Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مصطلحات مهمة متعلقة بالقراءات:
- (القراءة، والرواية، والطريق): يُقال: قراءة فلان إذا نُسبت لأحد القُرَّاء السبعة أو العشرة، أو غيرهم ممَّن تتوافر لقراءتهم شروط القبول كأن يُقال: قراءة نافع، أو قراءة ابن كثير، أو قراءة حمزة وهكذا.
وأمَّا الرواية: فهي التي تُنسب لأحد الرواة عن القارئ، كأن يُقال رواية حفص عن عاصم، أو رواية قالون عن نافع، أو رواية البَزِّي عن ابن كثير.
والطريق: يُطلق على ما ينسب للآخذ عن الراوي ولو نزل، كطريق الأزرق لرواية ورش عن نافع، أو طريق عبيد بن الصباح لرواية حفص عن عاصم.
فالقارئ: (نافع - عاصم)، والراوي: (ورش - حفص)، والطريق: (الأزرق - عبيد بن الصباح).
فالطَّبقة الأولى، وهي طبقة الشيوخ اصطلحوا على تسميتهم: (القراء)، والطبقة الثانية، وهم التلاميذ اصطلحوا على تسميتهم: (الرواة)، والطبقة التي تحتها مهما نزلت اصطلحوا على تسميتهم: (الطرق).
- (الأصول): مسائل علم القراءات التي لها قاعدة معينة تندرج فيها الجزئيات، مثل: الإدغام، والمد، والإمالة، ونحوها، وقد يُخالف بعض القراء القاعدة في كلمات يسيرة.
- (الفَرْش): الألفاظ القرآنية التي اختلف فيها القراء، والتي لا تندرج ضمن قواعد ومسائل أصول القراءة، وسميت بالفرش لانتشارها وتفرقها في السور؛ فإنَّ فرش الشيء: نشره وبثه، مثل: كلمة (ضنين) في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ٢٤﴾ [التكوير: ٢٤]، فقد قرأها بعض القراء (بظنين) بالظاء، ومثل كلمة (الصراط) فقد قرأها بعض القراء (السراط) بالسين.
стр. 37
* مراجع إثرائية:
١ - مقدمات في علم القراءات، د. القضاة، د. أحمد خالد شكري، ط. دار عمار.
٢ - الأساس في علم القراءات، د. علي الجعفري، ط. أروقة.
٣ - القراءات القرآنية، د. عبد الحليم قابة، ط. دار طيبة الخضراء.
стр. 38
ما المراد بنزول القرآن على سبعة أحرف؟
لقد كان موضوع (الأحرف السبعة) ولا يزال من الموضوعات المُشكِلة في علوم القرآن، غير أنَّ كل الاختلاف فيها لا يؤثر على صحة نقل القرآن، وموثوقية وصوله إلينا.
وعلى المؤمن أن يسلم بهذه الحقيقة؛ لأن اختلاف العلماء في مسألة الأحرف السبعة كبير، وقد لا يستوعبه عقل المبتدئ، لكن المهم: أن نُظهر عدة نقاط محكمات لا بد أن تكون في وعينا عند دراستنا لهذا الموضوع:
١ - أنَّ هذه الأحرف نزلت من عند الله، وأنَّها نزلت للتخفيف على الأمة.
٢ - أنَّ الصحابة فهموا معنى الأحرف السبعة، وعملوا بمقتضى فهمهم.
٣ - أنَّ العدد «سبعة» يُقصد به العدد المعروف، وهو ما بين الستة والثمانية.
٤ - أنَّ العلماء اتفقوا على أن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع، لأن القراءات نشأَتْ بعد الأحرف السبعة ونزولها، وانتهاء نزول القرآن.
والقراءات كلها (السبعة، والعشرة، وما زاد عليها) هي جزءٌ من الأحرف السبعة.
стр. 39
٥ - أنَّ كل الاختلاف الحاصل في هذا الموضوع لا يؤثر على صحة النص القرآني، لأنه محفوظ بحمد الله تعالى، وقد تقدمت الأدلة على ذلك.
والاختلاف بين الأحرف السبعة هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فلا تناقض بين معاني الأحرف السبعة على أي مذهب من مذاهب العلماء المفسرين لمعنى الأحرف.
أي: لا يوجد تعارض بين حرف وآخر من الأحرف السبعة على أي تفسير لها، كما أنَّه لا يوجد تعارض ولا تناقض بين القراءات القرآنية.
وقد اختلف العلماء في بيانها، ومن الأقوال القريبة، أنَّها: (وجوه قرائية منزلة، متعددة، متغايرة، في الكلمة القرآنية الواحدة ضمن نوع واحد من أنواع التغاير).
فاللفظ الواحد قد يحتمل عدة أوجه من القراءة، وهذه الأوجه لا يمكن أن تتعدى في اللفظ الواحد سبعة أوجه، فقد يرد وجهان فقط في قراءة الحرف، مثل: (ننشرها - ننشزها).
وقد يرد اللفظ على أربعة أوجه، مثل: (فيضاعفَه - فيضاعفُه - فيضعِّفَه - فيضعِّفُه).
وقد يرد على خمسة أوجه، مثل: (هَيتَ لك - هَيتُ - هِيتَ - هِئتَ - هئتُ).
وهكذا، وليس عندنا لفظ يُقرأ على سبعة أوجه، وهذه الأوجه ترد في بعض الكلمات القرآنية، لا في كل كلمة من كلمات القرآن.
وقد وقع تركٌ لبعض الأوجه، فلم يعد يُقرأ بها.
стр. 40
* مراجع إثرائية:
١ - قضية الجمع القرآني، أحمد سالم، ط. مركز تفكر للبحوث والدراسات.
