← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مطولة، وفيها الحديث بتمامه: «فأتيت بهزا لأسأله، فلم يخرج إلي، فقلت له: إنما أريد أن أسألك عن كلمة من حديث، فقال: ما هي؟ فقلت: في حديث إبراهيم بن سعد: «أشرف عليهم» أو «أسرف عليهم»؟ فقال لي من خلف الباب: «أشرف عليهم»، » (١). وقال أبو داود: «سمعت أحمد -وذكر حديث ابن عباس في صلاة الكسوف- أن عبدالرحمن قال كذا وكذا ركعة فيه، وكان وكيع يخالفه، فعرض عليه -يعني على وكيع- بعد ذلك فرجع عنه، صار إلى ما قال عبدالرحمن» (٢). وذكر أحمد هذه القصة مرة أخرى، وأنه ذكر لوكيع مخالفة إسماعيل بن علية، ويحيى القطان، في العدد، وأن وكيعا رجع إلى قولهما، قال أحمد: «كان وكيع يقول في حديث الكسوف، حديث سفيان، عن حبيب، عن طاوس: «أن النبي ﷺ صلى في الكسوف ست ركعات في أربع سجدات»، قلت له: إن إسماعيل بن علية، ويحيى بن سعيد، قالا: «ثمان ركعات في أربع سجدات»، فلما كان بعد ذلك رجع إلى ثمان» (٣).

стр. 142

وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» (١). قال الحميدي بعد أن أن رواه عن سفيان: «فقيل لسفيان: فإن نافع بن عمر الجمحي لا يسنده، قال: لكني أحفظه وأسنده كما قلت لك، إن المكيين إنما أخذوا كتابا جاء به حميد الأعرج من الشام، قد كتب عن الزهري، فوقع إلى ابن جرجة، وكان المكيون يعرضون ذلك الكتاب على ابن شهاب، فأما نحن فإنما كنا نسمع من فيه» (٢). وروى جماعة عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا علي سل الله الهدى والسداد … » الحديث، وفيه أشياء تتعلق باللباس، ومنهم من اقتصر على بعضه (٣).

стр. 143

قال الحميدي: «كان سفيان (يعني ابن عيينة) يحدث به عن عاصم بن كليب، عن أبي بكر بن أبي موسى، فقيل له: إنما يحدثونه عن أبي بردة بن أبي موسى، فقال: أما الذي حفظت أنا فعن أبي بكر، فإن خالفوني فيه فاجعلوه عن ابن أبي موسى، فكان سفيان بعد ذلك ربما قال: عن ابن أبي موسى، وربما نسي فحدث به على ما سمع: عن أبي بكر» (١). وروى أبو خيثمة زهير بن حرب، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة في امرأة محرمة مشطت امرأة حلالا، قال: «لا بأس به، إنما تقتل قمل غيرها»، قيل لسفيان: إن محمد بن مسلم قد خالفك فقال: عكرمة، عن ابن عباس، فقال سفيان: «سمعته منه ثمانين مرة» (٢). وقال عبدالله بن أحمد: «قرأت على أبي: غندر، عن سعيد، عن أبي معشر،

стр. 144

عن النخعي: «أنه كان يكره ذلك، ويقول: إذا علم أنه لا يجد ماء فلا يمسها -يعني امرأته-». سمعت أبي يقول: حدثنا هذا الحديث يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، فقال أبو أحمد البصري الذي يقال له: الأبوابي: إن يزيد بن زريع حدثنا به لم يقل: عن ابن مسعود، فترك يزيد ابن مسعود. قال أبي: وقد حدثنا غير واحد -منهم يحيى بن سعيد، وعبدالأعلى، وغندر- لم يذكر واحد منهم ابن مسعود، وقال الخفاف: قال سعيد: ولا أعلمه إلا وقد رفعه إلى ابن مسعود» (١). وقال عبدالله بن أحمد: «سألت يحيى (يعني ابن معين) عن محمد بن مصعب القرقساني، فقال لي: ليس بشيء، وقال: كان لي رفيقا، وكان صاحب غزو كثير، فحدثنا يوما عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين: «أنه كره بيع السلاح في الفتنة»، قال يحيى: قلت أنا لمحمد بن مصعب: هذا يروونه عن أبي رجاء قوله، فقال: هكذا سمعته، ثم قال يحيى: لم يكن من أصحاب الحديث» (٢). وفي أحيان كثيرة يكون المبلغ للراوي هو المخالف له، أو من المخالفين له، وربما جرى حوار ومناقشة بينهما. حدث أبو هريرة عن النبي ﷺ بحديث (القضاء بين العباد) الطويل، وفي

