Полный текст (1 440 стр.). Показаны 72–111 · переход к 77.
стр. 72
وبهذه الرحلة الهندية انتقل الشيخ إلى عالم جديد عليه من حيث الثقافة والعادات، وانفتح على علوم جديدة لم يكن لها من الذيوع والانتشار كما في الهند، كعلم الحديث والرجال. وبانتقاله إلى دائرة المعارف العثمانية للعمل في تحقيق أُمَّات كتب الحديث والرجال واللغة والأدب وغيرها يكون الشيخ قد انتقل إلى عمل جديد لم يمارسه من قبل ولا كان معروفًا في البيئة التي عاش فيها في اليمن ولا عند الإدريسي، فهي تجربة جديدة بحق.
تمكَّن الشيخ بفضل الله ثم بفضل مواهبه المتعددة وعلومه المتنوّعة وذكائه المفرط من إتقان هذه الصنعة في أقرب وقت، بل صار هو العَلَم المشار إليه في الدائرة في تصحيح الكتب وحلّ مشكلات التحقيق خاصة فيما يتعلق بكتب الحديث والرجال.
ولا شك أن هذه الرحلة نفعت الشيخ في أمرين مهمين، الأول: التفرّغ التامّ للعلم والانقطاع له قراءة وطلبًا، وتأليفًا وتحقيقًا، الثاني: العناية بعلم الحديث رواية ودراية. وقد التفت في وقت مبكر من قدومه الهند إلى طلب الإجازة من بعض العلماء المسندين، فقد استجاز من الشيخ محمد عبد القدير الصديقي (١٢٨٨ - ١٣٨١) فأجازه في الثالث عشر من ذي القعدة سنة ١٣٤٦، ووصفه فيها "بالأخ الفاضل العالم العامل الشيخ" (١)، وغير بعيد أنه أخذ عن غيره مع توافر العلماء المسندين وسهولة الأخذ عنهم، لكن لم يصلنا شيء نستند إليه لإثبات ذلك.
مكث الشيخ في الهند موظفًا في دائرة المعارف العثمانية خمسة وعشرين
_________
(١) سيأتي شيء من نص الإجازة في مبحث ثناء العلماء عليه.
стр. 73
عامًا من سنة ١٣٤٥ إلى سنة ١٣٧١، وهي أطول محطة في رحلات الشيخ وتنقلاته، فإنه مكث في اليمن أربعة وعشرين عامًا وعند الإدريسي خمسة أعوام، وفي مكة ستة عشر عامًا، فبقاؤه في الهند هو الأطول مدة، ويمكن أن نجعل الكلام في هذه المرحلة من حياة الشيخ في ناحيتين:
الناحية الأولى: حياته الاجتماعية
وهذه الناحية كانت غائبة عنا حتى عثرنا على مجموعة من الرسائل الخاصة التي أرسلها الشيخ إلى أخيه أحمد في إندونيسيا وهي سبع عشرة رسالة، سبع رسائل منها وقت إقامته بالهند، وقد كشفت لنا هذه الرسائل عدة أمور:
١ - اهتمامه البالغ بأقاربه وأهله بالسؤال الدائم عنهم، ومساعدتهم بإرسال المال لهم.
٢ - تزوج الشيخ في الهند بعد عدة سنوات من مقدمه، لعله قبيل سنة ١٣٥٠.
٣ - ولد له ابنه الوحيد عبد الله في السادس من ربيع الثاني سنة ١٣٥١، وكتب تاريخ ولادته في بعض مجاميعه ودعا له بالبركة والخير، وقد سقنا الدعاء بكامله في مبحث أسرة الشيخ.
وفي وصية للشيخ (١) وهو في الهند: أوصى إلى الشيخ إبراهيم رشيد (٢)
_________
(١) "الخطب والوصايا" (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٢) كتب أخي الدكتور محمد أجمل إلى الشيخ السيد محمد أثر الحيدرابادي يسأله عن (إبراهيم رشيد)، فأفاد بأنه من العرب، وكان خطيبًا في بورما ثم قدم إلى حيدراباد، وتولى الخطابة في الجامع الكبير المسمى (مكة مسجد) وكان صوته جهوريًّا. اهـ.
стр. 74
أن يحتاط لولده (عبد الله) ويجتهد في تربيته تربيةً صالحة، ويمنعه من الاختلاط بالأطفال السفهاء، وينفق عليه وعلى أمه ... إلى آخر الوصية.
٤ - في رسالة مؤرخة في ١٣٥٣ قال: "حالي بحمد الله تعالى حسنة، كفاف المعيشة، وهذه الأيام التقلبات كثيرة"، وفي رسالة أخرى في العام نفسه ذكر أنه قانع بما يتحصّل من المطبعة؛ قال: "لأنّ خدمتي فيها موافقة لهواي". ولعل هذه من الميزات التي خفّفت عن الشيخ طول البقاء في الهند والصبر على المعاناة التي شرحها في عدة رسائل.
٥ - ذكر في رسالته السالفة أنه ليس مطمئن البال من الإقامة في الهند، ولكنها تمشية وقت، مع وثوقه بأن الإقامة هنا أصلح له من غيرها.
٦ - كتب الشيخ سنة ١٣٥٦ رسالة طويلة مؤثّرة إلى أخيه أحمد يبث له فيها أحاسيسه وما يجده من مشاعر ألم وعدم ارتياح نفسيّ، مع أنه قد استقر في الدائرة وتزوج ورُزق بابنه عبد الله، إلا أن طبيعة الحياة هناك لم تلائم الشيخ، فهو يشرح في هذه الرسالة ما عبّر عنه في رسالة سالفة أنه إنما يبقى في الهند "تمشيةَ وقتٍ ولأن الإقامة هنا أصلح من غيرها". ولندع الكلام له ليبثّ ما يجول في نفسه قال:
"الانقباض والرغبة عن المزاورة يزداد تمكّنًا، فإن ههنا أناسًا تقضي عليّ المصلحةُ بكثرة زيارتهم، ولكن نفسي تغلبني فأدع ذلك، حتى إني لا أكاد أتعمّد زيارتهم ولو يوم العيد، وفي مقابل ذلك أكره أن يتعمّد أحدٌ زيارتي ولو يوم العيد".
ثم قال: "قد ضاق صدري من الإقامة هنا وأحبّ أن أخرج شهرًا أو
стр. 75
شهرين أنفخ" (١).
قال: "وأما الوَحْدة فإني أشدّ منك فيها، والله ما أعلم إنسانًا هنا يؤنِسُني الاجتماعُ به إلا واحدًا هو الشيخ أحمد العبادي (٢)، ومع ذلك فلا أكاد أجتمع به في السنة ثلاث مرات، وليس هو كما أحب من كل جهة. أما بقية الناس فإن اجتماعي بهم يكدِّرني ويغمّني.
أما الفُرجة والنزهة فلا حظَّ لي فيها؛ لأن معظم شروطها الإخوان وأين هم؟ !
ولهذه الأمور شَمِطَت لحيتي، وضاقت جدًّا طبيعتي، وصرت كما قيل:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوَّت إنسان فكِدتُ أطيرُ
وبالجملة، فحياتي ههنا تعيسة بئيسة والحمد لله على كل حال، فإن نِعَمه عليّ وعلى خلقه لا تحصى، ومن أعظم ذلك أنني بحمد الله تعالى لا أحتاج إلى أحدٍ من الناس، وأني رُزِقت شيئًا من اللّذة في الكتب ....
وأقسم بالله تعالى لولا أن عندي شيئًا من العلم أرجو أن ييسر الله تعالى نشره، وأن طاعتي لله حقيرة، أرجو إن طالت بي حياة أن ييسر الله تعالى لي خيرًا منها، لكان الموت أحبَّ إليّ من الحياة، بل لكان الموت هو المحبوب والحياة مكروهة، هذا معتقدي الآن ولا أدري ما يحدثُ بعد، والسلام".
٧ - أما ما يتعلق بما كان يتقاضاه من رواتب شهرية وكيف كان يصرفها
_________
(١) "أنفخ" تعبير دارج لأهل اليمن، يعنون به الخروج للترويح عن النفس.
(٢) لم أقف على ترجمته.
стр. 76
وما يدخره منها فيقول في رسالة لأخيه سنة ١٣٥٦: " أما ما ذكرته من النقود الموفَّرة، فإني منذ مدَّة أحرص على التوفير وإلى الآن لم يمكني أكثر من ثلاثمائة وسبعة وخمسين ربية، مع أني مشهور هنا بالبخل! ... أصرف في كل شهر نحو مائة وثلاثين رُبّية مع الاقتصاد".
قلت: وكأن أخاه ألحّ عليه في إرسال شيء من المال فاضطر الشيخ أن يذكر له تفاصيل الحال في النفقة والظروف المحيطة فقال في رسالة مؤرخة في ١٢ رمضان ١٣٦٦: " فأنا الآن أبوح إليك بالحقيقة، معاشي الذي أتقاضاه شهريًّا لا يفضل عن مصاريفي بعد محاولة الاقتصاد؛ لأن أثمان الأشياء ارتفعت جدًّا تتراوح ما بين خمسة أضعاف إلى ما فوقها لا يُستثنى من هذا شيء، حتى التراب الأحمر وهو من تراب هذه الأرض لا يُجْلَب إليها من الخارج ولا ينقل منها إلى الخارج ... ".
