← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

«أن النبي ﷺ … » مرسلا» (١). وتعرضت إحدى الباحثات للحديث الماضي في «الاتصال والانقطاع» (٢)، وهو حديث أنس في قصة صلاته ﷺ في مرضه خلف أبي بكر، وذكرت الباحثة الاختلاف فيه على حميد الطويل، فجمهور أصحابه يرويه عنه، عن أنس، ورواه يحيى بن أيوب، عنه، عن ثابت البناني، عن أنس، ثم قالت الباحثة: «فيحيى بن أيوب خالف أصحاب حميد الثقات، حيث زاد رجلا، وهو ثابت، وهذه الزيادة خطأ ممن زادها، بسبب المخالفة، ولأنه ثبت سماع حميد من أنس لهذا الحديث بدون واسطة، ويقول الترمذي: ومن لم يذكر فيه: عن ثابت، فهو أصح … ، يقول ابن أبي حاتم (يعني نقلا عن والده): يحيى قد زاد رجلا، ولم يقل أحد من هؤلاء عن حميد: سمعت أنسا، ولا حدثني أنس، وهذا أشبه، قد زاد رجلا. فهنا قوله: هذا أشبه، يدل على أن رواية الجمهور هي الأولى، وأن رواية يحيى الذي خالف ليست صحيحة، وقد وافقه الترمذي في ذلك، ويحيى بن أيوب لم يجمع على توثيقه، ويخطئ، فلعل هذا الحديث من أخطائه». هذا كلام الباحثة، وعليها فيه مناقشات، فيحيى بن أيوب لم ينفرد بذكر ثابت في الإسناد، كما شرحته هناك، ولكن ما أريده هنا هو ما ذكرته الباحثة عن الترمذي، وعن أبي حاتم، فكلام الترمذي نقلته الباحثة مقلوبا، فهو يرجح وجود

стр. 1017

ثابت في الإسناد، وصواب عبارته: «ومن ذكر فيه عن ثابت فهو أصح» (١). ثم لما قلبت الباحثة عبارة الترمذي، لم تتمعن جيدا في نص أبي حاتم، فسارعت إلى تنزيله على كلام الترمذي الذي نقلته مقلوبا، ولو تمعنت في كلام أبي حاتم لظهر لها أنه يرجح زيادة ثابت في الإسناد، واستدل على ذلك بأن المخالفين له لم يذكروا تصريح حميد بالتحديث، وهو زاد عليهم ذكر ثابت، فالراجح إذن زيادته في الإسناد، وليس معنى ذلك تخطئة الجماعة الذين لم يذكروه، فإن هذا من المدار وهو حميد، فقد وصفه جماعة بالتدليس عن أنس، منهم أبو حاتم، وأبو زرعة (٢). وذكر أحد الباحثين الاختلاف على يونس بن يزيد في حديث أبي هريرة الماضي ذكره في المبحث الثالث من الفصل الرابع، من هذا الباب، ولفظ الحديث: «يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين»، وقد اختلف فيه على يونس بن يزيد في إسناد الحديث، وفي رفعه ووقفه. وساق الباحث كلمة أبي حاتم في ترجيح أن يكون الاضطراب من يونس بن يزيد، فإحدى روايتيه كانت بمكة أو المدينة، ولم تكن معه كتبه … الخ. ثم نقل الباحث عن الدارقطني قوله: «يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه سعيد بن يحيى -المعروف بسعدان- اللخمي، عن يونس، عن الزهري، عن

стр. 1018

قبيصة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ووهم فيه، وخالفه القاسم بن مبرور، فرواه عن يونس، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن أبي هريرة، موقوفا، وقال فيه: قال الزهري، حدثني سعيد بن خالد، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة موقوفا أيضا، وهو الصواب» (١). فذكر الباحث أن الضمير في قول الدارقطني: ووهم فيه، يعود إلى يونس بن يزيد، بدلالة كلام أبي حاتم. والمتأمل في كلام الدارقطني يراه صريحا في تحميل عهدة الخطأ سعدان بن يحيى، وأنه هو الذي يهم فيه، والصواب رواية القاسم بن مبرور، والباحث قد يلجأ إلى كلام ناقد لتفسير كلام ناقد آخر، لكن هذا حيث يكون بحاجة إلى تفسير، أما في هذا النص فالأمر ظاهر، واتفاق الناقدين على خطأ الإسناد، لا يلزم منه اتفاقهما على مصدر الخطأ فيه. وسئل أحد النقاد عن عامر الأحول، فقال: « … روى حديث عثمان فقال: عن أبي هريرة، -في الوضوء- وإنما هو حديث عطاء، عن عثمان». فقام أحد الباحثين بتخريج حديث عطاء، عن أبي هريرة من «الضعفاء الكبير» (٢)، وحديث عطاء، عن عثمان من «سنن ابن ماجه» (٣)، وذكر أن عطاء

стр. 1019

لم يسمع من عثمان (١)، ثم قال: «لكن الحديث معروف من رواية حمران بن أبان، عن عثمان، في صفة الوضوء، أخرجه الشيخان وغيرهما، وقد رواه عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران، عن عثمان، فلعل المصنف يعني هذا، ولكنه لا يرويه عن عثمان مباشرة، والله أعلم». كذا قال الباحث، فأفسد بكلامه هذا تخريجه الصواب للحديث من العقيلي، وابن ماجه، وعطاء فيه هو عطاء بن أبي رباح، وأما الراوي عن حمران فهو عطاء بن يزيد الليثي، كما ذكر الباحث، فقول الباحث: «فلعل المصنف يعني هذا» لا معنى له، وإنما المقصود حديث عطاء بن أبي رباح، فهو شيخ عامر الأحول. وذكر أحد الباحثين ما تقدم في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول، وهو ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»، مثالا على الترجيح بسلوك الراوي للجادة، وأن الصواب مع من تركها، ثم قال: «ضرب على هذا الحديث أبو الوليد الطيالسي، وأعله أحمد، والبخاري، والترمذي، وأبو داود، والدارقطني، بأن جريرا، وحجاجا الصواف، كانا عند ثابت البناني، فحدث به حجاج، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، فوهم جرير، فظن أن الحديث عن ثابت، عن أنس، وإنما روى ثابت، عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا أقيمت الصلاة يتكلم

стр. 1020

مع الرجل حتى ينعس بعض القوم». وثابت، عن أنس جادة، حيث قال الإمام أحمد في رواية الميموني: «هؤلاء الشيوخ إنما يلحقون عن ثابت، عن أنس، إسنادا عرفوه»، ». كذا صنع الباحث، لم يحكم هذا المثال جيدا، فليس فيه سلوك للجادة، بل ليس فيه اختلاف أصلا، وإنما فيه انتقال الراوي من إسناد إلى إسناد، والاختلاف لا بد له من مدار، ولا مدار هنا، والترجيح بسلوك الجادة -وهو الذي قصده الباحث وشرحه- لا بد فيه من مدار يختلف عليه، فيجعله بعض الرواة عنه عن شيخ له مشهور بالرواية عنه، كثابت، عن أنس، ويرويه بعضهم عنه فيخرج به عن هذه الجادة، كأن يجعله عن ثابت، عن أبي هريرة، أو ثابت عن الحسن مرسلا، ونحو ذلك، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. ومن أمثلته -وهو مثال أيضا على خطأ باحث في فهم كلام ناقد، واعتراضه عليه- أن مسلما أخرج من طريق شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلب الشهادة صادقا أعطيها وإن لم تصبه» (١). قال أبو الفضل بن عمار الشهيد: «وافقه على هذه الرواية المؤمل بن إسماعيل، وهذا حديث وهم فيه شيبان، والمؤمل جميعا.

