← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1439

الدليل إلى القرآن

عمرو الشرقاوي

Полный текст (228 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]

стр. 2

مقدِّمَةُ الإصدار الثاني الحمد لله الكريم الوهَّاب، الرحيم التواب، غافرِ الذنبِ وقابلِ التوبِ شديد العقاب ذي الطَّوْلِ لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام على النَّبي الأوَّاب، مُبَلِّغِ الكتاب، وعلى الآل والأصحاب، صلاةً تدوم إلى يوم الحساب، ويكون لنا بها عند الله زُلفَى وحسن مآب، وبعد: لقد دعت الحاجة إلى كتابة العلم لأهل العصر باللغة التي تناسبهم، وبالأسلوب الذي لا يجدون معه وحشة، وهذا ليس ببعيد عن صنيع علمائنا المُتَقَدِّمِين، قال الإمام الوَاحِدِي (ت: ٤٦٨): «إني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب في التفسير لم أُسبق إلى مثله، وطال علي الأمر في ذلك لشرائط تقلدتها، ومواجب من حق النصيحة لكتاب الله تعالى تحملتها، ثم استعجلني قبل إتمامه والتقصِّي عمَّا لزمني من عهدة أحكامه نفر متقاصرو الرغبات … إلى إيجاز كتاب في التفسير، يقرب على من تناوله، ويسهل على من تأمَّله من أوجز ما عُمِل في بابه وأعظمه فائدة على متحفظيه وأصحابه. وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا تعجيلًا لمنفعتهم، وتحصيلًا للمثوبة في إفادتهم ما تمنَّوه طويلًا، فلم يغن عنهم أحد فتيلًا» (١).

стр. 3

ومن هنا جاء كتاب «الدليل إلى القرآن» لتقريب علوم القرآن لأهل العصر، وقد نفع الله تعالى به، وله الحمد والمنَّة، وطبع طبعات متعددة، وقرِّرَ في عدة برامج علمية، وقد دعت الحاجة إلى إعادة النظر فيه، وإزالة ما قد يوهم غير المراد عند ناظريه، وإضافة ما يثريه. وإذ أقدمه في إصداره الثاني، فإني أقف بباب الكريم سبحانه راجيًا أن ينفع به، وأن يكتب له القبول، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم سبحانه جل شأنه، والحمد لله أن جعلنا من أمة القرآن، ونسأله أن يجعلنا من أَهْلِه الذين هم أَهْلُه! وكتبه عمرو صبحي علي الشرقاوي فجر غرة ذي الحجة لعام (١٤٤١) من الهجرة النبوية

стр. 4

مقدِّمَة الإصدار الأول الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، هدىً وذكرى لأولي الألباب، وأودعه من العجائب العجب العُجاب، وجعله حاليًا بالأحرف السبعة وكمال الشرعة وفَصْل الخطاب، والصلاة والسلام على النَّبي الأوَّاب، وعلى الآل والأصحاب، صلاةً تدوم إلى يوم الحساب، ويكون لنا بها عند الله زُلْفَى وحسن مآب، وبعد: فإنَّ ثمار التجهيل التي تمارس على الأمة الإسلامية آتت أُكْلَها، وقد نال أعظم كتاب في الكون، وأشرف دستور للعالمين، القرآن الكريم، نصيبَه من هذا التجهيل. فصرنا نرى ونسمع من لا يعرف عن القرآن إلا اسمه، وعن المصحف إلا رسمه، لا يعرف شيئًا مما يتعلق بهذا الكتاب المجيد إلا معلومة شاردة، أو معرفة ناقصة. وفي وسط هذا الظلام ظل أهل الحق وطلابه يسألون، وللمعرفة عن القرآن يتعطشون، ولأجل هؤلاء جاء هذا الكتاب. حاولت عبر هذا الكتاب أن أشارك في تقريب القارئ من المشروع الحقيقي للأمة، مشروع (تلاوة القرآن)، تتميمًا لمقصد البعثة المحمدية، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢]!

стр. 5

«وحقيقةُ التلاوةِ هي التلاوةُ المطلقةُ التَّامَّةُ، وهي تلاوةُ اللفظِ والمعنى؛ فتلاوةُ اللفظِ جزءُ مُسمى التلاوةِ المُطلقةِ، وحقيقةُ اللفظِ إنما هي الاتباعُ، يقال: اتلُ أثر فلانٍ، وتلوتُ أثرهُ، وقفوتُهُ وقصصتُهُ، بمعنى تَبعتُهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ [الشمس ١: ٢]، أي: تَبعَها في طلوع بعد غَيبتها، ويُقال: جاءَ القومُ يتلو بعضهم بعضًا، أي: يتبع، ويُسمَّى تالي الكلام تاليًا، لأنَّهُ يُتبِعُ بعضَ الحروف بعضًا، لا يُخرجُها جُملةً واحدةً، بل يُتبِعُ بعضها بعضًا مُرتبةً، كُلَّما انقضى حرفٌ أو كلمةٌ أتبعهُ بحرفٍ آخرَ وكلمةٍ أُخرى، وهذه التّلاوةُ وسيلةٌ وطريقٌ. والمقصودُ: التِّلاوةُ الحقيقيةُ، وهي: تلاوَةُ المعنى واتِّباعُهُ؛ تصديقًا بخبرهِ وائتمارًا بأمرهِ، وانتهاءً عن نهيهِ، وائتمامًا به، حيثُما قادكَ انقدتَ معه، فتلاوةُ القُرآنِ تتناولُ تلاوةَ لفظهِ ومعناهُ، وتلاوةُ المعنى أشرفُ من مجرَّد تلاوةِ اللفظِ، وأهلُها هم أهلُ القرآن الذين لهم الثناءُ في الدنيا والآخرة، فإنهم أهلُ تلاوةٍ ومتابعةٍ حقًّا» (١). جاء هذا الكتاب ليرفع عنَّا قشرة الجهل بهذا الكتاب، لكي يكون هاديًا مع الهداة للدلالة على هذا الكتاب المجيد. وقد جعلته في سؤال وجواب، اتِّباعًا لسنة جبريل ﵇، في سؤاله النَّبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وإثارة للذهن، ودفعًا للسآمة والملل، وجاء مختصرًا موجزًا في عبارته، وتوخيت - قدر وسعي - أن تكون عبارته ميسرة ليصلح لعموم القراء.

