألف) تشرفت بالمثول بين يدي مولانا إمام العصر ... محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إدريس الحسني أيَّده الله ... ".
والذي أستنتجه من النظر في سياسة الإدريسي أنه كان يستقطب العلماء والكفاءات لغرض تثبيت إمارته وحشد الولاءات لها (٢)، وكان الشيخ المعلمي من أولئك النفر الذين حَرَص الإدريسي على قدومهم عليه ووقوفهم بجانبه في إمارته الجديدة خاصة من علماء اليمن الذين يحتاج إلى خبرتهم وكسب ولاء مَن وراءهم ليكونوا عونًا له في حربه ضد الإمام يحيى حميد الدين.
لكنّ هذا التوجّه إلى العلم بدأت تُزاحمه بعض الأعمال التي أسندها إليه الإدريسي من القضاء ومراقبة القضاة والمكاتبات إلى المسؤولين خارج الدولة وداخلها. وفي ورقات بخط الشيخ (٣) شرح فيها الأمر من قدومه إلى
_________
(١) مجموع [٤٧٠٧] ق ٦٦.
(٢) انظر "تاريخ المخلاف السليماني": (٢/ ٨٤٢ - ٨٤٣) فقد ذكر أن الوفود من الزعماء والعلماء والوجهاء ربما بلغ متوسط عددهم في اليوم الواحد مائتي شخص. وذكر الوشلي في "نشر الثناء الحسن": (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦) جملة من العلماء الذين وفدوا على الإدريسي، وأنه تكفّل بكفايتهم في كل ما يحتاجونه من الأمور الدنيوية لهم ولعائلاتهم.
(٣) في المجموع رقم [٤٧٠٧] في أربع ورقات. وقد بدأ المؤلف هذه الوثيقة بالحمدلة، ثم قال: "أولًا: أريد أن تعلموا جميعًا أن غاية ما أقصده هو خدمة الدين، وخدمة هذه الدعوة الشريفة" ثم ذكر ثانيًا. وهو ما ذكرنا نصَّه.
стр. 58
الإدريسي حتى وفاته ــ وهي وثيقة مهمة تغني عن التحليل والتخمين ــ قال الشيخ:
"أوضِّح لكم صورة استخدام سيدنا ــ المقدَّس سرّه ــ لي، فأولًا عقب وصولي كان مُنزِلًا لي منزلة العلماء للمذاكرة في حضرته الشريفة وتدريس الطلبة، ومكثتُ على ذلك مدةً كان في أثنائها ربما استعان بي في كتابة بعض المهمات؛ كجواب على عالم أو تعزية في رئيس أو نحو ذلك، وربما أحال إليَّ بعض المسائل القضائية المشكلة".
وفي رسالة من المعلمي إلى القاضي عبد الله العمودي جاء فيها: "وأخوكم مشغول بالقراءة أولًا على سيدنا في "مسلم" مجلسين صباحًا إلى بعد الظهر، ومساء من بعد العصر إلى دخول المغرب، ومذاكرة نحن والشيخ محمد بن إسماعيل، ومذاكرة مع الطلبة على اختلاف دروسهم، ومسألة القضاء ... مع ما لا يستغني عنه الطالبُ من المطالعة".
فهذا النص يبيّن برنامج الشيخ اليومي ومدى تفرُّغه لطلب العلم ونشره، وهذا البرنامج مضاف إليه "مسألة القضاء" التي كان الشيخ كارهًا لتولّيها فقد دعا بعد ما ذكرها بقوله: "نسأل الله تعالى أن يجعل لنا منها فرجًا ومخرجًا".
ثم قال الشيخ في تلك الوثيقة:
"ولم يزل الحالُ على نحو ذلك، حتى أرسلني إلى "رجال ألمع" (١)، وقد
_________
(١) محافظة "رجال ألمع" تقع في الجهة الغربية من منطقة عسير، على مسافة ٤٥ كيلو مترًا من مدينة أبها. وقد أشار إلى هذا الإرسال إلى عسير القاضي العمودي في مختصر تاريخه "إتحاف القارئ" (٢/ ٣٩٨) قال: "من أجل الخلاف الذي صدر من عسير على أصحاب الملك ابن سعود".
стр. 59
حضر سيدي سيف الإسلام ــ حفظه الله ــ كيف كان خطاب سيدنا ــ قُدِّس سرّه ــ لي في التوجُّه، فإنه كان ألطف خطابٍ على جهة العرض فقط.
ثم بعد عودتي من "رجال ألمع" ودَخَل شهرُ رمضان، ففي رمضان رُفِعت إلى حضرته عدةُ قضايا، منها ما يتعلق بالقضاة، ومنها ما يتعلق بالنهي عن المنكر، ونبَّهتُه على إسراف القضاة في أخذ الرِّشا والنكالات، وقد وجدتُ بعض تلك الكتب في كتب سيدنا التي وضعها لديّ، وقد مُزّق منه شيء وهو موجود الآن لدي وهو بغاية الخسارة (١)، فكان ذلك من أسباب انتباهه للقضاة، ثم حَصَر القضاءَ أن يكون بالباب وعيّن الحقير والقاضي حسن عاكش، فراجعته: أنني لا أستطيع ذلك، فقال: أما الآن فتجشّمْ ذلك، لأننا لا نأمن على أحدٍ غيرك في براءة ذمتنا، وأصحابنا قد ألِفوا، وألِفوا، فأنت تكون بصفة الحارس المراقب، حتى يظهر لنا ثقة أحد منهم، أو يجيء الله برجل آخر، وكن على ثقة أننا لا نرضى عليك بدوام المشقة.
