← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ذكر أحد الباحثين في كلامه على حديث الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله ﷺ قال له: يا ضحاك ما طعامك؟ … » الحديث (١)، ما لفظه: «نقل ابن المبارك، عن يحيى بن صاعد قوله: وقد روي هذا الحديث عن أبي بن كعب، ووقفه بعض، ورفعه بعض»، نقل هذا من «الزهد» لابن المبارك (٢). وابن المبارك مات قبل أن يولد يحيى بن صاعد بزمن طويل، وإنما اشتبه على الباحث، لكون يحيى بن صاعد يروي كتاب «الزهد» لابن المبارك، عن الحسين بن الحسن المروزي، عن ابن المبارك، وللحسين بن الحسن في أثناء الأحاديث زوائد كثيرة يرويها من غير طريق ابن المبارك، ولابن صاعد زوائد كذلك، يرويها من غير طريقهما، وله أيضا كلام على بعض الأحاديث، فالذي نقل كلام ابن صاعد هما راويا الكتاب عن ابن صاعد: أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر الوراق. وذكر أحد الباحثين ما رواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: «جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» (٣).

стр. 982

ثم ذكر الباحث كلام أبي حاتم على هذا الحديث، وأنه يرى إدراج آخر الحديث: «فإذا وقعت الحدود … »، ثم قال الباحث: «روى ابن عبدالبر في «التمهيد» (٧/ ٤٥) بإسناده إلى أبي زرعة، قال: قال لي أحمد بن حنبل: رواية معمر، عن الزهري، في حديث الشفعة، حسنة، قال: وقال لي يحيى بن معين: رواية مالك أحب إلي وأصح في نفسي مرسلا: عن سعيد، وأبي سلمة». وظاهر من سياق كلام الباحث ومناسبته أنه يرى أن أبا زرعة هذا هو الرازي، وإنما هو أبو زرعة الدمشقي، والنص موجود في «تاريخه» أتم منه (١). الأمر الرابع: كلام النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة مصدره الأساس كتب العلل، سواء منها الكتب الشاملة، مثل «العلل الكبير» للترمذي، و «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني»، أو الكتب التي قصد بها أصحابها نقد كتاب معين، أو مرويات راو معين، مثل «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى الذهلي، و «علل الأحاديث في صحيح مسلم» لأبي الفضل بن عمار الشهيد، و «التتبع» للدارقطني، و «الأحاديث التي خولف فيها مالك» للدارقطني أيضا. ويوجد كذلك في كتب السؤالات الموسعة، مثل «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية ابنه عبدالله، و «مسائل أحمد» لأبي داود، و «تاريخ الدوري عن ابن معين».

стр. 983

وكذلك كتب الرجال التي تذكر في ترجمة الراوي شيئا مما تفرد به، أو خولف فيه، أو اختلف فيه عليه، مثل «التاريخ الكبير» للبخاري، و «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي. كما يوجد في كتب التواريخ، مثل «تاريخ أبي زرعة الدمشقي»، و «المعرفة والتاريخ» للفسوي، و «التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة. ومن مصادر كلامهم المهمة كذلك كتب الرواية التي يتعرض المؤلف فيها لشيء من نقد ما يرويه، مثل «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، و «سنن النسائي»، و «مسند أحمد»، و «مسند يعقوب بن شيبة»، و «مسند البزار»، و «سنن الدارقطني» و «سنن البيهقي». وفي الجملة فليس من الممكن أن يحدد للباحث مصادر معينة في عصر الرواية أو يذكر له نوع من المصادر، تحوي أقوال النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة، فما من كتاب مؤلف في ذلك العصر إلا وهو مظنة وجود شيء من كلامهم، سواء ما ألف لنقد الراوي أو المروي، أو ما ألف لجمع المرويات، وسواء كان كتابا كبيرا، أو جزءا صغيرا. ثم بعد ذلك ما ألف بعد عصر الرواية، مثل مؤلفات ابن رجب، وابن القيم، والمزي، والذهبي، وابن كثير، والعراقي، وابن الملقن، والزيلعي، وابن حجر، وغيرهم، ففي هذه الكتب من النقول عن النقاد شيء كثير جدا، وجملة منه لا يوقف عليه فيما هو موجود من كتب الصنف الأول، فغدا الكتاب المتأخر مصدرا رئيسا من هذه الجهة.

стр. 984

وقد تقدم في الفصل الأول من الباب الأول، الكلام عن مصادر طرق الأحاديث التي ينبغي للباحث أن يجمع منها طرق الأحاديث، وهي أيضا مصادر لكلام النقاد. والباحث وهو بصدد جمع كلام النقاد في حديثه لن يجد الأمر دائما ميسرا، فهناك إشكالات تواجه الباحثين أثناء جمعهم لكلام النقاد للنظر فيه، وتوظيفه في دراسة الاختلاف، وسأعرج الآن على بعض هذه الإشكالات على عجل. فمنها احتمال أن يفوت الباحث كلام بعض النقاد، لسبب أو لآخر، فقد يكون الناقد سرد عددا من الأحاديث، وأخر نقدها أو نقد بعضها بعد فراغه منها، فيفوت الباحث الوقوف على كلام الناقد في حديثه المعين. ثم كلام الناقد قد يوجد في بعض روايات كتابه، ولا يوجد في أخرى، كما هو الحال في «سنن أبي داود»، و «سنن النسائي» الصغرى والكبرى، يدرك ذلك بمقارنة ما فيها بما ينقله المتأخرون عنهم، كالمزي في «تحفة الأشراف»، وغيره. ومن ذلك أن البيهقي قال في حديث سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، في كتاب النبي ﷺ في الصدقات (١): «قال أبو عيسى الترمذي في كتاب «العلل»: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظا، وسفيان بن حسين صدوق» (٢).