стр. 6

ولولا أن عنوان «الطريق إلى القرآن» قد سبق به الحبيب الأستاذ إبراهيم السكران، وجعله عنوان كتابه، وهو من أجمل الكتب التي تحدثت عن القرآن = لجعلته عنوان كتابي، والذي أرجو أن يسهم في تقريب كثير من المفاهيم التي ينبغي معرفتها عن كتاب الله إلى عموم الناس، مؤمنهم وكافرهم، كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم. ولذا سميته: «الدليل إلى القرآن» (١). وقد قسمته إلى ثمانية أقسام، وفي كل قسم عددٌ من الأسئلة، والأقسام هي: أولًا: القرآن .. مصدريته .. وتاريخه. ثانيًا: علوم القرآن. ثالثًا: إعجاز القرآن. رابعًا: التفسير .. التدبر .. التأثر. خامسًا: حفظ القرآن .. وتجويده. سادسًا: أحكام فقهية تتعلق بالقرآن المجيد. سابعًا: كتب الدراسات القرآنية. ثامنًا: أفياء .. منشورات قرآنية.

стр. 7

وقد انتفعت بتوجيهات من تفضل بقراءة الكتاب قبل طباعته، وهم عدد من أهل العلم والفضل، واستفدت كثيرًا من توجيهاتهم في تقويم الكتاب، وتصحيح ما وقع فيهم، فلهم جميعًا أهدي ثمرة مجهودهم، وشكر الله لهم، وجزاهم خيرًا، وجعلنا وإياهم من المشتركين في الأجر، ومن المتنعمين بنور الكتاب. وأسأل الله أن يقربنا من كتابه، وأن يجعله ربيع قلوبنا، وأن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعله محققًا للرغبة التي بعثتني على كتابته، وأن يجد قارئه ما يمكن أن يكون قد مر على خاطره، وسأل عنه حول القرآن وما يتعلق به، وإني لأرجو ممن قرأه ألا يبخل علي بنصح إن رآه، فإنَّ النصيحة من الدين، وإني لها - إن شاء الله - لممتثل، وأرجو من أهل العلم أن يسامحوا ما وقع فيه من خلل، فإنه لغيرهم، ومثل هذا يعفى عنه إن شاء الله، وإني بنصحهم مسترشد، والحمد لله رب العالمين (١). عمرو الشرقاوي amr.alsharqawi@gmail.com

стр. 8

أولًا: القرآن .. مصدريته .. وتاريخه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [سورة: الشعراء]

стр. 9

ما القُرآن؟ إنَّ أنسب ما نتعرف به على القرآن هو القرآن نفسه، وقد أخبرنا المتكلم بالقرآن سبحانه وبحمده أنَّه كلام الله، وأخبر أنَّه نزل بواسطة أمين الوحي جبريل، على قلب محمد ﷺ ، بلسان عربي مبينٍ واضحٍ لا لبس فيه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [سورة: الشعراء]. وكان وقت ابتداء نزوله ليلةَ القَدْر من شهر رمضان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولم ينزل القرآن في وقت واحد، وإنَّما نزل مفرقًا، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [سورة: الإسراء]، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [سورة: الفرقان]. وقد شدَّدَ القرآن على كونه ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق البشر، ورد على الشبهات التي تزعم أنه من قول البشر، فالقرآن كلام الله، لا تدخل لأحد من البشر فيه، حتى ولو كان هذا التدخل من قبل محمد ﷺ ، يقول الله

стр. 10

تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ [سورة: الحاقة]. وأخبر القرآن عن حال النَّبي ﷺ حين يتنزل عليه القرآن، فقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [سورة: القيامة]، وعن ابن عباس ﵄، في قوله: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ [القيامة: ١٦]، قال: «كان النَّبي ﷺ يُعالِج من التنزيل شدة كان يحرك شفتيه»، فقال ابن عباس: «أنا أحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما» فقال سعيد: «أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه» فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧] قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨] قال: فاستمع وأنصت، ثم إنَّ علينا أن تقرأه قال: «فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النَّبي ﷺ كما أقرأه» [رواه البخاري: (٥)، ومسلم: (٤٤٨)، واللفظ له]. وقد حُصِرَت دعوة النَّبي ﷺ في تلاوة الكتاب، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢].

стр. 11

وقد جُعِلَت تلاوة الكتاب تجارةً رابحة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩]. وهذا القرآن لا ريب فيه، فالشك لا يتطرق إليه بأي وجه من الوجوه، فلا ريبَ في أخباره، ولا ريبَ في أحكامه، فأخباره الصدق، وأحكامه العدل، قال الله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. والقرآن هو النور الذي أنزله الله ليُخرِجَ الناس من الظلمات بإذن ربهم إلى صراط مستقيم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [سورة: المائدة]. والقرآن هو الموعظة، والشفاء، كما قال سبحانه: ﴿يا أيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [سورة: يونس]، ومن تمسك بهذا القرآن فإنه المبصر حقًّا، لأن القرآن بصائر، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [سورة: الأنعام]، وقال: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ [سورة: الأعراف]، فللقلب بصيرة هي نوره لا يصل إليها المرء إلا بالقرآن، وإلا فالعمى لازم له، وبقدر الإقبال على الكتاب يكون الأخذُ من نوره، والتبصر ببصائره، وكما أن العين لا تبصر إلا بنور قدامها، فكذلك القلب لا يبصر إلا بنور القرآن!