٨ - لم تكن الأوضاع في الهند مستقرّة بل تعرضت لهزّات سياسية وقتال، ويبدو أن أخاه كان يستشيره في التحول من إندونيسيا إلى الهند فكتب إليه يقول: "الأمور هنا مضطربة وتؤذن بانفجار شديد تصير به هذه البلدة مثل جهتكم أو أشد خطرًا، ومن القواعد الفقهية: الضرر لا يزال بالضرر".
ثم فصّل الأمر أكثر فقال: " باكستان انضمَّ إلى أهلها مثلهم أو أكثر فضاقت سُبُل المعيشة إلا على من بيده رأس مال وافر، وبقية الجهات كذلك أو أشدّ، فلا تحدّث نفسك بالخروج عن تلك الجهة، فإنه كما قيل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
وقال: "الأحوال هنا من عدة سنين متضايقة، وهي الآن كذلك، والأمور
стр. 77
السياسية مضطربة جدًّا لا يُدرى عما تتمخض، واستقراري الآن متزلزل لا أدري لعلي أضطر إلى التحول، وما لم يطمئن البال بالاستقرار لا أقدر أشير عليك بشيء".
ومع كل ما سبق نجد الشيخ يكرر لأخيه مرارًا أنه في خير وعافية قال: "ولا تظن أنني مضطرب أو منزعج أو مشوَّش، بل أنا بحمد الله في خير ولكن الأحوال نفسها مضطربة ومشوشة".
٩ - وقد تكلم أيضًا عن دائرة المعارف والأوضاع التي تمر بها وذلك سنة ١٣٥٦ وهو وقت مبكّر نسبيًّا لالتحاقه بها قال: " دائرة المعارف هذه الأيام في مهبّ الريح، قد أخرجوا اثنين من مصححيها القدماء ممن لهم صِلات وروابط بأهل الحلِّ والعقد، فأما أنا فليس لي شفيع (١) إلا لياقتي (٢)، وهي في هذا الزمان وهذا المكان أضعف الشفعاء".
١٠ - يبدو أن الشيخ أخذ يفكر ويعمل على الانتقال من حيدراباد الدكن قبل مدة من تحقق سفره، ففي رسالة له مؤرّخة في ٢٢ رمضان ١٣٦٩ ذكر فيها أنه يعد العدة للسفر قبل ثلاثة أعوام من هذا التاريخ أي من سنة ١٣٦٦ (٣) قال: " موجب الكتابة أنني كنت منذ ثلاث سنوات [تقريبًا] أتوقع السفر عن قرب فاحتجت إلى الاقتصاد من المعاش لأجل مصاريف السفر، وتبيّن لي الآن أنه لا يمكنني السفر إلى سنتين أو أكثر".
_________
(١) (ي): "شفاعة".
(٢) أي أهليتي للعمل وتمكني منه.
(٣) بل قال في رسالة مؤرخة في ١٣٥٦: "ولعلي أضطر إلى التحوّل".
стр. 78
فهاجس التحوّل لم يزل ملازمًا للشيخ بسبب الاضطرابات السياسية وغلاء المعيشة، وعدم الراحة النفسية، وتوفّر الظروف في البلدان التي كان يخشى أن يتحوّل إليها، وقد كان الشيخ يُرَغَّب في التحوّل إلى مكة من قبل بعض محبيّه من العلماء أو من آل المعلمي ففي رسالة من الشيخ القاضي محمد بن عبد الرحيم المعلمي مؤرخة سنة ١٣٦٠ يقول مرغِّبًا للشيخ في التحوّل إلى مكة: "وقد حررت هذا من أم القرى مكة المكرمة، بلد آمن وبيت حرام، إذ لو سكنتموه لكان خيرًا لكم، ولعمري أن لو تشرفوا بقدومكم للحج لرأيتم ما يسركم ويقرّ أعينكم ... " (١).
ولا زالت معاناة الشيخ في الهند تأخذ صورًا متعدّدة، فقد وجدنا رسالةً من الشيخ إلى مدير دائرة المعارف العثمانية تفصح عن معاناة الشيخ حين عزم على السفر إلى مكة المكرمة، وحاجته إلى استكمال مصاريف السفر، وأن الدائرة لم توفه حقّه الماليّ، يقول فيها:
"استلمت مراسلتكم نِشَان (٢) ٩٢٢ تاريخ ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٥١ م، وأنا شاكر جدًا لعالي جناب الصدر وجنابكم، ويسرني أن أخدم هذه الدائرة العلمية الجليلة بلا طلب معاوضة، وسأدوم على ذلك بقية عمري، سواء أكانت الخدمة مقابلة وتصحيحًا أم غيره، وإنما اضطرني الآن إلى طلب المعاوضة على مقابلة وتصحيح الستة الأجزاء الباقية من كتاب "ابن أبي حاتم" حاجتي إلى مصاريف السفر، وهذا السبب نفسه يجبرني أن أرفع إليكم مع الأسف والخجل أن هذا المبلغ الذي
_________
(١) "الرسالة المتبادلة" (ص ٣٥٩).
(٢) يعني: رقم.
стр. 79
قررتموه (١٥٠٠) لا هو الذي يكفيني لحاجتي، ولا هو الذي يعادل في نظري الأجرة الواجبة، ولو كنت أُعطيت البُونَس (١) الذي قرَّر المجلس إعطاءه لمن ينفصل عن الدائرة من الملازمين (٢)، كنت اكتفيت به، وبهذا المبلغ الذي قررتموه، فأما إذا كنت محرومًا من البونس فأرجو من فضلكم أن تعيدوا النظر في القضية، وتحسنوا إليَّ بأحد أمرين:
١ - إما أن تعفوني من هذا العمل رأسًا، فتخلصوني من المسؤولية، وتتركوني أستريح في هذه الأشهر، لأنني منذ أربع وعشرين سنة تقريبًا ــ وهي مدة ملازمتي (٣) ــ لم أزل في عمل متصل، لأني لم أستفد من الرخصة غير الرخصة الاتفاقية.
٢ - وإما أن تعيدوا النظر في الأجرة، فإذا عرفتم صحة قولي إن هذا المبلغ المقرر أقل من الواجب، وأمكن أن تزيدوا عليه إلى القَدْر الذي يكفيني لحاجتي زدتم، وأنا على كلا الحالين شاكر، ولا أحتاج أن أوضح في جوابي هذا وجهة نظري في أن هذا المبلغ لا يفي بالأجرة الواجبة، بل أَكِلُ الأمر إلى نظركم، فإذا لم يظهر لكم ذلك فأحسنوا إليَّ بالإعفاء من العمل لأستريح من التعب والمسؤولية. وأفكر في طريق أخرى لتحصيل مصاريف السفر، ولن يتعسر ذلك إن شاء الله تعالى".
الناحية الثانية: حياته العلمية
يمكننا القول: إن حياة الشيخ العلمية في الهند جرت في اتجاهين،
_________
(١) البُونَس: كلمة إنجليزية وتعني المكافأة الزائدة على الراتب.
(٢) الملازم يعني: الموظف.
(٣) أي: وظيفتي.
стр. 80
الأول: تحقيق الكتب التي أُسندت إليه أو اشترك فيها في دائرة المعارف العثمانية، وكان هذا في وقت الدوام الرسمي، بالإضافة إلى المشاركة في فعاليات الدائرة العلمية والثقافية، من اقتراح كتب لتحقيقها والعمل عليها، ومن إلقاء المحاضرات والندوات في المواسم المعروفة.
وقد بلغت الكتب التي حققها استقلالًا أو بالاشتراك إبان إقامته في الهند نحو أربعين مجلدًا (١)، ويمكن تمييزها عن الكتب التي حققها بعد ذلك بتاريخ الطبع، فما كان قبل ١٣٧١ فهو من أعماله في الهند.
والاتجاه الثاني: هو التأليف، فقد ألَّف الشيخ عددًا من الكتب في هذه المرحلة من حياته، بل أهم مشاريعه العلمية ابتدأها وأتمّ مسوّداتها في الهند ثم بيّضها في مكة، مثل "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" و"العبادة"، وكثير من رسائل الفقه كرسالته في الفرائض في الرد على الجيراجي، وجواب الاستفتاء في حقيقة الربا، ورسالة كشف الخفا عن حكم بيع الوفا وغيرها، وعددٍ من الرسائل الحديثية، والرد على أحد شرّاح سنن الترمذي، والرد على عبد الحميد الفراهي، وغير ذلك.