стр. 1021

فأما المؤمل فكان قد دفن كتبه، وكان يحدث حفظا فيخطئ الكثير، والصحيح ما رواه الحجاج بن المنهال، وموسى بن إسماعيل، والعيشي، عن حماد، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وعن حماد، عن ثابت، عن النبي ﷺ مرسلا، مثله. والصحيح من حديث ثابت مرسل، وحديث أبان مسند» (١). علق عليه أحد الباحثين بقوله: «ولكنه (يعني أبان بن أبي عياش) متروك، فتعليل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة ليس منهجيا، وبخاصة أن رواية حماد، عن ثابت، مشتهرة معروفة، بخلاف رواية أبان، عن أنس، فهي قليلة جدا، حتى إنه ليس في الكتب الستة ولا رواية منها». كذا صنع الباحث، لم يفهم كلام الناقد، فاعترض عليه بما يدل على بعده عن إدراك علم (العلل)، والناقد لم يعترض على الرواية الصحيحة برواية ضعيفة، وإنما اعترض على رواية صحيحة برواية أصح منها، فالمدار حماد بن سلمة، ورواه عنه شيبان، والمؤمل، عن ثابت، عن أنس، ورواه الجماعة عنه، عن ثابت مرسلا، وساقوا معه رواية حماد، عن أبان، عن أنس الموصولة، وهذا دليل آخر على حفظهم وضبطهم لرواية حماد، وفصلهم بين المرسل والمسند. وقام أحد الباحثين بدراسة الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الأول، وهو ما رواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن

стр. 1022

عبدالله، قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار»، فذكر له عللا، أحدها أنه مختصر من متن مشهور، رواه الجماعة عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: «قربت للنبي ﷺ خبزا ولحما، فأكل، ثم دعا بوضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ». ونسب الباحث إعلاله بهذا إلى جمع من النقاد: أبي داود، وابن حبان، والبيهقي، بعد أن أخرجوا الحديث. ولا إشكال في هذا، لكن الباحث ذكر علة أخرى للحديث وهي اضطراب المتن، ونقل عن ابن أبي حاتم قوله: «سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة … ، فسمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو: «أن النبي أكل كتفا ولم يتوضأ»، كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر، عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه». ثم ذهب الباحث يشرح اضطراب المتن بكلام بناه على ما في ذهنه من معنى لكلمة (مضطرب) الورادة في كلام أبي حاتم، فمعنى المضطرب -كما تقدم شرحه في المبحث الرابع من الفصل الرابع- هو الحديث الذي يروى على أوجه ولا مرجح بينها، وقد يوصف بالاضطراب مع الترجيح. والباحث لم يجد أن حديث شعيب قد روى على أوجه في متنه، إنما هو لفظ واحد، فخرج الباحث إلى عموم أحاديث الباب، وأن منها ما فيه ترك الوضوء مما مست النار، ومنها ما فيه الأمر بالوضوء مما مست النار.

стр. 1023

وتفسير الاضطراب الذي في كلام أبي حاتم بهذا أبعد الباحث فيه النجعة جدا، فلا يمكن أن يكون مرادا لأبي حاتم، وإلا لناقض آخر كلامه أوله، وإنما وقع الباحث فيما وقع فيه بسب الالتزام الدقيق بالمصطلحات الواردة في كتب المصطلح، وأن حدودها جامعة مانعة، فَنَزَّل كلام أبي حاتم على تعريف مصطلح (المضطرب). والنقاد قد يستخدمون مصطلح (المضطرب) في الإسناد والمتن على معنى أعم، وهو وجود خلل في أحدهما، وإن لم يكن مرجعه إلى الاختلاف. مثال ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم، قال: «سألت أبي عن حديث رواه ابن حمير، قال: حدثنا شعيب بن أبي الأشعث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «المراء في القرآن كفر»، قال أبي: هذا حديث مضطرب، ليس هو صحيح الإسناد، عروة، عن أبي سلمة لا يكون، وشعيب مجهول» (١). ومن المهم جدا بالنسبة للباحث وهو ينظر في الاختلاف، أن يدقق في سياق المصطلح الذي ذكره الناقد، فقد يريد به معنى غير ما عرف واشتهر فيما بعد قصره عليه، وذلك في عموم مصطلحات النقاد، مثل المرسل، والمرفوع، والمنكر، وغيرها.

стр. 1024

قال الدوري: «سألت يحيى، عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أنها سئلت: ما كان يصنع رسول الله ﷺ في بيته؟ … »، فقال يحيى: هو مرسل، هشام، عن رجل». فالناظر لأول وهلة يظن أن المقصود في الجواب أن هشام بن عروة يرويه عن رجل، عن أبيه، فيكون الإسناد الأول مرسل، أي لم يسمعه من أبيه، لكن الطرق الأخرى -كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا- أفادت أن الإسناد ليس فيه: عن أبيه، والرجل يرويه عن عائشة، ففي كلام ابن معين تسمية ما فيه مبهم: مرسل (١). وروى جماعة فيهم حماد بن سلمة في رواية أكثر أصحابه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله … » الحديث (٢). ورواه عبدالله بن جعفر والد علي بن المديني، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عمر، وكذلك رواه أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، عن سهيل (٣).

стр. 1025

قال الدوري: «سمعت يحيى بن معين يقول في حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عمر: «لأعطين الراية … »، قال يحيى: إنما هو عن أبي هريرة موقوف» (١). فالوقف هنا يراد به أنه من رواية أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وليس من رواية أبي هريرة، عن عمر، عن النبي ﷺ . وروى عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: «كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها» (٢). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عيسى» (٣). فكلام الترمذي قد يفهم منه أن غير عيسى بن يونس يرويه موقوفا، لذكره الرفع في وصف رواية عيسى، وليس هذا مراده، فمراده الإرسال: هشام، عن النبي ﷺ ، ليس فيه: عن أبيه، عن عائشة. وللنقاد عبارات أخرى في هذا الاختلاف، فقال أحمد: «كان عيسى بن يونس يسند حديث الهدية، والناس يرسلونه» (٤).