стр. 12

وأخبر القرآن عن حال أهل الإيمان حين تلاوته، فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [سورة: الزمر]. القرآن هو: الفرقان، والكتاب، والذكر، والتنزيل، والقرآن: حق وصدق، وعزيز، وعظيم، وعلي، ومجيد، وقبل ذلك: إنَّه وحي! والقرآن: رحمة، وشفاء، وكريم، ومبارك، ونور. إنَّه النبأ العظيم! وأدعوك في ختام هذا الجواب، أن تختم القرآن - ولو ختمة واحدة - لتتعرف عليه حق التعرف.

стр. 13

ما الحجج الدالة على أن القرآن كلام الله؟ يعبَّر عن هذه المسألة، بتعبير آخر، هو: «مصدرية القرآن»، وقد أخبر القرآن عن مصدره، كما سبق في السؤال الماضي، لكننا سننطلق في الإجابة عن هذا السؤال، بذكر الحجج التي نصل بها للإيمان بأن الله تعالى هو مصدر هذا الكتاب المجيد. وقد لخَّصنا هذه الحجج من كتاب ممتع للعَلَّامة د. محمد دراز (ت: ١٣٧٧)، وهو بعنوان: «النبأ العظيم». الحجة الأولى: الإقرار. لقد أقر النَّبي ﷺ على نفسه أنَّ القرآن الذي جاء به ليس من كلامه، وإنَّما هو وحي من ربه إليه. وحجية هذا الإقرار: أنَّ القرآن حجَّ العرب، وعجزوا أمامه، فالمصلحة تقتضي أن ينسب محمد ﷺ القرآن له، لتروج زعامته، ويرتفع قدره عند هؤلاء القوم، ولم يفعل، وحاشاه أن يفعل! وإنما لم يفعل؛ لأنَّه صادق أمين، ولم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله.

стр. 14

فإن قال قائل: إنَّه لم يفعل ذلك إلا ليستجلب مزيدًا من الأتباع بنسبة هذا الكلام للرب، ويستدعي لنفسه طاعة وسلطانًا. فنقول: هذا الكلام فاسد من جهتين: الجهة الأولى: أنَّ محمدًا ﵊ قد صدر عنه الكلام الذي نسبه لنفسه، والكلام الذي نسبه لربه، وأوجب القرآن على الناس طاعة محمد ﷺ ، وجعل طاعته من طاعة الله تعالى، فهلَّا جعل كل أقواله من كلام الله كما يقول هذا القائل. الجهة الثانية: أنَّ هذا الكلام مبني على افتراض باطل، هو: أن يكون محمد ﷺ قد سوَّغ لنفسه أن يصل إلى مقصده، ولو بالكذب والتمويه. وهذا باطل؛ لأن سيرةَ محمد ﷺ ، وأحوالَه تأبى ذلك. فإنَّ صفاته وشمائله قبل النبوة وبعدها، تأبى أن يكون كاذبًا، فقد كان أعداؤه قبل أصحابه يشهدون له بالصدق، والأمانة، ولم يقل أحد منهم قط: إنَّه كاذب. الحجة الثانية: أُمِّيةُ النَّبي ﷺ -. لم يكن النَّبي ﷺ ممن يرجع بنفسه لكتب العلم، ودواوينه، ومن المتَّفق عليه؛ أنَّه ﷺ لم يكن يمارس القراءة والكتابة قبل بعثته. ولا يمكن أن يكون القرآن من استنباط النَّبي ﷺ بالذكاء الفطري الذي كان يتمتع به؛ لأنَّ القرآن قد احتوى على ما لا يمكن أن يستنبط بالعقل ولا بالتفكير،

стр. 15

وفيه أيضًا ما لا يدرك بالوجدان ولا بالشعور، كالوقائع التاريخية، والحقائق الدينية الغيبية، والتي جاءت في القرآن بصورة مفصلة، والإخبار بالأمور المستقبلية، والتي وقعت كما أخبر. الحجة الثالثة: أنَّه لم يأخذ القرآن عن معلم. لا يمكن أن يكون القرآن قد أُخِذَ عن معلم، لأنَّ قوم النَّبي ﷺ كانوا من الجهل بحيث لا يمكن أن يكون أحدهم معلمًا لمحمد ﷺ ، ولو فرضنا أن فيهم من يصلح لذلك، فلم لم يأخذوا عنه كما أخذ محمد ﷺ بدلًا من مقارعته بالسيوف؟! ومن المستحيل أن يكون القرآن قد أُخِذَ عن اليهود والنصارى، ولينظر قائل تلك المقالة إلى حديث القرآن عن أهل الكتاب، وذكره لهم، وكيف يصوِّر القرآن علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها الجرائم والمنكرات. وفي القرآن ما لا يوجد في كتب أهل الكتاب، كقصة هود وشعيب ﵉، فمن أين أتى بها؟! ولا يمكن أن يكون القرآن قد أُخِذَ عن شعر بعض العرب، كأمية بن أبي الصلت وغيره، لأن القرآن نفى أن يكون شعرًا، ولأن في الشعر ما لا يوجد في القرآن، كوصف الخمر، ونحوها، ولأن العرب لم يدَّعِ أحدٌ منهم أن القرآن مسروق أو منحول من الشعر الموجود في ذلك العصر أيًّا كان قائله. الحجة الرابعة: التَّحدِّي وعجز العرب. لقد تحدى القرآن العرب، وكرر التحدي عليهم أن يأتوا بمثل القرآن، وظل يتدرج بهم إلى أن وصل أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، فعجزوا.