٢ - المحرر في علوم القرآن، د. مساعد الطيار، ط. معهد الإمام الشاطبي.
٣ - معاني الأحرف السبعة، أبو الفضل الرازي، ت: د. حسن عتر، ط. دار النوادر.
٤ - حديث الأحرف السبعة، د. عبد العزيز القاراء، ط. مؤسسة الرسالة.
٥ - الأساس في علم القراءات، علي الجعفري، أروقة.
стр. 41
متى جمُع القرآن، وما عدد مرات جمعه؟
اعلم أن القرآن لم يجمع بين دفتين زمن النَّبي ﷺ ، مع أنه كان يكتب بين يديه؛ لأن الحاجة لم تدع إلى ذلك، ولأن القرآن ما زال ينزل ويضاف إليه، وينسخ منه.
ولما دعت الحاجة - وهي كثرة موت القراء في موقعة اليمامة - كان الجمع الأول للقرآن في عهد أبي بكر ﵁، وقد قام بعملية الجمع زيد بن ثابت ﵁، وقد اتكأ زيد على الأساسين اللذين كانا قد جمع بهما القرآن زمن النَّبي ﷺ ، وهما:
١ - صُدور الرجال.
٢ - الصُّحف المفرقة وما يشبهها من أدوات الكتابة.
ويمكننا تلخيص مميزات هذا الجمع في النقاط التالية:
(١) أن كتابته قامت على أدق وسائل التثبت والاستيثاق.
(٢) أنه جُمع في مصحف واحد مرتب الآيات والسور.
(٣) اقتصاره على ما لم تنسخ تلاوته، وتجريده مما ليس بقرآن.
стр. 42
(٤) إجماع الصحابة على صحته ودقته، وعلى سلامته من الزيادة والنقصان، وتلقيهم له بالقبول والعناية.
وبعد أن تمَّ الجمع الأول، صارت الصحف إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵃ أجمعين.
بعد ذلك: أصبح القرآن الكريم بعد الجمع الأول محفوظًا في مصاحف تجمع سوره وآياته كاملة بين دفتين، أحدها: مصحف أبي بكر الموجود في بيت حفصة أم المؤمنين ﵂، وقد كان نفر من الصحابة الذين حملوا القرآن عن النَّبي ﷺ يكتبون القرآن بأيديهم وفق ما سمعوه من النَّبي ﷺ ، ونظرًا لنزول القرآن على سبعة أحرف فقد كان يقع أن يكون الذي مع صحابي منهم هو على حرف خلاف الذي مع صحابي آخر، ونظرًا إلى أنه وقع في العرضة الأخيرة نسخٌ [والعرضة الأخيرة، هي: آخر مرة قرأ جبريل فيها القرآن على النبي ﷺ في رمضان]، ونظرًا إلى أنَّه ليس كل واحد من أولئك الصحابة شهد تلك العرضة = فقد وقع أن اختلف صحابة النَّبي ﷺ في القرآن اختلافًا لا يخرج عن كونه اختلافًا في الأحرف التي تدور عليها آيات القرآن، وما يمكن أن يكون منها منسوخًا وما يمكن أن يكون منها محفوظًا، ولو بقي هذا الاختلاف في المحفوظ في الصدور يتداوله حملة القرآن عن أشياخهم = لهان الأمر، ولكان من جنس اختلاف الصحابة في الأحرف السبعة حتى في زمان حياة النَّبي ﷺ ، ولكنه تعدى إلى الذين ينظرون في الصحف لا يتبينون وجه هذه الكلمة المكتوبة في هذا المصحف ولِمَ تختلف صورتها باختلاف المصاحف، ولِمَ يوجد في مصحف ما لا يوجد في آخر؟
стр. 43
وهنا: مست الحاجة إلى جعل هذا المكتوب على صورة تسد باب اختلاف الذين لا يعلمون، ولم يكن أمام عثمان ﵁ للقيام بهذه العملية التوحيدية أفضل من مصحف أبي بكر ﵁، لذا فقد جعله أمامه، وقام باستنساخه.
وكانت أركان هذه العملية التوحيدية ثلاثة، وهي:
(١) أن تنسخ الصحف الأولى التي جمعها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر الصديق في مصاحف متعددة عبر منهج حدده عثمان ﵁.
(٢) أن ترسل نسخة إلى كل مصر من الأمصار؛ فتكون مرجعًا للناس منه يَقرَؤُون ويُقرِؤُون، وإليه يحتكمون عند الاختلاف، ومع كل نسخة قارئ يُقرئ الناس بها.
(٣) أن يحرق ماعدا هذه النسخ.
وقد تم هذا الجمع عبر لجنة مكونة من أربعة أشخاص، وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وقد أجمع الصحابة على هذا الجمع العظيم، وقد قال علي ﵁: «رحم الله عثمان، لو وليته؛ لفعلت ما فعل في المصاحف».
وقد وقع خلاف بين العلماء في عدد المصاحف، والصحيح أنها ستة: المصحف الذي استكتبه عثمان لنفسه، والمصحف المدني الذي كان عند زيد بن ثابت، والمصحف المكي، والمصحف الكوفي، والمصحف البصري، والمصحف الشامي، وهذه المصاحف هي التي نقل العلماء عنها، وحكوا ما فيها من الرسم، أمَّا ما عدا ذلك كالمصحف المنسوب للبحرين أو لليمن، فلم ينقل عنهما، مما يشير إلى عدم وجودهما أصلًا.
