← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شعيب فإني قدمت عليك سنة بضعة عشر، فسألتني أن أخرج لك مسند محمد بن شعيب، فأخرجت إلي حديث محمد بن شعيب، فكتبت لك مسنده، فقال: نعم، هي عندي بخطك، قد أعلمت الناس أن هذا بخط أبي حاتم، فسكت» (١). وقال ابن أبي حاتم: «حضرت أحمد بن سنان، وقد حدثنا عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي جمرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى: «أن رسول الله ﷺ عطس، فقيل له: يرحمك الله، فقال النبي ﷺ : يهديكم الله ويصلح بالكم»، فقال أبي لأحمد بن سنان: إنما هو عن أبي حمزة، عن أبي بردة، فأبى أن يقبل. ثم صار أبي إلى محمد بن عبادة فسأله أن يخرج له حديث يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، فأخرج كتابه فإذا هو: حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، كما قال أبي، فكتبنا عن ابن عبادة هذا الحديث، ثم أخبر أبي ابني أحمد بن سنان بأنه وجد في كتاب ابن عبادة: عن يزيد، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، كما قال أبي، فتحيرا، وقالا: ننظر في الأصل. فلما كان الغد حملوا إلى أبي أصل أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة -معجما على الحاء والزاي كما قال أبي- وقالا: وقع الغلط في التحويل، فحدثنا أحمد بن سنان من الرأس عن يزيد، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، كما قال أبي، واعتذروا من ذلك» (٢).

стр. 177

وروى جماعة عن عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل، قال: «احتجم النبي ﷺ وهو صائم» (١). ورواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عيسى بن يونس موقوفا من فعل معاذ. سئل أبو زرعة عن الرواية الأولى، وذكر له بعض من رواه عن عيسى بن يونس، فقال: «هذا خطأ، في كتاب عيسى بن يونس: عن الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير: «أن النبي ﷺ احتجم … »، مرسل» (٢). وروى صالح بن محمد الحافظ المعروف بجزرة، عن هشام بن عمار، عن محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري (يعني عن سعيد بن المسيب) حديث مقتل عثمان، قال صالح: «فجهدت به (يعني هشام بن عمار) الجهد أن يقول: حدثنا ابن أبي ذئب، فأبى أن يقول: إلا: عن ابن أبي ذئب، فقال لي محمود ابن ابنة محمد بن عيسى: هو في كتاب جدي: عن إسماعيل بن يحيى بن عبيدالله، عن ابن أبي ذئب»، قال صالح: «وإسماعيل بن يحيى هذا يضع الحديث» (٣).

стр. 178

وذكر الدارقطني حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في أمر بلال بالأذان شفعا، والإقامة وترا، وذكر من رواه هكذا عن سعيد، ثم عقبه برواية من رواه عن سعيد، عن قتادة مرسلا، ثم قال: «هو في مصنفات سعيد مرسلا» (١). فاتضح مما تقدم من أمثلة أهمية النظر في كتب الرواة لكشف الخطأ، وللترجيح بين الروايات عند وقوع الاختلاف، واعتماد النقاد على اختلاف طبقاتهم على هذه الوسيلة. ومما يحسن التنبيه عليه أن هذا الأمر بالنسبة لهم ليس بالأمر السهل، فهناك عقبات تواجه الناقد وهو يتحقق من الصواب بالنظر في الكتاب، منها أن الرواة لهم أصول عتيقة سمعوا بواسطتها من شيوخهم، أو قيدوها وقت السماع، ولهم فروع لتلك الأصول، تعرف بالنسخ، لكونها نسخت من الأصول، وذلك للتحديث منها في وقت الكبر، ومجيء الرواة للسماع منهم، فيحتفظون بالأصل

стр. 179

خوفا عليه، وللكثير من الرواة مصنفات، خاصة من تدور الرواية عليهم، مثل ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر، وحماد بن سلمة، ووكيع بن الجراح، وعبدالرزاق، وغيرهم، جمعوها من أصولهم، أو من فروعها، فالناقد عليه أن يتتبع الحديث في مراحله هذه، وهل له وجود فيها؟ وما يحصل له من تغيير، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» أمثلة لذلك (١)، وتقدم أيضا في أول هذا المبحث من كلام أحمد في عبدالعزيز الدراوردي، وفي كلامه عن حديث عبدالله بن عدي بن الحمراء، وتقدم كذلك آنفا في قصة أبي حاتم مع أحمد بن سنان. وكذلك فإن أصول الرواة وكتبهم ليست على درجة واحدة من الإتقان والصحة، ابتداء من السماع، إذ قد يكتب الراوي بعد السماع بفترة تطول أو تقصر، ثم قد يعارض ويصحح بعد الكتابة، أو يغفل ذلك، وقد تختلط الأحاديث في الكتاب على الراوي، أو يندرس شيء منه، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في «الجرح والتعديل» (٢)، وهو ما يفسر وجود أخطاء في الكتب نفسها، وقد قام النقاد بجهد عظيم في سبيل فحص كتب الرواة وأصولهم، ومعرفة ما كتبه الراوي وسمعه من شيخه، وما كتبه ولم يقض له سماعه منه، أو لم يقض له سماع شيء منه، ومعرفة من كان يملي على تلامذته، ومن يمتنع من

стр. 180

الإملاء، ومعرفة ما تمت معارضته بعد الكتابة، وبيان من كان يكتب عند السماع، ومن كان يكتب من حفظه، أو من إملاء غيره، ومن كان من المشايخ يأذن بالكتابة حال تحديثه، ومن كان يأبى ذلك (١). ومن أمثلة ما وقع فيه خطأ في الكتاب، قول أحمد: «حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي سعيد الرقاشي، عن ابن عباس: «لا تأكل من الجبن إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب»، وكان في كتابنا: عن سليمان التيمي، فقال وكيع: عاصم الأحول، وهو الصواب، وكنا نسخناه من كتاب ابن أبي شيبة» (٢). ومراد أحمد أنهم نسخوه من كتاب أبي بكر بن أبي شيبة لقراءته فيما بعد