стр. 16

فإن كان القرآن من كلام محمد ﷺ ، فلم عجزت العرب عنه؟! إنَّ أحدًا منهم لم يستطع أن يجاريه، ولا أن يطعن في عربيته، ولذا: فإن أي طعن يوجه للقرآن من جهة عربيته من طاعن متأخر عن أبي جهل، وأبي لهب وأضرابهم، فاعلم أنه باطل في ذاته؛ إذ لو كان صحيحًا لما غفل عنه هؤلاء الأعداء، وهم أبصر الناس باللغة، وأحرصهم على الطعن في القرآن. الحجة الخامسة: ظاهرة الوحي. لم يكن الوحي حالة اختيارية تعتري محمدًا ﷺ ، بل كان حالة غير اختيارية، وهذا - لمن يؤمن بالغيب - دليل على كون القرآن من عند الله، فقوة الوحي قوة خارجية، لأنها تتصل بنفس محمد ﷺ حينًا بعد حين، وهي قوة عالمة، وهي قوة أعلى من قوته، لأنها تحدث آثارًا في بدنه، وهي قوة خيرة معصومة، لا توحي إليه إلا الحق، فماذا عسى أن تكون تلك القوة إن لم تكن قوة ملك كريم؟! ولم يكن الوحي يعكس شخصية الرسول ﷺ ، ففي أكثر الأوقات لا يذكر عنه شيئًا، وتأمَّل - مثلًا -: حين مات عمه أبو طالب، وزوجته خديجة، وحزن لذلك حزنًا شديدًا، ومع ذلك لم يشر الوحي إلى ذلك. بل نجد في الوحي آيات اللوم والعتاب له ﵊، كقوله سبحانه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ٤٣﴾ [التوبة: ٤٣]، وقال سبحانه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ١ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ٢ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ٣ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ٤ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ٥ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ٦ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ٧ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ٨ وَهُوَ يَخْشَى ٩ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ١٠﴾ [عبس: ١ - ١٠].

стр. 17

الحجة السادسة: إعجاز القرآن. لقد جاء القرآن نموذجًا لا يبارى في الأدب العربي، إنَّه المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبًا بوجه عام، فلغته تأخذ بالقلوب، وتفحم بالحجة، وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب. ومما يبين إعجاز القرآن في لغته: ١ - أنَّ لغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر، وخشونة لغة أهل البادية، إنها تجمع بين رقة الأولى، وجزالة الثانية. ٢ - إنَّها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكًا من النثر، وأقل نظمًا من الشعر. ٣ - كلماته منتقاة، لا توصف بالغريب إلا نادرًا، تمتاز بالإيجاز العجيب، والنقاء في التعبير. ٤ - إنَّ أسلوب القرآن يجمع بين العقل والعاطفة على رغم ما بينهما من تباعد. ٥ - وهو في وحدة سوره، وترتيبها، وتناسق أجزائها آية وأي آية!. * مراجع إثرائية: ١ - النبأ العظيم، د. محمد دراز، اعتناء: عمرو الشرقاوي، ط. مركز تفكر للبحوث والدراسات. ٢ - تنزيه القرآن الكريم، د. منقذ السقار، ط. مركز تكوين. ٣ - براهين النبوة، د. سامي عامري، ط. مركز تكوين.

стр. 18

ما مبررات وبراهين الإيمان بسلامة النص القرآني من التحريف؟ لقد اتفقت كلمة المسلمين جميعًا على أن القرآن كلام الله، وحجة من أعظم حججه على عباده، وأبلغها دلالة، ومن أكبر الحجج على صحة النص القرآني الموجود بين أيدينا: الحجة الأولى: العناية بالقرآن في عهد النَّبي ﷺ ، وعهد الصحابة. تمثلت العناية القصوى بالقرآن في عهد النَّبي ﷺ في حفظ القرآن في قلوب الراسخين في العلم من أصحاب النَّبي ﷺ ، وتدوينهم له، وتلاوتهم له آناء الليل وأطراف النهار. ولما دعت الحاجة - وهي كثرة قتل القراء في موقعة اليمَامَة - كان الجمع الأول للقرآن في عهد أبي بكر ﵁. وبعد جمع أبي بكر، بات القرآن الكريم محفوظًا في مصحف أبي بكر بين دفتين، وعدة صحف ومصاحف خاصَّة تجمع سوره وآياته كلها أو بعضها. فأمَّا مصحف أبي بكر فقد انتقل من أبي بكر لعمر بن الخطاب، ومنه إلى بيت حفصة أم المؤمنين ﵂.

стр. 19

ثم دعت الحاجة إلى جعل هذا المكتوب في مصاحف على صورة تسد باب اختلاف الذين لا يعلمون، فتمَّ جمعه والعناية الفائقة به في عهد عثمان ﵁. وبعد ذلك حصلت عمليات تطوير خط المصحف الشريف، وظلت هذه المحاولات، وهذه الحياطة إلى زمان الطِّباعة، وانتِشَار المصاحف عبر الأقطَار الإسلامية، وانتقالها إلى المسلمين جيلًا بعد جيل. وليس في القرآن بحمد الله خطأ استطاع أن يثبته أحدٌ كائنًا من كان من وقت تدوينه إلى زمان الناس، وما أُثير من شبهات حول الرسم، أو ما ادُّعي أنه مخالف للعربية، تصدى له علماء الإسلام بالبيان، والتمحيص، ومصنفاتهم حاضرة قريبة من طالبِ الحق والهدى. الحجة الثانية: تَلَقِّي القرآن بالمشافهة. لقد كان القرآن محفوظًا في الصدور كما هو مكتوب في الصحف، وكان الناس ولا يزالون يتلقون هذا القرآن عن أشياخهم، إلى أن يتصل السند بكبار أصحاب النَّبي ﷺ ، وهؤلاء الصحابة أخذوه عن رسول الله ﷺ . وهذه الحجة مما يعرف تفصيلها من كتب تاريخ القراءات، وبيان جهود العلماء المبذولة في ضبط الأوجه القرآنية التي يقرأ بها القرآن. فمن الذي يتصور وقوع التحريف في سورة الحمد (الفاتحة)؟ وهي السورة التي تقرأ في محاريب المسلمين كل يوم عدة مرات، وكذلك سائر القرآن كان يُقرأ في محاريب المسلمين مرة بعد مرة، أيتفق كل هؤلاء على التحريف، ولا نجد إنكارًا عليهم، سبحانك هذا بهتان عظيم!