стр. 44
الموضوع الجمع في عهد أبي بكر الجمع في عهد عثمان سبب الجمع كثرة قتل القراء اختلاف الناس في القراءة الذي أشار بالجمع عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان لجنة الجمع ١ - زيد بن ثابت.
٢ - عمر بن الخطاب ١ - زيد بن ثابت الأنصاري.
٢ - عبدالله بن الزبير.
٣ - سعيد بن العاص.
٤ - عبدالرحمن بن الحارث بن هشام.
٥ - أبي بن كعب.
وغيرهم. مقصد الجمع جمع القرآن بين دفتين ١ - نسخ مصحف أبي بكر ﵁ في عدد من المصاحف عبر منهج معين.
٢ - إرسال قارئ مع كل نسخة ليُقرأ أهل المصر الذين أرسل إليهم.
стр. 45
الموضوع الجمع في عهد أبي بكر الجمع في عهد عثمان منهج الجمع ١ - الجمع من صدور الرجال.
٢ - عرضه على المكتوب في زمان النَّبي ﷺ ١ - نسخ مصحف أبي بكر في عدد من المصاحف.
٢ - أنَّ يكتب بلسان قريش عند الاختلاف.
٣ - أنَّ يحرق ما عدا هذه المصاحف. نتيجة الجمع أجمع الصحابة عليه أجمع الصحابة عليه
стр. 46
* بيان موقف ابن مسعود ﵁ من جمع القرآن.
بداية لا بد من التنبيه إلى أن ابن مسعود ﵁ لم يعترض على نفس الجمع، ولم يعترض على المجموع، وإنما عرض له إشكال في طريقة الجمع في عهد عثمان ﵁.
ودليل ذلك: أنه لم يرد أن ابن مسعود اعترض على جمع أبي بكر ﵁.
فالحاصل: أنه قد ورد اعتراضه ﵁ على جمع عثمان ﵁ في عدَّة أمور، منها: أنه قد استُثْنِيَ من لجنة الجمع، وأنه لم يكن يثبت المعوذتين في مصحفه.
وإنما اختار عثمان زيدًا لأجل أنه هو المختار في الجمع الأول، ولاختصاصه عن ابن مسعود بالكتابة واشتهاره، بينما اشتهر عبد الله بالإقراء والقراءة، وفعل عثمان ﵁ متعلق بالرسم، وليس بالقراءة، فإن عثمان ﵁ لم يمنع أحدًا من القراءة، ولم يفرض على أحدٍ من الصحابة قراءة بعينها دون أخرى.
كما كان ابن مسعود في ذلك الوقت كبير السن، بينما كان زيد في شبابه، ومثل هذا يجعله أقدر على حمل أعباء تلك المهمة، مع اعتبارات أخرى.
وقد ثبت عن ابن مسعود أنه تمسك بقراءته لا غير، وما ورد أنه أمر الناس أن يمسكوا مصاحفهم ونحو ذلك لا يثبت أمام النقد والتمحيص، ولو ثبت فإنه خطأ منه، ولا يؤثر بحمد الله على صحة النص القرآني، لأن الصحابة أجمعوا عليه، ولأن ابن مسعود لم يعترض على شيء فيه.
أما ما ورد عنه من أنه لم يكن يرى أن المعوذتين من القرآن، وكان يرى أن الله تعالى أنزلهما للتعوذ فقط (على جهة الدعاء فحسب) حاول بعض العلماء
стр. 47
نفي ثبوته، وأوله بعضهم بتأويلات متكلفة، والذي أرتضيه: أنه قد ثبت عنه ذلك، وهذا خطأ منه ﵁، وخالف بذلك قول الصحابة جميعًا، وإجماع المسلمين بعده ﵁.
فحاصل الأمر: أنه لم يعلم، وغيره قد علم، ومن علم حجة على من لم يعلم، وهذا مما يسوغ في هذا الزمان، ولا يقال: إنَّه قد حضر العرضة، إذ يمكن أن يكون حضوره لبعضها، أو أنَّه حضرها وظنها دعاءً لا من القرآن.
وليس بمستغرب أن يخفى بعض العلم على بعض الصحابة، ولا بد من التنبه إلى أن المعوذتين أنزلتا في المدينة، ولم ينكر ابن مسعود أنهما أنزلتا من الله، لكنه كان لا يرى قرآنيتهما فحسب، فهذا ظن ظنه، وبان خطؤه بإجماع الأمة.
وقد ذكر بعض العلماء أن ابن مسعود رجع عن ذلك، وأن الأسانيد الإقرائية إليه فيها إثبات المعوذتين، والله أعلم.
* مراجع إثرائية:
١ - قضية الجمع القرآني، أحمد سالم، ط. مركز تفكر للبحوث والدراسات.
٢ - جمع القرآن، د. أكرم الدليمي، ط. دار الكتب العلمية.
٣ - تحقيق موقف الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود من الجمع العثماني، د. محمد الطاسان، ط. كرسي القرآن وعلومه.
стр. 48
ما المراد بالرسم العثماني؟
تعني عبارة (رسم المصحف) طريقة رسم الكلمات في المصحف من ناحية (عدد حروف الكلمة ونوعها)، لا من حيث (نوع الخط وجماليته).
ويستند رسم الكلمات في المصحف إلى طريقة رسمها في المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان، ﵁، والتي عرفت في المصادر الإسلامية باسم المصاحف العثمانية، نسبة إلى سيدنا عثمان لكونه هو الذي أمر بنسخها وإرسالها إلى البلدان خارج الجزيرة العربية، كما صار رسم الكلمات فيها يعرف بالرسم العثماني.