٣) رحلته إلى مكة المكرمة (١٣٧١ - ١٣٨٦)
حينما تهيّأت الظروف للتحول من حيدراباد إلى مكة حزم الشيخ أمتعة السفر إلى جدة في ذي القعدة من سنة ١٣٧١ ولم يصطحب معه زوجته ولا ولده عبد الله، أما زوجته فيبدو أنها كانت مريضة مرضًا مقعدًا كما تقدم في الكلام على أسرته، وأما ابنه فإنه لا يزال يكمل تعليمه هناك.
_________
(١) انظر أسماء الكتب في المبحث الخاص بذلك.
стр. 81
وقد كتب الشيخ وصفًا مفصّلًا لأيام هذه الرحلة في بعض دفاتره (١) لكنه لم يكمل. قال:
"١ ــ خرجنا من "بَمْبَئي" يوم الخميس أول أو ثاني ذي القعدة سنة ١٣٧١، الموافق ٢٤ جولاي سنة ٥٢ م.
٢ ــ الجمعة.
٣ ــ السبت: حول الساعة العاشرة صباحًا جاء رجل فطلب مني الجواز والتِّكِت (٢)، فأخذه ثم ردّ الجواز، وذكر أن اسمي لم يكن مقيّدًا في الرِّجِسْتَر (٣)، وأنهم افتقدوا وبحثوا في الباخرة حتى اهتدوا إليَّ. فقلت له: فأين التكت؟ فقال: سيُردُّ إليك فيما بعد.
٤ ــ الأحد: بعد الساعة العاشرة، جاء رجل آخر فسألني عن حالي، فحمدتُ الله ، وأخبرتُه أنني بخير، ثم ذكرتُ له قضية التكت، فذكر أنها قاعدتهم (٤)، يأخذون التكت من الركاب ويحفظونها عندهم حتى يدفعوها إلى الوكيل، وإنما عليّ حفظ الجواز.
كنتُ في الدرجة الأولى في الحجرة رقم (٦٢) و (٦٣)، واتفق أنه لم ينزل في الحجرة غيري، وكانت الحُجر الأخرى في كل منها اثنان وأكثر. فجاءني رجلان من أهل الهند وقالا: جئنا نكلِّف عليك، نراك في هذه الحجرة وحدك ونحن في ضيق، ونستأذنك في أن يكون معك رجل على هذا السرير الفارغ.
_________
(١) [٤٧٢١/ق ١٨ - ٢٠]
(٢) تكت: هي التذكرة بالإنجليزية.
(٣) مكتوب فوقه: "الدفتر"، والرجستر هو السجل والدفتر بالإنجليزية.
(٤) أي طريقتهم، والقاعدة هي الطريقة بالأرديّة.
стр. 82
فقلت لهم: أرى الاختيار في هذا لأصحاب الأمر في الباخرة، فاسألوهم فإن أذنوا فليس لي اعتراض.
فذهبوا ولم يعودوا. ثم لقيت أحدهما فسألتُه فجمجم، فقلت: هل خاطبتم أصحاب الأمر في هذا؟ فقال: لا. والله أعلم.
قال لي الذي يجيء بالطعام: هل تطلب شيئًا؟ فقلتُ: هذا كافٍ. فقال: إذا تحتاج (١) إلى شيء فاطلب.
٥ ــ يوم الاثنين: لقيتُ شابًّا ظهر لي أنه عربيّ، فسألته، فذكر أن اسمه: عادل بن السيد عبد الله، وأنه كان في مَدْراس (٢).
٦ ــ يوم الثلاثاء: من مساء هذا اليوم شعرتُ ببرد الهواء.
٧ ــ يوم الأربعاء: رأيتُ طوائر على جوّ الماء، ودلّ ذلك على أننا بالقرب من البرّ، أو أن بالقرب منا جزائر.
٨ ــ يوم الخميس: خفّ البرد.
٩ ــ يوم الجمعة: أصبح اضطراب البحر أهون مما كان. وفي حوالي الساعة ٩ صباحًا مرّت بنا باخرة مشرقة. واشتدّ الحر هذا اليوم وليلة السبت.
١٠ ــ يوم السبت: رأينا سفينة شراعية من بُعدٍ متجهة اتجاهنا، ثم رأينا أخرى متجهة قريبًا من اتجاهنا مائلةً إلى الجنوب. وحول الساعة السادسة رأينا على يسارنا ــ وهو الجنوب ــ جبالاً متسلسلة، وبعد قليل مالت باخرتنا إلى الشمال.
_________
(١) في الأصل: احتاج، سبق قلم.
(٢) مدينة في جنوب الهند عاصمة ولاية "تمل ناد".
стр. 83
١١ ــ يوم الأحد: اشتد الحر منذ الأمس.
١٢ ــ يوم الاثنين: هبَّت منذ الأمس ريحٌ غربيّة خفَّفت ضيق الحرّ".
انتهى وصف الشيخ لرحلته.
وفي المجموع نفسه (١) كتب الشيخ وصفًا لتلك الباخرة التي تمخر العباب فقال:
طوينا العُباب على باخره ... تبيت لقاموسه ماخره
بناء على الموج ما إنْ له ... أساسٌ سوى اللجّة الزاخره
إذا ما تأملتها من قريبٍ ... تخال بها بلدة عامره
وتحسبها جبل النار إن ... تعالت دواخنها الثائره
ونجمًا له ذنبٌ إن بدت ... بعيدًا مدخِّنةً زاهره
تباري وما إن تبالي الرِّياح ... أعادلة هي أم جائره
وليست تُرى لسكون الرّياح ... على الماء راكدة حائره
يهيج الخضمّ ويرتج وَهْي ... به جدّ هازئة ساخره
لها النار قوتٌ متى لم تجِدْه ... رأيت قواها له خائره
يصرّفها رجلٌ واحدٌ ... فتنقاد خاضعةً صاغره
يراعي النجومَ لها، والنُّجوم ... لديه ــ لعمرك ــ في دائره
وفي المجموع نفسه كتب الشيخ مذكرة فيها: "إرسال البرقيّة إلى جلالة
_________
(١) مجموع [٤٧٢٦]. وقد كانت تعسَّرت عليّ قراءة ثلاث كلمات في البيتين الرابع والخامس، وحين تأملها أخي د. الإصلاحي تبينت له وحلّ ما غمض منها، ونبهتُ على ذلك هنا لأنها لم تعدّل في "فوائد المجاميع" (ص ٤٦٠) فلتؤخذ من هنا.
стр. 84
الملك يوم الأحد ١٨ ذي الحجة سنة ١٣٧١" فلعل هذه البرقية كانت لاستكمال الإجراءات النظامية للاستقرار في مكة المكرمة.
نزل الشيخ في جدة أول الأمر، وعيّن مدرّسًا في مدرسة الأنجال لبعض الوقت براتب مجزئ، لكنه لم يستمر طويلا وطلب وظيفة أخرى أقرب إلى نفسه التواقة إلى العلم والتحقيق والبحث والمطالعة، فعيِّن أمينًا لمكتبة الحرم المكي الشريف في ١٨/ ٦/١٣٧٢ براتب أقل بكثير من سابقه.
قضى الشيخ في مكة خمسة عشر عامًا متفرّغًا للبحث والتأليف والتحقيق والتدريس، قائمًا بوظيفته في مكتبة الحرم خير قيام من مساعدة الباحثين وتدبير شؤون المكتبة. ويمكن أن نجعل الكلام في هذه المرحلة من حياة الشيخ في ناحيتين:
الناحية الأولى: حياته الاجتماعية
وقد استفدنا من رسائله إلى أخيه أحمد (وهي عشر رسائل) كشفَ بعض أحوال الشيخ الاجتماعية في هذه المدة.
وأول ما لمسته في هذه الرسائل العشر نوع من الارتياح النفسي لدى الشيخ، فكأن المقام طاب له، وكيف لا يطيب وهو بجوار حرم الله، يتقلّب بين أعطاف الكتب في مكتبة الحرم المكي الشريف؟!
ومع هذه الانفراجة فإن أموره الأخرى لم تتيسر له على ما يريد، فقد كتب إلى أخيه سنة ١٣٧٣ يقول له: "إلى الآن ما رسخت قدمي هنا، وعسى الله تعالى ييسر ذلك قريبًا".
وكرر ذلك في رسالة أخرى في العام نفسه قال: "وإذا يسر الله تعالى
стр. 85
رسوخي هنا فستُقْضى جميع المطالب على ما يرام إن شاء الله تعالى، ومن الآن إن شاء الله تعالى ستتصل المكاتبة بقدر الإمكان".
وفي العام الذي يليه في ذي القعدة ١٣٧٤ كتب نفس المعنى لكن يبدو أن الأمور تحسنت أفضل من سابقتها فقد كتب إليه يقول: "مضت مدة لم يكتب فيها أحدنا إلى الآخر، وليس لي عذر إلّا أن أحوالي هنا لم تنتظم انتظامًا يمكنني مما أحب، فأما أنت: فأنا عارف بعذرك، وعسى الله تعالى أن يهيئ الأمور وييسر كل معسور بفضله وكرمه".