стр. 20

الحجة الثالثة: عدم وجود فجوة تاريخية في مسار القرآن. وهذا بخلاف التوراة التي انقطع سندها بعد موسى ﵇ بستة قرونٍ على الأقل، وتعددت نسخها، واختلفت فيما بينها، وبخلاف الإنجيل الذي ظل يُتناقل شفهيًا، وتعرض لكثير من التَّحريف حتى دوِّن متأخرًا بعد أن ناله ما ناله من التَّحريف. لقد وصل القرآن إلينا، بلغته الأصلية التي كان عليها، فلم يتعرض لما قد تتعرض له الترجمة، من اختلاف، وكونها عرضة للاشتباه في الفهم، ونحو ذلك. وقد نقل إلينا بالمشافهة، وتداوله عددٌ كبير من الناس، ودون في زمان النَّبي ﷺ ، وجمع بعده في دفتين بعد مدة وجيزة جدًّا، كما سلف، وإنَّ المطلع على المخطوطات الموجودة للمصحف الشريف، والتي هي عتيقة، وترجِع إلى العصور الأولى من نزول القرآن، يعلم كيف أن الله تعالى قد أحاط القرآن بعناية خاصَّة، لئلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيمٍ حميد. ومع كل العواصف التي عصفت بأمة الإسلام إلا أنَّ أحدًا منهم لم تمتد يده للقرآن ليحرفه، بل ولم يستطع، وأنَّى له ذلك، بل إنهم على اختلافهم وتناحرهم كانوا معظمين للقرآن معتنين بشأنه، كما يعرف من تاريخ كتابة المصحف والعناية به. وبعد؛ فإنَّ أعظم دليل على عدم تحريف القرآن، هو القرآن ذاته، فقد احتفظ القرآن بكل خصائصه التي كان عليها زمان النبوة، لقد ظل مُؤثرًا في الأمة، ومعجزًا على مر الدهور، لا يزال الناس يأخذون منه، وَيَرِدُونَه فلا تنفد عجائبه، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد.

стр. 21

* مراجع إثرائية: ١ - مدخل إلى القرآن الكريم، د. محمد دراز، ط. دار القلم. ٢ - تاريخ القرآن عند الشيعة الاثنى عشرية، د. عبد العزيز الضامر، ط. مركز تكوين. ٣ - موثوقية نقل القرآن، د. عبد الله موسى رمضان، ط. مكتبة التوعية. ٤ - المصاحف المنسوبة للصحابة، د. محمد الطاسان، ط. دار التدمرية. ٥ - رسم المصحف، د. غانم قدوري الحمد، ط. دار عمار.

стр. 22

ما المراد بكلمة (الوحي)؟ الوحي المقصود هنا: هو القرآن، فالقرآن هو الوحي الذي أنزله الله بواسطة جبريل ﵇ على قلب محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ٣﴾ [يوسف: ٣]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ٧﴾ [الشورى: ٧]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٢﴾ [الشورى: ٥٢]. ويطلق الوحي في اللغة على: «الإعلام في خفاءٍ وسرعةٍ»، وهو بهذا المفهوم يشمل الوحي العام، والوحي الخاص. فالوحي قسمان: عام، وخاص. القسم الأول: الوحي العام. فالوحي العام يشمل: الإشارة، والإيماء، والإلهام، ويشمل أيضًا ما إذا كان الإعلام من الخير أو الشر.

стр. 23

فمن أنواع الوحي العام: ١ - الإلهام، والمقصود به: الإلهام الفطري. ومنه: ما وقع لأم موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ٧﴾ [القصص: ٧]. ومنه: ما حصل للحواريين (أصحاب عيسى ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ١١١﴾ [المائدة: ١١١]. وقد يقع الإلهام لبعض المخلوقات، كما أخبر الله عن النحل، قائلًا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨﴾ [النحل: ٦٨]. ٢ - ما يلقيه الله تعالى لملائكته، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ١٢﴾ [الأنفال: ١٢]. ٣ - ويطلق الوحي بهذا المفهوم العام على فعل بعض المخلوقين، كما قال سبحانه عن زكريا ﵇، ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ١١﴾ [مريم: ١١]، فالمعنى: أشار إليهم أن يُسَبِّحوا الله بكرة وعشيًا. ٤ - ويطلق الوحي بهذا المفهوم العام على ما يلقيه الشياطين إلى أوليائهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١١٢﴾ [الأنعام: ١١٢].

стр. 24

القسم الثاني: الوحي بالمفهوم الشرعي. أما الوحي بالمفهوم الشرعي، فيطلق على «إعلام الله لنبي من أنبيائه، بكيفيَّة معينةٍ، بنبوته، وما يتبعها من أوامرَ ونواهٍ وأخبار». وهذا الوحي بالمفهوم الشرعي له أنواع متعددة، ذكر الله تعالى أعلاها في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ٥١﴾ [الشورى: ٥١]. هذه مقاماتُ الوحي بالنسبة إلى جناب الله : ١ - فتارةً يُقذف في روع النَّبي ﷺ شيءٌ لا يتمارى فيه أنه من الله ، وهذا يقع يقظة ومنامًا. ٢ - وتارةً يقع بتكليم الله مباشرة من وراء حجاب، كما حصل لموسى ﵇. ٣ - وتارةً يقع بتكليم المَلَك، وبهذه الطريقة وقع نزول القرآن، فقد نزل به جبريل ﵇.