فبقيتُ في المراقبة حتى ترخَّص القاضي حسن، وأبطأ في البيت (٢)، فأمرني سيدنا ــ قُدّس سرّه ــ بلزوم مجلس القضاء حتى يهيئ الله تعالى.
وقد قال لي قبل ذلك: يكون السيد علي (٣) يحضر معكم حتى يتأهل للمركز إن شاء الله، فكان السيد علي يحضر معنا.
وفي أثناء تلك المدة كان يستعين بي في بعض الكتابات المهمة
_________
(١) غير محرَّرة.
(٢) ترخّص: أي استأذن لأخذ إجازة. والبيت يراد به: الوطن أو بلد الشخص.
(٣) هو الابن الأكبر للإدريسي، وقد تولى الإمارة بعد موت أبيه سنة ١٣٤١ وعمره دون العشرين عامًا. انظر "تاريخ المخلاف السليماني": (٢/ ٨٥٠).
стр. 60
الذي (١) يجب كتمانها، إلى أن وقع السفر إلى جهة اليمن لفتح الحديدة، وعند وصولنا "حبل" (٢) كان الشيخ محمد إسماعيل الهِتَاري قد تقدّمت منه أشياء، ويومئذ قدّم لسيدنا كتاب (٣) يعاتبه من خصوص عدم حمله في المُوْتَر (٤)، فعدّد سيدنا الذين كانوا في الموتر، وأنهم جميعهم لا يمكن ترك أحد منهم، وعدَّ الحقيرَ، فقال: وفلان باذلٌ نفسَه للمساعدة، وأما محمد إسماعيل فما يقدر على كتابة كتاب واحد، فقال الشيخ يحيى: حتى إنه يكتب لنا، فخاصمه سيدنا ــ قدّس سرّه ــ في ذلك، وقال: والله ما أستصحبه أنا بصفة كاتب، إنما أستصحبه لمذاكرة علمية، أو مسألة قضائية، أو كتابة سرّية، ولكن إذا وصلنا مكانًا، ودار الأمر بيني وبينه في الكتابة تحمَّلها هو.
ثم خاصمني في تكلّف مساعدة الإخوان بالكتابة، وبيَّن لهم أن منزلتي فوق ذلك، حتى قال: إن علمه أنفع من علم محمد إسماعيل؛ لأنه أخذ العلم بصفاء، وسيف الإسلام والشريف حمود والشيخ يحيى حاضرون حتى رتّب الهِبَة، وكان "كامل" يصدر التحارير، ويجعل العلامات: خُدّام الإدريسي، خُدَّام الإدريسي، والحقير يُمْضي معهم، فأمرَه سيدُنا ــ قدّس سرّه ــ أن يجعل علامة الحقير: "نائب الشرع الشريف" بدل "خدام الإدريسي" مع أن الخدمة هي أشرف شيء.
ثم جعل لنا درسًا لديه في الفقه، فكان بعد تمام الدرس يأمر جميع الحاضرين أن يَصِلوا إلى الحقير لأعيد لهم الدرس وأفهّمهم، ثم
_________
(١) كذا، والصواب: التي.
(٢) لعلها اسم منطقة هناك.
(٣) كذا، والوجه: كتابًا.
(٤) أي: السيارة.
стр. 61
استقام السيد عليّ بالقضاء وأخذتُ أسُلّ نفسي منه.
ولما كان رمضان عام ١٣٤٠? ، وصام في "صَبيا" (١) مع ذلك [الحرّ] الشديد وهو تعبان إلى الغاية، وكان "كامل" والشيخ محمد غائبين، وكذلك الشريف حمود، فكان يحيل علَيَّ الكتب، ثم توجّهنا إلى جيزان، فذكر لي أن الضرورة دعت لتوجُّهي إلى "رجال ألمع"، فتوجّهت فنزلوا "الجبالية" وحصلت الأزمة في العمل، وهو بشدّة التعب بعد حرارة الصيام في صبيا، ولم يحمد سيدنا ــ قدّس سرّه ــ مساعدة "كامل"؛ لأنه كان قد نجم عليه المرض (٢)، وكان يتحسّر ويتندّم على إرسالي.
ثم رجعتُ من "رجال ألمع" وهو مريض، فكانت أقلّ مراجعةٍ أو سؤال أو شغل يشقّ عليه جدًّا، فحينئذٍ تولى الحقير أكثر المخاطبة مع مندوب ابن سعود، ثم توليتُ أكثر المراجعة مع سيدنا ــ قدّس سرّه ــ للتبصُّر والتلطّف في إدخال السرور عليه وعدم المشقة، وأمَرَ حينئذ أن تكون الكتب عمومًا ترِدُ إلى الحقير حتى أقرأها، وأتلطّف في عرض مضمونها عليه، ففزت في خدمته بذلك والحمد لله، حتى أفاق من المرض، فكانت الكتب على عادتها تصِلُ إليَّ وأعرض عليه مضمونها، فكان حينئذ يطلب بعض الكتب لقراءتها نصًّا، وكان الإخوان ربما أحالوا عليَّ بعض الأشغال، فيخاصم في ذلك ويقول: لا يمكنه تحمّل الأمور جميعها، فقط مع مرضي هو يتحمل أشغالي التي لا يقوم [بها]
_________
(١) محافظة صبيا في منطقة جازان إلى الشمال منها وتبعد عن مدينة جازان نحو ٣٧ كيلو مترًا.