وقد حافظ المسلمون على رسم الكلمات في المصحف كما جاءت في المصاحف العثمانية الأولى، مع ما في عدد منها من حذف بعض الحروف أو زيادة بعضها، اقتداء بعمل الصحابة، ﵃.
وقد كانت المصاحف العثمانية مجرَّدة من نقاط الإعجام ومن الحركات وغيرها من العلامات، لخلوِّ الكتابة العربية في تلك الحقبة منها، وبقيت الكتابة العربية تستعمل على ذلك النحو حتى النصف الثاني من القرن الأول الهجري،
стр. 49
حين بدأت الدراسات اللغوية في العراق، وكان خلوُّ الكتابة العربية من العلامات من أولى المشكلات التي عالجتها تلك الدراسات.
وتُجمِع المصادر العربية القديمة على أن أبا الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو [ت: ٦٩]) هو أول من اخترع طريقة لعلامات الحركات تعتمد على النقاط الحمر، وكان ذلك في البصرة، فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة نقطة تحت الحرف، والضمة نقطة أمام الحرف، وجعل التنوين نقطتين.
وتنسب المصادر العربية إلى نصر بن عاصم الليثي البصري (ت: ٩٠)، وهو تلميذ أبي الأسود الدؤلي، اختراع نقاط الإعجام التي تميز بين الحروف المتشابهة في الرسم، مثل الدال والذال، والراء والزاي، ونحوها، وكان ذلك بتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي في أثناء ولايته على العراق بين سنة (٧٥ - ٩٥ هـ).
ولم تستمر طريقة أبي الأسود الدؤلي في تمثيل الحركات بالنقاط الحمر طويلًا، لصعوبتها عند الكتابة، واحتمال التباسها بنقاط الإعجام التي وضعها نصر للتمييز بين الحروف المتشابهة في الرسم، وذلك حين جعل الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (ت: ١٧٠) الحركات حروفا صغيرة مكان النقاط الحمر، وكذلك وضع الخليل علامة للهمزة والتشديد والرَّوْم والإِشْمام، واستخدمت العلامات الجديدة تدريجيًا، حتى زالت طريقة الدؤلي بعد ذلك.
وصارت المباحث المتعلقة بالعلامات الكتابية علمًا أُطلق عليه اسم (علم النَّقط والشَّكل)، وهو يعالج كيفية استخدام العلامات في رسم المصحف خاصة، ومذاهب العلماء في ذلك، وسمي هذا العلم في العصور المتأخرة بعلم الضبط.
* مراجع إثرائية:
стр. 50
١ - الميسر في رسم المصحف، د. غانم قدوري الحمد، ط. معهد الإمام الشاطبي.
٢ - رسم المصحف، د. غانم قدوري الحمد، ط. دار عمار.
стр. 51
ثانيًا: علوم القرآن
«علم القرآن العظيم: هو أرفع العلوم قدرًا، وأجلها خطرًا، وأعظمها أجرًا، وأشرفها ذكرًا».
ابن جزي
«إنَّ أحقَّ ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلَغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رِضَا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأَنَّ أجمع ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيمٍ حميدٍ».
ابن جرير الطبري
стр. 52
ما المراد بالمكي والمدني، وما الفائدة المترتبة على معرفته؟
ينقسم القرآن من حيث مكان نزوله إلى قسمين:
الأول: القرآن المكي، وهو: (ما نزل قبل الهجرة).
والثاني: القرآن المدني، وهو: (ما نزل بعد الهجرة).
لم يحدِّثنا التاريخ أن النَّبي ﷺ كان قد أمر أصحابه بحفظ الآيات والسور على زمان النزول، وإنما تشير الروايات إلى أنه كان يحدد لهم مواضع الآيات من السور وقت التنزيل وعند كتابتها في الرقاع.
وفي الحديث: «كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نَزلَ عليه الشيء دعا بعض من يكتب له، فيقول: (ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)، وإذا أُنزِلَت عليه الآيات، قال: (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)، وإذا أُنزِلَت عليه الآية، قال: (ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)»، [رواه أحمد: ٤٩٩].
стр. 53
ومن ثمَّ فإن الصحابة كانت جهودهم متجهة إلى حفظ القرآن مرتبًا على نحو ما يرتبه لهم رسول الله ﷺ ، ولكن بقي في ذاكرتهم ما لاحظوه من مكان وزمان نزول كثير من الآيات والسور، ونقل ذلك عنهم تلامذتهم من التابعين.
ولمعرفة الفرق بين المكي والمدني فوائد منها:
١ - معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن، لأن المتأخِّر (المدني) ينسخ المتقدم (المكي).
٢ - فهم الآيات وتفسيرها تفسيرًا صحيحًا، وتنزيلها على المعاني اللائقة بها من حيث مراد الله منها.
٣ - تأكيد الإعجاز في القرآن، فبرغم اختلاف الزمان الذي نزل فيه المكي والمدني إلا أن الأسلوب لم يختلف من حيث الجزالة والبلاغة والبيان.
٤ - الرد على بعض الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام، فإنَّ إعجاز القرآن لم يختلف مع طول المدة، ولم يحصل تناقض بين القرآن المكي والمدني.
٥ - مراعاة أسلوب التدرج في التربية أخذًا من المنهج القرآني، ومراعاته في الدعوة أيضًا.
* حصر السور المكية والمدنية:
تحديد مكية السورة أو مدنيتها ثبت بحسب النصوص الواردة عن الصحابة والتابعين، وما لم يثبت فيه نص فهو باجتهاد العلماء عبر الضوابط التي وضعوها لتمييز المكي والمدني.