стр. 181

على وكيع، غير أن وكيعا حدثهم بخلاف ما في كتاب ابن أبي شيبة، وصوب أحمد ما حدثهم به وكيع، وأن في كتاب ابن أبي شيبة خطأ. وقال أحمد أيضا: «كان في كتاب محمد بن عبيد في حديث إسماعيل بن أبي خالد عشرة أحاديث خطأ» (١). وأيضا -وهذا أمر بالغ الأهمية- يقوم الناقد بمهمة جليلة أثناء نظره في الكتاب للتأكد من صواب رواية، فقد يكون أصل الراوي قد حصل فيه تحريف فيما بعد، فقد وقع هذا لبعض الرواة في أصولهم، فضعفهم النقاد بذلك (٢). ومن أمثلته في أحاديث بعينها أن الوليد بن مسلم روى عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة: «أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله». ورواه ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة مرسلا، ليس فيه المغيرة بن شعبة، هكذا رواه عبدالرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، وبرواية ابن المبارك هذه أعل النقاد رواية الوليد بن مسلم، وأنه ارتكب فيها تدليس التسوية، وأخطأ في ذكر المغيرة بن شعبة (٣).

стр. 182

وقد أشكل على هذا أن نعيم بن حماد رواه عن ابن المبارك كرواية الوليد بن مسلم، ثم تبين بعد فحص هذه الرواية أن أصل نعيم بن حماد قد وقع فيه تغيير، قال أحمد بعد أن ذكر رواية عبدالرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك: «وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول (يعني في روايته عن ثور): حدثت عن رجاء، ولا يذكر المغيرة، فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه، فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم: عن المغيرة، فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث» (١). وروى أبو كريب محمد بن العلاء، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبي موسى مرفوعا: «المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (٢). وقد اشتهر عند النقاد أن هذا الحديث من أفراد أبي كريب، عن أبي أسامة، وكذلك تفرد به أبو أسامة، عن بريد، لكن جاءت متابعات لأبي كريب لا تصح، ومنها متابعة محمد بن يزيد أبي هشام الرفاعي، قال البرذعي بعد أن نقل عن أبي زرعة أنه سمعه من أبي كريب: «فقلت له: (يعني لأبي زرعة) حدثنا به أبو السائب

стр. 183

سلم بن جنادة السوائي، عن أبي أسامة، فقال: أبو السائب روى هذا؟ فقلت: نعم، هو حدثنا به، فقال: هذا حديث أبي كريب. وقال لي أبو زرعة: كان أبو هشام الرفاعي يرويه أيضا، فسألت أبا هشام أن يخرج إلي كتابه، ففعل، فرأيته في كتابه بين سطرين، بخط غير الخط الذي في الكتاب. ثم قال لي: ما ظننت أن أبا السائب يروي مثل هذا -أو نحو ما قال أبو زرعة-، وأعاد علي غير مرة: هذا حديث أبي كريب» (١). وقد يختلف قول من نظر في كتاب الراوي، فيحتاج الناقد إلى الموازنة بين الناقلين، قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن سلام، عن جده، عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ، عن النبي ﷺ : «أيما امرأة … » الحديث طويل، فقيل لأبي: إن سفيان بن وكيع أخرج هذا من أصل أبيه العتيق. فقال: ليس هذا بشيء، حدثنا علي الطنافسي، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى، عن معاذ بن جبل، مرسل، فمن أين كتبه علي عنه؟ أليس من كتابه؟ » (٢). ومهما يكن من عوائق في استفادة النقاد من كتب الرواة، إلا أن الكتاب في

стр. 184

الجملة أقوى من الحفظ، كما تقدم النقل عنهم (١). ومن ذلك أيضا قول أبي نعيم -وذكر عنده حماد بن زيد، وابن علية، وأن حمادا حفظ عن أيوب، وابن علية كتب- فقال: «ضمنت لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل» (٢). وقال أحمد: «ما كان أحد أقل سقطا من ابن المبارك، كان رجلا يحدث من كتاب، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان يكون له سقط، كم يكون حفظ الرجل؟ » (٣). وسئل يحيى بن معين: أيهما أحب إليك، ثبت حفظ، أو ثبت كتاب؟ قال: «ثبت كتاب» (٤). وهذا كله يبرز بشكل جلي اهتمام النقاد بالنظر في كتب الرواة، خاصة حين يرتابون في رواية. * * *

стр. 185

المبحث الثالث تمييز أحاديث الرواة أئمة النقد لقوة وسعة حفظهم، وكثرة ممارستهم لأحاديث الرواة، ومذاكرة بعضهم بعضا، يعرفون أن فلانا قد روى عن هذا الراوي شيئا، أو لم يرو عنه، وإذا كان قد روى عنه فكم روى عنه من الأحاديث؟ كما يدركون صفة ونوع الأحاديث الأليق بالراوي. فإذا جاء الاسم مبهما في الإسناد يشترك فيه اثنان أو أكثر فبإمكان الناقد أن يرجح هل هو من حديث فلان، أو من حديث فلان؟ وإذا وقع تحريف في اسم راو، فانتقل الاسم إلى غيره، ميزوا هذا وعرفوه. وإذا أخطأ بعض الرواة فنقل حديث راو إلى آخر أدرك الناقد هذا، لمعرفته بصفة ونوع الأحاديث التي يرويها كل منهما. وإذا تفرد راو عن آخر، عن شيخ له بحديث، قالوا في نقدهم للمتفرد: شيخك لم يرو عن شيخه سوى ثلاثة أحاديث -مثلا-، فما جئت به خطأ منك. وربما حدث الراوي بحديث فقالوا له: ليس هذا من حديثك، هذا من حديث فلان. والقارئ في كتب النقد يرى بوضوح اهتمام النقاد بعدد من الجوانب تخدم هذا الغرض النبيل، منها أنهم ينصون على من روى عن الراوي، فيقولون: فلان