(٢) يعني زاد.
стр. 62
أحدٌ غيري، وإذا حمّلتموه ما لا يطيق ما تقوموا يوم (١) إلَّا وقد شَرَد، ولا عيب عليه ولا حجة مني إليه إذا شرد؛ فإني أنا لو حَمَلْتها بدون مساعدٍ شردت وتركتها.
وربما تعرّضت أنا في بعض الأشغال فيخاصمني، ويقول لي: ما لَكَ قدرة على تحمّل الأمور كلها، وهؤلاء إخواننا لو لقوا مَن يتحمل عنهم أشغال بيوتهم رموها على ظهره ورقدوا والحال على ذلك.
وفي أثناء مدة القضاء فما بعدها لا أزال أقدّم له الاستعفاء من ذلك لأتفرغ لخدمة العلم، فيعِدُني أنه سيُحضِر مساعدين في الخدمة، ويسمح لي بذلك، حتى إني عرضت إلى سيدي الحسن (٢) أستشيره، لعله في ربيع سنة ١٣٤١، وكان قصدي حينئذ الشَّرْدَة، فصبَّرني سيدي الحسن وسلّاني.
ثم في "صبيا" قبل موت سيدنا ــ قدّس سرّه ــ بمدة يسيرة رفعتُ له ورقة طلب الإذن إلى مصر أو السودان، للتفرُّغ لطلب العلم، فبقي تلك الأيام يَعِظُنا معشرَ الإخوان موعظةً عمومية، ويحضّنا على الثبات، فقدمتُ له ورقة أني تُبت من ذلك، ولكن على أن يَعِدَني أنه يسعى في حصول مَن يكفيني العمل، وأبقى بحضرته لخدمة العلم فقط، فقال: هذا هو عزمنا بدون طلبك، لأني أعرف قدر المشقة التي عليك بالاشتغال عن العلم، وإن شاء الله تعالى تبلغ المراد. ثم قضى الله تعالى بوفاته".
فهذا حال الشيخ وكيف تدرّجت به الأمور من حين مقدمه إلى وفاة
_________
(١) كذا، يعني: لا تنتبهون أو لا تستيقظون.
(٢) الحسن بن علي الإدريسي أخو الإمام محمد بن علي. انظر "تاريخ المخلاف السليماني": (٢/ ٩٠٠ فما بعدها).
стр. 63
الإدريسي، وهذا التفصيل يكشف لنا الهدف الرئيس من رحلة الشيخ إلى الإدريسي وأنه لم يكن قادمًا طمعًا في منصب ولا جاه ولا رئاسة، بل هدفه خدمة العلم والترقي في منازله، والإعانة على نشره.
كانت مدة بقاء الشيخ لدى الإدريسي خمس سنوات من سنة ١٣٣٧ إلى سنة ١٣٤١، وهذه المدة مع قِصَرها كانت حافلةً بالعلم والعمل والأحداث، فقد تولى الشيخ خلالها أعمالًا علمية من تدريس ومذاكرة وتأليف، وأعمالًا تتعلق بالحكم والسياسة والنظر في شؤون الدولة وكتابة الإنشاء، وأعمالًا تتعلق بالقضاء وفصل الخصومات، إضافة إلى الخطابة في الجُمع والأعياد، والتهنئة بالفتوحات والانتصارات.
وقد وقفنا في أوراق الشيخ ومجاميعه على وثائق متعددة تتعلق بهذه الجوانب جميعًا، ومن ذلك ما أنشده مهنئًا الإدريسي بفتح مدينة اللُّحيَّة (١):
باب الفتوح بإسم القاهر انفتحا ... وطائر النصر في دوح العلا صدحا
وكوكب السعد في برج الفلاح بدا ... فلاح نور كنور البدر متضحا
وأصبح الدين مسرورًا بعزّته (٢) ... لما غدا قلبه نشوان منشرحا
قد قلت للأرض مِيْدي (٣) نشوةً ولقد ... بفوزك اهتزت السبع العلا مرحا
هذي "اللُّحيَّة" لَحْييْهَا قَبَضْتَ فثق ... بالنصر حتمًا وخالف من نهى ولحا
_________
(١) انظر "تحفة القارئ والسامع": (٢/ ٣٩٨ - ٤٠٠) للقاضي العمودي، و"تاريخ المخلاف السليماني": (٢/ ٨٤٨ - ٨٤٩) للعقيلي.
(٢) في "تاريخ المخلاف": "بغرته".
(٣) في "تاريخ المخلاف": "تِيهي".