стр. 145

آخره قصة آخر أهل الجنة دخولا، وقول الله له: «هذا لك ومثله معه»، وكان أبو سعيد الخدري جالسا مع أبي هريرة يستمع إليه، ولا يغير عليه شيئا، حتى انتهى أبو هريرة إلى هذه الجملة، فقال أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: «هذا لك وعشرة أمثاله»، قال أبو هريرة: حفظت: «مثله معه» (١). وروى عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها» (٢). قال سفيان بن عيينة بعد أن رواه عن عمرو: «فقال له عمرو بن قيس: يا أبا محمد إنما حدثناه عطاء، عن جابر، فقال عمرو: والله لقد سمعته من عطاء يحدثه عن ابن عباس قبل أن يقدم علينا جابر مكة … » (٣). وقال أحمد: «زعموا أن زهيرا، وزائدة، واختلفا في حرف في حديث ابن مسعود: «لينهكن قوم أصابعهم أو لتنهكنها النار»، فجعل الآخر يحلف أنه ما قال «أو»، » (٤).

стр. 146

وروى جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة»، وقد روي هذا أيضا عن همام بن يحيى، عن قتادة (١). ورواه شعبة، وهشام الدستوائي، وغيرهما، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن البصري، عن النبي ﷺ مرسلا (٢). قال أحمد: «قال عفان: جاء أبو جزي -واسمه نصر بن طريف- إلى جرير بن حازم يشفع لإنسان يحدثه، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة»، قال: فقال أبو جزي: كذب -والله- ما حدثناه قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن»، قال أحمد: «وهو قول أبي جزي -يعني أصاب-، وأخطأ جرير» (٣). وربما وقعت المخالفة لشيخ الراوي, فيدع الراوي رواية شيخه إلى رواية من يخالفه, فقد روى جماعة عن الحكم بن عتيبة, عن ميمون بن مهران, عن

стр. 147

ابن عباس, قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع … » الحديث (١). ورواه بعض أصحاب شعبة عنه موقوفا, ثم يقول شعبة: «رفعه الحكم, وأنا أكره أن أحدث برفعه, حدثني غيلان, والحجاج, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس, لم يرفعه» (٢). ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن معرفة الراوي بمخالفة غيره له ليس بالأمر اليسير عليه، فالراوي حين يبلغه ذلك يكون قد وضع في موقف دقيق عليه أن يتجاوزه بإتقان، وإلا زَلَّت به قدمه. وبيان ذلك من ثلاث جهات، الأولى: أن الراوي قد يتراجع عن روايته إلى رواية مخالفه ، مع أن الصواب كان معه، فيضطر مرة أخرى إلى الرجوع إلى روايته الأولى. ومن أمثلة ذلك أن سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، وشريك، وغيرهم، رووا عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي حديث صفة الوضوء (٣). ورواه شعبة فسمى خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة، وقد خطأه النقاد في ذلك (٤).

стр. 148

وكان أبو عوانة الوضاح بن عبدالله يرويه أولا كرواية الجماعة، ثم تابع شعبة على قوله، ثم قيل له: إن شعبة يخطئ فيه، فرجع إلى الصواب، قال أبو داود: «قال أبو عوانة يوما: حدثنا مالك بن عرفطة، عن عبد خير، فقال له عمرو الأغضف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة، ولكن شعبة يخطئ فيه، فقال أبو عوانة: هو في كتابي: خالد بن علقمة، ولكن قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطة». ثم قال أبو داود: «حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مالك بن عرفطة، وسماعه قديم، حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، وسماعه متأخر، كان بعد ذلك (يعني أبا عوانة) رجع إلى الصواب» (١). ونحو هذا لابن المديني، وأبي حاتم (٢). وروى نوح بن حبيب قال: «حضرنا عبدالرحمن بن مهدي فحدثنا عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، في قوله : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فقال رجل: يا أبا سعيد حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان،

стр. 149

عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت عبدالرحمن، وقال له آخر: يا أبا سعيد حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت، وقال: حافظان! ! ، ثم قال: دعوه. ثم أتوا به يحيى بن سعيد، فأخبروه أن عبدالرحمن بن مهدي حدث بهذا الحديث عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، فأخبر أنك تخالفه، ويخالفه وكيع، فأمسك عنه، وقال: حافظان، فدخل يحيى بن سعيد ففتش كتبه فخرج وقال: هو كما قال عبدالرحمن: عن سفيان، عن منصور، فأخبر وكيع بقصة عبدالرحمن والحديث، وقوله: حافظان، فقال وكيع: عافى الله أبا سعيد، لا ينبغي أن يقبل الكذب علينا، ثم نظر وكيع فقال: هو كما قال عبدالرحمن، اجعلوه عن منصور» (١). وقال أبو زرعة: «كنا عند أبي بكر بن أبي شيبة، ومعنا كيلجة، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أنس، أنه قال: «يتبع الميت ثلاث … »، فقال كيلجة: هو عن عبيدالله بن أبي بكر، فقال: عن عبيدالله بن أبي بكر، فقلت: يا أبا بكر تركت الصواب وتلقنت الخطأ، إنما روى هو عن عبدالله بن أبي بكر، وسفيان لم يلق عبيدالله بن أبي بكر، فقال: لقنني هذا، فقلت: كلما لقنك هذا تريد أن تقبله؟ » (٢).