стр. 1026

وقال ابن معين: «عيسى بن يونس يسند حديثا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة … ، والناس يحدثون به مرسل» (١). وقال أبو داود: «تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل» (٢) فهذه ثلاث مصطلحات عبر بها النقاد عن ذكر عيسى بن يونس في روايته عروة، وعائشة، مخالفا بذلك من لم يذكرهما من أصحاب هشام، وهي: الرفع، والإسناد، والوصل، وأقلها استخداما بهذا المعنى: الرفع، وهو الذي قاله الترمذي. ولما أراد ابن حجر نقل قول الترمذي احتاج إلى أن يذكره بالمعنى، فعبر بالمشهور، فقال: «قال الترمذي، والبزار: لا نعرفه موصولا إلا من حديث عيسى بن يونس» (٣). وسئل أبو حاتم عن الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو حديث: «من ترك الجمعة فليتصدق بدينار»، وقد اختلف فيه على قتادة، فقال: «له إسناد صالح، همام يرفعه، وأيوب أبو العلاء يروي عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، لا يذكر سمرة … » (٤).

стр. 1027

فقول أبي حاتم: «همام يرفعه» يريد به وصله بذكر سمرة، لا الرفع الذي هو مقابل الوقف، إذ الجميع يروونه مرفوعا بهذا المعنى. وإذا كان الباحث ينبه إلى ضرورة تنزيل كلام النقاد على مرادهم، والاستعانة بالسياق إذا ظهر للباحث استخدام الناقد لمصطلح على غير ما اشتهر في كتب المصطلح المتأخرة، فمن باب أولى أن لا يعترض الباحث على صنيع إمام في استخدامه لذلك المصطلح. ذكر عبدالحق الإشبيلي قول الحاكم في حديث رواه من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن النبي ﷺ مرسلا: «لا أعلم أحدا رفعه» (١)، فعلق عليه ابن القطان بقوله: «وأما قول الحاكم: لا أعلم أحدا رفعه، فإنه إن كان عنى به أنه لا يعلم أحدا أسنده ووصله فصدق، ولكن ليست هذه العبارة مشهورة عن هذا المعنى، وإنما يقال ذلك فيما يكون موقوفا، وإن كان يعني بهذا أن أحدا لم يبلغ به النبي ﷺ فهذا خطأ، فقد ذكر ابن وهب في ذلك مرسلين، أحدهما أحسن من هذا» (٢). وروى سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، كتاب

стр. 1028

النبي ﷺ في الصدقات (١). ورواه يونس بن يزيد، وسليمان بن كثير، عن الزهري، عن سالم مرسلا ليس فيه ابن عمر (٢). قال الترمذي في رواية سفيان بن حسين الموصولة بعد أن أخرجها: «حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، بهذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين». وذكر ابن حجر هذا عن الترمذي، ثم قال: «وقول الترمذي: ولم يرفعوه، وإنما مراده: لم يرفعوا إسناده إلى منتهاه، وكان ينبغي أن يعبر باصطلاح القوم، بأن يقول: فأرسلوه، أو لم يسندوه» (٣). وصنيع هذين الإمامين -ابن القطان، وابن حجر- لا يحسن أن يقلدا فيه، فلا يعترض على استخدام ناقد متقدم لمصطلح على غير المشهور عندنا، إذ هم أهل الاصطلاح، وتحرير المتأخر لمصطلحاتهم أخذه من عملهم، فإذا كانوا قد خرجوا عما حرره في معنى المصطلح فلا بد من أحد أمرين، أن يكون سبر المتأخر ناقصا، أو يكون المتأخر قصر المصطلح على معنى لاشتهاره عند الأولين،

стр. 1029

أو لكونه يتميز به عن غيره، وكل هذا لا يصح أن يحاسب عليه المتقدم. وهذا كله إذا كان الناقد المتقدم قد خرج عما هو مشهور في زمنهم في معنى المصطلح المعين، فَتَجَوَّز استعانة بالسياق، وأما إذا كان استخدم المصطلح على معنى مشهور عندهم، والمتأخرون هم الذين أخرجوه في تحريرهم للمصطلح، فالخطب أعظم. ومثاله أن المتقدمين يستخدمون مصطلح المنكر لما تفرد به راويه، وترجح فيه خطؤه، سواء كان ثقة، أو لا، وسواء خالف أو لم يخالف، والمتأخرون قصروه على تفرد الضعيف، وقد تقدم شرح هذا في الفصل الثالث من الباب الثاني. وقد ذكر ابن حجر قول أبي داود في حديث همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس في وضع الخاتم عند دخول الخلاء، وقوله عنه إنه حديث منكر، ثم قال ابن حجر: «وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شاذ في الحقيقة، إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذا» (١). فقول أبي داود إنه حديث منكر، وقول النسائي إنه غير محفوظ، هما بمعنى واحد، ولا يقال إن عبارة أحدهما أصوب من الأخرى، بناء على ما اختاره المتأخرون في معنى المصطلح، سواء في تعريفه، أو في القاعدة والحكم.

стр. 1030

وخلاصة ما تقدم أن من المهم جدا بالنسبة للباحث قبل أن يستدل برأي الناقد، أو يصنفه، أو يعترض عليه، أن يفهمه جيدا، وينزله وفق مراد الناقد، وقد يحتاج في سبيله إلى هذا أن يتأمل في السياق، وفي طرق الحديث، وكلام الناقد في مكان آخر إن وجد، وكلام النقاد الآخرين. ويتأكد الأمر حين يكون غرض الباحث من النص الاستدلال به على قاعدة في النقد، أو إثبات سماع راو من آخر، أو يريد بالنص نقض قاعدة اشتهرت عند الناس، يراها غير صحيحة، خاصة مع تسرع بعض الباحثين، واكتفائهم بالمثال والمثالين لتحرير قاعدة، أو لنقضها، فإذا كانت الأمثلة -مع قلتها- لم يفهم الباحث مراد الناقد منها كبر خطؤه حينئذ، ولولا ضيق المقام هنا لشرحت ذلك بأمثلته، لكن المقصد الأساس هنا التأكيد على تأني الباحث في فهم كلام الناقد حين تناوله للاختلاف، أيا كان غرضه منه. * * *