стр. 54
السور المكية
(١) الأنعام
(٢) الأعراف
(٣) يونس
(٤) هود
(٥) يوسف
(٦) إبراهيم
(٧) الحجر
(٨) النحل
(٩) الإسراء
(١٠) الكهف
(١١) مريم
(١٢) طه
(١٣) الأنبياء
(١٤) المؤمنون
(١٥) الفرقان
(١٦) الشعراء
(١٧) النمل
(١٨) القصص
(١٩) العنكبوت
(٢٠) الروم
(٢١) لقمان
(٢٢) السجدة
(٢٣) سبأ
(٢٤) فاطر
(٢٥) يس
(٢٦) الصافات
(٢٧) ص
(٢٨) الزمر
(٢٩) غافر
(٣٠) فصلت
(٣١) الشورى
(٣٢) الزخرف
(٣٣) الدخان
(٣٤) الجاثية
(٣٥) الأحقاف
(٣٦) ق
(٣٧) الذاريات
(٣٨) الطور
(٣٩) النجم
(٤٠) القمر
(٤١) الملك
(٤٢) القلم
(٤٣) الحاقة
(٤٤) المعارج
(٤٥) نوح
(٤٦) الجن
(٤٧) المزمل
(٤٨) المدثر
(٤٩) القيامة
(٥٠) المرسلات
(٥١) النبأ
(٥٢) النازعات
(٥٣) عبس
(٥٤) التكوير
(٥٥) الانفطار
(٥٦) الانشقاق
(٥٧) البروج
(٥٨) الطارق
(٥٩) الأعلى
(٦٠) الغاشية
(٦١) الفجر
(٦٢) البلد
(٦٣) الشمس
(٦٤) الليل
(٦٥) الضحى
(٦٦) الشرح
(٦٧) التين
(٦٨) العلق
(٦٩) القدر
(٧٠) القارعة
(٧١) الهمزة
(٧٢) الفيل
(٧٣) قريش
(٧٤) الكافرون
(٧٥) المسد
стр. 55
السور المدنية
(١) البقرة
(٢) آل عمران
(٣) النساء
(٤) المائدة
(٥) الأنفال
(٦) التوبة
(٧) النور
(٨) الأحزاب
(٩) محمد
(١٠) الفتح
(١١) الحجرات
(١٢) الحديد
(١٣) المجادلة
(١٤) الحشر
(١٥) الممتحنة
(١٦) الصف
(١٧) الجمعة
(١٨) المنافقون
(١٩) الطلاق
(٢٠) التحريم
(٢١) البينة
(٢٢) النصر
стр. 56
السور المختلف فيها والراجح أنها مكية:
(١) الفاتحة
(٢) الرعد
(٣) الحج
(٤) الرحمن
(٥) الواقعة
(٦) التغابن
(٧) الإنسان
(٨) الزلزلة
(٩) العاديات
(١٠) التكاثر
(١١) العصر
(١٢) الماعون
(١٣) الكوثر
(١٤) الإخلاص
السور المختلف فيها والراجح أنها مدنية:
(١) المطففين
(٢) الفلق
(٣) الناس
* مراجع إثرائية:
١ - المكي والمدني في القرآن الكريم، د. عبد الرزاق حسين أحمد، ط. دار ابن عفان.
٢ - المكي والمدني من السور والآيات، د. محمد الفالح، ط. دار التدمرية.
стр. 57
هل لكل آية من القرآن سبب نزول، وما المراد بأسباب النزول؟
نزول القرآن لا يخرج عن قسمين:
الأول: أن لا يكون له سبب مباشر (نزول ابتدائي)، بل ينزل حسب الحاجة والمصلحة، وهو أكثر القرآن.
الثاني: أن يقع حدث فينزل قرآن بشأنه، وهذا هو المراد بأسباب النزول، وفيه مؤلفات في حصر الآيات التي نزلت بسبب.
وهذا الحدث يشمل كل قول أو فعل، أو سؤال وقع ممن عاصروا التنزيل، ونزل القرآن بسببهم.
ويمكن أن نعرف سبب النزول بأنَّه: «كل قول أو فعل نزل بشأنه قرآن عند وقوعه».
ولأسباب النزول عدة فوائد، يمكننا أن نبرز بعضها في النقاط الآتية:
١ - الإعانة على فهم المراد من الآية.
٢ - تصور أحوال من نزل فيهم القرآن.
٣ - إبراز حكم التشريع الباهرة.
стр. 58
٤ - الكشف عن الظرفين المكاني والزماني لنزول الآيات.
٥ - التأسي والاقتداء بما وقع للسلف من حوادث في الصبر على المكاره واحتمال الأقدار المؤلمة.
* مراجع إثرائية:
١ - المحرر في أسباب النزول، د. خالد المزيني، ط. دار ابن الجوزي.
٢ - التسهيل في أسباب التنزيل، عمرو الشرقاوي، ط. مركز تفكر.
٣ - التوظيف العلماني لأسباب النزول، د. أحمد قوشتي، ط. البيان.
стр. 59
هل رُتِّب القرآن على حسب نزوله؟
من المعروف أن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يعتمد على تأريخ نزولها، وإنما اعتمد على بيان رسول الله ﷺ وقراءته للقرآن وتعليمه ذلك للصحابة.
وفي الحديث: «كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نَزلَ عليه الشيء دعا بعض من يكتب له، فيقول: (ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)، وإذا أُنزِلَت عليه الآيات، قال: (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)، وإذا أُنزِلَت عليه الآية، قال: (ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)»، [رواه أحمد: ٤٩٩].