стр. 985

وذكر أبو علي الجياني، وابن القطان، أن الترمذي في «العلل» نقل عن البخاري كلاما في حديث عقبة بن عامر الجهني مرفوعا: «ما من أحد يتوضأ … » الحديث (١). ولا يوجد هذان النصان في المطبوع من «ترتيب العلل الكبير» للقاضي أبي طالب (٢). بل قد يوجد في بعض الروايات أو النسخ جزء من النص المطبوع والنص بتمامه في رواية أو نسخة أخرى، كما في كلام النسائي على حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في قصة المرأة التي جاءت وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب. ومن الإشكالات الكبيرة في نصوص النقاد ما يواجه الباحث من اضطراب في النص، كأن يجد الباحث الترجيح مقلوبا، ففي مصدر ينسب إلى الناقد ترجيح وجه، وفي مصدر ينسب إليه ترجيح مقابله، ولا يمكن حمله على تغير الاجتهاد، أو يجد السؤال موجها إلى ناقد، والجواب لناقد آخر، أو يقع النص خطأ، إما بسبب سهو المؤلف، أو بسبب وقوع السقط والتحريف في النسخ. فمن ذلك أن زيد بن أبي أنيسة، روى عن أبي إسحاق، عن جرير بن

стр. 986

عبدالله مرفوعا حديث صيام أيام البيض (١). ورواه مغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن جرير موقوفا. ونقل ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة ترجيح المرفوع، وعلل ذلك بأن زيدا أحفظ من مغيرة (٢)، وهكذا نقل ابن الملقن عن ابن أبي حاتم أن أبا زرعة رجح المرفوع (٣). وذكر ابن حجر نقلا عن ابن أبي حاتم عكس هذا، فقال: «رواه ابن أبي حاتم في «العلل»، عن جرير مرفوعا، وصحح عن أبي زرعة وقفه» (٤). وروى العباس بن محمد الدوري، عن روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عُرَيْن، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، قال: «زجر النبي ﷺ صبياننا عن أكل الجراد»، ثم قال الدوري: «سمعت يحيى يقول: أخطأ فيه روح، إنما هي زينب بنت مُنَخَّل، قال يحيى: هذا الحديث ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» (٥).

стр. 987

كذا في النسخة، وفي النص اضطراب، فقوله: «ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» يعارضه أن روح بن عبادة قد أسنده كما رواه الدوري عنه، وأيضا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم يقفانه على عائشة، قال الدارقطني: «يرويه عثمان بن غياث، واختلف عنه، فرواه روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عرين، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، وخالفه سعيد، وابن أبي عدي، روياه عن عثمان بن غياث، لم يذكرا رسول الله ﷺ ، موقوفا، وهو الصواب» (١). فالظاهر أن صواب العبارة: «هذا الحديث لم يسنده ابن أبي عدي، وابن أبي مريم». وأخرج الترمذي عن أبي الوليد الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، «أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله». ثم قال الترمذي: «هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة، ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور، عن رجاء بن حيوة، قال: حدثت عن كاتب المغيرة، مرسل، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر المغيرة» (٢).

стр. 988

كذا نقل الترمذي هنا عن هذين الإمامين، وفيه قلب، فثور بن يزيد هو الذي يقول: حدثت عن رجاء بن حيوة، وليس رجاء بن حيوة هو الذي يقول: حدثت عن كاتب المغيرة، وقد نقله الترمذي في «العلل» عن أبي زرعة والبخاري، على الصواب (١)، وكذا ذكره عن ابن المبارك جماعة آخرون من النقاد، كما تقدم ذكر هذا في «الاتصال والانقطاع» (٢). وروى عبدالحميد بن سليمان، عن محمد بن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه … » الحديث (٣). قال الترمذي بعد أن أخرجه في «السنن»: «حديث أبي هريرة قد خولف عبدالحميد بن سليمان في هذا الحديث، ورواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، مرسلا، قال محمد: وحديث الليث أشبه، ولم يعد حديث عبدالحميد محفوظا» (٤). كذا قال الترمذي في هذا الموضع، جعل رواية الليث عن أبي هريرة، وهو سبق نظر وقلم، انتقل إليه من الإسناد الموصول، وقد ذكر النص عن البخاري في «العلل» على الصواب، وفيه: «رواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عبدالله

стр. 989

بن هرمز، عن النبي، مرسلا … » (١). ورواية الليث أخرجها أبو داود في «المراسيل» عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عبدالله بن هرمز اليماني (٢). وقد ذكر أحد الباحثين كلام الترمذي في الموضعين، فخطأ الصواب، وصوب الخطأ (٣). ونقل ابن حجر «في النكت» كلام النسائي على ما رواه عن يزيد بن سنان، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ … »، ووقعت العبارة في النسخة هكذا: «هذا حديث مفصل، لا أعلم من رواه غير مكي، لا بأس به، لا أدري من أنبأني» (٤). وقد تقدمت العبارة على الصواب في الفصل الأول من الباب الثاني، حيث ذكرت الحديث هناك لمناسبة أخرى. والباحث متى وجد اضطرابا في النص فهو ملزم بالنظر فيه ومعالجته، ولا يصح له أن ينقله كما هو، وهو حين نقله إلى بحثه متحمل لعهدة الخطأ والاضطراب في النص، وإذا نظر فيه وفحصه ولم يستطع تصويبه فلينبه قارئه،

стр. 990

ليشاركه النظر فيه، فقد يراه مستقيما، وقد يكون لديه معلومات إضافية تساعد على حلِّ إشكاله. ومن أمثلة ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه موسى بن داود، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل: «أن النبي ﷺ صلى في ثواب واحد». قال أبي: هذا خطأ، إنما هو ما حدثنا به عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل: «أن النبي ﷺ … »، » (١). فهذا الجواب للسؤال فيه إشكال، وهو يتعارض مع جواب سابق لأبي حاتم، وأبي زرعة، عن السؤال عينه، قال ابن أبي حاتم: «قالا: هذا خطأ، قال أبو زرعة: إنما هو على ما رواه الثوري، ومعتمر، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ : «أنه صلى في ثوب واحد» فقط، دخل لموسى حديث في حديث، يحتمل أن يكون عنده حديث عبدالعزيز قال: ذكر لي عن أم الفضل: «أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالمرسلات»، وكان بجنبه: عن حميد، عن أنس، (يعني بحديث الصلاة في الثوب الواحد)، فدخل له حديث في حديث، والصحيح: حميد، عن أنس … قال أبي: ومما يبين خطأ هذا الحديث ما حدثنا به كاتب الليث (هو عبدالله بن صالح)، عن عبدالعزيز الماجشون (وهو عبدالعزيز بن أبي سلمة)، عن حميد، عن أنس: «أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد»، قال عبدالعزيز: وذكر لي عن أم الفضل:

стр. 991

«أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالمرسلات، وكان هذا آخر صلاة النبي ﷺ حتى قبض»، فجعل موسى الحديث كله عن أم الفضل» (١). فهذا الجواب يوضح أن الجواب في الموضع الثاني فيه إشكال، لا يستقيم كما هو، وقد مَرَّ عدد من الباحثين على الإسناد الوارد في الجواب، وهو: عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل، ولم يذكروا مصدرا لتخريجه، فالذي يظهر لي أن النسخ من «علل ابن أبي حاتم» وقع فيها خلل في هذا الموضع (٢). الأمر الخامس: الأئمة المشهورون بالكلام في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، وهو ما يعرف بعلم العلل، هم بعض أئمة الجرح والتعديل، وقد تقدم هناك في «الجرح والتعديل» (٣) من الكلام عن تصنيفهم من جهة طبقاتهم الزمانية، ومن جهة كثرة وقلة ما ورد عنهم من الجرح والتعديل، وكذلك أقسامهم من جهة التشدد والتساهل. أما ما يختص بعلم العلل فكذلك هم على طبقات، أولاها فيها شعبة، وسفيان الثوري. ثم تلامذتهما، كيحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي.