وفي التاسع من رجب ١٣٧٥ بعد مضي أربع سنوات على قدومه انفرجت الأمور ويبدو ذلك في رسالته المؤرخة في ذلك التاريخ قال: "ثم تحسَّنت الحال أخيرًا إلى حدٍّ ما، وشَرعتُ أفكر في ترتيب الأمور الأقرب فالأقرب، أسأل الله تعالى التيسير والتوفيق".
وفي رسالة له مؤرخة في ٢٨ شعبان ١٣٧٥ شرح مراده بتحسن الحال فقال: "أما تحسّن حالي فلله الحمد، ولم تكن قبل ذلك حالي سيئة، لكن الإنسان ما دام حيًّا لا يخلو من مطالب إذا قَصُرت يده عنها عدّ حالَه سيئة، مع أنه إذا بسطت يده امتدت عينُه إلى مطالب أخرى وهلمّ جرّا. وأنا الآن في صدد تأمين أهم المطالب".
وفي ٢٦ شعبان سنة ١٣٧٧ قدم ابنه عبد الله من باكستان إلى المملكة بعد تعب كثير في طلبه إلى هنا، وحصول الإذن له بالإقامة. ولم يمض وقت طويل حتى تحصّل ابنه على خدمة (وظيفة) في جدة بعد استئذان أبيه في ذلك وموافقته له.
стр. 86
وقد بقي الشيخ على جنسيته حتى ذي القعدة من سنة ١٣٨٤ أي قبل وفاته بسنة وثلاثة أشهر! وقد لخص ذلك بقوله لأخيه في رسالة له في هذا التاريخ: "والحقيقة أن قضية الجوازات وما يتبعها معقّدة جدًّا، وأنا نفسي بعد اللَّتيا والتي حصلت على الجنسية السعودية، أما ابني عبد الله فلم يتهيأ لنا ذلك، وهو إلى الآن بالجنسية اليمانية ... ".
الناحية الثانية: حياته العلمية
أما الناحية العلمية، فهي حافلة بحق بالتأليف وتحقيق الكتب والتدريس.
أما جانب التأليف: فقد بيَّض فيها عددًا من كتبه الكبار التي ألفها في الهند كـ"التنكيل"، و"العبادة"، وألَّف عددًا من الكتب والرسائل الحديثية والفقهية منها: رسالة تأخير المقام، ورسالة توسعة المسعى، وقيام الليل، وصيام الست من شوال، والتأويل، والأنوار الكاشفة.
وفي جانب التحقيق: أصدر ستة مجلدات من كتاب "الأنساب" للسمعاني إلى حرف الزاي، وستة مجلدات من "الإكمال" لابن ماكولا إلى حرف العين، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني، و"الموضح لأوهام الجمع والتفريق"، و"بيان خطأ محمد بن إسماعيل"، و"تذكرة الحفاظ" وغيرها، بما مجموعه واحد وعشرون مجلدًا (١).
هذا سوى الكتب التي أشرف على نسخها أو تصحيحها أو فهرستها أو
_________
(١) انظر مبحث تحقيقات الشيخ، فما كانت طباعته مؤرَّخة بعد ١٣٧١ فهو مما عمل عليه في مكة المكرمة.
стр. 87
النظر فيها (١).
أما جانب التدريس: فقد كان للشيخ درس بعد صلاة الفجر في حَصوة باب السلام يحضره عدد من الطلبة (٢)، وكانت له دروس بعد العصر يحضرها خاصته من طلبة العلم، يدرّس فيها النحو والبلاغة والفقه والفرائض (٣).
إضافةً إلى القيام بوظيفته في مكتبة الحرم المكيّ الشريف من إعانة الباحثين عن العلم والمعرفة، وفهرسة المكتبة، والكتابة إلى الجهات المختلفة لتزويدها بمختلف الكتب، حتى إنه كاتب مجموعة من المجلات بمصر لترسل أعدادها إلى مكتبة الحرم كمجلة (الأزهر) ومجلة (الناشر المصري) وكاتَبَ الشيخ أحمد شاكر بنحو ذلك.
اتخذ الشيخ من غرفته بمكتبة الحرم المكي الشريف سكنًا، وكان ابنه الوحيد يسكن ويعمل في جدة، فلم يكن للشيخ شاغل يشغله عن العلم والتحقيق والتأليف، بل كل وقته كان للعلم، كتب لي تلميذه محمد بن عبد الرحمن المعلمي: "كان ﵀ لا يحب المظاهر، ويبقى دائمًا في المطالعة والتأليف، ولا يخرج من المكتبة إلا لصلاة الفرائض ... ويعود إلى المكتبة ... ".
فلذلك أنتج لنا هذا الانتاج العظيم تأليفًا وتحقيقًا بما لم يجتمع في
_________
(١) انظر "الرسائل المتبادلة" مع الشيخ محمد نصيف (ص ٢٩٥ - ٣٠٧).
(٢) "باب السلام في المسجد الحرام" (ص ١٦٠).
(٣) كما أخبر بذلك جماعة من طلابه ممن كتبوا إليَّ وسبقت الإشارة إلى كلامهم.
стр. 88
عالم من علماء هذا العصر.
كان خاصّة الشيخ الذين يأنس بهم ويكثر الاجتماع بهم قِلّة يعدون على الأصابع، من أبرزهم الشيخ محمد حسين نصيف (ت ١٣٩٢) وكان بينهما حبّ أكيد وتواصل مستمر، وكان الشيخ المعلمي يجلّه غاية الإجلال فهو يدأب في مكاتباته له بنعته بعدّة نعوت لا يفارقها "حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف".
ومنهم الشيخ سليمان الصنيع (ت ١٣٨٩) مدير مكتبة الحرم المكي الشريف وعضو مجلس الشورى، كان الشيخ كثير الذكر له في مقدمات كتبه ويصفه بـ "الصديق العزيز الناقد البحّاثة" وقال: "وهو مَن أولى العناية البالغة بكتب الرجال وتحقيق الأسانيد" (١).
وكان للشيخ الصنيع عادة بجمع بعض الفضلاء والعلماء يوم الجمعة للغداء، ومنهم الشيخ المعلمي، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ صالح بن عثيمين، والشيخ الحرْكان (٢).
وبقي الشيخ ﵀ ممتّعًا بعزيمة قوية وجَلَدٍ على البحث والتنقيب والتحقيق مع كِبر سنه وضعف قوّته، وشاهد ذلك أن الأجزاء الأخيرة من تحقيقه للأنساب والإكمال إنما طبعت بعد وفاته بأشهر، مما يعني أن الانتهاء منها كان قبل وفاته بأشهر قليلة، ولعل في تلك التعليقة الطويلة الشهيرة في "الإكمال": (٦/ ٣٢٢ - ٣٣١) لابن ماكولا ما يكشف عن هذا
_________
(١) انظر "المقدمات" (ص ٨، ١٠، ١٩٥، ٢٠١، ٢٥٣، ٢٥٧).
(٢) ذكره لي تلميذاه عبد الكريم الخراشي، ومحمد بن عبد الرحمن المعلمي.
стр. 89
الجَلَد العجيب والصبر على البحث والتفتيش والتحقيق، وقد سقناها برمّتها في "المقدمات" (ص ٣١٨ - ٣٣١) فلتراجع، وكان وقت كتابتها في أواخر سنة ١٣٨٥ أي قبل وفاته بأربعة أو خمسة أشهر.
стр. 90
المبحث الرابع
أُسْرته
كان الشيخ المعلمي ﵀ صاحب عناية تامة بأقاربه على اختلاف صلة قرابته معهم، وقد ظهر هذا جليًّا من خلال الوقوف على رسائله الخاصة مع أخيه أحمد، ومع أننا لم نقف إلا على بضع عشرة رسالة منها إلا أن فيها مادة جيدة توضّح هذه الخلة الحميدة، وسأشير إلى نماذج من ذلك:
فهو لا يزال يتعاهد أباه بإرسال ما يرتفق به من المال، سواء حين كان في الحضرة الإدريسية أو حين سافر إلى الهند، ولم يزل يتعاهد أباه برسائل متعددة.
وكذلك لم يزل يراسل أخاه أحمد منذ كان في الهند وحتى آخر حياته، وغير مستبعد أنه يراسل بقية إخوته لكن لم يصلنا خبر شيءٍ من ذلك. هذا مع ملاحظة أن المراسلات كانت تثقل عليه جدًّا ولا يجد نشاطًا لها (كما صرح بذلك مرارًا). وكذلك عنايته بأبناء إخوته، فقد استجلب عددًا منهم يوم كان مقيمًا بالهند، وحين استوطن مكة، وكان كثير السعي في مصالحهم، مع كثرة السؤال عنهم وعن أحوالهم، وكذلك باقي إخوته يَذْكر أحوالَهم ويعينهم بجاهه وماله حتى الغنيّ منهم إذا طلبه لم يردّ طلبه.
وكان أيضًا يتابعُ أحوالهم وإن بعدت الديار وشطّ المزار حتى أبناء أبناء إخوته لم يغفل عن العناية بهم، بل ذكر في بعض رسائله أنه سيطلب بعضهم ليكونوا عنده في مكة، وأنه يصل بعضهم بصلاتٍ مالية.