стр. 186

روى عنه فلان، وفلان، أو فلان لم يرو عنه سوى فلان، وفلان، كما ينصون على شيوخ الراوي إثباتا، ونفيا، فيقولون: فلان روى عن فلان وفلان، أو فلان لم يرو عن فلان، وربما عقدوا فصولا للمقارنة بين روايين مشهورين، بذكر من روى عنه أحدهما، ولم يرو عنه الآخر (١). ومن الجوانب كذلك النص على عدد الأحاديث التي عند الراوي، إما بإطلاق، أو عن شيخ معين، وقد يكون هذا منقولا عن الراوي نفسه، وهذا أيضا كثير جدا. ومن ذلك قول أحمد: «سمع شعبة من يزيد بن البراء بن عازب حديثا واحدا» (٢). وقال عبدالله بن أحمد لأبيه: «طلحة الأعلم؟ قال: روى عنه الثوري، قلت: كيف حديثه؟ قال: وكم حديثه؟ حديث واحد» (٣). وقال أحمد أيضا: «عبدالله بن السائب الذي روى عنه هارون بن عنترة، هو الذي روى عنه الأعمش، وسمع منه الثوري ثلاثة أحاديث» (٤). وقال أيضا: «ابن علية سمع من أبي التياح حديثا واحدا» (٥).

стр. 187

وقال أيضا بعد أن روى عن عبدالله بن نمير، عن الحارث بن حصيرة حديثا -ولم يسق متنه-: «لم يسمع منه ابن نمير إلا حديثا واحدا -يعني هذا الحديث-» (١). وقال أحمد بعد أن ساق حديثين من حديث شعبة، عن عباس الجريري: «لا أعلم شعبة حدث عن عباس الجريري إلا هذين الحديثين» (٢). وقال ابن معين: «كان أبو أسامة يروي عن عبيدالله بن عمر خمسمئة حديث إلا عشرين، كتبتها كلها عنه، وكان ابن نمير يروي عنه أربعمئة حديث أو أكثر، كتبتها كلها عنه، وروى عنه عبدة نحوا من مئتين، كتبتها عنه» (٣). وهناك جانب آخر بالغ الأهمية في هذا المقام، وهو معرفة شهرة الراوي بحديث معين، فيقول النقاد إنه يعرف بحديث كذا، ينبه النقاد بذلك على خطأ من نقله إلى غيره، عن قصد أو غير قصد، والحديث كذلك يشتهر عن راو بعينه فإذا جاء عن غيره توقفوا فيه, وقد شحنت كتب النقد بهذا، خاصة كتاب العقيلي «الضعفاء»، وكتاب ابن عدي «الكامل»، وكتاب الخليلي «الإرشاد». ومن الجوانب كذلك صفة ونوعية الأحاديث التي يرويها الراوي، بمعرفة

стр. 188

متونها، أو أسانيدها، فإذا نقلت إلى غيره ميزوا ذلك، وقالوا: تشبه أحاديث فلان، ولا تشبه أحاديث فلان، قال الآجري: «سمعت أبا داود يقول: إسماعيل بن سالم سمع من أبي صالح ذكوان، ومن أبي صالح باذام، قيل: هذا يشتبه؟ قال: إن حديث هذا لا يخفى من حديث هذا» (١). فهذه المعارف -وغيرها مما يلتحق بها- سخرها النقاد لكشف أخطاء الرواة، فكان هذا غرضا مهما جدا من هذا السبر، وهذا الجهد العظيم الذي قام به هؤلاء، فهو يندرج تحت وصية شعبة في قوله: «ما سمعت من علي بن بذيمة إلا حديثين، فمن حدثكم بثلاثة فكذبوه» (٢). وسأذكر الآن عددا من النصوص، تتضمن تطبيقات النقاد في تسخيرهم هذه المعارف لنقد الأحاديث نفسها. فمن النصوص فيما تقدم ما رواه عبدالله بن أحمد، قال: «حدثني أبو معمر، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: كنت عند سفيان، فحدثه زائدة، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، قال: «هم الشهداء»، فقال له سفيان: إنك لثقة، وإنك لتحدثنا عن ثقة، وما يقبل قلبي أن هذا من حديث سلمة. فدعا بكتاب، فكتب: من سفيان بن سعيد، إلى شعبة، وجاء كتاب شعبة:

стр. 189

من شعبة، إلى سفيان: إني لم أحدث بهذا عن سلمة، ولكن حدثني عمارة بن أبي حفصة، عن حجر الهجري، عن سعيد بن جبير» (١). وقال أحمد: «لم يكن جرير الرازي بالذكي في الحديث، … ، كان اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول، حتى قدم عليه بهز بن أسد، فقال له: هذا حديث عاصم، وهذا حديث أشعث، فعرفها، فحدث بها الناس» (٢). وقد جاء هذا عن جرير نفسه، قال جرير: «اضطرب علي حديث أشعث، وعاصم، فقلت لبهز بن أسد البصري، فخلصها لي، وكانت في دفتر واحد» (٣). وقال يحيى بن معين: «حدث أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «نهى النبي ﷺ عن القزع»، وقد حدث به شبابة، وأخرجه في كتابه، فلما حدث به أبو داود، قيل له: يا أبا داود، إنما هذا حديث شبابة، فقال أبو داود: دعوه، دعوه»، ثم قال يحيى: «وحديث شبابة ليس يحدث به غيره» (٤). وقال أبو داود: «سمعت أحمد قيل له: شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلى على أم سعد»؟ فقال: إنما هو قتادة، عن سعيد، قيل لأحمد: حدث به سويد، عن يزيد بن زريع (يعني عن شعبة)، قال: يزيد