стр. 992

ثم بعد هؤلاء أحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو بن علي الفلاس. ثم طبقة محمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ويعقوب بن شيبة، والدارمي، وخلق كثير في هذه الطبقة. ثم طبقة الترمذي، وعبدالله بن أحمد، وأبي بكر البرديجي، والنسائي، والبزار، والساجي، وموسى بن هارون، وعلي بن الحسين بن الجنيد. ثم طبقة ابن خزيمة، ويحيى بن صاعد، وابن المنذر. ثم طبقة العقيلي، وأبي بكر النيسابوري، وابن أبي حاتم. ثم طبقة، ابن حبان، وابن عدي، وأبي علي النيسابوري، والإسماعلي. ثم طبقة الدارقطني، وابن منده، والحاكم. ثم طبقة البرقاني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي نعيم الأصبهاني. ثم طبقة الخليلي، والعتيقي. ثم طبقة البيهقي، والخطيب، وابن عبدالبر. ثم بعد ذلك لم تخل طبقة من متكلم في علل الأحاديث، وإن كان قد تناقص هذا الأمر. ولا شك أن أهل الطبقتين الأولى، والثانية، هم الذين وضعوا أسس هذا العلم كعلم مستقل، وإن كانت تطبيقاتها موجودة أيضا عند من قبلهم. وكذلك فإن الطبقات الثالثة، والرابعة، والخامسة، هي أزهى طبقات

стр. 993

النقد، لكثرتهم، وكثرة ما نقل عنهم وتمكنهم في هذا العلم. وأما من جاء بعدهم فهو متمم لعملهم، يعتمد كثيرا على ما نقل عنهم في الأحاديث التي تكلموا فيها، وهم مع ذلك أصل في أحاديث وأسانيد ظهرت أو وقع الغلط فيها بعد تلك الطبقات. وللعلماء كلام في تصنيف أصحاب هذه الطبقات الثلاث من جهة التمكن في هذا العلم، مثل قول الذهبي في حديثه عن النسائي: «لم يكن أحد في رأس الثلاثمئة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة» (١). وقال الذهبي أيضا في أبي حاتم الرازي: «هو من نظراء البخاري، ومن طبقته» (٢). فهاتان درجتان، إحداهما فيها البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والأخرى فيها مسلم، وأبو داود، والترمذي، ويظهر أن هناك درجة عنده فوق هاتين، وفيها: أحمد، وابن المديني، وابن معين. وللعلماء كلام كثير في المفاضلة بين أصحاب الدرجة الأولى وهم أحمد، وابن المديني، وابن معين، وربما جرى ذكر غيرهم من طبقتهم والطبقة التي تليهم، فقد كانت هاتان الطبقتان مليئتين بالحفاظ النقاد غير هؤلاء، كإسحاق بن راهويه،

стр. 994

ومحمد بن يحيى الذهلي، والدارمي، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن صالح المصري، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم. وابتدأت هذه المفاضلة في وقت مبكر، فقد كان أحمد يقول: «أعلمنا بالعلل علي بن المديني» (١). واتفقت الكلمة على قول أحمد هذا، فقد كان ابن المديني مبرزا في هذا الشأن، ثم ابن معين، وأحمد، وتميز أحمد بكثرة المنقول عنه في الاختلاف والعلل (٢). وأما ما يتعلق بالتشدد، والاعتدال، والتساهل، فلم أقف على كلام لأحد من الأئمة في تصنيف أئمة النقد في هذا الباب. * * *

стр. 995

المبحث الثالث كلام النقاد ومصطلحاتهم من المهم جدا لمن يريد الاستفادة من كلام النقاد في الاختلاف أن يتعرف على مصطلحاتهم، وتصرفاتهم، سواء منها ما كان في الاختلاف نفسه، أو في المصطلحات العامة، لئلا تزل قدمه، فينزل كلام الناقد على غير مراده، أو يفسره بما لا يحتمله، بل ربما عالجه بما ينبئ عن بعده عن النظر في كلامهم، وأساليبهم في عرض الاختلاف، ومعالجته. وهذا الباب واسع جدا، أحاول بقدر الإمكان أن أعرضه بما يجمع بين أداء الغرض والاختصار. وأول ما يجب العناية به في هذا الموضوع عبارات النقاد وألفاظهم وطرقهم في الترجيح، وتلخيص نتيجة نظرهم في الاختلاف، فالناقد كثيرا ما يصرح بذلك، فيقول مثلا: المرفوع أصح، أو المرسل أصح، أو المحفوظ موقوف، أو رواية فلان أصح، أو يقول عن أحد الأوجه: هذا هو الصحيح، أو المحفوظ، أو هذا أشبه، أو هذا باطل، أو لا يصح، أو هو وهم، أو هو خطأ والصحيح كذا، ونحو هذه العبارات، وهي كثيرة جدا، لا تدخل تحت الحصر، وربما جاء في الجواب الواحد عدد منها. وقد يوجد شيء من هذه الألفاظ مع تردد الناقد، كما تقدم هذا في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب، فهو أيضا ترجيح واختيار، لكنه دون

стр. 996

ما جزم به الناقد دون تردد. ومثل هذا إذا ترجح عنده حفظ وجهين أو أكثر، كأن يقول: كلاهما صحيح، أو هما محفوظان، أو لعله -يعني أحد رواة الإسناد- سمع منهما جميعا، وكذا إذا لم يترجح شيء منها عنده، إما لتوقفه، كأن يقول: لا أدري أيهما الصحيح، أو لا أقضي فيه بشيء، أو لضعفهما جميعا، كأن يقول: كلاهما منكر، أو لا يصح هذا ولا هذا، أو لا يصح شيء منهما. فهذه كلها ألفاظ صدرت من الناقد دالة صراحة على رأيه واختياره. ويلي ذلك -وهو داخل في التصريح- ما ينقله التلميذ عن شيخه أو من فوقه، بعبارته هو، كأن يقول: سألته فصححه من حديث فلان، أو فرجحه موصولا، أو مرسلا، أو موقوفا، أو لم يعد حديث فلان محفوظا، أو لم يعرف حديث فلان، أو لم يقض فيه بشيء، أو لم يقل: أيهما أصح، ونحو هذه العبارات. ويقوم مقام التصريح ما يعرف بإشارات النقاد، فإنها دالة أيضا على اختيارهم، ولها صور عديدة. منها أن يسأل الناقد فيذكر قرينة أو أكثر للترجيح، إما في الوجه الراجح، أو في الوجه المرجوح، وقد يجمع بينهما، كأن يقول: فلان أحفظ، أو فلان أحفظهم، أو رواه الجماعة فأرسلوه، أو ووصلوه، أو الناس يروونه مرسلا، أو لا أعرفه مرفوعا إلا من حديث فلان، أو لم يسنده إلا فلان، أو فلان سلك الطريق السهل، أو فلان ضعيف.