стр. 25

كيف كانت حال النَّبي ﷺ عند نزول الوحي؟ ورد ذلك في بعض الأحاديث، والتي وصفت حال النَّبي ﷺ حين ينزل عليه الوحي، ومن هذه الأحاديث: ١ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعِي ما يقول» قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيَفصِم عنه وإنَّ جبينه ليتفصد عرقًا»، [رواه البخاري: (٢)]. [(صلصلة) هي صوت الحديد إذا حرك وتطلق على كل صوت له طنين. والمشبه هنا صوت الملك بالوحي. (فيفصم) يُقْلِع، ويذهب. (وعيت) فهمت وحفظت. (لَيتَفَصَّد) يسيل، مبالغة من كثرة عرقه]. ٢ - عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ [القيامة: ١٦] قال: «كان رسول الله ﷺ يعالِجُ من التَّنزيل شدة، وكان ممَّا يحرك شفتيه - فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما،

стр. 26

وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرَّك شفتيه - فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧] قال: جمعه لك في صدرك وتقرؤه: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨] قال: فاستمع له وأنصت: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٩] ثم إنَّ علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النَّبي ﷺ كما قرأه»، [رواه البخاري: (٥)]. [يعالج من التنزيل شدة: يتكلف ويتحمل من تنزيل القرآن عليه شِدَّة، وسبب الشِّدَّة: هيبة الملك، وما جاء به، وثقل الوحي].

стр. 27

صف لحظة نزول القرآن. ورد ذلك في حديث السيدة عائشة ﵂، ولأدعك مع الحديث الجليل، لتتأمله جيدًا: عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: (فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق]). فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: «زملوني زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسي» فقالت خديجة: كلا والله ما

стр. 28

يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيًرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجي هم»، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي ﷺ ، [رواه البخاري: (٣)]. [غطَّني، أي: ضمه بشدة].

стр. 29

هل نزل القرآن جملة واحدة أم نزل مفرقًا، وما فائدة تفريقه؟ نزل القرآن على النَّبي ﷺ مدة ثلاثٍ وعشرين سنة، وهي مدة بعثته ﷺ ، قال : ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾ [الفرقان: ٣٢]. وأما عن فوائد هذا النزول المنجم (أي: المفرق)، فمنها: ١ - تثبيت قلب النَّبي ﷺ ، ولقد كان تأخر الوحي عن رسول الله يقلقه كثيرًا، محبة منه لكلام ربه سبحانه وبحمده. ٢ - مواكبة الحوادث والمسائل التي تقع في عصر النبوة، إذ كان القرآن ينزل بشأنها؛ تلك الحوادث والمسائل هي أسباب النزول التي صارت علمًا مُهمًّا لمن أراد أن يفسِّر القرآن. ٣ - التَّدرج في التشريع وبيان الأحكام والحدود، فالشريعة لم تنزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ ، بل كان ينزل منها الشيء بعد الشيء من تفاصيل الأحكام والحدود حتى اكتملت الشريعة وتم الدين.

стр. 30

ما أول ما نزل من القرآن؟ أوَّلُ ما نزل من القرآن سورة (اقرأ)، ففي حديث عائشة أم المؤمنين أنها أخبرت عن أول مجيء جبريل ﵇ للنبي ﷺ وهو في غار حراء، قالت: «حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق]» [رواه البخاري: (٣)]. وهذا صريح أنَّ أولَ نزول للقرآن كان في غار حراء، وأنَّ أولَ ما نزل منه هذه الآيات الخمس من أولِ سورة العلق. ثم حصل فتور للوحي [أي: انقطاع للوحي فترة من الزمان، وقد اختلف العلماء في تحديد مدة هذه الفترة]، ونزل بعد هذا الفتور سورة المدثر.

стр. 31

ما آخر ما نزل من القرآن؟ ليس في هذه المسألة حَسمٌ، ولعل أصَحَّ ما قيل فيها: إنَّ آخر ما نزل من آيات القرآن هي آيات الربا في سورة البقرة، وآخرها قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]. أما آخر سورة نزلت، فلعل أصح ما قيل في هذا أيضًا: إنها سورة النصر.

стр. 32

ما المراد بالقراءات؟ القراءات هي: (علم بكيفية أداء كلمات القرآن، واختلافها معزوًا لناقله). فأنت تسمع اليوم: قراءة ورش عن نافع، وقالون عن نافع، وحفص عن عاصم، وشعبة عن عاصم، والدوري، وحمزة .. إلى آخره. ولكي تتصور كيفية وجود هذه القراءات، فسنعرض إلى تاريخ القراءات بصورة مختصرة جدًّا، فنقول: نزل القرآن على النَّبي ﷺ بواسطة جبريل ﵇، فقد كان جبريل يأخذ القرآن عن رب العالمين تعالى، وينزل به على قلب النَّبي ﷺ ، وكان النَّبي ﷺ يُقرئ الصحابة، وقد أخذوا عنه القرآن، وصار القرآن يحمل عنهم بالتلقي. وكان للعرب طرق مختلفة في كيفية أداء الحروف، فبعضهم كان يهمز، وبعضهم يترك الهمز، وبعضهم يقرأ بالإمالة، وبعضهم لا يميل، وهكذا. وقد سمح النَّبي ﷺ أن يقرأ كل واحد فيهم، بطريقة قومه في أداء هذه الحروف.