стр. 64
إن الفتوح إما (١) كان أولها ... تتابعت مثلما قد ينظم السبحا
بشراك فالله قد أعلى يديك على ... أيدي العباد وقد أعطى وقد منحا
فالحق أرفع من أن يُعتلى فأدِمْ ... نشر الجهاد فإن الله قد سمحا
واستخلص المخلصين التابعين من الـ ... أنصار (٢) واطرد كذوبًا خان (٣) وافتضحا
دع "حاشدًا" (٤) إنهم خانوا ولو جهدوا ... فإنهم (سمك) في (مائه) نزحا
أما "بكيل" (٤) فلولا أنهم مكروا ... قاموا بعزم ولكن قلَّ من نصحا
وإن ربيَ عنهم حاز نصرته ... إذ ليس يوجد فيهم غير من طلحا
وكيف يبذل كل الجد رافضة ... لا تحسب الحق إلا كلَّ ما قبحا
لكنَّ في جذبهم لا شك مصلحةً ... وأخذ أبنائهم حزما قد اتضحا
يا أيها الناس هذا بين أظهركم ... مقدَّم الكون بدر التمِّ شمس ضحى
يدعو إلى الله إخلاصًا بملته ... بل امتثالًا لأمر الحق إذ نفحا
يا طالما كانت الأكوان تنظره ... حتى إذا قام أجلى من جلا اطرحا (٥)
موّهتم الزور في تكذيب دعوته ... تبتْ يدا كل من في شأنه قدحا
لما رأيتم كنوز الأرض قد فتحت (٦) ... له تأول قوم في الذي فتحا
قلتم أعانته أحزاب الضلال نعم ... نعم أعانوه خوفًا منه إذْ سنحا
_________
(١) في "تاريخ المخلاف": "إذا ما".
(٢) في "تاريخ المخلاف": "لأنصار".
(٣) في "تاريخ المخلاف": "خاف".
(٤) "حاشد" و"بكيل" القبيلتان المعروفتان في اليمن.
(٥) هذا البيت ليس في "تاريخ المخلاف".
(٦) في "تاريخ المخلاف": "منحت"، وسقطت كلمة "كنوز" من "التحفة".
стр. 65
الله أنزل رعبًا في قلوبهمُ ... إذْ شاهدوا أسدًا كالبدر قد وضحا
فأصبحوا يبذلون المال لا طمعًا ... يدري بذا كل من نحو الهدى جنحا
وكيف يطمعهم بيض الأنوق وهم ... مميزون ولكن جلَّ من منحا
هذا الإمام الذي فاضت أنامله ... جودًا عميمًا كموج البحر ما برحا
هذا هو الكف والناس الجميع عصا ... هذا هو القطب والكون البديع رحا
أقامه الله روحًا للعباد كما ... قلوبهم ردها المولى له شبحا
وقد نطقتُ بحق سوف ينكره ... قوم يقولون هذا المعتدي شطحا
والله يعلم أني لم أقل كذبًا ... فقبَّح الله من في كذبه سبحا
هذا جواب عليهم قبل قولهمُ ... لا فاز أكذبنا (١) قولا ولا برحا
ودام للصادق الخيرُ الجزيل ولا ... عَدَتْه أيدي الندى أنَّى أتى ونحا
فلا برحتَ بخير والصلاةُ على ... محمد وسلام الله لا برحا
والآل والصحب والتُّبّاع قاطبةً ... لا زال يُتلى عليكم بكرةً وضحى (٢)
وكما كان الشيخ معظِّمًا للإدريسي، فقد كان الإدريسي أيضًا معظِّمًا للشيخ مجلًّا له، بحيث ولَّاه رئاسة القضاء وهو دون الثلاثين، وفوّضه الرد على مكاتبات الرؤساء والملوك، ولقبّه بشيخ الإسلام، وأذن له بالدخول عليه في أية ساعة يشاء بدون إذن من رئيس الحرس، حتى صار من كبار رجال الدولة وأقرب مستشاري الإدريسي.
هذه العلاقة القوية ربما أوغرت بعض الصدور على الشيخ، فلم يسلم
_________
(١) في "تاريخ المخلاف": "كذابنا".
(٢) الأبيات الثلاثة الأخيرة ليست في "تاريخ المخلاف".
стр. 66
من حسد الأقران أو منازعة بعض المقربين، والناظر في رسائل القاضي عبد الله العمودي إليه سيقف على بعض ذلك.
* الانتقال إلى عدن:
بقي الشيخ على هذه الحال إلى حين وفاة السيد الإدريسي في الثالث من شعبان من عام ١٣٤١، فتولى بعده ابنه الأكبر السيد علي بن محمد وكان عمره دون العشرين، بعد أن وقع نزاع على السلطة بينه وبين عمه الحسن انتهى باستقرار الإمارة في يد علي بن محمد الإدريسي، إلا أن هذا الأمير الشاب لم يَسِر سيرةَ أبيه في الحكم من الحنكة والتدبير والاعتماد على رجال الدولة، وذوي العلم والخبرة، فعزم أن يبعد كبار المسؤولين أيام إمرة أبيه. وكان حقه أن يستفيد منهم ويعتمد عليهم كما كان يفعل أبوه.
وربما اجتمع مع عدم الحنكة ما رآه من وقوف جماعة منهم مع عمه الحسن وقت النزاع بينهما في تولي الإمارة، فأراد أن ينتقم منهم بمشورةِ ومساعدةِ أعوانه الجدد.
وحين رأى الشيخ هذه الأمور مجتمعة وتغوُّلَ بعضِ أولئك المستشارين الجدد، كتب أوراقًا (١) يحكي فيها خبرَه من أيام مقدمه على الإدريسي وكيف كان تعامله معه حتى وفاته، ثم في آخرها يشرح مراده من المجيء إلى الحضرة الإدريسية وما يأمله الآن من المكوث لدى الأدارسة، وأنه بعيد كل البعد عن الاهتمام بالوظائف التي كان يشغلها أيام الإدريسي الأب، وأنه غير طامع في بقائها، بل رغبته العظيمة وأمنيته المرجوّة هي
_________
(١) وقد سقنا أكثرها فيما مضى.