стр. 997

ويوجد هذا أيضا في ترجيح الناقد عدم حفظهما جميعا، كأن يقول لراوي أحد الوجهين عن المدار: إنه ضعيف، ويقول في راوي الوجه الآخر: لم يسمع منه. فهذا الصنيع يقوم مقام التصريح بالاختيار، إذ الظاهر أن ذكره القرينة الغرض منه الترجيح. ومما يشكل على الباحث في هذه الصورة أن يذكر الناقد قرينة لحفظ وجه، ويذكر قرينة لحفظ وجه آخر، كأن يقول: فلان أحفظ، وأهل كذا أعرف بحديث فلان، أو فلان حافظ، ورواية فلان لها أصل، ونحو ذلك، فهل الناقد يشير بهذا إلى تردده، أو إلى حفظ الوجهين جميعا؟ فيحتاج الباحث في مثل هذا إلى إنعام النظر، لترجيح مراد الناقد، وقد يستعين بآراء غيره من النقاد. ومن الصور كذلك أن يسأل الناقد عن اختلاف، فيذكر أنه سأل شيخا له عنه فأجاب بكذا، أو يروي الجواب بإسناده عمن فوق شيخه، ويسكت الناقد بعد ذلك، لا يتعقبه بشيء، فالظاهر أن هذا اختياره، فكأنه يقول: وما أجاب به ظاهر، أو صحيح. وأظهر منه في الاختيار أن لا يسمي صاحب القول، فيقول مثلا: يرون أن فلانا وهم فيه، أو أن فلانا حفظه، أو يُرى أن قول فلان وهم، أو هو الصواب. ويلتحق بذلك ما يورده المؤلفون في كتب السنة التي وضعت للنقد، سواء منها كتب الرجال، مثل كتب البخاري، والعقيلي، وابن عدي، أو كتب الأحاديث، مثل «مسند ابن المديني»، و «مسند يعقوب بن شيبة»، و «مسند البزار»، فما يذكرونه

стр. 998

عمن تقدمهم، سواء كان من شيوخهم، أو ممن فوق شيوخهم، هو قول لهم أيضا، لأن هذا هو الظاهر من سياقه لكلام من تقدمه، وأنه يوافقه عليه، ما لم يصرح بخلاف ذلك. والظاهر أنه يلتحق بذلك أيضا ما وضع من مصنفات وإن لم يكن غرضها الأساس هو النقد، بل الجمع والاستنباط، مثل «السنن الأربع»، فما ينقله أبو داود عن أحمد، أو ما ينقله الترمذي عن البخاري، إنما نقله في الحديث المعين بغرض نقده، فهو رأي له أيضا. ومما يشكل في هذه الصورة ما كتبه تلامذة النقاد من أجوبة النقاد، فالتلميذ ناقد أيضا، فهل يقال مثلا إن قول أحمد في سؤالات أبي داود له قول لأبي داود أيضا، وكذلك الترمذي في «العلل الكبير» مع البخاري، أو ابن أبي حاتم في «علل الحديث» مع أبيه وأبي زرعة؟ ومثله ما يورده الناقد ابتداء، فليس في سياق جواب سؤال، مثل ما يذكره أحمد لابنه عبدالله، عن شيخه يحيى القطان، أو ما يرويه يحيى، عن شعبة، ونحو ذلك. وفي الجواب عن هذا الإشكال يمكن أن يقال إننا نرى التلاميذ يعترضون على كلام شيوخهم، ومن تقدمهم، إذا تبين لهم خلاف ما ذكره الشيخ، وهذا كثير، فسكوتهم دال على أنهم موافقون له فيما أجاب به، وكذلك فإن التلميذ يزيد كلام شيخه إيضاحا، حين يرى أن في جوابه عوزا، وينص على ذلك، وعليه فإن الأصل موافقة التلميذ لما ذكره عن شيخه أو من فوقه في هذه الحالة،

стр. 999

ما لم يتبين خلاف ذلك. وهذا الجواب فيه قوة، لكن الذي يظهر لي أنه لا بد من قرينة تدل على أن الناقل مستروح للرأي الذي نقله عن شيخه، أو من تقدمه، لكي تصح نسبته إليه، وإلا فالأصل أنه مجرد ناقل. والباحث حين يعتمد على إشارة الناقد في الصور السابقة يجمل به أن يوضح الأمر الذي اعتمد عليه، لئلا يظن القارئ أن الناقد صرح بذلك، فيقول الباحث مثلا: وهذا قول ابن معين -فيما يظهر-، فإنه سئل عن هذا الاختلاف، فأجاب بأن فلانا أحفظ، أو يقول الباحث: وهذا قول يحيى القطان، نص عليه، وكذا أحمد -فيما يظهر-، فقد نقل قول القطان حين سأله ابنه عبدالله عن هذا الاختلاف … ، وهكذا. ويغتفر للباحث أن يدرج الناقد مع غيره من النقاد، إذا كثروا، وصار الترجيح ظاهرا، كأن يقول: وإلى هذا ذهب ابن المديني، وأحمد، وأبو حاتم، والعقيلي، وابن عدي، مع أن العقيلي لم ينص على هذا الرأي، لكن الباحث استنبط رأيه من نقله لقول ابن المديني. ومما تستفاد منه آراء النقاد -بالإضافة إلى التصريح، والإشارة- ما يعرف بتصرفات النقاد في مصنفاتهم، وذلك في مصنفات لم توضع في الأساس للنقد، وإنما وضعت لجمع السنة، وربما الاستنباط منها أيضا، مثل الكتب الستة، و «صحيح ابن خزيمة»، و «شعب الإيمان» للبيهقي، ففيها أحاديث كثيرة جدا مما وقع فيه اختلاف، ولا إشكال فيما صرح به المؤلف من اختياره، كأن يقول: هذا