стр. 1031

المبحث الرابع عبارات الترجيح والتصحيح ظهر جليا من مباحث الفصل السابق قبل هذا أن النظر في حديث وقع فيه اختلاف قد يحتاج معه الناظر لإصدار حكم نهائي على الحديث بالصحة أو الضعف إلى الوقوف في عدد من المنازل، وهو في الطريق إلى الحكم النهائي، وهو في كل منزلة منها ملزم بإصدار حكمه في تلك المنزلة، ثم الصعود إلى ما فوقها من منازل. فإذا كان مع الناظر مدار أساس وقع عليه اختلاف، قد يكون في الطريق إلى هذا المدار مدارات أخرى وقع عليها اختلاف أيضا، فالناظر عليه تحرير هذه الاختلافات، وإصدار أحكامه عليها، ثم استصحاب هذا الحكم وتسخيره للحكم في الاختلاف في مداره الأساس، ثم بعد ذلك عليه النظر في الطرق فوق مداره، وإصدار أحكامه عليها، وإن وجد اختلافا على مدار أعلى من مداره الأساس وجب عليه الانتقال إلى هذا الاختلاف، والحكم عليه كذلك، وقد يجد هذا في طبقات متعددة، فعليه التنقل فيها منزلة منزلة، حتى يصل إلى نهايتها، ويصدر بعد ذلك حكمه على آخر إسناد يصفو معه. وإن كان في الحديث الواحد أنواع من الاختلافات على مدار واحد، أو على مدارات متعددة، ميز بينها، ونظر في كل منها. وظهر أيضا أنه لا تلازم مطلقا بين نتيجة في منزلة، ونتيجة في منزلة دونها

стр. 1032

أو فوقها، ولا بين نتيجة نهائية للاختلافات، وبين حال الإسناد بعدها. وظهر أيضا -وهو أمر بالغ الأهمية هنا- أن الاختلاف قد يتحمل عهدته الرواة عن المدار، وقد يكون سببه المدار نفسه، وإذا كان سببه المدار نفسه فالأوجه قد تكون بعده محفوظة كلها، وقد لا يحفظ منها شيء أبدا، وقد يتحرر حفظ واحد منها أو أكثر. وظهر أيضا أن النقاد قد ينصون على نتيجة النظر في اختلاف على راو، ويفصلون ذلك عن نتيجة اختلاف على راو أعلى منه، وقد تكون النتيجتان مختلفتين، فينص الناقد على أن المحفوظ عن فلان كذا، لكن المحفوظ عن شيخه أو من فوقه هو كذا، أو أن الوجهين محفوظان عن فلان، لكن المحفوظ عن شيخه الوجه الفلاني فقط، غير أنهم يفعلون هذا في الغالب عند الحاجة إليه، كأن يسأل الناقد عن اختلاف، ثم يعاد عليه السؤال عن اختلاف أعلى منه، أو يسأل عنهما جميعا. وكذا إذا استخدم الناقد لفظ الصحة عن المدار، ربما بين مقصوده بالصحة، إن كان الوجه الصحيح عن المدار لا يصح بعده، لضعف المدار مثلا، أو لضعف راو في الإسناد بعد المدار، أو لانقطاع فيه، ونحو ذلك. والمتأمل في صنيع النقاد يراهم لم يلتزموا هذا دائما، بل الغالب ترك النص على مقصودهم بالترجيح والتصحيح، وذلك لأسباب تقدم شرحها، وخلاصتها أن كلامهم في الغالب يخرج مخرج الجواب عن سؤال محدد، فالجواب يأتي على وفقه، والاختلاف الأدنى أو الأعلى يأتي عندهم الحديث عنه في مناسبته،

стр. 1033

وكذلك هم يخاطبون من هو مثلهم فلا يلتبس عليه الأمر، فالسائل هو ناقد في الأصل، يسأل من تقدم عليه زمنا. والغرض من تلخيص هذا كله في هذا المبحث هو تنبيه الباحث وقد عرف أن النقاد في الغالب يتكلمون على موضع السؤال الموجه إليهم فيبقون مع مداره، ولا يتحدثون عن مدارات فوقه، أو دونه، وأنهم يصححون بعض الأوجه ومرادهم بذلك أي عن المدار، ولا يلزم منه صحة الوجه بعده، وكذلك قد يرجحون وجها، أو يصرحون بصحته، وفيه ضعف، في مقابل وجه آخر أشد ضعفا منه. وعرف أيضا أنهم يرجحون بالقدر المشترك، فيرجحون وجها مع وجود خطأ فيه، ومقصودهم الاستفادة مما فيه من صواب، في مقابل وجه خطأ كما تقدم شرحه في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب. وأيضا قد يقولون في وجه من الأوجه إنه الصحيح أو المحفوظ، في مقابل وجه آخر، ولكن ليس معناه أن راوي الوجه الآخر قد أخطأ، فالخطأ من المدار حين حدث بالوجه الآخر، وقد يكون فعل ذلك عمدا. إذا عرف هذا كله فإن الواجب حينئذ عليه أن يتمعن كثيرا في عبارات النقاد حين يريد أن ينقلها في كلامه على الاختلاف، فلا يهجم على العبارة دون تأمل ونظر، فقد يضعها في غير موضعها، ويستدل بها على شيء لا تدل عليه. والباحث قبل أن يستفيد في بحثه من عبارة لناقد ملزم بالنظر في سياق العبارة، وكيف خرجت من الناقد وفق هذا السياق، وكذلك النظر في كلام الناقد في مواضع أخرى على الحديث نفسه، وأيضا كلام النقاد الآخرين على الحديث،

стр. 1034

فكل هذا -السياق، وكلام الناقد في موضع آخر، وكلام النقاد- مما يعين الباحث على فهم عبارة الناقد، وتحديد مراده بها، وربما توافر في بعض الاختلافات عوامل أخرى تساعد الباحث على تحديد مراد الناقد، فيستفيد منها كذلك. وسأسوق الآن أمثلة لتدقيق النظر في كلام ناقد، وبيان مراده. روى شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي ﷺ قال: «الصلاة مثنى، مثنى، وتشهد في كل ركعتين … » الحديث. ورواه الليث بن سعد وغيره، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن العباس. وقد رجح النقاد رواية الليث بن سعد في سياقه للإسناد كما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، ومن ذلك أن الترمذي سأل البخاري عنه، فقال: «وحديث الليث بن سعد هو حديث صحيح -يعني أصح من حديث شعبة-»، وفي بعض النسخ: « … وهو أصح من حديث شعبة» (١). فاحتاج الترمذي، أو البخاري، إلى شرح المراد من قوله: «هو حديث صحيح»، وأن مراده الصحة النسبية، أي عن المدار، وهو عبد ربه بن سعيد، يعني أن الراجح عنه هو ما حدث به الليث بن سعد، فقد يفهم من قوله: «هو حديث صحيح»، تصحيحه للحديث، وليس هذا مراده، فالإسناد بعد المدار قد

стр. 1035

نقده البخاري بقوة، كما تقدم هذا في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، فذكر الحديث في ترجمة ربيعة بن الحارث، وقال: «وهو حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض». وروى شريك، عن ثابت بن أبي صفية أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر «أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا»؟ ، قال: نعم. ورواه وكيع وغيره، عن ثابت، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر: «أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة»؟ قال: نعم (١). سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث، فقال: «الصحيح ما رواه وكيع، عن أبي حمزة، وحديث شريك ليس بصحيح» (٢). والمراد بالصحة هنا أي عن أبي حمزة الثمالي، وأما بعد ذلك فهو ضعيف، فإن أبا حمزة هذا ضعيف، أو دون ذلك، وعبارة الترمذي في هذا الاختلاف: «وهذا -يعني حديث وكيع- أصح من حديث شريك، لأنه قد روى من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع، وشريك كثير الغلط، وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي» (٣).