وكذلك اعتنى بتدريس جماعة من آل المعلمي وأَوْلاهم عنايةً خاصة،
стр. 91
وقد كتب إليَّ جماعةٌ منهم بذلك كما سبق في مبحث مصادر ترجمة الشيخ. وقد يشتدّ أحيانًا عليهم من باب التربية وحملهم على مصالحهم، كما وقع له مع ابن أخيه (أحمد بن محمد بن يحيى).
وسنذكر هنا أفراد أسرته الأقربين (الوالد والإخوة)، وما عرفناه عنهم من خلال ما وقفنا عليه من المصادر (١)، أما الفروع فلن نفرد الحديث عنهم بل سنشير إليهم في تراجم أصولهم.
* والده:
هو الفقيه العلامة (٢) يحيى بن علي بن محمد المعلمي.
لم أقف على تاريخ ولادته، وقد نشأ في عُزلة "العَقِد" التابعة لمخلاف "حمير الوسط" في قرية "الطُّفَن" (٣) من ناحية عُتْمَة لواء ذمار، وسافر إلى زبيد لطلب العلم فأقام بها خمس سنين، ثم عاد وتزوّج من أسرة من القبائل اليمنية من بني كرد، فأنجبت له: فاطمة ومحمد وعبد الرحمن وعطية، ثم تزوّج بأخرى هي فاطمة بنت أحمد المعلمي فأنجبت له: أحمد، وعبد المجيد، وسعيدة، وميمونة.
وبعد مدة انتقل من قريته إلى قرية بلاد الريمي، وأراد أن يبني له منزلًا،
_________
(١) استفدت في بعض ما يتعلق بأسرته مما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي (ابن أخت الشيخ) في تقديمه لرسالة "إدراك الركوع بإدراك الركعة".
(٢) هكذا وصفه الشيخ في إحدى وصاياه انظر "الخطب والوصايا" (ص ٢٣٧) ضمن هذه الموسوعة.
(٣) سبق التعريف بها.
стр. 92
فوجد في رأس جبل مرتفعٍ بيوتًا متهدمة قديمة على شكل أطلال يسمى الجبل "بيت الولي" فبنى له منزلًا في ذلك المكان بعد أن حصل على إذن من مالكه. وكانت المنطقة أرضًا زراعية يستفيد من زراعتها، فبنى هناك بيتًا ومسجدًا واستقرت به الحال.
وفي هذا المنزل والمسجد الجديدين كان يتقلّب والد الشيخ عبد الرحمن ما بين تعليم للأطفال والصلاة بالقرى المجاورة صلاة الجمعة والعيدين، وتعليم الصغار والزراعة حتى مات سنة ١٣٦١ هـ. ﵀.
وكان لوالد الشيخ تأثير جيد في نشأته، من حيث الاهتمام بتعليمه، وتربيته، ورعايته. وكان الشيخ المعلمي يكنّ لوالده حبًّا عظيمًا، كما صرح به في رسالة خاصة إلى أخيه أحمد، إذ قال: " وليس على وجه الأرض بعد سيدي الوالد ــ حفظه الله تعالى ــ من يسرني سروره أزيد منك".
وكان والده يتعاهده بالمكاتبات والرسائل، وكان الشيخ يهتم بها غاية الاهتمام، فلذلك أوصى أخاه أحمد ــ وقد أرسل إليه كتابًا من والده ــ بقوله: "واحتفظ بكتبه لا تضيع".
وكان الشيخ يتعاهد والده بالبر والصلة، فيرسل له بانتظام ما تيسّر له من المال يستعين به على شؤون الحياة، وقد يتأخر أحيانًا في الإرسال لظروف قاهرة تتعلق بالإرسال، ويظهر من رسائله التألّم لذلك، وربما أصابه القلق إذا تأخرت رسائل أبيه. وربما كان قلقه بسبب خوفه على أبيه من بطش الإمام يحيى حميد الدين بسبب انضمام الشيخ المعلمي إلى الإدريسي وهو أشدّ خصوم الإمام وبينهما معارك ونزاع طويل.
стр. 93
* إخوته:
١ - محمد بن يحيى المعلمي:
نشأ عند والده ودرس عنده، ثم سافر إلى مدينة زبيد للدراسة، ثم إلى الحِجَرية لواء تعز في "تربة ذيحان"، وعمل كاتبًا للمحكمة هناك، وكان يجيد اللغة التركية، ثم عاجلته الوفاة، فقد توفي سنة ١٣٤٠ أو في التي تليها، أيام مقام الشيخ عند الإدريسي، وخطب الشيخ إحدى خطب الجمعة وذكر فيها موت أخيه فقال: "وإنه قد بلغني ما قضاه الله تعالى من وفاة سيدي الأخ الفاضل العالم العامل عز الإسلام: محمد بن يحيى ... " (١).
ووصل خبر وفاته إلى والده فذهب إلى الحجرية، وكان قد ترك مكتبة ضخمة، فحمل كتب ابنه على بعيرين ونقلهما إلى عُتمة.
وقد خلّف ولدين: أبو بكر، وأحمد، ذكرهما الشيخ في رسائله كثيرًا، وقد بقيا عند جدهما (يحيى) مدة، والتحق أبو بكر بالشيخ إلى الهند، ولم يطل مكثه بها، وعاد إلى اليمن، لكنه ما لبث أن توفي، وقد خلّف ابنًا اسمه محمد. وفي رسالة للشيخ مؤرخة في ١٣٧٥ ذكر أن عمره نحو ١٥ عامًا، وأنه ينوي أن يجلبه إلى مكة.
٢ - أحمد بن يحيى المعلمي:
نشأ عند والده حتى ترعرع، وسافر مغتربًا لا يعرف أين ذهب حتى اتضح بعد فترة طويلة أنه في إندونيسيا وقد تزوّج وأقام هناك يعمل في
_________
(١) "الخطب والوصايا" (ص ٢٢).
стр. 94
التجارة، وقد زار اليمن في أوائل السبعينات ثم عاد.
وكان بينه وبين الشيخ مراسلات كثيرة وقفنا منها على سبع عشرة رسالة كلها من الشيخ المعلمي إليه (انظرها في الرسائل الشخصية)، وكان أحمد من أحب الناس إلى الشيخ، قال في رسالة إليه: "فإنك تعلم حقيقة هذا الأمر من نفسك، أنت مني وأنا منك، وليس على وجه الأرض بعد سيدي الوالد ــ حفظه الله تعالى ــ من يسرني سروره أزيد منك، ولا أعلم لك ذنبًا". والرسائل التي أرسلها له الشيخ تبين مكانته عنده وحبه له، وتعاهده بالنصيحة والمشورة والمساعدة المادية، واستجلاب أولاده إلى مكة بعد أن استقر فيها، ودوام الاعتذار عن التقصير في تتابع الرسائل إليه، لما يُعرف من طبيعة الشيخ من قلة المكاتبة.
توفي فيما بلغني سنة ١٤١٢.
٣ - عبد المجيد بن يحيى المعلمي:
نشأ عند والده ولازمه حتى مات، وتعلم القرآن الكريم، وأجاد القراءة والكتابة، واستمر في منزل والده في "بيت الريمي" يقوم بوظيفة والده من تعليم وزراعة حتى بداية السبعينات، حيث فارق القرية وسافر إلى صنعاء، وأقام عند أحد أولاده الموظفين، وعليه سيما الصلاح، وقد توفي ﵀ سنة ١٤١٥.
وقد ذكره الشيخ في رسائله الخاصة عدة مرات، وذكر أنه اعتاد أن يحج كل سنة، وواضح من إشارات الشيخ المتكررة أن عبد المجيد كان يتعاهد إخوانه بالرسائل والمكاتبات، وذكر الشيخ في رسالة له أن حالته المادية
стр. 95
حسنة، وأنه مِن أحسن أهل "منطقة الريمي" حالًا حتى إنه يقارن بشيخها، وأنه في إحدى زياراته للحج أراد العلاج من مرض ألمَّ به، وأن الشيخ عازم على مساعدته في ذلك رغم سعة ذات يده، وهذا من برّه وإحسانه بإخوانه.
٤ - سعيدة بنت يحيى المعلمي:
هي والدة الشيخ الأديب عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي، يقول عنها ولدها: "كانت رحمها الله لا تقرأ ولا تكتب، ولكن كان لها جهد طيب مع الوالد في التربية والتوجيه، وكانت تحفظ سورًا من القرآن، عليها الصلاح وسيما الخير، وكانت وفاتها عام ١٣٩٣".
وقد ذكرها الشيخ في رسائله مرتين، وذكر أن حالها حسنة، وأنه أرسل لها صِلَة يسيرة.
٥ - عطية بنت يحيى المعلمي:
أخته من أبيه، ذكرها في إحدى رسائله وأنها توفيت نحو سنة ١٣٧٥، وذكر أن لها بنتًا من إبراهيم القاضي، وأن لهذه البنت ولدًا جاء إليه وأقام لديهم في مكة مدة، وتزوّج من بنت أخيه عبد المجيد.