стр. 67
التفرّغ للعلم. قال في وثيقته تلك:
"والآن أرى أن تفرُّغي للعلم واجب.
أولًا: أن سيدنا ــ قدّس سرّه ــ كان يعدُني بذلك.
ثانيًا: أن مشرب سيدنا في علم الظاهر لم يعرفه أحد ذوقًا وتحقُّقًا مثلي، فأريد أن تكون مذاكرتي للطلبة ممزوجة به، حتى تخالط بشاشته قلوبهم وينشؤوا عليه، وأيضًا أنا بنفسي أرى ما عندي.
ثالثًا: أن الطلبة الشافعية ضائعون بلا شيخ، وقد تعب عليهم سيدنا ــ قدّس سرّه ــ تعبًا شديدًا، فلا يضيعوا.
رابعًا: أني كما سأذاكرهم في الأحكام سأذاكرهم في الأخلاق كالزهد ونحوه، حتى ينشؤوا عليه.
خامسًا: أنه يجب أن يُنظر إليَّ الآن بنظرٍ فوق ما كان يُنظر إليَّ في حياة سيدنا ــ قدّس سرّه ــ، لأني كنتُ في حياته مغمورًا بالحقوق التي له ولا حقّ لي، وأما الآن فالحقوق التي لي كثيرة، وقصدي من هذا أنه ينبغي إجابة طلبي.
سادسًا: من المعلوم أن الخدمة بغير العلم، هي بكُرْهٍ منّي ومشقّة عليّ، فلا آمن على نفسي أن أقصّر فيها.
سابعًا: أني ليس قصدي من ترك الخدمة الراحة والبطالة، وإنما هو الانتقال من مهمّ إلى أهمّ، فإن الدعوة من المعلوم أنها مبنية على علم وعمل، فكيف نقوم بإحياء العمل وترك العلم. والقيامُ بخدمةِ العلم وخصوصًا على الصفة المشروحة هو أعظم خدمة للدعوة، بل هو الشطر المهم فيها.
стр. 68
وبَقِيَت بعد هذا وجوهٌ أخرى، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى".
لكن يبدو أن الغلبة كانت لمن أشار إلى الإدريسي الابن، إذ قرر التخلّص من كبار مستشاري أبيه وأعوانه بمكيدة مدبّرة لإخراجهم من عاصمة الحكم إلى عدن، قال القاضي عبد الله العمودي: "ففي شهر ربيع الأول من سنة ١٣٤٢ أجلى أهل مجلسه ومشورته من رجال دولته، فطلبهم الإمام المذكور إلى مجلسه، وأوهمهم بأن يتوجّهوا إلى الحديدة لأجل النظر في الصلاحية، وقد أعطى أمرًا إلى واليه بالحديدة عبد المطلب في نفيهم وإدخالهم البحر إلى عدن، فتمّ له ذلك ... " وذكر منهم القاضي العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي. قال: "نعم، ولم يكن مقتضى لبقائهم إلا أوهام ومشورة الأحداث من أهل مجلسه الطَّغام، حتى إن جريدة صنعاء أشارت إلى هذه الحادثة باللوم، والفضل ما شهدت به الأعداء" (١).
وهذه المكيدة المفاجئة لم تُمَكِّن الشيخ من أخذ شيء من كتبه وأوراقه وباقي أغراضه، وإنما طلبها من تلك الجهة بعدما استقرّ في الهند، كما في كتاب منه إلى الشيخ محمد نصيف مؤرخ في ذي القعدة سنة ١٣٥٥.
لم يطل مكث الشيخ في عدن، إذ لم يبق فيها إلا نحو سنتين أو أقل، اشتغل فيها بالتدريس والوعظ والتأليف، فقد ألّف في هذه الفترة رسالته في "الوتر"، و"الرد على حسن الضالعي"، وانتقل في أثناء ذلك إلى مدينة "زنجبار" (٢) وهي مدينة بالقرب من عدن.
_________
(١) "إمارة السيد الإدريسي" (ص ٦٩ - ٧١) للقاضي العمودي. وانظر نحوه في "نشر الثناء الحسن": (٤/ ٢٢٤).
(٢) ففي المجموع رقم [٤٦٥٧] ذكر فائدة ثم قال: "أفدته بزنجبار".
стр. 69
والظاهر أن الحال لم يكن مطمئنًا للشيخ فمكيدة الإدريسي تمنعه من العودة إلى المخلاف السليماني، وترصّد الإمام يحيى حميد الدين يمنعه من العودة إلى بلده عُتمة أو إلى مناطق اليمن الخاضعة لنفوذ الإمام، فلم يجد أمامه إلا التفكير في السفر بعيدًا. مع أنه قد عاد جماعة ممن سَفَّرهم ابن الإدريسي إلى بلدانهم، وخضعوا لإمرة الإمام يحيى حميد الدين وذلك نحو سنة ١٣٤٣. وقد ذكرهم الوشلي بأسمائهم في "نشر الثناء الحسن": (٤/ ٢٢٦).