стр. 190

لا يحدث بمثل هذا» (١). وقال أبو داود أيضا: «قلت لأحمد: حديث سليمان بن حيان، عن ابن عجلان، ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر: «ألحد للنبي ﷺ ، ولأبي بكر، وعمر»؟ فقال: ليس هذا من حديث يحيى، وابن عجلان» (٢). وسئل أبو حاتم عن حديث رواه عبدالله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافا … » الحديث (٣)، فذكر أن الصواب ما رواه عبدالعزيز الدراوردي، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي ﷺ يقول … ثم قال أبو حاتم: «وكان أحمد بن حنبل يقول: تشبه أحاديث الدراوردي، عن عبيدالله، أحاديث عبدالله بن عمر، وقد بان مصداق ما قال أحمد في هذا الحديث، لأن الدراوردي روى عن أبي بكر بن نافع كما وصفنا، ثم أردف: عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر مثله، وليس يشبه حديث عبيدالله، إذ كان غلطا،

стр. 191

والناس يروون عن عبدالله العمري كما وصفنا» (١). وتأيد ما قاله أبو حاتم بأن يحيى القطان، وعبدالله بن رجاء، روياه عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن بعض أزواج النبي ﷺ (٢)، وهو أيضا علة لحديث أبي بكر بن نافع في جعله الحديث لعمر بن الخطاب، فالصواب ما رواه عبيدالله بن عمر (٣). وقال أحمد أيضا في أحاديث معقل بن عبيدالله الجزري، عن أبي الزبير: «يشبه حديثه حديث ابن لهيعة» -يعني حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير-. قال ابن رجب بعد أن ذكر هذا عن أحمد: «ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة، عن أبي الزبير، كما يرويها معقل سواء»، ثم ذكر أمثلة لهذا (٤).

стр. 192

ومما ذكر حديث معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر مرفوعا في قصة الرجل الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء (١). وهذا الحديث ذكره أبو الفضل بن عمار المعروف بالشهيد فيما انتقده على مسلم، وقال: «وهذا الحديث إنما يعرف من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، وابن لهيعة لا يحتج به، وهو خطأ عندي، لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر» (٢). وحديث معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر مرفوعا، أعله كثير من النقاد بما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عمر موقوفا (٣)، وهذا يؤيد قول من قال إن حديث معقل يرجع إلى حديث ابن لهيعة. وقال الآجري: «سمعت أبا داود يحدث عن وهب بن جرير، عن أبيه، سمع يحيى بن أيوب، عن أبي وهب الجيشاني، قال أبو داود: جرير بن حازم روى هذا عن ابن لهيعة، طلبتها بمصر فما وجدت منها حديثا واحدا عند يحيى بن أيوب، وما فقدت منها حديثا واحدا من حديث ابن لهيعة، أراها صحيفة اشتبهت على وهب بن جرير» (٤).

стр. 193

وقال عثمان بن سعيد البرذعي: «شهدت أبا زرعة، وذكر له صالح جزرة رجلا سماه له -أنسيت اسمه-، فقال له صالح: روى عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: «أبردوها بماء زمزم»، فوقع على أبي زرعة الضحك العظيم مما قال، وذاك أن هذا ليس من حديث شعبة، إنما رواه همام … » (١). وقال البرذعي أيضا: «ذكرت لأبي زرعة، عن مسدد، عن محمد بن حمران، عن سلم بن عبدالرحمن، عن سوادة بن الربيع: «الخيل معقود في نواصيها … »، فقال لي: راوي هذا كان ينبغي لك أن تكبر عليه، ليس هذا من حديث مسدد، كتبت عن مسدد أكثر من سبعة آلاف، وأكثر من ثمانية آلاف، وأكثر من تسعة آلاف، ما سمعته قط ذكر محمد بن حمران. قلت له: روى هذا الحديث يحيى بن عبدك، عن مسدد، فقال: يحيى صدوق، وليس هذا من حديث مسدد، فكتبت إلى يحيى، فكتب إلي: لا جزى الله الوراق عني خيرا، أدخل لي أحاديث المعلى بن أسد، في أحاديث مسدد، ولم أميزها منذ عشرين سنة، حتى ورد كتابك، وأنا أرجع عنه، فقرأت كتابه على

стр. 194

أبي زرعة، فقال: هذا كتاب أهل الصدق» (١). وقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبا زرعة يقول: سمعت من بعض المشايخ أحاديث، فسألني رجل من أصحاب الحديث، فأعطيته كتابي، فرد علي الكتاب بعد ستة أشهر، فأنظر في الكتاب فإذا أنه قد غَيَّر في سبعة مواضع، فأخذت الكتاب وصرت إلى عنده، فقلت: ألا تتقي الله، تفعل مثل هذا! ! ، فأوقفته على موضع موضع، وأخبرته، وقلت له: أما هذا الذي غيرت فإنه هذا الذي جعلت عن ابن أبي فديك فإنه عن أبي ضمرة مشهور، وليس هذا من حديث ابن أبي فديك، وأما هذا فإنه كذا وكذا فإنه لا يجيء عن فلان، وإنما هذا كذا، فلم أزل أخبره حتى أوقفته على كله، ثم قلت له: فإني حفظت جميع ما فيه في الوقت الذي انتخبت على الشيخ، ولو لم أحفظه لكان لا يخفى علي مثل هذا … » (٢). وقال أبو زرعة أيضا: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة مرة عن وكيع، عن مسعر، عن عاصم بن عبيدالله، قال: «رأيت سالما توضأ مرة»، فقلت: إنما هو وكيع، عن سفيان، فقال: لا، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن عاصم بن عبيدالله، فقلت: ليس هذا من حديث مسعر، حدثنا أبو نعيم، ومحمد بن كثير، عن سفيان، عن عاصم، ولم يسمع مسعر من عاصم بن عبيدالله شيئا، قال: بلى، مسعر، عن