* زوجته:
لم يتزوّج الشيخ ﵀ إلا في الهند قبيل سنة ١٣٥٠، والظاهر أن زوجته من أهل تلك البلاد، وعندما رحل الشيخ إلى مكة بقيت هناك مع ولدها عبد الله الآتي ذِكرُه، وقد أصيبت بمرض مزمن، ولعلها توفيت هناك؛ فقد جاء في رسالة مؤرخة في ١٣٧٥ قول الشيخ: "وزوجتي لا تزال في الهند وهي مريضة مرضًا مزمنًا لايمكنها معه القيام بمصالح نفسها فضلًا عن
стр. 96
غيرها، وأنا مرتّبٌ لها معيشتها هناك ".
ولم يتزوج الشيخ بغيرها حتى مات. مع أنه قال في رسالة إلى أخيه أحمد حين ذكر مرض زوجته المزمن: "ولي فكرة في الزواج إذا وجدتُ امرأة عاقلة فيها بقيّة".
* أولاده:
أعقب الشيخ المعلمي ولدًا واحدًا اسمه عبد الله، ولد في السادس من ربيع الثاني سنة ١٣٥١، وقد أرّخ ذلك الشيخ في أحد مجاميعه بقوله: "بحمد الله ﵎ ولد الولد المبارك الصالح ــ إن شاء الله تعالى ــ عبدالله ضحى يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الثاني من عام واحد وخمسين وثلثمائة وألف من الهجرة النبوية.
اللهم اجعله من عبادك المخلصين، العلماء العاملين، الهداة المهديين، وإني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، وأسألك أن تجعله من العلماء الراسخين، العارفين بكتابك المبين، وسنة نبيك الأمين ــ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله ــ وأن تجعله من حفظة كتابك، والواقفين عند حدودك، وأن تجعله قرة عين لأبويه، إنك أنت الكريم الوهاب الرزاق من تشاء بغير حساب .. ". وليس له من الولد غيره.
وسبق أن ذكرنا أن الشيخ المعلمي أوصى إلى الشيخ إبراهيم رشيد أن يعتني بابنه إن باغته الأجل قبل بلوغه (١).
_________
(١) انظر (ص ٧٧).
стр. 97
وقد أثنى عليه الشيخ وعلى أدبه وخلقه فقال في رسالة مؤرخة في ١٣٧٧: "وهو بحمد الله حَسَن السيرة طيب الأخلاق بعيد عن مخالفتي"، وكان عمره حينذاك ستة وعشرين عامًا.
وعندما رحل الشيخ إلى مكة المكرمة سنة ١٣٧١ بقي الابن مع والدته لاستكمال دراسته والعناية بوالدته، ثم انتقل إلى باكستان لإكمال دراسته، وبقي فيها إلى سنة ١٣٧٦، ثم أحضره والده إلى مكة، ورغب الولد في البقاء في جدة للعمل فأذن له الشيخ، ولم يزل على هُويَّته اليمنية لم يتحصّل على الجنسية السعودية كما أشار الشيخ إلى ذلك في إحدى رسائله المؤرخة سنة ١٣٨٤.
هذا ما عرفناه عن أسرة الشيخ ﵀، ولا شك أن مزيدًا من البحث والتنقيب سيكشف الكثير من أخبارهم.
стр. 98
المبحث الخامس
شيوخه
لم نقف إلا على القليل من شيوخ العلامة المعلمي، وهذا القليل هو مَن نصّ على التتلمذ عليهم ووصَفَهم بكونهم من شيوخه. ولا أعتقد أن للشيخ شيوخًا كثيرين، بدليل أنه هو مَن أرَّخ لفترة طلبه للعلم باليمن إلى حين ارتحاله للإدريسي، ولم يذكر في هذه المرحلة (١٣١٢ - ١٣٣٦) إلا شيوخه الثلاثة الأُوَل الآتي ذِكْرُهم، وعليه فلا نعتقد أنه أغفل ذِكْر شيوخٍ تلقى عنهم في هذه المرحلة، بل أخبر عن الواقع.
أما بعد رحلته إلى الإدريسي فقد تلقّى عنه كما صرح بذلك مرارًا، ونص أيضًا على أن العلامة باصهي من شيوخه.
ولا نشك أن الشيخ قد استفاد أيام الإدريسي من أولئك النخبة من العلماء الذين نزلوا عند الإدريسي بالمذاكرة والمناظرة في مجالس الإدريسي وغيرها، كما سبقت الإشارة إليهم.
أما بعد رحلته إلى الهند فلم نقف إلا على ذكر الشيخ عبد القدير الصديقي في إجازته للشيخ، وقد سبق نقلها.
وهذا يدلّ على نبوغ الشيخ وعبقريته، فبقليل من الدراسة للفن يفهمه ويبرع فيه، ويذكّرني قوله: إنه درس النحو أسبوعين حتى فهمه وتقدّم فيه= بما جاء في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه قرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي (١)، فسبحان مقسم المواهب والأرزاق!
_________
(١) "الجامع لسيرة شيخ الإسلام" (ص ٢٥٠).
стр. 99
ولنذكر هنا هؤلاء الشيوخ مرتبين على حسب تلقيه العلم عنهم:
١ - والده الفقيه العلامة العماد يحيى بن علي المعلمي (ت ١٣٦١).
٢ - أخوه العلامة (١) محمد بن يحيى بن علي المعلمي (ت ١٣٤١). وقد درس عليه النحو، وتذاكر معه في الفقه كما سبق تفصيله.
٣ - الفقيه العلامة الجليل أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي (ت ١٣٤١). درس عليه الفقه والفرائض والنحو وغيرها من الفنون، وقد أثنى عليه الشيخ كثيرًا، وأجازه إجازةً عامة بكل مروياته سنة ١٣٣٥ وعمره ٢٣ سنة، وقد سقنا الإجازة برمّتها عند الكلام على نشأته وطلبه للعلم.
٤ - الإمام السيد محمد بن علي الإدريسي (ت ١٣٤١)، درس عليه بعض الفنون، ولاسيما النحو والحديث، وقد قيد جملةً من الدروس والفوائد مما ألقاه الإدريسي، وهي موجودة في مجاميعه منسوبةً إلى الإدريسي، وربما جمعت بينهما مذاكرة فيقيد الشيخ خلاصتها في أوراق ويزيدها بحثًا وتقريرًا.
٥ - الشيخ سالم بن عبد الرحمن باصهي (ت ١٣٦٦). قال عنه الشيخ: "شيخنا، إمام الشريعة والحقيقة في وقته، الشيخ العلَّامة سالم بن عبدالرحمن ... " (٢).
٦ - الشيخ محمد عبد القدير الصديقي القادري (ت ١٣٨١)، شيخ الحديث بكلية الحديث في الجامعة العثمانية بالهند، قرأ عليه في الهند بعض
_________
(١) وصفه الشيخ المعلمي بذلك.
(٢) "الرد على الضالعي- ضمن رسائل العقيدة" (ص ١٨١).
стр. 100
"صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، وأجازه بروايتهما، وأجازه أيضًا بـ"جامع الترمذي" و"سنن أبي داود" و"سنن ابن ماجه" و"سنن النسائي" و"الموطأ" (١).
_________
(١) سيأتي طرف من إجازته له في مبحث الثناء عليه.
стр. 101
المبحث السادس
تلاميذه
تصدَّر الشيخ لتدريس الطلاب وإقراء العلم مبكرًا، فقد كان له عدة دروس أيام مقامه عند الإدريسي وهو في سن الخامسة والعشرين، واستمر الشيخ في التعليم ونشر العلم في كل بلد ينزل فيه، سواء في عدن أو الهند أو حين استقرَّ به المقام في مكة المكرمة. وكان الشيخ يعقد درسه في المسجد الحرام في حصوة باب السلام بعد صلاة الفجر لمجموعة محدودة من طلبة العلم الشريف (١). هذا غير الدروس التي كان يلقيها على بعض الطلاب بعد صلاة العصر.
وكان الشيخ صبورًا على الطلبة لا يسأم من تعليمهم والإعادة لهم وتفهيم مَن أشكلت عليه، يقول تلميذه محمد بن أحمد المعلمي فيما كتبه إليَّ:
"كان زملائي متفوقين عليّ بأذهانهم، وأنا كان ذهني بعيدًا عن أذهانهم في مادة النحو، فكان زملائي يحفظون بسرعة ما يلقي علينا الشيخ من شرح مادة دروس النحو، وكان الشيخ ﵀ يعرف ذلك مني مما يلاحظه في خلال إلقاء الدرس، وبعد انتهاء الدرس وتفرُّق الطلاب يستدعيني الشيخ ويعيد الدرس عليّ ثانيًا ويكرر عليَّ الدرس حتى أفهمه ويعيد فكري ثم أسجل كل ما يلقيه عليَّ الشيخ من الشرح والإعرابات والأمثلة في دفاتري، وأكرر ذلك، وهكذا كل يوم.