لكن توقع الشيخ المعلمي كان مختلفًا لقوّة صلته بالإدريسي، ولأجل قصائده التي كان ينشئها في ذم الإمام يحيى وحكم الزيدية، وكان يتألم منها الإمام يحيى أشدّ الألم (١)، ومما يعضد هذا ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت الشيخ المعلمي) قال ــ مبديًا السبب في عدم عودة الشيخ المعلمي إلى اليمن ــ: "إن الإمام يحيى قد امتدت يده القاسية إلى إنزال عقاب شديد، وهو سجن أشخاص من بيت المعلّمي ليس لهم صلة بحكم الإدريسي، وقد حبسهم الإمام يحيى بسبب تهمة واهية أوهى من بيت العنكبوت، قال: أعرف الفقيه العلامة أحمد بن محمد المعلمي وهو في أخريات حياته، وهو والد زوجتي ﵀، وقد حكى قصة سَجْنه من قِبَل الإمام يحيى في أيام طلبه العلم هو ووالده محمد وأخواه: عبد الله بن محمد المعلمي، وعبد الكريم بن محمد المعلمي، أنه ذهب إلى مدينة زبيد لطلب العلم، ومكث فيها مدة سبع سنوات، وفي نهاية فترة دراسته قوي عزمه على السفر لأداء فريضة الحج، فسافر من زبيد على أمل العودة إلى قريته في ناحية عُتمة، فسافر لأداء فريضة الحج، ومر عند عودته بالبلاد التي
_________
(١) نقله عبد الله الحكمي عن الشيخ المعلمي.
стр. 70
كان فيها حكم الإدريسي مارًّا بها وعاد إلى قريته، وما فتئ يستقر في قريته حتى هجم عليه عساكر الإمام يحيى حميد الدين واعتقلوه هو ووالده وأخويه، وذهبوا بهم الأربعة إلى صنعاء مشيًا على الأقدام على مسافة أربعة أيام أو خمسة، وأودعهم الإمام في السجن أشهرًا. كل هذا العقاب الشديد والقاسي والترويع لأن هذا الفقيه ﵀ مرَّ عند عودته من سفر الحج بالأماكن التي كان يحكمها الإدريسي، وبعد إطلاقهم من السجن لم يلبث والدهم إلا أيامًا يسيرة حتى توفاه الله، ﵀.
فأنت ترى ماذا حصل لهذا الطالب ووالده وأخويه من عِقاب من الإمام يحيى حميد الدين بدون ذنب اقترفوه، فكيف لو كان هذا الفقيه البريء ممن ناصر الإدريسي، أو اتصل به، أو شارك معه في الحكم؟! ماذا سيصنع معه الإمام يحيى حميد الدين؟ " (١) اهـ.
* الانتقال إلى إندونيسيا:
ويبدو لي أن مكث الشيخ في عدن قد عرّفه إلى جماعة من أهل الفضل والتجار هناك ممن لهم علاقة بإندونيسيا، فارتحل الشيخ إلى هناك في عام ١٣٤٤ وبقي بها مدة من الزمن يسيرة لا تزيد على عام واحد، والشيخ على دأبه أينما حلّ وارتحل لا ينقطع عن العلم والاشتغال به، ففي هذه المدة في إندونيسيا في مدينة سواربايا ألَّف الشيخ كتابه "تحقيق الكلام في المسائل الثلاث" (٢)
_________
(١) من أوراق بخطه لديّ نسخة منها.
(٢) هذه التسمية منا كما شرحناه في مقدمة تحقيقه وهو يمثل المجلد الرابع من هذه الموسوعة.
стр. 71
وذلك أن الشيخ أحمد السوركتي (ت ١٣٦٤) ألَّف رسالة صغيرة سماها "المسائل الثلاث" ضمنها الكلام على الاجتهاد والتقليد والكلام على بعض مسائل في السنة والبدعة والعقيدة، فجاء أحدهم بهذه الرسالة إلى الشيخ وطلب منه رأيه في مؤلفها وفيما ذكره، وسأله أن يكتب عن هذه المسائل فأجاب الشيخ على سؤال هذا السائل بهذا الكتاب الكبير.
وقد ألَّف الشيخ هذا الكتاب سنة ١٣٤٤ أي وعمره اثنان وثلاثون عامًا، وهذا يدل دلالة واضحة على قوّته العلمية، ونزوعه إلى الاجتهاد واتباع الدليل في وقت مبكر إذا اعتبرنا أن الفترة التي قضاها عند الإدريسي ومن قبلها أيام مكثه في بلده اليمن كان فيها متقيدًا بالمذهب الشافعي، وهذا حديث يحتاج إلى بسط وتفصيل ليس هذا موضعه.
٢) الرحلة إلى الهند (١٣٤٥ - ١٣٧١)
لم يطل مكث الشيخ المعلمي في إندونيسيا، فرحل إلى الهند أواخر سنة ١٣٤٤ أو أوائل التي تليها؛ لأنه من المؤكد أنه وصل الهند سنة ١٣٤٥ وبدأ في هذه السنة عمله في دائرة المعارف العثمانية في حيدراباد الدكن.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل كانت وجهة الشيخ من عدن إلى الهند وكانت إندونيسيا مجرد محطة عبور، أم كانت الوجهة إلى إندونيسيا ثم أنشأ رحلة أخرى إلى الهند؟ هذا ما لم نجد ما يحدّده لنا من خلال ما وقفنا عليه من تراثه، لكن الذي يترجح لي أن الشيخ رحل إلى إندونيسيا قاصدًا لها لا مارًّا بها؛ لأن إندونيسيا أبعد من الهند وليست محطة في الطريق إليها. الأمر الثاني: لم يتعرض الشيخ ولا مترجموه لذكر هذه الرحلة فكأنّ الشيخ قد أسقطها من الذكر لقِصَر مدتها فلم تمثل له محطةً تستحق الوقوف عندها، والله أعلم.