стр. 1036

وروى جماعة عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن أبي خزامة، عن أبيه، حديث الأدوية والرقى، ورواه آخرون عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه. ورجح النقاد رواية ابن عيينة الأولى، لموافقتها لرواية أصحاب الزهري، كما تقدم هذا في المبحث الثالث من الفصل الرابع من هذا الباب، ومن هؤلاء الترمذي، فقد قال بعد أن أخرج الرواية الثانية عن ابن عيينة بتسمية شيخ الزهري ابن أبي خزامة: «وقد روى غير واحد هذا عن سفيان، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح، هكذا قال غير واحد عن الزهري … ». وقول الترمذي: «وهذا أصح» قد يفهم منه أن الرواية الثانية عن ابن عيينة خطأ ممن رواها عن ابن عيينة، غير أن مراده أنها أصح من رواية ابن عيينة الثانية، أي أن ابن عيينة يخطئ حين يقول: ابن أبي خزامة، فالخطأ منه، وقد أوضح الترمذي هذا في مكان آخر، فقال بعد أن أخرج الحديث على الوجهين: «وقد روي عن ابن عيينة كلا الروايتين، وقال بعضهم: عن أبي خزامة، عن أبيه، وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، وقد روى غير ابن عيينة هذا الحديث عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح … » (١). وروى جماعة -منهم زهير بن معاوية، وخالد بن عبدالله الواسطي، ويزيد بن هارون، وغيرهم- عن حميد، عن أنس قال: «عاد النبي ﷺ رجلا قد جهد

стр. 1037

حتى صار مثل الفرخ … » الحديث (١). ورواه جماعة آخرون -منهم خالد بن الحارث، وسهل بن يوسف، ومحمد بن أبي عدي، وغيرهم- عن حميد، عن ثابت، عن أنس (٢). ذكر ابن أبي حاتم لأبي زرعة، وأبي حاتم، الوجه الأول، فقالا: «الصحيح: عن حميد، عن ثابت، عن أنس»، ثم ذكرا بعض من رواه على الوجه الثاني. قال ابن أبي حاتم: «فهؤلاء (يعني من رواه على الوجه الأول) أخطؤوا؟ قالا: لا، ولكن قصروا، وكان حميد كثيرا ما يرسل». فقول أبي زرعة، وأبي حاتم: «الصحيح: عن حميد، عن ثابت، عن أنس» قد يفهم منه أن من رواه على الوجه الأول قد أخطأ على حميد، ولهذا سألهما ابن أبي حاتم عن هذا، فأجابا بتحميل حميد عهدة هذا الاختلاف، وأنه عرف بالإرسال عن أنس، فيروي عنه مباشرة ما سمعه عنه بواسطة، فربما ذكرها، وربما أسقطها. وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه المسيب بن واضح، عن يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن أبي المطوس،

стр. 1038

عن أبيه، عن أبي هريرة، قال نبي الله ﷺ : «من أفطر يوما من شهر رمضان من غير عذر لم يقضه صيام الدهر وإن صامه». قال أبي: إنما هو: سفيان، عن حبيب، عن أبي المطوس، وشعبة يقول: حبيب، عن عمارة، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ». ثم قال ابن أبي حاتم: «إنما أنكر عمرو بن دينار، بدل حبيب بن أبي ثابت» (١). ومراد ابن أبي حاتم بهذا التنبيه أن غرض والده تخطئة ما جاء عن سفيان بذكر عمرو بن دينار، بدل حبيب بن أبي ثابت، وليس غرضه الموازنة بين ما يقوله سفيان بإسقاط عمارة من الإسناد، وما يقوله شعبة بذكر عمارة، فغرض أبي حاتم من إيراد رواية شعبة التنبيه إلى أن سفيان قد خولف في الوجه الصواب عنه، فيحتاج هذا الاختلاف إلى نظر آخر، وقد تقدم شرحه في المبحث الثالث من الفصل الرابع من هذا الباب. وروى جماعة عن خالد بن طهمان، عن حصين بن مالك البجلي، عن ابن عباس مرفوعا: «ما من مسلم كسا مسلما ثوبا إلا كان في حفظ من الله ما دام منه عليه خرقة» (٢). وقد روي عن خالد موقوفا.

стр. 1039

سئل أبو حاتم عن هذا الاختلاف، فقال: «الناس يرفعونه، مرفوعا عندي صحيح» (١). فهذا التصحيح من أبي حاتم مراد به صحة المرفوع عن خالد بن طهمان، هذا هو الذي تفيده العبارة وسياقها، وأما الإسناد من خالد فمن فوقه فلا يصح تنزيل كلمة أبي حاتم عليه. وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن أبي بردة، عن أبيه: «أنه كان عند النبي ﷺ ، وعنده نفر من اليهود، فعطس … »، فذكر الحديث. ورواه أبو سلمة، عن حماد، فقال: عن أبي حمزة، عن أبي بردة: «أن النبي ﷺ … » مرسلا. فقيل لأبي: أيهما الصحيح؟ فقال: عن أبي موسى الصحيح، لأن الثوري رواه عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ » (٢). وأبو سلمة هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة ثبت، لا يقل عن يزيد بن هارون، فالظاهر أن مراد أبي حاتم أن الموصول هو الصحيح من روايتي

стр. 1040

حماد، وأنه هو الذي يرسله أحيانا، فيتحمل هو عهدة الاختلاف، وحاله، وتغير حفظه في آخر عمره، وقدم سماع يزيد منه بالنسبة لأبي سلمة، يساعد على ذلك. وذكر أبو حاتم ما رواه عن هلال بن العلاء، عن أبيه، عن عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن عبدالرحمن بن غنم، عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يقول: عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت … ». ثم ذكر أبو حاتم ما رواه عن محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد بن أبي أنيسة، عن موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبدالرحمن بن غنم، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال أبو حاتم: «وهو أشبه» (١). ومراد أبي حاتم بهذا الترجيح في خصوص رواية زيد بن أبي أنيسة، وأن الصواب عنه جعل شيخه موسى بن المسيب، وقد سئل مرة أخرى هو وأبو زرعة عن رواية موسى بن المسيب، فذكرا أن علي بن زيد رواه عن شهر، عن تبيع قوله، قالا: «فكأن هذا يدفع ذاك» (٢).