стр. 195

عاصم، عن الشعبي، فقلت: هذا عاصم -وذكر عاصما آخر- إنما قلت لك: عاصم بن عبيدالله لم يسمع مسعر منه شيئا، فسكت، فلما كان بالعشي قال: قد أصبته، هو كما قلت أنت، حدثنا وكيع، والفضل بن دكين، عن سفيان» (١). وروى قيس بن الربيع، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان، قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء قبله، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «بركة الطعام: الوضوء قبله، والوضوء بعده» (٢). سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحا كان حديثا، وأبو هاشم الرماني ليس هو، ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي عمرو بن خالد، عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت. روى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ أحاديث موضوعة، خمسة، ستة، ومن لم يفهم ورأى تلك الأحاديث التي يروي عنه ابن جريج، وحسين المعلم، يظن أن أبا خالد هذا هو الدالاني، والدالاني ثقة، وهذا ذاهب الحديث، ومن يفهم لم يخف عليه هذا» (٣). وقد توارد النقاد على استنكار هذا الحديث وتضعيفه، منهم أحمد،

стр. 196

وابن المديني، وغيرهما، ونص ابن المديني على أن هذا الحديث مما أدخله ابن قيس بن الربيع على أبيه (١). وروى جماعة عن محمد بن فضيل، عن أبي حيان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي … » الحديث (٢). وأبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، وهو ثقة. ذكر أبو حاتم هذا الحديث، ثم قال: «حدثنا علي الطنافسي، وعبدالمؤمن بن علي، عن ابن فضيل هكذا، وأنا أنكر هذا، لأن أبا حيان لم يسمع من عطاء، ولم يرو عنه، وليس هذا الحديث من حديث عطاء». قال ابن أبي حاتم: «قلت: من تراه؟ قال: بحديث أبي جناب أشبه» (٣). وأبو جناب هو يحيى بن أبي حية، وهو ضعيف. وقال ابن أبي حاتم: «سمعنا من محمد بن عزيز الأيلي الجزء السادس من

стр. 197

مشايخ عقيل، فنظر أبي في كتابي، فأخذ القلم فعلم على أربعة وعشرين حديثا، خمسة عشر حديثا منها متصلة بعضها ببعض، وتسعة أحاديث في آخر الجزء متصلة، فسمعته يقول: ليست هذه الأحاديث من حديث عقيل عن هذه المشيخة، إنما ذلك من حديث محمد بن إسحاق عن هؤلاء المشيخة. ونظر إلى أحاديث عن عقيل، عن الزهري، وعقيل، عن يحيى بن أبي كثير، وعقيل، عن عمرو بن شعيب، ومكحول، وعقيل، عن أسامة بن زيد الليثي، فقال: هذه الأحاديث كلها من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي، عن نافع، والأوزاعي، عن أسامة بن زيد، والأوزاعي، عن مكحول، وأن عقيلا لم يسمع من هؤلاء المشيخة هذه الأحاديث» (١). وروى الخليلي من طريق ابن أبي حاتم، قال: «سمعت أبي يقول: دخلت قزوين سنة ثلاث عشرة ومئتين، مع خالي محمد بن يزيد، وداود العقيلي قاضيها، فدخلنا عليه، فدفع إلينا مَشْرسا فيه مسند أبي بكر، فأول حديث رأيته فيه: حدثنا شعبة، عن أبي التياح، عن المغيرة بن سبيع، عن أبي بكر الصديق، قال: قال النبي ﷺ : «يخرج الدجال من أرض يقال لها: خراسان … »، فقلت: ليس هذا من حديث شعبة، عن أبي التياح، وإنما هو من حديث سعيد بن أبي عروبة، وعبدالله بن شوذب، عن أبي التياح. فقلت لخالي: لا أكتب عنه إلا أن يرجع عن هذا، فقال خالي: أستحي أن

стр. 198

أقول، فخرجت ولم أسمع منه شيئا» (١). وروى أيوب بن سويد، عن أسامة بن زيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث عن سراقة بن مالك، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» (٢). سئل عنه أبو حاتم، فقال: «روى ابن وهب، عن أسامة بن زيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب -ولم أسمع منه غيره- يقول: «لا ربا إلا فيما يكال ويوزن، مما يؤكل ويشرب»، فقد أفسد هذا الحديث حديث أيوب، وقد كنت أسمع منذ حين يذكر عن يحيى بن معين أنه سئل عن أيوب بن سويد، فقال: «ليس بشيء»، وسعيد بن المسيب، عن سراقة، لا يجيء، وهذا حديث موضوع، بابة حديث الواقدي» (٣).

стр. 199

وقد أكثر أبو حاتم من تطبيقات التعليل بكون الإسناد لا يعرف هكذا بتمامه، فهو إسناد مركب، وربما جرى التعبير عن ذلك بنفي السماع، فمن ذلك أيضا قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن المطعم بن المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، أن معاوية قال لابن الحنظلية: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». قال أبي: هذا عندي وهم، رواه أبو إسحاق الفزاري، عن المطعم بن المقدام، عن جَسْر بن الحسن، عن يعلى بن شداد، عن سهل بن الحنظلية، عن النبي ﷺ ، وهذا أشبه. قلت لأبي: فلم لم تحكم للحديث المرسل؟ فقال: المطعم، عن الحسن، ليس له معنى، لم يسمع منه، والحسن البصري، عن سهل بن الحنظلية، لا يجيء، وأبو إسحاق الفزاري أحفظ وأتقن من يحيى بن حمزة» (١).