стр. 1000

هو الصواب، والذي قبله خطأ، أو وهم فلان في كذا، وكذلك فيما أشار فيه إلى الصواب إشارة، على ما تقدم آنفا. والكلام الآن فيما يورده هؤلاء من اختلاف، ولا يصرحون برأيهم، أو يشيرون إليه إشارة، بل يكتفون بسوق الاختلاف، وربما وضع بعضهم عنوانا له، كما يقول النسائي: ذكر الاختلاف على فلان، ويسوق عنه أوجها. وقد تكلم العلائي على هذه القضية، فقال: «إذا اقتصر على الإشارة إلى العلة فقط، بأن يقول -مثلا- في الموصول: رواه فلان مرسلا، ونحو ذلك، ولا يتبين أي الروايتين أرجح، فهذا هو الموجود كثيرا في كلامهم، ولا يلزم منه رجحان الإرسال على الوصل» (١). ومما يساعد ما ذهب إليه العلائي أن الناقد في كتب السؤالات حين يورد وجها آخر في مقابل وجه ذكر له، أو هو يورد ابتداء وجهين أو أكثر، ربما سأله التلميذ عن رأيه في هذا الاختلاف، وقد يصححهما جميعا، أو يضعفهما جميعا، أو يرجح فيهما، وهذا كثير (٢)، فسؤال التلميذ دال على أن مجرد ذكر الاختلاف، أو الوجه المخالف ليس اختيارا. وعلى هذا يمكن القول بأن الناقد حين يورد وجهين لا يؤخذ من مجرد ذلك رأي له، ما لم يظهر من الناقد إشارة لاختياره، فإن ظهر من كلامه إشارة عمل بها على ما تقدم آنفا، وكذلك إذا أمكن معرفة رأيه من تصرفه، وهذا

стр. 1001

موضع الحديث هنا، إذ يمكن أن يعرف اختيار الناقد بسبر طريقته في كتابه، وهذا هو المقصود بالتصرف، كما قال ابن رجب في كلامه على «سنن الترمذي»: «وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان مقصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له. وأما أبو داود ﵀ فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية … » (١). وأشار السخاوي في كلام له على حديث إلى أن أبا داود إذا قدم الوجه المرسل فهو مشعر بترجيحه (٢)، وذكر هذا عن السخاوي الباحث تركي الغميز، ثم قال: «وهذا الذي أشار إليه السخاوي لحظته في الأحاديث التي بهذه المثابة» (٣). وكذا ذكر الباحث محمد الفراج في الأحاديث التي يسند أبو داود فيها المرفوع، والموقوف، فقال: «والأكثر هنا أن يقدم الموقوف على المرفوع، وإذا قدم

стр. 1002

الموقوف فهو أصح في الغالب، ولم يخالف هذه القاعدة إلا حديث واحد، وهو محتمل، وقد يكون اختيار أبي داود أيضا وقفه» (١). وأجدني هنا مضطرا للحديث بشيء من التفصيل عن «صحيحي البخاري ومسلم»، فكثير من الناس لا يدرك أنهما من أهم كتب نقد المرويات، وهذا ظاهر جدا فيما أعرضا عن إخراجه من أحاديث هي أصول في أبوابها، إذ لا مناص من القول إنهما تركاها لعلة فيها، وكثير منها وقع في أسانيدها اختلاف، ولهذا ينص العلماء في كلامهم على بعض الأحاديث، أو على بعض الأسانيد لها، على أنهما تركاها للاختلاف على فلان، مثل أبي عوانة في «مستخرجه على مسلم» (٢)، والحاكم في «المستدرك» (٣)، وابن حجر في «فتح الباري» (٤)، وهذا شأن تقدم التنبيه عليه في مواضع، منها في «الاتصال والانقطاع» (٥). وأشير هنا إلى أن من دقائق النقد لما تركاه، أن يخرج الواحد منهما حديثا بإسناده، ثم يدع من متن هذا الحديث جملة طويلة أو قصيرة، لعلة فيها، حسب اجتهاده، ويحضرني من هذا الضرب مواضع في الكتابين، وبعضها نبه عليه الشراح، ويخطر في بالي أنها عند البخاري أكثر منها عند مسلم.

стр. 1003

والذي يهمنا هنا ما يتعلق بنقد ما أورداه في كتابيهما، تصريحا، أو إشارة، أو تصرفا، فهذا موجود في الكتابين بكثرة، وما يوردانه من علل على أصل حديث عندهما، فالظاهر أن غرضهما أن تلك العلة غير مؤثرة، إما لرجحان الوجه التام، أو لترجيح حفظ الوجهين، فكأن مرادهما الإشارة إلى اطلاعهما على الاختلاف وأنه غير مؤثر أصلا، أو هو مؤثر على معنى نزول الحديث عن المرتبة العليا من الصحة، وليس مؤثرا على أصل الصحة، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في الكلام على الوجه الراجح في المبحث الثاني من الفصل الرابع. ومن ذلك أيضا حديث عمر بن أبي سلمة في قصة أكله مع النبي ﷺ ، فقد أخرجه البخاري من طريق الوليد بن كثير، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، عن وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة بالقصة، ثم ساق رواية مالك، عن وهب بن كيسان بالقصة مرسلة (١). والكتابان موضوعان للحديث الصحيح، وما فيه علة توجب ضعفه قد تركاه ابتداء، ولهذا قال الترمذي في كلامه على الاختلاف على أبي إسحاق السبيعي، في تسمية من فوقه، في حديث عبدالله بن مسعود في الاستنجاء بالأحجار: «فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات عندك أصح في هذا الباب؟ فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أصح، ووضع حديث زهير في

стр. 1004

كتاب «الجامع»، » (١). ولا يخرج عن هذا الظاهر إلا بدلالة قوية ترجح أن الواحد منهما أخرج الحديث الذي فيه اختلاف، مع ترجيحه للوجه الناقص الذي لم يستوف شروط الصحة، كأن يرجح كونه مرسلا، فيكون قد تسامح في النزول عن الشرط لسبب. وأما ما يوردانه من علل وبيان اختلاف يتعلق ببعض الإسناد أو المتن، فهذا كثير عندهما، وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه أنه سيذكر علل بعض الأحاديث، فقال بعد شرح منهجه في انتقاء أحاديثه: «قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم، ووفق لها، وسنزيد -إن شاء الله تعالى- شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى» (٢). وقد وفى مسلم بما وعد به، فأكثر من تعليل زيادات ألفاظ في المتون، أو تغيير في متن الحديث، وكذلك في الإسناد، من زيادة راو، أو تغيير في اسمه، ونحو ذلك، وكذا صنع البخاري، فساق كثيرا من أوجه الاختلاف بغرض تعليلها، وهذا ظاهر لمن تأمل الكتابين. ولا يظن ظان أن هذا فيه تجن على صاحبي الصحيح، بوجود أحاديث معللة في الكتابين، بل هو دفاع عنهما، فإن بعض ما انتقد عليهما لا عتب عليهما

стр. 1005

في إخراجه، إذ غرضهما تعليله فيما يظهر، وقد ذكر أبو الفضل بن عمار الشهيد عدة أحاديث في كتابه «علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج» فيها علل في متونها، ويظهر جدا من سوق مسلم لأسانيدها ومتونها أن غرضه كان بيان ما فيها من علل (١)، وكذلك الحال بالنسبة للدارقطني مع مسلم (٢). ويبقى النظر في طريقة معرفة كون الشيخين أرادا بيان العلة وأنها مؤثرة أو غير مؤثرة، إذ هما في النادر ينصان على ذلك، لكن النص عليه موجود في الكتابين، فمن ذلك قول البخاري بعد أن روى عن أزهر بن جميل، عن عبدالوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة ثابت بن قيس وزوجه: «لا يتابع فيه عن ابن عباس»، ثم أخرجه من طريق خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة مرسلا، وعلقه أيضا عن إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا كذلك. فمراد البخاري بيان علة إسناد أزهر بن جميل، فإن ذكر ابن عباس في رواية خالد الحذاء لا يصح، غير أن أصل الحديث ثابت عند البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقد ساقه البخاري بعد طريق خالد الحذاء، وبين الاختلاف فيه على أيوب أيضا وصلا وإرسالا، لكنه يرجح هنا وصل الحديث من طريق أيوب (٣).