стр. 1041

والباحث إذا لم يتمعن في كلام الناقد، وسياقه، وما يحتف به، ربما فهمه على غير مراد الناقد، بل ربما اعترض عليه، وقد يشدد في العبارة، وهو إنما أتي من قبل فهمه للنص. وسأذكر الآن بعض الأمثلة على ذلك من صنيع الباحثين وغيرهم. فمن ذلك حديث سلمان بن عامر الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، فقد سأل ابن أبي حاتم أباه عما رواه حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب بنت صليع، بقصة سلمان بن عامر مرسلا، ورواه هشام بن حسان، عن حفصة، عن الرباب، عن سلمان بن عامر موصولا، فقال أبو حاتم: «جميعا صحيحان، قصر به حماد، وقد روي عن عاصم أيضا نحوه» (١). قال ابن كثير، وابن حجر، عن هذا الحديث: «وصححه أبو حاتم الرازي» (٢)، وقال ابن الملقن: «قال ابن أبي حاتم في «علله»: سألت أبي عنه، فقال: صحيح من طريقيه» (٣). وليس في كلام أبي حاتم تصحيح الحديث، ومراده بالتصحيح أي عن حفصة بنت سيرين، فهو يقارن بين روايتين عنها.

стр. 1042

وروى عبدالسلام بن حرب، وزائدة بن قدامة -فيما رواه عنه معاوية بن عمرو- عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء» (١). ورواه عبدالله بن الحسين بن جابر، عن محمد بن كثير المصيصي، عن زائدة به مرفوعا إلى النبي ﷺ (٢). قال الدارقطني عن الرواية المرفوعة: «رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير، عن زائدة، ورواه معاوية بن عمرو، عن زائدة موقوفا، وهو الصواب» (٣). ونقله عنه البيهقي، وأقره (٤). ولما تحدث ابن القيم عن أصل حديث ابن عمر في القلتين، ذكر حجج المضعفين له، ومنها أنه معلول، وله ثلاث علل، وقال في أولها: «وقف مجاهد له عن ابن عمر، واختلف فيه عليه … ، ورجح البيهقي في «سننه» وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب»، إلى أن قال: «ويدل على وقفه أيضا: أن مجاهدا -وهو العلم المشهور الثبت- إنما رواه عنه موقوفا» (٥). وكلام ابن القيم هذا مسلم به لو صح الحديث الموقوف على ابن عمر، من

стр. 1043

طريق مجاهد، ولا يصح عنه، فليث بن أبي سليم راويه عن مجاهد ضعيف، وقد روى الحديث أبو إسحاق السبيعي، عن مجاهد فجعله من قوله هو (١)، وكذلك جاء من رواية يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد (٢)، فمراد الدارقطني، والبيهقي، من تصويب الموقوف على ابن عمر، أي في خصوص رواية الليث، عن مجاهد، فإن من رفعه من هذا الطريق قد أخطأ، ولا يلزم من ذلك صحة الموقوف وصوابه في نفسه. وروى جماعة كثيرون، منهم أيوب السختياني، وعثمان بن الأسود، ونافع بن عمر الجمحي، وابن جريج، وصالح بن رستم، وغيرهم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة مرفوعا: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، وفي رواية عثمان بن أبي الأسود تصريح ابن أبي مليكة بسماعه من عائشة (٣). قال الدارقطني بعد أن ذكر رواية هؤلاء: «وكذلك قال مروان الفزاري، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، وخالفه يحيى القطان، وعبدالله بن المبارك، فروياه عن حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد،

стр. 1044

عن عائشة … ، والصحيح حديث يحيى القطان، وابن المبارك» (١)، ونقل الجياني، عن الدارقطني هذا الكلام، وآخره بلفظ: «وقولهما أصح، لأنهما زادا، وهما حافظان متقنان، وزيادة الحافظ مقبولة» (٢). وظاهر جدا من كلام الدارقطني أن هذا الترجيح إنما هو بالنسبة لرواية حاتم، فالراجح عنه ذكر القاسم في الإسناد، كما رواه عنه يحيى القطان، وابن المبارك، وكذلك رواه عنه روح بن عبادة، ومحمد بن أبي عدي، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، وعبدالله بن بكر (٣)، فقول هؤلاء أرجح من رواية مروان الفزاري بإسقاط القاسم، فهذا بخصوص رواية حاتم، على أنه لا يبعد أن يكون الاضطراب من حاتم نفسه، وأما المقارنة بين رواية الجماعة عن ابن أبي مليكة بإسقاط القاسم، وما ترجح عن حاتم بذكره، فلم يتعرض له الدارقطني صراحة، وإن كان سياق كلامه يدل على ترجيح حذف القاسم. وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في «التتبع»، وما زاد على أن ذكر أنهما -يعني الشيخين- أخرجا هذا الحديث بهذا الإسناد مع هذا الاختلاف فيه على ابن أبي مليكة، ولم يرجح بين الإسنادين (٤).

стр. 1045

وقد ذكر ابن حجر كلمة الدارقطني التي نقلها الجياني، لكنه اختصرها ورواها بالمعنى، فتغير مؤداها، قال ابن حجر: «قال الدارقطني: رواه حاتم بن أبي صغيرة، عن عبدالله بن أبي مليكة، فقال: حدثني القاسم بن محمد، حدثتني عائشة، وقوله أصح، لأنه زاد، وهو حافظ متقن» (١). كذا جاءت عبارة الدارقطني عند ابن حجر، يوازن فيها الدارقطني بين رواية حاتم، عن ابن أبي مليكة التي فيها زيادة القاسم، وبين رواية الجماعة عن ابن أبي مليكة بإسقاط القاسم، وعبارة الدارقطني كما نقلها الجياني لا تفيد هذا، فالمقارنة في خصوص رواية حاتم، فرجح الدارقطني قول الجماعة عنه بزيادة القاسم، وبين الأمرين فرق كبير. وأخرج البيهقي حديث أبي سعيد الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو حديث: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، وقد اختلف فيه وصلا وإرسالا، ثم قال البيهقي بعد أن ساق رواية الثوري المرسلة ورواية حماد بن سلمة الموصولة: «حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولا وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبدالواحد بن زياد، والدراوردي … » (٢). ويقصد البيهقي تضعيف الموصول من طريق الثوري خاصة، لكن ابن التركماني