стр. 200

وروى إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبي موسى مرفوعا: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» (١). قال العقيلي: «ليس له أصل، ولم يتابعه عليه أحد عن ابن عيينة، وعند ابن عيينة، عن بريد أربعة أحاديث … ، ليس عنده غيرها -أي غير الأربعة-» (٢). وروى العقيلي أيضا من طريق إبراهيم بن صرمة، عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد خمسا وعشرين درجة». قال العقيلي: «ليس هذا الحديث بمحفوظ من حديث يحيى بن سعيد، وإنما يعرف من حديث يزيد بن الهاد، عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد، وهذا الشيخ يحدث عن يحيى بأحاديث ليست بمحفوظة من حديث يحيى، فيها شيء يحفظ من حديث ابن الهاد، وفيها مناكير، وليس ممن يضبط الحديث» (٣). ونقل ابن عدي عن يحيى بن محمد بن صاعد قوله: «انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها» (٤).

стр. 201

وذكر أبو علي الحافظ تحديث عبدان الأهوازي لهم، عن القطعي، عن محمد بن بكر البرساني، عن ابن عون، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، في رفع اليدين في الصلاة إذا ركع ورفع. قال الحاكم: «فقلت لأبي علي: ما علة هذا؟ قال: لا أدري، قلت: لعله: ابن جريج، بدل ابن عون، قال: ليس ذا عند البرساني، عن ابن جريج، ثم قال: وعبدان ثبت، وحدثنا به من أصل كتابه» (١). وروى الخليلي عن أحمد بن عبدالرحمن الشيرازي الحافظ قوله: «سألت عبدالله بن عدي الجرجاني الحافظ، عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، فقال: كنا بالبصرة عند زكريا بن يحيى الساجي، فقرأ عليهم إبراهيم حديثين، عن أحمد بن عبدالرحمن -ابن أخي ابن وهب-، عن عمه، عن مالك، عن الزهري، فأصغيت إليه فقلت: هذان الحديثان من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، لا عن مالك. فأخذ الساجي كتابه فتأمل، وقال لي: هذا كما قلت، وقال لإبراهيم: ممن أخذت هذا؟ فأحال على بعض أهل البصرة، فقال الساجي: علي بصاحب الشرطة حتى أسود وجه هذا، فكلموه، وتشفعوا، حتى عفا عنه، ثم مَزَّق الكتاب».

стр. 202

علق الخليلي على هذه الحكاية بكلام يوافق ما نحن فيه، يتحدث فيه عن صفة من يمكنه معرفة هذا الصنيع، واكتشافه، يناسب أن أختم به هذا المبحث، قال الخليلي: «إنما أراد إبراهيم في هذا الافتعال أن يغرب على غيره، ويحتاج في هذا الأمر إلى الديانة، والإتقان، والحفظ، ومعرفة الرجال، ومعرفة الترتيب، ويكتب ما له وما عليه، ثم يتأمل في الرجال، فيميز بين الصحيح والسقيم، ثم يعرف التواريخ، وعمر العلماء، حتى يعرف من أدرك ممن لم يدرك، ويعرف التدليس للشيوخ» (١). * * *

стр. 203

المبحث الرابع مجالس التحديث لمعرفة ما يدور في مجالس التحديث أثره البالغ على الرواة، ومعرفة صوابهم من خطئهم، وهذا لا ينحصر في أمر معين، فمنه ما يتعلق بطريقة الشيخ في التحديث، مثل كونه يحدث من كتاب، أو من حفظه، وكونه قصد الرواية والتحديث، أو أتى بالحديث على سبيل المذاكرة، وكونه يملي على تلاميذه، أو يأبى ذلك، وكونه يقبل بمعارضة ما كتب عنه، أو يمتنع منه، وأيضا كونه يقبل بأن يكتب عنه في المجلس، أو يرفضه، ومنه ما يتعلق بالآخذين عنه، مثل الكتابة في المجلس، أو بعده، ومثل العودة للشيخ لمعارضة ما كتب، وكذلك معرفة من كان يطلب الحديث مع الراوي. وكذلك ما يقع من حوادث في مجالس التحديث، مما يكون له تأثير على سماع بعض الآخذين عن الشيخ، وذهوله. والمتأمل في عمل النقاد يرى بوضوح تسخيرهم لهذه المعارف وما في معناها لنقد الأسانيد، وبيان ما فيها من خلل، وبيان أسباب غلط الرواة. وأول ما يلفت الانتباه في هذه القضية تفريق النقاد بين مجلس التحديث، ومجلس المذاكرة، وكثرة ما نقل عنهم من ضرورة التمييز بينهما، إذ مجلس التحديث قصد به التحديث والرواية، فالشيخ مستعد لذلك، باذل لجهده في أداء ما كان قد تحمله، مدرك لتبعات مجلسه هذا.