стр. 1006

وأخرج مسلم عدة أحاديث في قصة الإسراء والمعراج، وذكر منها حديث أنس بن مالك، من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، وساق طرفا منه، وأحال باقيه على رواية ثابت، عن أنس، ثم قال في نقد رواية شريك: «وقدم فيه شيئا وأخر، وزاد ونقص» (١). قال ابن القيم: «وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدم وأخر، وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد ﵀» (٢). ولما أخرج مسلم طرق حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، قال: «في حديث حماد بن زيد حرف تركنا ذكره»، يعني به الأمر بالوضوء لكل صلاة (٣). فإذا لم ينصا على ذلك فهذا موضع فيه غموض، وأرى أنه يمكن معرفة ذلك بأحد أمرين:

стр. 1007

أحدهما: أن يكون صاحب الصحيح قد جاء عنه قول في الرواية في غير الصحيح، تصحيحا أو تعليلا. مثال ذلك عند البخاري رواية سماك بن عطية، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة» (١)، فإن البخاري ذكر هذه الرواية في ترجمة سماك بن عطية في «التاريخ الكبير» (٢)، فالظاهر أنه يرى أن فيها علة، فقوله في آخر الحديث: «إلا الإقامة»، مدرج في الحديث من كلام أيوب السختياني (٣). ومثاله عند مسلم رواية مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، في حديث صلاته ﷺ بالليل، وفيه: «فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين»، وقد صدر بها مسلم أحاديث الباب (٤). فهذا الحديث بهذا اللفظ انتقده مسلم في كتاب «التمييز» على مالك (٥)، وسوقه لطرق الحديث في الصحيح عن الزهري يدل أيضا على توهيم مالك، وذلك في جعله ركعتي الفجر بعد الاضطجاع، والصواب أنه يركعهما قبل أن يضطجع (٦).

стр. 1008

والثاني: أن يظهر من سوقه لطرق الحديث ترجيحه أن العلة مؤثرة أو غير مؤثرة، وقد تقدم شيء من هذا في الفصول السابقة. ومن أمثلته أيضا أن البخاري أخرج من طريق شعيب، عن الزهري، عن أنس، قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة». ثم أخرجه من طريق مالك، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: «كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة» (١). قال ابن رجب: «إنما خرجه من هذين الوجهين، ليبين مخالفته (يعني مالكا) لأصحاب الزهري في هذا الحديث، وقد خالفهم فيه من وجهين، أحدهما: أنه لم يذكر فيه النبي ﷺ … ، والثاني: أن مالكا قال في روايته: «ثم يذهب الذاهب إلى قباء» … » (٢).

стр. 1009

وكذا صنع مسلم، فإنه أخرجه من طريق الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث -مفرقين-، ثم أتبعهما برواية مالك (١). ولما ذكر الدارقطني في «التتبع» رواية مالك، وانتقد الشيخين في تخريجهما، كأنه اعتذر لهما بأن غرضهما نقدها، فقال: «وقد أخرجا قول من خالف مالكا أيضا» (٢). وروى مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». ثم أخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وفيه: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام … ». ثم ساق طرقا كثيرة إلى الزهري، ومنها طريق يونس من رواية ابن المبارك عنه، ثم قال: «بمثل حديث يحيى، عن مالك، وليس في حديث أحد منهم «مع الإمام»، » (٣). وسياق مسلم لحديث الزهري بهذه الصفة يظهر منه جدا أن زيادة «مع

стр. 1010

الإمام» لا تصح عنده، فإن الحديث في إدراك الوقت، سواء كان مع الإمام أو منفردا، ولهذا ساق مسلم بعده طرقا أخرى إلى أبي هريرة، وفيها التصريح بأن المقصود به إدراك الوقت، وساق أيضا في أثنائها حديث عائشة (١). وأخرج مسلم من طريق مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾، وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، ». ثم أخرجه من طريق أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن حكيم، لكنه ذكر الآية الثانية: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. ثم عاد فأخرجه من طريق عيسى بن يونس، عن عثمان بن حكيم، وذكر أنه بمثل حديث مروان (٢). فهذا السياق لطرق الحديث يظهر بوضوح أن ذكر مسلم لرواية أبي خالد الأحمر بغرض تعليلها ونقدها، فجعلها بين روايتين متفقتين، ويساعد على ذلك حال أبي خالد الأحمر، فإنه صدوق يخطئ، وعلى هذا فمن قال بأن السنة أن يبادل بين هاتين الآيتين، اعتمادا على تخريج مسلم لهما. فقوله مرجوح. ومن دقيق ما صنع مسلم به ذلك من الأحاديث، ما أخرجه من طريق قرة

стр. 1011

بن خالد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاة في سفرة سافرها، في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء»، قال سعيد: «فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته» (١). وسياق مسلم لما قبل هذا الطريق وما بعده يدل على أن مسلما أراد بيان خطأ هذا الحديث بهذا الإسناد، وأن أبا الزبير إنما يروي حديث جمعه ﷺ في غزوة تبوك عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، وأما حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فهو في قصة أخرى، في جمعه ﷺ بين الصلاتين بالمدينة، وفيه سؤال سعيد لابن عباس عن سبب ذلك، وقد أبدع مسلم جدا في بيان غلط رواية قرة بن خالد، ولولا خشية الإطالة لشرحت ذلك. وأخرج مسلم من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر مرفوعا حديث النهي عن القران في أكل التمر، وفي آخره: «إلا أن يستأذن الرجل صاحبه»، ثم قال شعبة: «لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر -يعني الاستئذان-». ثم ساقه من طريق معاذ بن معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، عن شعبة، وليس في روايتهما كلام شعبة. ثم ساقه من طريق سفيان الثوري، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر

стр. 1012

مرفوعا كله (١). فالذي يظهر من عرضه لطرق هذا الحديث ترجيح رفع الحديث كله، فإن شعبة غير جازم بوقف الاستثناء، ولهذا جاء عنه رفع الحديث كله جزما، وسفيان الثوري -وهو من هو في الحفظ- رفعه كله أيضا (٢). وقضية نقد الشيخين لبعض ما يخرجانه له صلة أيضا بالرواة الذين يخرجان لهم، فليسوا كلهم سواء، كما تقدم بيان ذلك بالتفصيل في «الجرح والتعديل» (٣)، وفاتني هناك أن أنبه إلى أن بعض من يخرج له البخاري أو مسلم إنما أخرجا له بغرض نقد روايته، فلا يصح الإطلاق بأنه أخرج له، كما في أزهر بن جميل المتقدم آنفا، بالنسبة للبخاري، فلم يخرج له البخاري إلا في هذا الموضع الذي نقده فيه (٤). وأختم هذا المبحث بما بدأت به، وهو ضرورة اعتناء الباحث بمصطلحات النقاد في الترجيح والاختيار، والتدقيق في إشاراتهم، وتصرفاتهم، لمعرفة اختيار

стр. 1013

الناقد ورأيه، أو لمعرفة أنه لا رأي له في الاختلاف. والباحث مع تدقيقه عرضة لأن يقع في الخطأ في فهم مراد الناقد، إذا استخدم الناقد الإشارة، أو التصرف، ولم يصرح برأيه. وليس معنى ذلك أن الخطأ لا يقع من الباحثين مع التصريح بالرأي من الناقد، بل هو موجود، وهو يدل على وجود احتمال قوي أن يخطئ الباحث مع عدم التصريح، فيلزمه التأني، وتقليب النظر. سئل أحد النقاد عن حديث محمد بن دينار، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن ابن عمر مرفوعا: «نهى عن بيع الحيوان نسيئة» (١)، فقال: «ليس فيه ابن عمر، هو عن زياد بن جبير موقوف». فعلق عليه أحد الباحثين بقوله: «أي لم يثبت المرفوع عن ابن عمر، بل المحفوظ هو الموقوف عليه من طريق زياد المذكور». كذا قال الباحث، ولم يذكر دليلا على فهمه هذا، وعبارة الناقد صريحة في أنه موقوف على زياد بن جبير، وليس على ابن عمر. ومر أحد الباحثين في أحد كتب النقاد بهذا النص: «قالوا لسفيان: إن منكدرا يقول: عن أبيه، عن جابر، قال: فأنا من أين أقع على: سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح» … »؟ . ومراد سفيان، أن منكدرا سلك الطريق السهل عليه، فرواه عن أبيه،

стр. 1014

عن جابر، وأخطأ في روايته، وعلل سفيان ذلك بأن الإسناد الذي أتى به هو وعر جدا، يدل على أنه قد حفظه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الثالث من الفصل الثاني. قال الباحث معلقا عليه: «لعل سفيان يريد بكلامه هذا الإشارة إلى أن منكدرا لم يسمع من أبيه، كما أن سعيد بن عبدالرحمن لم يسمع من جبير، ولكن في تاريخ الفسوي ٢: ٧٠٢، قال سفيان: لما قدم منكدر بن محمد بن المنكدر، قلت: لأنظرن حفظه فأتيته فقلت: كيف تحفظ حديث أبيك: «قال: رأيت أبا بكر واقفا على قزح»؟ قال: حدثني أبي، عن جابر، فقلت: هذا كان أهون عليه». هكذا صنع الباحث، نسب إلى سفيان بن عيينة شيئا لم يرده، وزاد على ذلك بأن اعترض بأن منكدرا صرح بالسماع من أبيه، والناقل لهذا التصريح هو سفيان نفسه. وروى جماعة من أصحاب أبي إسحاق عنه، عن عبدالله بن معقل، عن عدي بن حاتم مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، وفي بعض طرقه عن أبي إسحاق: سمعت عبدالله بن معقل، قال: سمعت عدي بن حاتم (١). قال يحيى القطان: «كان يونس -يعني ابن أبي إسحاق- يقول: أبو إسحاق سمعت عدي … ».

стр. 1015

ونقل عن يحيى أحد النقاد في مصنف له، فعلق عليه أحد الباحثين بعد أن خرجه من طرق أخرى بقوله: «هذا الطريق لم أجده، ولعل المصنف يريد بيان أن أبا إسحاق يصرح بالتحديث فيه عن عبدالله بن معقل، ومن الممكن أنه يريد أن أبا إسحاق سمعه عن عدي بدون واسطة». ولم يرد المصنف ما ذكره الباحث، وغرض يحيى بيان خطأ يونس بن أبي إسحاق على أبيه، بروايته للحديث عن أبيه، عن عدي، مع تصريحه بالتحديث عنه، وهو إنما يروي الحديث عنه بواسطة عبدالله بن معقل، والنص له تكملة توضح هذا (١)، ويظهر أنها سقطت من النسخة التي يعلق عليها الباحث، لكن النص بدونها ظاهر المعنى، يفهم من النظر في طرق الحديث، ومن ترجمة يونس. وذكر أحد الباحثين ما رواه سعيد بن عامر، عن همام، عن قتادة، عن أنس: «أن النبي ﷺ سن فيما سقت السماء، وسقي السيح، وسقي العيون: العشر … » الحديث، وقول البخاري: «هو عندي مرسل: قتادة، عن النبي ﷺ ، وسعيد بن عامر كثير الغلط». ثم نقل عن أبي حاتم أنه خطأ الموصول، ورجح المرسل كذلك. وبالنظر في كلام أبي حاتم يتضح أن المرسل الذي رجحه ليس هو من مرسل قتادة، ولفظه: «هذا خطأ، إنما هو: همام، عن قتادة، عن أبي الخليل:

стр. 1016

«أن النبي ﷺ … » مرسلا» (١). وتعرضت إحدى الباحثات للحديث الماضي في «الاتصال والانقطاع» (٢)، وهو حديث أنس في قصة صلاته ﷺ في مرضه خلف أبي بكر، وذكرت الباحثة الاختلاف فيه على حميد الطويل، فجمهور أصحابه يرويه عنه، عن أنس، ورواه يحيى بن أيوب، عنه، عن ثابت البناني، عن أنس، ثم قالت الباحثة: «فيحيى بن أيوب خالف أصحاب حميد الثقات، حيث زاد رجلا، وهو ثابت، وهذه الزيادة خطأ ممن زادها، بسبب المخالفة، ولأنه ثبت سماع حميد من أنس لهذا الحديث بدون واسطة، ويقول الترمذي: ومن لم يذكر فيه: عن ثابت، فهو أصح … ، يقول ابن أبي حاتم (يعني نقلا عن والده): يحيى قد زاد رجلا، ولم يقل أحد من هؤلاء عن حميد: سمعت أنسا، ولا حدثني أنس، وهذا أشبه، قد زاد رجلا. فهنا قوله: هذا أشبه، يدل على أن رواية الجمهور هي الأولى، وأن رواية يحيى الذي خالف ليست صحيحة، وقد وافقه الترمذي في ذلك، ويحيى بن أيوب لم يجمع على توثيقه، ويخطئ، فلعل هذا الحديث من أخطائه». هذا كلام الباحثة، وعليها فيه مناقشات، فيحيى بن أيوب لم ينفرد بذكر ثابت في الإسناد، كما شرحته هناك، ولكن ما أريده هنا هو ما ذكرته الباحثة عن الترمذي، وعن أبي حاتم، فكلام الترمذي نقلته الباحثة مقلوبا، فهو يرجح وجود