ولم يعد تأريخ نزول الآيات والسور محفوظًا على نحو مفصل، لأن الصحابة لم يعتنوا بهذا الجانب من تأريخ القرآن، وإنما كانت عنايتهم متجهة إلى حفظه على نحو ما يقرؤه لهم النَّبي ﷺ ، لكنَّ إشاراتٍ تأريخية ومعنوية ارتبط بها نزول آيات وسور من القرآن ظلت تشير إلى وقت نزولها ومكانه، واعتنى علماء
стр. 60
القرآن من الصحابة والتابعين بحفظ تلك الإشارات والبناء عليها، حتى صارت علمًا من علوم القرآن يسمى بعلم المكي والمدني، وأفرده بالتصنيف جماعة من العلماء.
стр. 61
كيف تم ترتيب سور القرآن وآياته؟
الصحيح أن السور رتبت في المصحف بتوقيف من النَّبي ﷺ ، وقد ذُكرت بعض السور مرتبة في عدد من الأحاديث، ومنها:
عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس، سمعت ابن مسعود، يقول في (بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء): «إنهن من العِتَاقِ الأُوَل، وهن من تِلادي»، [رواه البخاري: (٤٩٩٤)]، ومقصوده: أن هذه السور من محفوظه القديم.
وقد أجمع العلماء أن ترتيب الآيات مأخوذ من النَّبي ﷺ ، لم يتدخل فيه أحد.
стр. 62
ما عدد سور القرآن؟
عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة بإجماع العلماء، أولها (الفاتحة) وآخرها (الناس).
وأطول سورة في القرآن هي سورة (البقرة)، وأقصر سورة هي (الكوثر)، وأطول آية هي آية (الدَّيْن)، وأقصر آية هي (والضُّحى) وما شابهها.
وتنقسم سور القرآن إلى أربعة أقسام، بحسب الطول والقصر:
١ - الطوال: وهي سبع سور، البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، واختلف العلماء في السابعة، فقال بعضهم: الأنفال والتوبة، وقال بعضهم: يونس.
٢ - المئين: وهي السور التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها، كالأنفال، ويونس، وهود، والنحل، والإسراء، والمؤمنون.
٣ - المثاني: وهي التي تلي المئين في عدد الآيات، وسميت بذلك لأنها تُثنَّى في القراءة، وتُكرَّر أكثر من الطوال والمئين، كالنور، والفرقان، والقصص، ويس، والزمر.
стр. 63
٤ - المفصل: وهي السور من سورة: (ق)، أو سورة (الحجرات) إلى سورة (الناس)، وتسميته بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.
والمفصل ثلاثة أقسام: طوال، وأوساط، وقصار.
فطواله: من أول (الحجرات) إلى سورة (النبأ)، وأوساطه: من سورة (النبأ) إلى سورة (الضحى)، وقصاره: من سورة (الضحى) إلى آخر القرآن، وقيل: «تعرف الطوال من غيرها بالمقايسة، فالحديد وقد سمع مثلًا طوال، والطور مثلًا قريب من الطوال، ومن تبارك إلى الضحى أوساطه، ومن الضحى إلى آخره قصاره».
وأما تجزئة القرآن وتحزيبه وقسمة الأرباع على الصورة التي توجد في مصاحف المسلمين = فإنها اجتهادية، ولها أصل من فعل أصحاب النَّبي ﷺ ، لكن على غير هذه القسمة، وكان السلف يختلفون في ذلك، وليس المعنى فيه تعبديًّا وإنما هو لتيسير أخذ القرآن.
стр. 64
هل يمكن أن تتعدد أسماء سور القرآن، وكيف تم تسمية سور القرآن؟
كانت أسماء السور معروفة في زمان النَّبي ﷺ ، وقد وردت أحاديث كثيرة فيها أسماء للسور، ووردت روايات كثيرة عن الصحابة، وفيها أنهم كانوا يعرفون السور بأسمائها.
وتنقسم السور من حيث التسمية إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما ثبت عن النَّبي ﷺ ، وهذا كثير، ومن أمثلته: عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه.
اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان - أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف - تحاجَّان عن أصحابهما.
اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» [رواه مسلم: (٨٠٤)].
стр. 65
القسم الثاني: ما ثبتت تسميته عن الصحابي، ومثال ذلك ما رواه البخاري بسنده عن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس ﵄: سورة الحشر. قال: قل: سورة بني النضير» [رواه البخاري: (٤٠٢٩)].
القسم الثالث: تسمية من دون الصحابي إلى وقتنا هذا، وغالب تسمياتهم تأتي حكاية لبداية السورة؛ كقولهم: سورة (أرأيت)، سورة (لم يكن)، وهكذا؛ حيث إنَّه لم يرد النهي عن تسمية السور بأسماء تدل عليها، وعلى هذا مضى السلف والخلف.
ومما يحسن علمه أن بعض السور لها أكثر من اسم، وكل هذا واسع، فقد تكون تلك التسميات مما ثبت عن النَّبي ﷺ ، أو مما أخذ عنه وعن الصحابة، أو مما اجتهد العلماء فيه.
فسورة الفاتحة - مثلًا - تسمى (الفاتحة - أم الكتاب - السبع المثاني - الرقية)، وسورة الإسراء تسمى بسورة (بني إسرائيل)، وسورة غافر تسمى بسورة (المؤمن)، وسورة محمد ﷺ تسمى بسورة (القتال)، وهكذا.
وأمَّا ما تراه مذكورا في فواتح السور في مصاحف المسلمين من أسمائها؛ فذلك مما زاده كتاب المصاحف تعريفًا بالسورة، كما زادوا ذكر المكي والمدني وعدد آي السورة، ولم يكن شيء من ذلك موجودًا في المصاحف العثمانية، فليست تلك التسمية جزءًا من المصحف.