стр. 33

ومع ذلك: فإنهم تلقوا بعض الكلمات عن النَّبي ﷺ بأوجه مختلفة، فمثلًا: كلمة (ضنين) في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ٢٤﴾ [التكوير: ٢٤]، قُرئت بالضاد، وقُرئَت بالظاء (بظنين)، وقد تلقاها الصحابة عن رسول الله ﷺ . ومن هنا ظهرت الأوجه المختلفة في أداء كلمات القرآن الكريم، واختار كل صحابي لنفسه قراءة مما أخذه عن النبي ﷺ ، ومما اجتهد فيه مما يجوز الاجتهاد فيه. وفي تلك المرحلة، كان الصحابة يعلم بعضهم بعضًا القرآن، ولما تم جمع عثمان ﵁، انتصب بعض الصحابة لإقراء القرآن، وصار الناس يرحلون من الأمصار للأخذ عنهم، والقراءة عليهم. وتشكلت في هذه المرحلة مسألة التلقي الشفوي للقرآن، بأن يرحل الطالب إلى شيخ فيتلقى عنه القرآن، وقد ظهر في ذلك الزمن أئمة صاروا أئمة الإقراء في زمانهم، ومثَّلت هذه القراءات اختيار هؤلاء القراء مما أخذوه، وتلقوه عن شيوخهم إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وكثرت الاختيارات وتنوعت. وكانت هذه الفترة تمهيدًا للمرحلة التي بعدها، وهي فترة التدوين لروايات القراءات مع توفرها وبروزها ووضوحها وكثرتها. وفي مرحلة من تلك المراحل اختار الإمام أبو بكر ابن مجاهد (ت: ٣٢٤)، سبعة قراء من قراء الأمصار الإسلامية الكبرى، اشتهروا بالضبط والإتقان، ورجوع الناس إليهم في القراءة، وجمَعَ اختياراتهم في كتابه: «السبعة في القراءات»، وهم: «نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم الكوفي، وحمزة بن حبيب الزيات

стр. 34

الكوفي، وعلي الكسائي الكوفي»، وصار يطلق على قراءة هؤلاء: القراءات السبع. وقد اختار العلماء لكل قارئ من هؤلاء القراء اثنين ممن أخذوا عنه القراءة، فاختاروا لعاصم - مثلًا - راويين، هما: أبو بكر بن عياش شعبة، وحفص بن سليمان، ولنافع: قالون، وورشًا، وهكذا. وألفت كتب في قراءة هؤلاء السبعة، أشهرها: كتاب: «التيسير» لأبي عمرو الداني (ت: ٤٤٤)، ونظمه للإمام الشاطبي (ت: ٥٩٠). وبعد هذه المرحلة، ألف العلماء كتبًا كثيرة في القراءات، وصار بعضهم يزيد على هذه القراءات السبع، لئلا يظن الناس أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة. وصار العلماء يحررون هذه القراءات، ويعتنون بأمرها، حتى وصلت إلى إمام عظيم القدر، وهو الإمام ابن الجزري ﵀ (ت: ٨٣٣)، فألف كتابه العظيم: «النشر في القراءات العشر»، وزاد على هؤلاء الأئمة السبعة، ثلاثة هم: «أبو جعفر بن يزيد القعقاع، ويعقوب الحضرمي، وخلف البزار». وكانت قراءات الأئمة العشرة منتشرة في الأمصار الإسلامية، يقرأ أهل كلِّ مصر وما حوله بقراءة إمامهم، واستمر الحال على ذلك قرونًا، وذكر الداني أنَّ إمام الجامع الكبير في البصرة لا يقرأ إلَّا بقراءة يعقوب، وكان أهل مصر يقرؤون برواية ورش حتى القرن الخامس الهجري، ثم انتشرت بينهم قراءة أبي عمرو البصري. ويبدو أنَّ الأمر استمر على هذا الحال زمنًا بعد ذلك، حتى امتد حكم الدولة العثمانية للبلاد العربية في القرن العاشر الهجري، فانتشرت رواية حفص

стр. 35

عن عاصم في معظم العالم الإسلامي منذ ذلك الوقت بسبب اعتماد الدولة العثمانية لها، ثم طباعة المصحف بها، وازدادت انتشارًا في زماننا هذا بسبب كثرة المصاحف المطبوعة بها، وانتشار التسجيلات بها، وعبر الإذاعات ووسائل الإعلام المتعددة فرواية حفص عن عاصم يقرأ بها معظم المسلمين في الدول الإسلامية وغيرها. ويُقْرَأُ برواية قالون عن نافع، في ليبيا وأجزاء من تونس والجزائر. وبرواية ورش عن نافع في غرب مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وتشاد والكاميرون ونيجيريا وأغلب البلاد الأفريقية الغربية، وفي شمال وغرب السودان. ويقرأ برواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، وحضر موت في اليمن. أمَّا المصاحف فنظرًا لانتشار رواية حفص عن عاصم بين معظم المسلمين؛ فإنَّ غالبية المصاحف تُطبع وَفق روايته، وتأتي بعد ذلك المصاحف المطبوعة برواية ورش عن نافع، حيث طبعت في مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة وفي بلاد المغرب العربي وسوريا وقطر، وطبعت مصاحف برواية قالون في ليبيا وتونس والجزائر، وبرواية الدوري في السودان والمدينة المنورة. ويَلحظُ القارئ في هذه المصاحف وجود اختلافات يسيرة بينها في الضبط وفي الحركات المثبتة على الألفاظ المُختلَف فيها بين هذه الروايات، كما تختلِف هذه المصاحف في رسم بعض الألفاظ تبعًا للمذهب الذي رُسِم به المصحف، وتختلف في عدد آياتها حسب العدد المعتمَد لبلد القارئ.