стр. 1046

فهم من عبارته تضعيف الموصول مطلقا، فتعقب البيهقي بقوله: «إذا وصله ابن سلمة، وتوبع على وصله من هذه الأوجه فهو زيادة ثقة، فلا أدري ما وجه قول البيهقي: وليس بشيء» (١). وكذلك صنع ابن حجر، فنقل عن البيهقي أنه يرجح المرسل -هكذا بإطلاق- (٢). وتعرض أحد الباحثين للاختلاف في الحديث الماضي في الاتصال والانقطاع (٣)، وهو ما يرويه الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق في قصة ميراث الجدة، وقد اختلف فيه على الزهري، فرواه الجلة من أصحابه -ومنهم معمر، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة في المشهور عنه- رووه عن الزهري كما تقدم، ورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر، وكذا رواه ابن عيينة في بعض الروايات عنه، إلا أنه أبهم عثمان بن إسحاق. فذهب الباحث إلى ترجيح الوجه الذي يرويه مالك ومن معه، لأنه أثبت أصحاب الزهري، فقوله الراجح، وإن كان الجماعة قد خالفوه وفيهم من عُدَّ من أوثق أصحاب الزهري، لكن مالكا مقدم عليهم عند الاختلاف، ثم نقل عن

стр. 1047

الذهلي، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، ترجيحهم رواية مالك. وطريقة الباحث في معالجة الاختلاف، ثم نقله عن النقاد أقوالهم، يوهم أن النقاد يخطئون رواية الجماعة عن الزهري، وهذا بعيد جدا، فمقصودهم أن الزيادة التي ذكرها مالك ومن معه محفوظة، لم يخطئ فيها هؤلاء، فالاختلاف من الزهري نفسه، وهو ربما أرسل، فمن زاد في الإسناد عن الزهري إذا كان حافظا فروايته محفوظة، ومراد النقاد أن الإسناد بتمامه هو المحفوظ، فلم يسمعه الزهري من قبيصة بن ذؤيب، وكان يسقط الواسطة بينه وبين قبيصة، وربما ذكرها. وسئل البخاري عن رواية سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعا: «من وجد تمرا فليفطر عليه … » الحديث، فقال: «الصحيح حديث شعبة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ ، وحديث سعيد بن عامر وهم». وقد رواه الجماعة من أصحاب عاصم -غير شعبة- فزادوا ذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان بن عامر، وقد روي عن شعبة بذكر الرباب لكنه لا يصح عنه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الأول من الفصل الثالث، وفي المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، وذكرت في الموضعين أن الصواب عن عاصم ما رواه الجماعة بذكر الرباب، ورواية شعبة بإسقاطها مرجوحة. والشاهد هنا أن أحد الباحثين جاءت عنده كلمة البخاري، ففهم منها أن البخاري يصحح بإطلاق رواية شعبة بحذف الرباب، ويقدمها على رواية الجماعة

стр. 1048

عن عاصم، فوضع داخل النص نقطا، لاحتمال أن يكون اسم الرباب سقط من نص البخاري، ثم علق الباحث بكلام تعدى فيه طوره، وأبعد جدا عن غرض البخاري الصحيح، وهو الموازنة بين روايتي أصحاب شعبة فقط، أي ما هو الصواب عن شعبة بخصوصه؟ ولم يرد البخاري الموازنة بين الصحيح عن شعبة، وبين ما رواه الجماعة عن عاصم، ومما قاله الباحث: «هذه الرواية فيها إشكال، والإشكال أن يصحح الإمام البخاري رواية شعبة، عن عاصم، عن حفصة، عن سلمان، دون ذكر الرباب بين حفصة، وسلمان، علما بأن شعبة رووا (كذا) أصحابه عن هذا الحديث، وذكر فيها شعبة الرباب، ما بين حفصة وسلمان، ووافقه على ذلك الحفاظ، بل هو وافقهم في هذه الرواية، كالثوري، وابن عيينة … ، فمما لا شك فيه أن ما رواه هؤلاء الحفاظ أصح … فعلى هذا يستبعد أن يصحح البخاري رواية شعبة التي خالف فيها من هو أحفظ منه، أو مثله على أقل تقدير، وهم جماعة وهو فرد، والخطأ من الفرد أقرب منه إلى الجماعة، أو أن ذكر الرباب ما بين حفصة وسلمان قد سقط سهوا من النساخ، ولعل هذا أقرب … ». وكل هذه الإطالة وما فيها من كلام بعيد عن التحقيق لم يكن الباحث محتاجا لها لو أدرك مقصود البخاري، وعرف طريقة النقاد، وتحديد غرضهم من سياق السؤال والجواب. وروى مالك بن أنس، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم بن

стр. 1049

عمر بن الخطاب، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد، مرفوعا: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». هكذا رواه على الشك الجلة من رواه «الموطأ» عن مالك، وقد روي عن مالك على أوجه أخرى، أشهرها جعله عن أبي هريرة وحده (١). وقد رجح جماعة من النقاد رواية من رواه عن مالك بالشك، لكثرة من رواه على هذا الوجه. تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر من رجح هذا الوجه عن مالك، ثم قال: «بينما رجح بعض الأئمة الوجه الخامس: مالك، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة وحده … »، وذكر الباحث في هذا السياق قول الدارقطني: «الصحيح قول من قال: عن حفص، عن أبي هريرة» (٢)، وقول ابن عبدالبر: «الحديث محفوظ لأبي هريرة» (٣). هكذا صنع الباحث، مع أن عبارة الدارقطني، وابن عبدالبر، لم تأت في سياق الموازنة بين أصحاب مالك فقط، فقد ذكر الدارقطني طريق عبيدالله بن عمر الثقة الثبت، عن خبيب، وطريق شعبة، عن خبيب، لكنه ضعف طريق شعبة، وكذا ذكر ابن عبدالبر طريق عبيدالله، وله طريقان آخران إلى خبيب، لم يردا

стр. 1050

عند الدارقطني، وابن عبدالبر، وهما طريق عبدالله بن عمر أخو عبيدالله، ومحمد بن إسحاق (١). فترجيح الدارقطني، وابن عبدالبر، إذن هو في الرواية عن خبيب، فلا يصح تنزيل ذلك على الاختلاف على مالك، وعبارة ابن عبدالبر صريحة في هذا، فعبارته بتمامها: «والحديث محفوظ لأبي هريرة بهذا الإسناد، كذلك رواه عبيدالله بن عمر، عن خبيب بهذا». وروى المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري حديث استغفاره ﷺ في اليوم مئة مرة (٢). وكذا رواه موسى بن عقبة، وأشعث بن سوار، وإسرائيل بن يونس -من رواية أبي أحمد الزبيري عنه- عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى (٣). ورواه إسرائيل بن يونس -من رواية محمد بن يوسف الفريابي، وعبيدالله

стр. 1051

بن موسى عنه- عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلا، وقرن أبو إسحاق بأبي بردة: أخاه أبا بكر بن أبي موسى، مرسلا أيضا (١). ورواه ثابت البناني، وعمرو بن مرة، وحميد بن هلال، وغيرهم، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، سوى رواية حميد، فإنه لم يسم الصحابي، بل قال: عن رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه، وكذا ثابت البناني في بعض الطرق إليه، قال: عن رجل من أصحابه، والمشهور عنه الأول (٢). وقد توارد جمع من النقاد على ترجيح رواية الجماعة عن أبي بردة، وهو جعله عن الأغر المزني، منهم البخاري، والعقيلي، والدارقطني، غير أنهم لم يذكروا المرسل، ومنهم من لم يذكر رواية أبي إسحاق الموصولة أيضا (٣). وقد تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر قول جمهور النقاد في ترجيح هذا الوجه، ثم ذكر أن أبا حاتم الرازي خالفهم، فرجح الوجه المرسل.