стр. 72
وبهذه الرحلة الهندية انتقل الشيخ إلى عالم جديد عليه من حيث الثقافة والعادات، وانفتح على علوم جديدة لم يكن لها من الذيوع والانتشار كما في الهند، كعلم الحديث والرجال. وبانتقاله إلى دائرة المعارف العثمانية للعمل في تحقيق أُمَّات كتب الحديث والرجال واللغة والأدب وغيرها يكون الشيخ قد انتقل إلى عمل جديد لم يمارسه من قبل ولا كان معروفًا في البيئة التي عاش فيها في اليمن ولا عند الإدريسي، فهي تجربة جديدة بحق.
تمكَّن الشيخ بفضل الله ثم بفضل مواهبه المتعددة وعلومه المتنوّعة وذكائه المفرط من إتقان هذه الصنعة في أقرب وقت، بل صار هو العَلَم المشار إليه في الدائرة في تصحيح الكتب وحلّ مشكلات التحقيق خاصة فيما يتعلق بكتب الحديث والرجال.
ولا شك أن هذه الرحلة نفعت الشيخ في أمرين مهمين، الأول: التفرّغ التامّ للعلم والانقطاع له قراءة وطلبًا، وتأليفًا وتحقيقًا، الثاني: العناية بعلم الحديث رواية ودراية. وقد التفت في وقت مبكر من قدومه الهند إلى طلب الإجازة من بعض العلماء المسندين، فقد استجاز من الشيخ محمد عبد القدير الصديقي (١٢٨٨ - ١٣٨١) فأجازه في الثالث عشر من ذي القعدة سنة ١٣٤٦، ووصفه فيها "بالأخ الفاضل العالم العامل الشيخ" (١)، وغير بعيد أنه أخذ عن غيره مع توافر العلماء المسندين وسهولة الأخذ عنهم، لكن لم يصلنا شيء نستند إليه لإثبات ذلك.
مكث الشيخ في الهند موظفًا في دائرة المعارف العثمانية خمسة وعشرين
_________
(١) سيأتي شيء من نص الإجازة في مبحث ثناء العلماء عليه.
стр. 73
عامًا من سنة ١٣٤٥ إلى سنة ١٣٧١، وهي أطول محطة في رحلات الشيخ وتنقلاته، فإنه مكث في اليمن أربعة وعشرين عامًا وعند الإدريسي خمسة أعوام، وفي مكة ستة عشر عامًا، فبقاؤه في الهند هو الأطول مدة، ويمكن أن نجعل الكلام في هذه المرحلة من حياة الشيخ في ناحيتين:
الناحية الأولى: حياته الاجتماعية
وهذه الناحية كانت غائبة عنا حتى عثرنا على مجموعة من الرسائل الخاصة التي أرسلها الشيخ إلى أخيه أحمد في إندونيسيا وهي سبع عشرة رسالة، سبع رسائل منها وقت إقامته بالهند، وقد كشفت لنا هذه الرسائل عدة أمور:
١ - اهتمامه البالغ بأقاربه وأهله بالسؤال الدائم عنهم، ومساعدتهم بإرسال المال لهم.
٢ - تزوج الشيخ في الهند بعد عدة سنوات من مقدمه، لعله قبيل سنة ١٣٥٠.
٣ - ولد له ابنه الوحيد عبد الله في السادس من ربيع الثاني سنة ١٣٥١، وكتب تاريخ ولادته في بعض مجاميعه ودعا له بالبركة والخير، وقد سقنا الدعاء بكامله في مبحث أسرة الشيخ.
وفي وصية للشيخ (١) وهو في الهند: أوصى إلى الشيخ إبراهيم رشيد (٢)
_________
(١) "الخطب والوصايا" (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٢) كتب أخي الدكتور محمد أجمل إلى الشيخ السيد محمد أثر الحيدرابادي يسأله عن (إبراهيم رشيد)، فأفاد بأنه من العرب، وكان خطيبًا في بورما ثم قدم إلى حيدراباد، وتولى الخطابة في الجامع الكبير المسمى (مكة مسجد) وكان صوته جهوريًّا. اهـ.
стр. 74
أن يحتاط لولده (عبد الله) ويجتهد في تربيته تربيةً صالحة، ويمنعه من الاختلاط بالأطفال السفهاء، وينفق عليه وعلى أمه ... إلى آخر الوصية.
٤ - في رسالة مؤرخة في ١٣٥٣ قال: "حالي بحمد الله تعالى حسنة، كفاف المعيشة، وهذه الأيام التقلبات كثيرة"، وفي رسالة أخرى في العام نفسه ذكر أنه قانع بما يتحصّل من المطبعة؛ قال: "لأنّ خدمتي فيها موافقة لهواي". ولعل هذه من الميزات التي خفّفت عن الشيخ طول البقاء في الهند والصبر على المعاناة التي شرحها في عدة رسائل.