стр. 1017

ثابت في الإسناد، وصواب عبارته: «ومن ذكر فيه عن ثابت فهو أصح» (١). ثم لما قلبت الباحثة عبارة الترمذي، لم تتمعن جيدا في نص أبي حاتم، فسارعت إلى تنزيله على كلام الترمذي الذي نقلته مقلوبا، ولو تمعنت في كلام أبي حاتم لظهر لها أنه يرجح زيادة ثابت في الإسناد، واستدل على ذلك بأن المخالفين له لم يذكروا تصريح حميد بالتحديث، وهو زاد عليهم ذكر ثابت، فالراجح إذن زيادته في الإسناد، وليس معنى ذلك تخطئة الجماعة الذين لم يذكروه، فإن هذا من المدار وهو حميد، فقد وصفه جماعة بالتدليس عن أنس، منهم أبو حاتم، وأبو زرعة (٢). وذكر أحد الباحثين الاختلاف على يونس بن يزيد في حديث أبي هريرة الماضي ذكره في المبحث الثالث من الفصل الرابع، من هذا الباب، ولفظ الحديث: «يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين»، وقد اختلف فيه على يونس بن يزيد في إسناد الحديث، وفي رفعه ووقفه. وساق الباحث كلمة أبي حاتم في ترجيح أن يكون الاضطراب من يونس بن يزيد، فإحدى روايتيه كانت بمكة أو المدينة، ولم تكن معه كتبه … الخ. ثم نقل الباحث عن الدارقطني قوله: «يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه سعيد بن يحيى -المعروف بسعدان- اللخمي، عن يونس، عن الزهري، عن

стр. 1018

قبيصة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ووهم فيه، وخالفه القاسم بن مبرور، فرواه عن يونس، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن أبي هريرة، موقوفا، وقال فيه: قال الزهري، حدثني سعيد بن خالد، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة موقوفا أيضا، وهو الصواب» (١). فذكر الباحث أن الضمير في قول الدارقطني: ووهم فيه، يعود إلى يونس بن يزيد، بدلالة كلام أبي حاتم. والمتأمل في كلام الدارقطني يراه صريحا في تحميل عهدة الخطأ سعدان بن يحيى، وأنه هو الذي يهم فيه، والصواب رواية القاسم بن مبرور، والباحث قد يلجأ إلى كلام ناقد لتفسير كلام ناقد آخر، لكن هذا حيث يكون بحاجة إلى تفسير، أما في هذا النص فالأمر ظاهر، واتفاق الناقدين على خطأ الإسناد، لا يلزم منه اتفاقهما على مصدر الخطأ فيه. وسئل أحد النقاد عن عامر الأحول، فقال: « … روى حديث عثمان فقال: عن أبي هريرة، -في الوضوء- وإنما هو حديث عطاء، عن عثمان». فقام أحد الباحثين بتخريج حديث عطاء، عن أبي هريرة من «الضعفاء الكبير» (٢)، وحديث عطاء، عن عثمان من «سنن ابن ماجه» (٣)، وذكر أن عطاء

стр. 1019

لم يسمع من عثمان (١)، ثم قال: «لكن الحديث معروف من رواية حمران بن أبان، عن عثمان، في صفة الوضوء، أخرجه الشيخان وغيرهما، وقد رواه عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران، عن عثمان، فلعل المصنف يعني هذا، ولكنه لا يرويه عن عثمان مباشرة، والله أعلم». كذا قال الباحث، فأفسد بكلامه هذا تخريجه الصواب للحديث من العقيلي، وابن ماجه، وعطاء فيه هو عطاء بن أبي رباح، وأما الراوي عن حمران فهو عطاء بن يزيد الليثي، كما ذكر الباحث، فقول الباحث: «فلعل المصنف يعني هذا» لا معنى له، وإنما المقصود حديث عطاء بن أبي رباح، فهو شيخ عامر الأحول. وذكر أحد الباحثين ما تقدم في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول، وهو ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»، مثالا على الترجيح بسلوك الراوي للجادة، وأن الصواب مع من تركها، ثم قال: «ضرب على هذا الحديث أبو الوليد الطيالسي، وأعله أحمد، والبخاري، والترمذي، وأبو داود، والدارقطني، بأن جريرا، وحجاجا الصواف، كانا عند ثابت البناني، فحدث به حجاج، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، فوهم جرير، فظن أن الحديث عن ثابت، عن أنس، وإنما روى ثابت، عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا أقيمت الصلاة يتكلم

стр. 1020

مع الرجل حتى ينعس بعض القوم». وثابت، عن أنس جادة، حيث قال الإمام أحمد في رواية الميموني: «هؤلاء الشيوخ إنما يلحقون عن ثابت، عن أنس، إسنادا عرفوه»، ». كذا صنع الباحث، لم يحكم هذا المثال جيدا، فليس فيه سلوك للجادة، بل ليس فيه اختلاف أصلا، وإنما فيه انتقال الراوي من إسناد إلى إسناد، والاختلاف لا بد له من مدار، ولا مدار هنا، والترجيح بسلوك الجادة -وهو الذي قصده الباحث وشرحه- لا بد فيه من مدار يختلف عليه، فيجعله بعض الرواة عنه عن شيخ له مشهور بالرواية عنه، كثابت، عن أنس، ويرويه بعضهم عنه فيخرج به عن هذه الجادة، كأن يجعله عن ثابت، عن أبي هريرة، أو ثابت عن الحسن مرسلا، ونحو ذلك، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. ومن أمثلته -وهو مثال أيضا على خطأ باحث في فهم كلام ناقد، واعتراضه عليه- أن مسلما أخرج من طريق شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلب الشهادة صادقا أعطيها وإن لم تصبه» (١). قال أبو الفضل بن عمار الشهيد: «وافقه على هذه الرواية المؤمل بن إسماعيل، وهذا حديث وهم فيه شيبان، والمؤمل جميعا.
следующие страницы →