_________
(١) انظر "باب السلام في المسجد الحرام" (ص ١٦٠) لعبد الوهاب أبو سليمان.
стр. 102
أما زملائي فكانوا يعتمدون على ذكائهم ولا يسجلون شيئًا مما يتلقونه من الشيخ، وبعد أيام وعند تكراري لحفظ الأمثلة والإعرابات أصبحتُ متفوقًا على زملائي، فما كان الشيخ يأتي بأمثلة أو إعرابات إلا وأنا أسابق زملائي، ثم يقول الشيخ لزملائي: انتظروا حتى يفرغ ما عنده، ثم أتى لهم ولي بقصة فقال: إن حيوانًا يسمى بالسلحفة وهو يختفي داخل غلاف له فإذا أحس بشيء دخل في غلافه وهو مما يشبه العظم، فيوم من الأيام التفت السلحفة بالحجل (الظبية) وقالت: يا حجل أريد أن أتسابق أنا وأنت إلى الجبل الفلاني، فقال الحجل: ما أسخف عقلك يا سلحفة أتسابق أنا وأنت؟ ! فأنت تَحْبِي حبوًا وإذا حَسَّيتي (١) بشيء اختفيتِ، وأنا أسابق الريح! فكررت السلحفة قولها، وقالت: سابقيني، فتسابقتا. فأسرعت الحجل إلى بعض الطريق ثم توقفت، وقالت: سأنام هنا قليلًا ثم أذهب إلى الموضع المتسابق إليه فغلبها النوم فما انتبهت إلا وقد سبقت إليه السلحفة.
فقال الشيخ: هذا مثلكم ومثل هذا الطالب، ثم سأل الشيخ بعض الجلساء الذين جلسوا يستمعون من الشيخ حينما يلقي الدرس علينا: ما رأيكم في هذا الطالب؟ فقال أحدهم: قد أصبح سيبويه".
ومن الواضح تركيز الشيخ على تدريس فن النحو كما عرفناه من تراجم بعض الطلبة، والسبب في ذلك أنه إذا استقام علم النحو لطالب العلم مكّنه ذلك من العلوم الأخرى.
ومع هذا العمر المديد في التدريس لم نقف على عدد كبير من أسماء تلاميذه خاصة في المرحلتين الأوليين من حياته، وهما وقت مقامه عند
_________
(١) كذا على اللهجة الدارجة، والوجه: "حَسَِسْتِ" أو "حسَِيتِ" بقلب السين الثانية ياءً.
стр. 103
الإدريسي ووقت بقائه في الهند، بل لا نكاد نعرف أحدًا من طلابه في هاتين المرحلتين على طولهما، وغالب مَن وجدناهم كانوا من طلابه وقت مقامه في مكة.
١ - أحمد صالح دحوان الآنسي. أرسل للشيخ رسالةً يقول فيها "حضرة الوالد الشيخ العلامة الورع شيخنا عبد الرحمن بن يحيى المعلمي" والرسالة مؤرّخة في ٢٦/رمضان/ ١٣٧٣.
٢ - أحمد بن سالم باسويدان. جاء ذكره في رسالة من عبد الله بن أحمد بن مذحج إلى الشيخ المعلمي. ووصفه بأنه تلميذ للشيخ.
٣ - أحمد بن محمد المعلمي، قرأ عليه في النحو "الآجرومية"، وتدرّب عليه بإعراب جزءٍ من القرآن من سورة الناس إلى فصلت.
٤ - أبو تراب الظاهري عبد الجميل بن عبد الحق الهاشمي (ت ١٤٢٣). وقد درس على الشيخ علم الفرائض، قرأ عليه كتاب "السراجية" للسجاوندي الحنفي. وقد ذكره الشيخ في مقدمته لكتاب "الإكمال" (١) فقال: "العالم الفاضل".
٥ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم المعلمي، لازمه ثلاث سنين، فقرأ عليه في النحو "الآجرومية" ثم "الألفية"، وقرأ عليه في الفقه الشافعي، وهو الآن أستاذ متقاعد.
٦ - عبد الرحمن بن حسن بن محمد شجاع الدين، قرأ عليه "الآجرومية".
_________
(١) "المقدمات" (ص ٥٧).
стр. 104
٧ - عبد الكريم الخراشي، مدرس بالمدرسة الرحمانية المتوسطة سابقًا، ومدير مكتبة مكة المكرمة في الفترة المسائية لاحقًا، التقيت به وسألته عن الشيخ المعلمي فحدَّثني عنه حديثًا طويلًا، وقد انتفع بالشيخ وتوجيهاته وعلمه، واستعمله الشيخ في نسخ كتاب "الغيلانيات"، وكتاب "مجمع البحرين" للهيثمي.
٨ - عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي، لازمه عشر سنوات. وقرأ عليه "شرح ابن عقيل" و"النحو الواضح" في المرحلة الابتدائية والثانوية، وقرأ عليه "الرحبية"، ومصطلح الحديث "الكفاية"، والحساب، كما علَّمه الشيخ كيفية التعامل مع المعاجم العربية وكيفية كتابة الترجمة.
٩ - عبد الله بن محمد الحكمي، لازم الشيخ عدة سنين إبّان عمله في مكتبة الحرم المكي إلى حين وفاته، وعُيّن موظفًا في المكتبة، ثم انتقل إلى المكتبة العامة بالزاهر بمكة، وقد دفع إليه الشيخ المعلمي "ديوان شعره"، وقد زرت أبناءه بعد وفاته واطلعت على "الديوان" وأفدتُ منه، كما سيأتي عند الكلام عليه.
١٠ - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم المعلمي، كتب إليّ يقول: "الفترة التي عشتها مع الشيخ عبد الرحمن بن يحيى سنتين من أول سنة واحد وسبعين ١٣٧١ على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم إلى آخر سنة ١٣٧٢ عامين كاملين ثم دعت الظروف بالعودة إلى اليمن مع والدي ... ". وقرأ عليه "قطر الندى" و"شرح ابن عقيل" وشرح "الآجرومية" وفي الفرائض شرح "الرحبية". وعند مغادرته مكة طلب من الشيخ أن يكتب له وصية جامعة، فكتبها الشيخ بناء على طلبه
стр. 105
وأثنى عليه في أولها فقال: "فقد صحبني الولد الفاضل محمد بن أحمد ... المعلمي وفقه الله تعالى عامين كاملين بمكة المكرمة وحمدت صحبته وأدبه وحرصه على طلب العلم ... " (١).
١١ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكريم المعلمي، لازمه نحو أربع سنين، وقد كتب إليَّ أنه درس عنده "النحو الواضح الابتدائي" ثلاثة كتب، وكذا ثلاثة الأجزاء الثانوية، وتدرّب عليه بإعراب جزء عمّ كاملًا، وقرأ عليه في الفرائض، والمناهج في الفقه.
١٢ - محمد بن عثمان الكَنَوي، عمل كاتبًا في مكتبة الحرم المكي حينما كان الشيخ أمينًا عامًّا لها، وأول لقائه بالشيخ كان سنة ١٣٧٩ (٢) واشتغل بعد ذلك في فهرسة مخطوطاتها. وربما ساعد الشيخ في نسخ بعض المخطوطات، ثم عمل رئيسًا لقسم المخطوطات بجامعة أم القرى.
١٣ - محمد بن علي بن حسن الروافي، ترجم له الأكوع في "هجر العلم" (٣) فقال: "عالم في الفقه والفرائض والنحو، له مشاركة قوية في علم الحديث، درس في ذمار وفي صنعاء، ثم رحل إلى مكة المكرمة سنة (١٣٧٩ هـ) فأخذ عن بعض شيوخ العلم مثل الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وعن غيره، وله إجازات ممن أخذ عنهم".
_________
(١) "الخطب والوصايا" (ص ٢٤٤).
(٢) "عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة" (ص ٦٧) لهدى بالي.
(٣) (٢/ ٨٩٩).
стр. 106
١٤ - محمد سعيد بامردوف العمودي، ذكره الشيخ في رسائله عدة مرات مما يدلّ على علاقة وطيدة به، ووقفت على إجازة له من الشيخ منها نسخة في مكتبة الحرم المكي الشريف.
١٥ - الحاج محمد فارع، جاء في رسالة له إلى الشيخ: "حضرة سيدي وعمدتي العلامة القدوة الفهامة الشيخ عبد الرحمن ... أخوكم وتلميذكم محمد فارع". وقد وصفه الشيخ في موضع بـ "الشيخ العلامة".
١٦ - مُشرّف بن عبد الكريم بن محسن المحرابي، له ترجمة في "هجر العلم" (١) للأكوع وفيها: "عالم مشارك درس في ذي جبلة، ثم رحل إلى مكة المكرمة، فلازم الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، وعمل معه، فأقبل على القراءة والمطالعة، وانتفع بشيخه المذكور وشيوخ آخرين، وبقي هناك مدة، ثم ذهب إلى عدن فلازم الشيخ محمد سالم البيحاني. ونقل إلى صنعاء فعُين مديرًا في وزارة التربية والتعليم ثم عُين وكيلًا للهيئة العلمية، فنائبًا لمكتب التوجيه والإرشاد ومستشارًا للهيئة العامة للمعاهد ثم عضوًا في اللجنة الدائمة، جمع ثروة كثيرة من المخطوطات وفيها نوادر لا مثيل لها". وقد أكرمني بزيارة في بيتي سنة ١٤٢٨ هـ، وسجلت معه لقاءً عن الشيخ المعلمي في شريط.