٥ - ذكر في رسالته السالفة أنه ليس مطمئن البال من الإقامة في الهند، ولكنها تمشية وقت، مع وثوقه بأن الإقامة هنا أصلح له من غيرها.
٦ - كتب الشيخ سنة ١٣٥٦ رسالة طويلة مؤثّرة إلى أخيه أحمد يبث له فيها أحاسيسه وما يجده من مشاعر ألم وعدم ارتياح نفسيّ، مع أنه قد استقر في الدائرة وتزوج ورُزق بابنه عبد الله، إلا أن طبيعة الحياة هناك لم تلائم الشيخ، فهو يشرح في هذه الرسالة ما عبّر عنه في رسالة سالفة أنه إنما يبقى في الهند "تمشيةَ وقتٍ ولأن الإقامة هنا أصلح من غيرها". ولندع الكلام له ليبثّ ما يجول في نفسه قال:
"الانقباض والرغبة عن المزاورة يزداد تمكّنًا، فإن ههنا أناسًا تقضي عليّ المصلحةُ بكثرة زيارتهم، ولكن نفسي تغلبني فأدع ذلك، حتى إني لا أكاد أتعمّد زيارتهم ولو يوم العيد، وفي مقابل ذلك أكره أن يتعمّد أحدٌ زيارتي ولو يوم العيد".
ثم قال: "قد ضاق صدري من الإقامة هنا وأحبّ أن أخرج شهرًا أو
стр. 75
شهرين أنفخ" (١).
قال: "وأما الوَحْدة فإني أشدّ منك فيها، والله ما أعلم إنسانًا هنا يؤنِسُني الاجتماعُ به إلا واحدًا هو الشيخ أحمد العبادي (٢)، ومع ذلك فلا أكاد أجتمع به في السنة ثلاث مرات، وليس هو كما أحب من كل جهة. أما بقية الناس فإن اجتماعي بهم يكدِّرني ويغمّني.
أما الفُرجة والنزهة فلا حظَّ لي فيها؛ لأن معظم شروطها الإخوان وأين هم؟ !
ولهذه الأمور شَمِطَت لحيتي، وضاقت جدًّا طبيعتي، وصرت كما قيل:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوَّت إنسان فكِدتُ أطيرُ
وبالجملة، فحياتي ههنا تعيسة بئيسة والحمد لله على كل حال، فإن نِعَمه عليّ وعلى خلقه لا تحصى، ومن أعظم ذلك أنني بحمد الله تعالى لا أحتاج إلى أحدٍ من الناس، وأني رُزِقت شيئًا من اللّذة في الكتب ....
وأقسم بالله تعالى لولا أن عندي شيئًا من العلم أرجو أن ييسر الله تعالى نشره، وأن طاعتي لله حقيرة، أرجو إن طالت بي حياة أن ييسر الله تعالى لي خيرًا منها، لكان الموت أحبَّ إليّ من الحياة، بل لكان الموت هو المحبوب والحياة مكروهة، هذا معتقدي الآن ولا أدري ما يحدثُ بعد، والسلام".
٧ - أما ما يتعلق بما كان يتقاضاه من رواتب شهرية وكيف كان يصرفها
_________
(١) "أنفخ" تعبير دارج لأهل اليمن، يعنون به الخروج للترويح عن النفس.
(٢) لم أقف على ترجمته.
стр. 76
وما يدخره منها فيقول في رسالة لأخيه سنة ١٣٥٦: " أما ما ذكرته من النقود الموفَّرة، فإني منذ مدَّة أحرص على التوفير وإلى الآن لم يمكني أكثر من ثلاثمائة وسبعة وخمسين ربية، مع أني مشهور هنا بالبخل! ... أصرف في كل شهر نحو مائة وثلاثين رُبّية مع الاقتصاد".
قلت: وكأن أخاه ألحّ عليه في إرسال شيء من المال فاضطر الشيخ أن يذكر له تفاصيل الحال في النفقة والظروف المحيطة فقال في رسالة مؤرخة في ١٢ رمضان ١٣٦٦: " فأنا الآن أبوح إليك بالحقيقة، معاشي الذي أتقاضاه شهريًّا لا يفضل عن مصاريفي بعد محاولة الاقتصاد؛ لأن أثمان الأشياء ارتفعت جدًّا تتراوح ما بين خمسة أضعاف إلى ما فوقها لا يُستثنى من هذا شيء، حتى التراب الأحمر وهو من تراب هذه الأرض لا يُجْلَب إليها من الخارج ولا ينقل منها إلى الخارج ... ".
٨ - لم تكن الأوضاع في الهند مستقرّة بل تعرضت لهزّات سياسية وقتال، ويبدو أن أخاه كان يستشيره في التحول من إندونيسيا إلى الهند فكتب إليه يقول: "الأمور هنا مضطربة وتؤذن بانفجار شديد تصير به هذه البلدة مثل جهتكم أو أشد خطرًا، ومن القواعد الفقهية: الضرر لا يزال بالضرر".
ثم فصّل الأمر أكثر فقال: " باكستان انضمَّ إلى أهلها مثلهم أو أكثر فضاقت سُبُل المعيشة إلا على من بيده رأس مال وافر، وبقية الجهات كذلك أو أشدّ، فلا تحدّث نفسك بالخروج عن تلك الجهة، فإنه كما قيل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
وقال: "الأحوال هنا من عدة سنين متضايقة، وهي الآن كذلك، والأمور
следующие страницы →