стр. 1052

هكذا صنع الباحث، وبالرجوع إلى النص الذي اعتمده الباحث في رأي أبي حاتم، وسياقه، يظهر منه بوضوح أن أبا حاتم لا يتكلم على الترجيح بين الأوجه الثلاثة، وإنما هو يوازن بين روايتي سعيد بن أبي بردة، وأبي إسحاق السبيعي، بذكر أبي موسى، وبين رواية أبي إسحاق الثانية بحذف أبي موسى، فرجح من هذه الجهة فقط. فكأنه يقول: لا يصح ذكر أبي موسى الأشعري، أما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، فلحال راويه عن سعيد، وهو المغيرة بن أبي الحر، وأما من طريق أبي إسحاق، فالراوي عنه عند أبي حاتم هو موسى بن عقبة، وروايته عن أبي إسحاق لا تصح، فهو يروي هذه الأحاديث عن رجل مجهول، يقال له: عبدالله بن علي، عن أبي إسحاق، يعني ويسقطه، هكذا قال أبو حاتم عنه في حديث آخر، خالفه فيه إسرائيل أيضا فأرسله كما في حديثنا هذا (١)، وهذا هو الراجح عن أبي إسحاق، فتلخص أن جعل الحديث عن أبي موسى الأشعري لا يصح. وكأن أبا حاتم لم يقف على رواية أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، الموصولة بذكر أبي موسى، أو وقف عليها ولم يعتدَّ بها، فإن أبا أحمد الزبيري يخطئ، وقد خالفه محمد بن يوسف الفريابي، وعبيدالله بن موسى، فروياه عن إسرائيل مرسلا، كما تقدم، وفي رواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي بردة قصة، فلم

стр. 1053

يضبطها أبو أحمد، عن إسرائيل، وضبطها محمد بن يوسف، وعبيدالله بن موسى، وذلك أن أبا إسحاق يروي هذا الحديث بأثر حديثه عن عبيد بن المغيرة -على اختلاف في اسمه على أبي إسحاق- عن حذيفة، ثم يقول أبو إسحاق: «فذكرته لأبي بردة بن أبي موسى فحدثني عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ قال … »، هكذا رواه أبو أحمد الزبيري، عن إسرائيل، ورواه الآخران عنه فقالا: «فذكرته لأبي بردة، وأبي بكر، ابني أبي موسى، فقالا: قال رسول الله ﷺ … ». وعبيدالله بن موسى أثبت أصحاب إسرائيل (١). ولم يتعرض أبو حاتم لرواية أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق الموصولة بذكر أبي موسى، وأشعث في نفسه ضعيف الحديث، ورواية إسرائيل المرسلة تدل على أن أشعث أخطأ أيضا على أبي إسحاق. هذا ما يؤخذ من كلام أبي حاتم، وسياق السؤال والجواب، ولم يتعرض أبو حاتم للرواية المشهورة عن أبي بردة، بجعله عن الأغر، فلا يستقيم جعله مخالفا للجمهور، وهذا نص السؤال والجواب: قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أبو نعيم، عن مغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رسول الله ﷺ

стр. 1054

-ونحن قعود-، فقال: «ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مئة مرة». قال أبي: رواه موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ورواه إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر، وأبي بردة -ابني أبي موسى-، عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر أبا موسى، قال أبي: وحديث إسرائيل أشبه، إذ كان هو أحفظ» (١). ويؤكد هذا أن أبا حاتم سئل مرة أخرى عن رواية حميد بن هلال للحديث عن أبي بردة، عن رجل من المهاجرين، فقال: «يقال: إن هذا الرجل هو الأغر المزني، وله صحبة» (٢). فأرجع أبو حاتم رواية حميد إلى الرواية المشهورة: عن أبي بردة، عن الأغر. ويبقى نظر آخر في هذا الاختلاف، وكلام النقاد عليه، وهو أن جمهور النقاد الذين رجحوا كونه عن الأغر لم يرد في كلامهم ذكر للمرسل، فلم لا يقال: ترجيحهم لرواية من جعله عن الأغر إنما هو بالنسبة لرواية المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، ولو ذكروا المرسل لربما رجحوه في النهاية، كما قلتم في صنيع أبي حاتم، وأن غرضه الموازنة بين من جعله عن أبي موسى الأشعري، ومن أرسله، ولا يدل ذلك على أنه لا يرجح في النهاية ما رجحه جمهور النقاد، بجعله عن الأغر؟

стр. 1055

والجواب: أن جمهور النقاد رجحوا وجها تاما، وهو جعله عن الأغر المزني، وهو الوجه المشهور عن أبي بردة، ولو كان هناك وجه يعله ويضعفه هو الراجح عندهم لبادروا بإحضاره، وكان غرضهم تعليل رواية المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، لئلا يظن أنه حديث آخر، فبينوا غلطه، وأما المرسل فلو صح عن أبي إسحاق، أو عن أبي بردة، لم يؤثر هذا شيئا بعد ثبوت وجه الأغر، فالمرسل إذا ترجح الوجه الموصول دخل فيه، كما تقدم شرح هذا في المبحثين الثاني، والثالث، من الفصل الرابع من هذا الباب، سواء قيل: التقصير من أبي إسحاق، أو قيل: أبو بردة أرسله حين حدث به أبا إسحاق، وسياق القصة يؤيده، فكأن أبا بردة حين سأله أبو إسحاق أجاب: نعم، قد قاله ﷺ ، مع أنه عنده عن الأغر. وأما أبو حاتم فزاد على النقاد طريقا آخر يجعله عن أبي موسى، وهو طريق موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، وبين أن هذا لا يصح أيضا، فالصواب إرساله عن أبي إسحاق، فكلام أبي حاتم إذن متمم لكلام النقاد، في تعليل حديث أبي موسى، وليس معارضا لهم في ترجيحهم لوجه الأغر، والله أعلم. وأخرج البخاري من طريق عبدالرحمن بن مغراء، عن يزيد بن أبي حبيب، عن اللجلاج، عن عبدالله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة مرفوعا في ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (١).
следующие страницы →