_________
(١) (٣/ ١٩٥١).
стр. 107
المبحث السابع
صلته بعلماء عصره
كان الإمام المعلمي كسائر العلماء الربانيين، متواصلًا مع العلماء يفيدهم ويفيدونه، وقد كتب الشيخ في هذا الباب (التواصل مع العلماء) كتابة قيّمة بعنوان (صفة الارتباط بين العلماء في القديم) ذكر فيها أمثلة كثيرة من هذا التواصل، وحث فيها على التواصل بين العلماء في مختلف الأقطار، وقد أوردناها في آخر "مجموع الرسائل الحديثية". وقد كان للشيخ صلات عديدة مع علماء عصره، ومنهم على سبيل المثال:
- محدث الديار المصرية الشيخ أحمد محمد شاكر (ت ١٣٧٧)، فقد أرسل إليه الشيخ عدة رسائل بخصوص مسائل علمية، وأثنى الشيخ أحمد شاكر عليه في تحقيقه لتفسير الطبري.
- الشيخ العلامة محمد بن عبد الرزاق حمزة المصري (ت ١٣٩٢) مدير دار الحديث بمكة والمدرس بالحرم المكي الشريف ومؤلف كتاب "ظلمات أبي رية".
- فضيلة العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع الوهيبي التميمي (ت ١٣٨٥) رحمه الله تعالى، صاحب كتاب "مختصر عنوان المجد في تاريخ نجد" و"إرشاد الطلاب إلى قضية العلم والعمل والآداب" وغيرهما.
- الشيخ المحقق البحاثة سليمان بن عبد الرحمن الصنيع العنيزي المكي (ت ١٣٨٩) رحمه الله تعالى، كان من أقرب أصدقائه وأحبهم إليه.
стр. 108
- الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حمد القرعاوي النجدي، (ت ١٣٨٩) رحمه الله تعالى، ومن الصِّلات بينهما أن القرعاوي أرسل إلى المعلمي ما طبع وما لم يطبع من كتب الشيخ حافظ الحكمي لكي يقوم بتصحيحها ومراجعتها.
- الشيخ القاضي عبد الله بن علي العمودي (ت ١٣٩٨) المعمّر، قاضي ميدي في أيام الإدريسي، كان بينه وبين الشيخ مكاتبات عديدة ومناظرات في مسائل علمية، أثبتّ طرفًا منها في "الرسائل المتبادلة"، وله تاريخ سماه "تاريخ اللامع" ذكر فيه الشيخَ مرارًا أيام كان لدى الإدريسي، ومختصره "تحفة القارئ والسامع" وهو المطبوع الآن.
- صاحب الفضيلة الوجيه الشيخ محمد بن حسين نصيف (ت ١٣٩١) ﵀. ويبدو أن معرفته به وعلاقته قديمة، فقد وقفتُ على رسالة أرسلها إليه الشيخ المعلمي من الهند عام ١٣٥٥ يستشيره في أمر يتعلق بكتب بقيت عنده للإدريسي، وكيفية مكاتبة أولاده لتسليمها لهم.
وبعد مجيء الشيخ إلى مكة قويت العلاقة واستحكمت، وكان علاقة عمل في العلم ودأب على تصحيح الكتب وطباعتها وتوزيعها وما يتعلق بها.
- الشيخ العالم السيد فضل الله بن أحمد بن علي الجيلاني (ت ١٣٩٩) رحمه الله تعالى، صاحب كتاب "فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد". وقد قدّم الشيخ المعلمي لهذا الكتاب مقدمةً حافلة بطلبٍ منه.
стр. 109
- عبد الله بن أحمد بن مذحج، قال في رسالة إلى الشيخ: " إلى حضرة الصديق الحميم العلامة المحقق مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي دام بخير آمين".
- محمد عبد الله صولان، أَرْسَل للشيخ رسالة في مسألة مشكلة في الفرائض، وأنه لم يعرف من يحلها غيره، ووصفه الشيخ في جوابه إليه بقوله: "سيدي الأستاذ العلامة الشيخ محمد بن عبد الله صولان".
- الأستاذ فؤاد سيد (ت ١٣٨٧)، مدير قسم المخطوطات بدار الكتب المصرية، ذكره الشيخ في حاشية الإكمال: (٦/ ٣٢٢ - ٣٣١)، وذكر أنه راسله بخصوص نسبة (العندي)، وقد وقفنا على رسالتين منه إلى الشيخ كلتاهما في سنة ١٣٨٥.
وفي أول لقاء لهما قصة طريفة ذكرها الدكتور محمود الطناحي تدل على شدة تواضع الشيخ المعلمي. قال: "حدثني الأستاذ فؤاد سيد ... قال: كنت في أثناء الحج أتردد على مكتبة الحرم المكي لرؤية المخطوطات وزيارة مدير المكتبة المرحوم الشيخ سليمان الصنيع وكان بين الحين والآخر يأتي إلينا رجل رقيق الحال، يسقينا ماء زمزم. وبعد يومين طلبت من الشيخ الصنيع رؤية الشيخ عبد الرحمن المعلمي، فقال: ألم تره بعد؟ أليس يسقيك كل يوم من ماء زمزم! يقول الأستاذ فؤاد: فتعجبت من تواضعه ورقة حاله، مع ما أعرفه من علمه الواسع الغزير" (١).
_________
(١) "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي" (ص ٢٠٥).
стр. 110
- الشيخ محمد بن سالم البيحاني (ت ١٣٩١). وكان قد راسله الشيخ يسأله عن نسبة (العندي)، وفي رد البيحاني على رسالته أنه اعتذر له من قلة رسائله إليه، وقد أبان جواب البيحاني عن علاقة جيدة بينهما، واعتراف بفضل الشيخ قال: " أما ما أشرتم إليه من تقصيركم في المراسلات فلا عتب ولا لوم إلا على مثلي فيما يجب لأمثالكم من أهل العلم والفضل، وأعاذك الله من سوء الخلق أو العجز عن أي واجب أو مندوب، ولعلك تعذرني أنا لما تعلم من حالي. وأرجو أن يكون قد وصلكم القسم الأول من كتابي "أشعة الأنوار على مرويات الأخبار"، من طريق الشيخ عبد الملك بن إبراهيم".
- الشيخ عبد الحق الهاشمي (ت ١٣٩٢)، وقد طلب من الشيخ أن يكتب تقريظًا على كتاب "مسند الصحيحين"، فكتبه. زودني ابنُه شيخُنا عبد الوكيل بنسخة منه، وأخبرني أن الشيخ المعلمي كان بعض الأحيان يقف على حلقة والده، فيسأله الشيخ المعلمي ــ وهو واقف ــ عن مكان حديث أو أثر في صحيح البخاري، فيقول: إنه في زاويةٍ من زواياه. وقد ذكر الشيخ في رسالة منه للشيخ محمد نصيف أنه سلّمه نسخةً من "مجاز القرآن".
стр. 111
المبحث الثامن
ثناء العلماء والفضلاء عليه
الثناء على الشيخ المعلمي كثير من العلماء الفضلاء، من شيوخه وأقرانه وتلاميذه، نسوق هنا طائفة من كلماتهم:
١ - قال والده الشيخ يحيى المعلمي (ت ١٣٦١): "الولد الأجل الأمجد العلامة القاضي عبد الرحمن ... حرسه الله تعالى ووفقه لرضاه" (١).
٢ - الإمام محمد بن علي الإدريسي (ت ١٣٤١): "محبّنا الأجل العالم العامل الأمثل وجيه الإسلام عبدالرحمن المعلمي" (٢).
٣ - الحسن بن علي الإدريسي: "محبّنا الفقيه العلامة وجيه الإسلام عبد الرحمن .. المعلمي" (٣).
٤ - القاضي عبد الله العمودي (ت ١٣٩٨): "حضرة أخينا ومحبّنا الهمام وجيه الإسلام قاضي القضاة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي" (٤).
٥ - ناظم دائرة المعارف السيد هاشم الندوي: "حضرة العلامة الجليل والفهامة النبيل مولانا الشيخ عبد الرحمن اليماني".
"الأستاذ الفاضل العلامة مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ولله دره، قد اجتهد في تصحيح الأسماء والأنساب
_________
(١) كان عمر الشيخ حينها ٣١ عامًا.
(٢) كان عمره ٢٤ عامًا.
(٣) كان عمره حينها ٢٥ عامًا.
(٤) كان عمره حينها دون الثلاثين حين كان رئيس القضاة في أيام السيد الإدريسي.
следующие страницы →