* مراجع إثرائية:
أسماء سور القرآن وفضائلها، د. منيرة الدوسري، ط. دار ابن الجوزي.
стр. 66
هل لبعض سور القرآن وآياته فضائل خاصة؟
ورد عن النَّبي ﷺ ما يدل أنَّ لبعض السور والآيات فضائل خاصة، وذلك إمَّا بذكر أجر يترتب على قراءتها، وإما بقصد قراءتها في وقت معين، وإمَّا ببيان أثرها الحسي والمعنوي على المسلم.
والملاحظ أن السور التي ورد لها فضائل أقل من السور التي لم يرد فيها فضائل، والقرآن كله فاضلٌ باعتبار أنه كلام الله، وباعتبار فصاحته وبيانه، وغير ذلك من أوجه تفضيله.
وبما أنَّ الأصل في التفضيل النقل عن النَّبي ﷺ فإنه يحرم الكذب فيها كما حصل من بعض الزهاد الذين أرادوا الترغيب بالقرآن فاعتمدوا الكذب في هذا الباب، والعياذ بالله.
ومن السور التي ثبت لها فضل:
١ - سورة الفاتحة، وهي أعظم سور القرآن، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: مر بي النَّبي ﷺ وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيت، فقال: «ما منعك أن تأتيني؟» فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤]، ثم قال: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد» فذهب النَّبي ﷺ ليخرج
стр. 67
من المسجد فذكرته، فقال: «الحمد لله رب العالمين. هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته» [رواه البخاري: (٤٧٠٣)].
٢ - سورة البقرة وآل عمران، عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». [رواه مسلم: (٨٠٤)].
ومنها: سورة الملك، والإخلاص، والكافرون، والأعلى، والغاشية.
وكما أن لبعض السور فضائل خاصة، فلبعض الآيات فضائل كذلك، وأعظم آية في القرآن هي (آية الكرسي)، ومن الآيات التي لها فضائل: (خواتيم سورة البقرة).
* مراجع إثرائية:
١ - فضائل القرآن وسوره وآياته، د. فاروق حمادة، دار القلم.
٢ - فضائل القرآن، د. عبد السلام الجار الله، ط. دار التدمرية.
стр. 68
ما المقصود بموضوعات السور ومقاصدها، وما أثر معرفة ذلك؟
هناك تقارب شديد بين موضوعات السور ومقاصدها، فلكل سورة من القرآن مقصد وغاية، أي: مغزى ترجع إليه معاني السورة ومضمونها، ويمثل روحها الذي يسري في جميع أجزائها.
وقد يكون المقصد هو نفس موضوع السورة، وقد يختلف المقصد عن الموضوع، بأن يكون للسورة الواحدة عدد من الموضوعات، وهذه الموضوعات ترجع إلى مقصد واحد.
ومعرفة موضوعات السورة، ومقصدها، من أهم المعينات على تدبر السورة، وإدراك إعجازها، لأنك تجد أن السورة على اختلاف موضوعاتها تؤدي إلى هدف واحد في تناسق لا بد أن يحكم الناظر فيه باستحالة أن يكون هذا الكلام من صنع البشر.
والبحث عن موضوعات السورة، ومقصدها، لا بد فيه من أمور:
стр. 69
أهمها: إدراك معاني السورة، وإدراك المناسبات بين الآيات، وإدراك المناسبة بين السورة وما قبلها وما بعدها، وهذا كله يجعل القارئ للقرآن أكثر انتباهًا لما يتلوه، وأشد استحضارًا لما يفهمه.
ومن الكتب المهمة في هذا المضمار:
١ - أسماء سور القرآن، وفضائلها، د. منيرة الدوسري، دار ابن الجوزي، وهو أهم كتاب في بابه.
٢ - النبأ العظيم، د. محمد دراز، مركز تفكر.
٣ - محتويات سور القرآن الكريم، للشيخ أحمد الطويل، دار الوطن.
٤ - دلائل النظام، للمعلم الفراهي.
٥ - البرهان في تناسب سور القرآن، للإمام ابن الزبير الغرناطي، دار ابن الجوزي.
٦ - التناسب بين السور في المفتتح والخواتيم، د. فاضل السامرائي، دار ابن كثير.
ومن التفاسير التي اعتنت بإبراز هذه الجوانب:
١ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للإمام البقاعي.
٢ - التحرير والتنوير، للإمام الطاهر ابن عاشور.
٣ - في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب.
٤ - موسوعة التفسير الموضوعي، جامعة الشارقة.
стр. 70
ما عدد آي القرآن المجيد؟
اختلف العلماء في عد آي القرآن، والخلاف فيه محتمل مقبول؛ لأنه لا أثر له في أصل القرآن، وإنما يقع أثره في أمور، منها:
١ - أن الوقف على رأس الآية سنة عند بعض العلماء، ومعرفة مكانه يعين على تطبيق هذه السنة.
٢ - أنها تتعلق ببلاغة القرآن، فالوقف على رأس الآية - ولو كان ما بعدها متعلقًا بها من جهة المعنى - مقصد من مقاصد المتكلم، وإلا فما فائدة رأس الآية، لذا فإن من يقف على رؤوس الآي التي تتعلق بما بعدها، فإنه يستجلب ذهنك للتفكير والتدبر في هذه الجملة التي انقطع فيها المبتدأ عن الخبر، وشبه الجملة عن متعلقه … إلخ.