стр. 204

وأما مجلس المذاكرة فأغراضه تختلف تماما عن غرض الرواية، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك (١)، فيقع التسامح فيه، حتى صار هذا عرفا عندهم، يعيبون به من تشدد في المذاكرة. وربما أوردوا فيها روايات وأحاديث فإذا طلب منهم بعض من حضر كتابتها أبوا عليه، إما لأن شيخه في هذا الحديث ليس عنده بمنزلة من يستجيز الرواية عنه، وإنما ذكره في المجلس على سبيل المذاكرة (٢)، أو أن الحديث خطأ، أو لأنه لم يستعد للرواية، وربما ذهب وأحضر كتابه حين يوافق على ما طلب منه ليروي من الكتاب، تفاديا للوقوع في الخطأ. روى أبو موسى محمد بن المثنى العنزي، قال: «سألت عبدالرحمن -يعني ابن مهدي- عن حديث، وعنده قوم، فساقه، فذهبت أكتبه، فقال: أي شيء تصنع؟ فقلت: أكتبه، فقال: دعه، فإن في نفسي منه شيئا، فقلت: قد جئت به، فقال: لو كنت وحدك لحدثتك به، فكيف أصنع بهؤلاء؟ ». قال الخطيب بعد أن روى هذا: «كان أبو موسى من الملازمين لعبدالرحمن، فقوله: لو كنت وحدك لحدثتك به، أراد أنه متى بان له أن الحديث على غير ما حدثه به أمكنه استدراكه لإصلاح غلطه، ولا يمكنه ذلك مع الغرباء الذين

стр. 205

حضروا عنده، والله أعلم، وكان عبدالرحمن بن مهدي يُحَرِّج على أصحابه أن يكتبوا عنه في المذاكرة شيئا» (١). ثم روى الخطيب بإسناده عن عبدالرحمن قوله: «حرام عليكم أن تأخذوا عني في المذاكرة حديثا، لأني إذا ذاكرت تساهلت في الحديث». وروى الخطيب أيضا من طريق أحمد بن محمد التستري، عن أبي زرعة الرازي، عن إبراهيم بن موسى، عن عبدالرحمن بن الحكم المروزي، عن نوفل بن المطهر قال: قال لنا عبدالله بن المبارك: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئا»، قال أبو زرعة: وقال لي إبراهيم: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئا»، قال أحمد: وقال لي أبو زرعة: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئا» (٢). وقال الجوزجاني: «الحديث حديثان: حديث يراد به الله، يقيم به المرء دينه … ، وحديث يراد به المذاكرة، فإذا ذكرته عند أهل العلم لم يقبلوه منك حجة … » (٣). وقال الحاكم: «كان أبو علي النيسابوري لا يسامح في المذاكرة، بل يواجه بالرد في الملأ، فوقع بينه وبين عبدان لذلك» (٤).

стр. 206

وقال الذهبي: «إذا قال: حدثنا فلان مذاكرة، دلَّ على وَهْن مّا، إذ المذاكرة يتسمح فيها» (١). وبسبب التسامح في المذاكرة قال الخطيب: «واستحب لمن حفظ عن بعض شيوخه في المذاكرة شيئا، وأراد روايته، أن يقول: حدثناه في المذاكرة، فقد كان غير واحد من متقدمي العلماء يفعلون ذلك» (٢). والأمر كما ذكر الخطيب، ينبهون على صفة الرواية، وأيضا يتكئون عليها في نقد ما يرونه خطأ. قال علي بن المديني: «ذاكرني بعض أصحابي بحديث عن ابن أبي ذئب، عن عبدالله بن رافع، وهذا خطأ، وإنما هو عبدالله بن أبي نافع: «أنه صلى خلف أبي هريرة، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها» (٣). وروى أبو كريب محمد بن العلاء، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري، عن

стр. 207

النبي ﷺ قال: «المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (١). وقد استنكر هذا الحديث بهذا الإسناد جماعة، منهم أحمد، والبخاري، وأبو زرعة، قال البخاري: «كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة» (٢). وروى الترمذي، عن الحسن بن علي الخلال، عن يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: «أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي»، ثم قال الترمذي: «حدثني الحسن بن علي بهذا أو شبهه في المذاكرة» (٣). وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن: «في المرأة يكون بعجزها الجرح … »، قال أبي: رواه مسكين، عن شعبة، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، بنحوه، قال أبي: حدثنا النفيلي، عن مسكين، قال أبي: وكان يذاكرني» (٤).

стр. 208

وقال البرذعي: «قلت لأبي زرعة: إن جعفر بن أحمد الزنجاني حدثنا عن يحيى بن معين، عن رفدة بن قضاعة، بحديث الأوزاعي في الرفع، فقال: إن هذا يحتاج إلى أن يحبس في السجن، قلت: إنه يقول: حدثنا يحيى، عن رفدة، فقال: لم يسمع يحيى من رفدة شيئا، ولم يسمع من هشام بن عمار شيئا، فكتبت إلى جعفر بذلك، فقال لي: إنما رأيت يحيى يذاكر به ويقول: رواه رفدة، ولا أدري ممن سمعه؟ » (١). وكذلك مما اهتم به النقاد كثيرا في مجالس التحديث كون الراوي يحدث حفظا، أو يحدث من كتابه، وذلك لما بين الحالين من الفرق المؤثر في احتمال صواب أو خطأ الراوي، كما قال الخطيب: «وينبغي للطالب إذا دَوَّن عن المحدث ما رواه له من حفظه أن يبين ذلك حال تأديته، لتبرأ عهدته من وهم إن كان حصل فيه، فإن الوهم يسرع كثيرا إلى الرواية عن الحفظ» (٢). وقد تقدم في المباحث السابقة أمثلة لنص الرواة على صفة الرواية، ويأتي

стр. 209

كذلك في مواضع أخرى. ومن ذلك أيضا قول أحمد: «حديث أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن حذيفة في صلاة الخوف، كان وكيع حدثنا به في الكتب عن شريك، وقال بعد ذلك مرة أخرى: سفيان، عن أبي إسحاق، فلا أدري -يعني سمعه منهما جميعا، أو من أحدهما-» (١). وروى أحمد، عن وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «الماء لا ينجسه شيء»، ثم قال أحمد: «حدثنا به وكيع في «المصنف» عن عكرمة مرسلا، ثم جعله بعد عن ابن عباس» (٢). وروى أحمد أيضا عن عبدالله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو المعافري، عن عمرو بن أبي نعيمة، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار … » الحديث، ونص أحمد على أنه سمعه من عبدالله بن يزيد من كتابه (٣). وروى جماعة عن قبيصة بن عقبة، عن فطر بن خليفة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤).