стр. 36

مصطلحات مهمة متعلقة بالقراءات: - (القراءة، والرواية، والطريق): يُقال: قراءة فلان إذا نُسبت لأحد القُرَّاء السبعة أو العشرة، أو غيرهم ممَّن تتوافر لقراءتهم شروط القبول كأن يُقال: قراءة نافع، أو قراءة ابن كثير، أو قراءة حمزة وهكذا. وأمَّا الرواية: فهي التي تُنسب لأحد الرواة عن القارئ، كأن يُقال رواية حفص عن عاصم، أو رواية قالون عن نافع، أو رواية البَزِّي عن ابن كثير. والطريق: يُطلق على ما ينسب للآخذ عن الراوي ولو نزل، كطريق الأزرق لرواية ورش عن نافع، أو طريق عبيد بن الصباح لرواية حفص عن عاصم. فالقارئ: (نافع - عاصم)، والراوي: (ورش - حفص)، والطريق: (الأزرق - عبيد بن الصباح). فالطَّبقة الأولى، وهي طبقة الشيوخ اصطلحوا على تسميتهم: (القراء)، والطبقة الثانية، وهم التلاميذ اصطلحوا على تسميتهم: (الرواة)، والطبقة التي تحتها مهما نزلت اصطلحوا على تسميتهم: (الطرق). - (الأصول): مسائل علم القراءات التي لها قاعدة معينة تندرج فيها الجزئيات، مثل: الإدغام، والمد، والإمالة، ونحوها، وقد يُخالف بعض القراء القاعدة في كلمات يسيرة. - (الفَرْش): الألفاظ القرآنية التي اختلف فيها القراء، والتي لا تندرج ضمن قواعد ومسائل أصول القراءة، وسميت بالفرش لانتشارها وتفرقها في السور؛ فإنَّ فرش الشيء: نشره وبثه، مثل: كلمة (ضنين) في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ٢٤﴾ [التكوير: ٢٤]، فقد قرأها بعض القراء (بظنين) بالظاء، ومثل كلمة (الصراط) فقد قرأها بعض القراء (السراط) بالسين.

стр. 37

* مراجع إثرائية: ١ - مقدمات في علم القراءات، د. القضاة، د. أحمد خالد شكري، ط. دار عمار. ٢ - الأساس في علم القراءات، د. علي الجعفري، ط. أروقة. ٣ - القراءات القرآنية، د. عبد الحليم قابة، ط. دار طيبة الخضراء.

стр. 38

ما المراد بنزول القرآن على سبعة أحرف؟ لقد كان موضوع (الأحرف السبعة) ولا يزال من الموضوعات المُشكِلة في علوم القرآن، غير أنَّ كل الاختلاف فيها لا يؤثر على صحة نقل القرآن، وموثوقية وصوله إلينا. وعلى المؤمن أن يسلم بهذه الحقيقة؛ لأن اختلاف العلماء في مسألة الأحرف السبعة كبير، وقد لا يستوعبه عقل المبتدئ، لكن المهم: أن نُظهر عدة نقاط محكمات لا بد أن تكون في وعينا عند دراستنا لهذا الموضوع: ١ - أنَّ هذه الأحرف نزلت من عند الله، وأنَّها نزلت للتخفيف على الأمة. ٢ - أنَّ الصحابة فهموا معنى الأحرف السبعة، وعملوا بمقتضى فهمهم. ٣ - أنَّ العدد «سبعة» يُقصد به العدد المعروف، وهو ما بين الستة والثمانية. ٤ - أنَّ العلماء اتفقوا على أن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع، لأن القراءات نشأَتْ بعد الأحرف السبعة ونزولها، وانتهاء نزول القرآن. والقراءات كلها (السبعة، والعشرة، وما زاد عليها) هي جزءٌ من الأحرف السبعة.

стр. 39

٥ - أنَّ كل الاختلاف الحاصل في هذا الموضوع لا يؤثر على صحة النص القرآني، لأنه محفوظ بحمد الله تعالى، وقد تقدمت الأدلة على ذلك. والاختلاف بين الأحرف السبعة هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فلا تناقض بين معاني الأحرف السبعة على أي مذهب من مذاهب العلماء المفسرين لمعنى الأحرف. أي: لا يوجد تعارض بين حرف وآخر من الأحرف السبعة على أي تفسير لها، كما أنَّه لا يوجد تعارض ولا تناقض بين القراءات القرآنية. وقد اختلف العلماء في بيانها، ومن الأقوال القريبة، أنَّها: (وجوه قرائية منزلة، متعددة، متغايرة، في الكلمة القرآنية الواحدة ضمن نوع واحد من أنواع التغاير). فاللفظ الواحد قد يحتمل عدة أوجه من القراءة، وهذه الأوجه لا يمكن أن تتعدى في اللفظ الواحد سبعة أوجه، فقد يرد وجهان فقط في قراءة الحرف، مثل: (ننشرها - ننشزها). وقد يرد اللفظ على أربعة أوجه، مثل: (فيضاعفَه - فيضاعفُه - فيضعِّفَه - فيضعِّفُه). وقد يرد على خمسة أوجه، مثل: (هَيتَ لك - هَيتُ - هِيتَ - هِئتَ - هئتُ). وهكذا، وليس عندنا لفظ يُقرأ على سبعة أوجه، وهذه الأوجه ترد في بعض الكلمات القرآنية، لا في كل كلمة من كلمات القرآن. وقد وقع تركٌ لبعض الأوجه، فلم يعد يُقرأ بها.

стр. 40

* مراجع إثرائية: ١ - قضية الجمع القرآني، أحمد سالم، ط. مركز تفكر للبحوث والدراسات. ٢ - المحرر في علوم القرآن، د. مساعد الطيار، ط. معهد الإمام الشاطبي. ٣ - معاني الأحرف السبعة، أبو الفضل الرازي، ت: د. حسن عتر، ط. دار النوادر. ٤ - حديث الأحرف السبعة، د. عبد العزيز القاراء، ط. مؤسسة الرسالة. ٥ - الأساس في علم القراءات، علي الجعفري، أروقة.
следующие страницы →