٣ - وكان الصحابة ﵃ يتعاملون به في تقدير زمن بعض الأمور المتعلقة بتوقيت الصلاة، فكانوا يحسبونها بعدد الآي: عن أنس، عن زيد بن ثابت ﵁، قال: «تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة»، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: «قدر خمسين آية»، [رواه البخاري: (١٩٢١)].
وتُنسب مذاهب علم عد الآي إلى جماعة من كبار علماء القراءة في أمصارهم، وتُروى بالأسانيد المتصلة إليهم.
стр. 71
والمذاهب المشهورة في علم العدد ستة هي: العدد المدني الأول، والعدد المدني الثاني، والمكي، والبصري، والشامي أو الدمشقي، والكوفي.
وسأذكر عدد آي القرآن في كل مذهب من المذاهب الستة:
١ - العدد المدني الأول: (٦٢١٧).
٢ - العدد المدني الثاني: (٦٢١٤).
٣ - العدد المكي: (٦٢١٩)، وقيل: (٦٢٢٠).
٤ - العدد البصري: (٦٢٠٤).
٥ - العدد الدمشقي: (٦٢٢٦)، وقيل: (٦٢٢٧).
٦ - العدد الكوفي: (٦٢٣٦).
وتنقسم سور القرآن من حيث الاتفاق والاختلاف في عد آيها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما لم يختلف فيه لا في إجمال ولا في تفصيل، وهو أربعون سورة، منها: سورة: (يوسف - النحل - الأحزاب - الحجرات - التغابن).
القسم الثاني: ما اختلف فيه تفصيلًا لا إجمالًا، وهو أربع سور: (القصص - العنكبوت - الجن - العصر).
القسم الثالث: ما اختلف فيه إجمالًا وتفصيلًا، وهو بقية السور (سبعون سورة).
والمقصود بالإجمال: عدد آي السورة، والتفصيل: موطن الاختلاف في عد الآية داخل السورة.
стр. 72
فمثلًا: سورة العصر (٣ آيات) باتفاق علماء العد، فهذا اتفاق في (الإجمال)، لكنهم اختلفوا في تفصيل العد، فبعضهم عد ﴿والعصر﴾ آية، وبعضهم لم يعدها آية، وعد ﴿وتواصوا بالحق﴾ آية، فهذا اختلاف في (التفصيل).
* مراجع إثرائية:
الميسر في علم عد الآي، د. أحمد خالد شكري، ط. معهد الإمام الشاطبي.
стр. 73
ما الحكمة من تكرار قصص القرآن الكريم؟
إذا أردنا أن نُعدد الفوائد التي يضفيها هذا الأسلوب على مجمل ما في القرآن الكريم لعددنا شيئًا كثيرًا، ولكنا نقتصر هنا على بعض هذه الفوائد:
١ - زيادة بعض التفاصيل التي لم تذكرها الآيات من قبل.
٢ - تأكيد التحدي الذي جاء به القرآن لمشركي العرب أن يأتوا بشيء من مثله، فقد كشف هذا التنوع في العبارة عن عجزهم عن الإتيان بمثله بأي نظم جاء، وبأي عبارة عبَّر.
٣ - إذهاب السآمة والملل عن القصة، وذلك أن العرض الجديد يشد الأسماع، ويلفت الأنظار، ويبقي صلة المتعة والفائدة بين القارئ والنص المقدس.
٤ - ظهور الأمر العجيب في إخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد، وقد كان المشركون في عصر النَّبي ﷺ يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير النظم، وبيان وجوه التأليف، فعرفهم الله سبحانه أن
стр. 74
الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه نهاية، ولا يقع على كلامه عدد.
٥ - التناسق مع الموضوع والمناسبة التي وردت القصة لأجلها، فأحيانًا تقتضي هذه المناسبة إبراز معنى في الحوار الدائر لم يكن من الضروري إبرازه في مناسبة أخرى وردت فيها القصة، وهذه الفائدة باب واسع من أبواب اكتشاف بحور بلاغة القرآن وإعجازه، وأمثلتها التفصيلية موجودة في بطون كتب التفسير.
٦ - ليتهيأ لمن لا يقرأ القرآن كاملًا الوقوف على قصص القرآن، وما تحويه من عبر في الجزء الذي يتلوه.
* مراجع إثرائية:
١ - دعوة الرسل، للشيخ محمد أحمد العدوي، اعتناء: عمرو الشرقاوي، ط. مركز تفكر.
٢ - القصص القرآني، د. صلاح الخالدي، ط. دار القلم.
стр. 75
هل قصة يوسف ﵇ هي أحسن قصص القرآن؟
اشتهر بين الناس أنَّ أحسن قصة في القرآن قصة يوسف ﵇، والصحيح أنَّها ليست أحسن قصص القرآن، وأنَّ أحسن قصص القرآن قصة موسى ﵇.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فليس المراد به قصة يوسف وحدها، بل هي مما قصه الله، ومما يدخل في أحسن القصص.
ومعلوم أن قصة موسى ﵇ وما جرى له مع فرعون وغيره، أعظم وأشرف من قصة يوسف، ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن.
وقد تكررت قصة موسى ﵇ في القرآن، وبسطت أكثر من غيرها، وفيها من العبر والعظات ما يجعلها أفضل قصص القرآن.
بل إنَّ قصص سائر الأنبياء، كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم، أعظم من قصة يوسف، ولهذا كرر الله تعالى تلك القصص، ولم يكرر قصة يوسف.
وهذا مما يدعو المؤمن إلى النظر في تلك القصص، وتأملها.
فما فعلته الأنبياء من الدعوة إلى توحيد الله وعبادته ودينه، وإظهار آياته وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، ومجاهدة المكذبين لهم، والصبر على أذاهم =
следующие страницы →