стр. 210

ورواه محمود بن غيلان، ومحمد بن يوسف الفريابي، عن قبيصة بن عقبة، عن فطر، عن عطاء مرسلا ليس فيه ابن عباس، ونص محمود بن غيلان على أنه سمعه من قبيصة من كتابه (١). وأما الجوانب الأخرى مما يقع في مجالس التحديث، مثل حدوث قصة توجب ذهول الراوي، أو معرفة من كان يكتب مع الراوي، ونحو ذلك، فمن أمثلته ما روى علي بن المديني، عن عبدالرحمن بن مهدي، قال: «سألت سفيان عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله، قال: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما»، فأنكر أن يكون عن أبي وائل، وقال: إنما سمعه من عبدالملك بن عمير، أنا ذهبت به إليه» (٢). وروى سفيان الثوري، عن الركين بن الربيع، عن أبي النعمان، عن المغيرة بن شعبة، أنه قال في العنين: «يؤجل سنة» (٣). ورواه شعبة، عن الركين بن الربيع، عن أبي طلق، عن المغيرة بن شعبة (٤). سئل سفيان عن مخالفة شعبة له في شيخ الركين، فضحك وقال: «كنت أنا وشعبة عند الركين، فمر ابن لأبي النعمان يقال له: أبو طلق، فقال الركين:

стр. 211

سمعت أبا أبي طلق، فذهب على شعبة (أبا أبي طلق) فقال: أبو طلق» (١). وروى جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٢). قال حماد بن زيد في نقده لرواية جرير: «كنا عند ثابت، وعنده حجاج بن أبي عثمان، فقال حجاج: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، فذكر الحديث، فظن جرير أنه حدث به ثابت، عن أنس، فرواه» (٣). وروى مندل بن علي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله فلا يتجردان تجرد العيرين». وبلغت هذه الرواية شريك بن عبدالله فأنكرها على مندل، وذكر أنه كان هو ومندل بن علي عند الأعمش، وعنده عاصم الأحول، فحدث عاصم، عن

стр. 212

أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلا، وفي رواية عن شريك أنه قال: أنا أخبرت الأعمش بهذا عن عاصم، عن أبي قلابة (١). وقد روى الحديث أيضا أبو معاوية، وسفيان بن عيينة، وغيرهما، عن عاصم، عن أبي قلابة مرسلا (٢). وقال عبيدالله بن عائشة العيشي: «قال شعبة لأبي عوانة: كتابك صالح، وحفظك لا يسوى شيئا، مع من طلبت الحديث؟ قال: مع منذر الصيرفي، قال: منذر صنع بك هذا» (٣). وروى قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ ، في الجمع بين الصلاتين تقديما. ورواية قتيبة استنكرها جماعة من النقاد، منهم البخاري، وأبو داود، وأبو حاتم، والترمذي، وابن يونس، والحاكم، وغيرهم، قال البخاري: «قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد، حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني، -قال البخاري-: وكان خالد

стр. 213

المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ» (١). وذكر أبو حاتم أن الصواب ما رواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل بهذا الحديث، وقد رواه أيضا غير أبي صالح، عن الليث، ورواه كذلك، حماد بن خالد، عن هشام بن سعد بألفاظ مختلفة (٢). وإذ رجع الحديث إلى طريق أبي الزبير، فهشام بن سعد قد خالف الجماعة من أصحاب أبي الزبير، وفيهم الثوري، ومالك، وزهير بن معاوية، إذ رووه عن أبي الزبير، فذكروا الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولم يذكروا التقديم (٣). وروى فضيل بن حسين أبو كامل الجحدري، عن محمد بن جعفر غندر،

стр. 214

عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «الأذنان من الرأس»، قال ابن عدي بعد أن أخرجه: «من حديث غندر ليس بالمحفوظ»، ثم روى بإسناده عن أبي كامل قوله: «لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث الواحد، أفادنيه عنه عبدالله بن سلمة الأفطس» (١). وعبدالله هذا متروك الحديث، ولذا قال ابن حجر: «والأفطس ضعيف جدا، فلعله أدخله على أبي كامل» (٢). والمعروف عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «الأذنان من الرأس» (٣). وروى ثابت بن موسى العابد، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (٤). قال محمد بن عبدالله بن نمير وقد ذكر له الحديث: «باطل، شُبِّه على ثابت، وذلك أن شريكا كان مزاحا، وكان ثابت رجلا صالحا، فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك وكان شريك يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ ، فالتفت فرأى ثابتا، فقال يمازحه: «من كثرت صلاته

стр. 215

بالليل، حسن وجهه بالنهار»، فظن ثابت -لغفلته- أن هذا الكلام الذي قال شريك هو متن الإسناد الذي قرأه، فحمله على ذلك، وإنما ذلك قول شريك، والإسناد الذي قرأه متنه معروف» (١). ونقل سعيد بن عمرو البرذعي عن محمد بن يحيى الذهلي تعظيمه لأبي زرعة الرازي, وثناءه عليه, إلى أن قال سعيد: «ثم جعل يعظم على جلسائه خطر ما حكى له من علة حديث ابن إسحاق, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة, عن النبي ﷺ قال: «ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك»، وكنت حكيت له عن أبي زرعة أن محمد بن إسحاق اصطحب مع معاوية بن يحيى الصدفي من العراق إلى الري, فسمع منه هذا الحديث في طريقه, وقال (يعني محمد بن يحيى): لم أستفد منذ دهر علما أوقع عندي ولا آثر من هذه الكلمة, ولو فهمتم عظيم خطرها لاستحليتموه كما استحليته … » (٢).
следующие страницы →