стр. 150

الثانية: أن الراوي إذا أخطأ في حديث، ثم تبين له الصواب، عليه أن يعلن ذلك ويصححه ، وقد يشق هذا إذا كان في مجلس تحديث وتفرق الطلبة. قال الخطيب البغدادي: «وليس يكفيه في الرجوع أن يمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل حسب، بل يجب عليه أن يظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه، ورجع عنه» (١). وقال إسحاق بن منصور: «صرت أنا ورجل خراساني، وآخر بصري، إلى وهب بن جرير، فحدثنا بحديث وهم فيه، فإذا أنا في المنزل، إذ أتاني فقال لي -وأصلح ذلك الحديث-: اكفني الخراساني، وأنا أكفيك البصري» (٢). وقال موسى بن هارون الحمال: «سمعت أبي يقول: كان يزيد بن هارون يقول في مجلسه الأعظم غير مرة: حديث كذا وكذا أخطأت فيه» (٣). وكتب عبدالرحمن بن عمر الأصبهاني المعروف برستة، من بلده أصبهان، إلى أبي زرعة الرازي في الري كتابا قال فيه: «وإني رويت عندكم عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم»، فوقع ذلك من نفسي، فلم أكن أنساه حتى قدمت ونظرت في الأصل، فإذا هو عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، فإن

стр. 151

خف عليك فأعلم أبا حاتم -عافاه الله- ومن سألك من أصحابنا، فإنك في ذلك مأجور -إن شاء الله- والعار خير من النار» (١). الثالثة: الراوي إذا ظهر غلطه، وأصر على روايته ولم يرجع عنها، أثر ذلك في درجته في الرواية ، وربما وصل الأمر إلى تركه، كما توارد على تقرير هذا عدد من النقاد (٢)، فهذا جانب مهم على الراوي أن يراعيه حين ينبه على شيء ما في روايته. ويتجاذب هذا جانب آخر مؤثر أيضا في درجة الراوي، وهو أن عليه التريث وعدم العجلة في الرجوع عن روايته إلى ما يقال له، وإن فعل ذلك وتكرر منه وصف بأنه يقبل التلقين، كما تقدم قول يحيى بن سعيد القطان: «إذا كان الشيخ يثبت على شيء واحد -خطأ كان أو صوابا- فلا بأس به، وإذا كان الشيخ كل شيء يقال له يقول, فليس بشيء». وقوله: «إذا كان الشيخ إذا لقنته قبل فذاك بلاء، وإذا ثبت على شيء واحد

стр. 152

فذاك ليس به بأس» (١). وهذا هو الذي يفسر لنا تراجع الراوي أحيانا عن روايته إذا نبه عليها، وثباته على روايته أحيانا أخرى، وربما التزم -مع ثباته- الإشارة إلى الرواية المخالفة، وقد يصاحب ذلك تقويته لها، وترجيحه إياها على روايته. روى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعا حديث (كفارة من أتى امرأته وهي حائض)، ثم بلغ شعبة أن بعض أصحاب الحكم يرويه موقوفا، فرواه شعبة مرة وقال: «أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان، فقالا: غير مرفوع»، فقال له بعض جلسائه: «حدثنا بحفظك، ودع ما قال فلان وفلان»، فقال شعبة: «والله ما أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوح، وأني حدثت بهذا وسكت عن هذا» (٢). وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن عمرو بن العاص: «أن النبي ﷺ دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة، فقالت: إني صائمة … » الحديث، قال سعيد في بعض الطرق عنه: «ووافقني عليه

стр. 153

مطر، عن سعيد بن المسيب» (١). ومراده أن مطرا الوراق رواه عن قتادة فجعله عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، كما رواه هو، يشير بذلك إلى مخالفة جماعة من أصحاب قتادة لهما في الإسناد، قال يحيى القطان: «كان ابن أبي عروبة إذا سئل عن حديث جويرية قال: يخالفوني فيه … ، كأنه يتقيه» (٢). وقد رواه شعبة، وهمام، وغيرها، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن جويرية: «أن النبي ﷺ دخل عليها … »، ومنهم من يقول: عن أبي أيوب: «أن رسول الله ﷺ دخل على جويرية … » (٣). وروى شعبة، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة … ». هكذا هو موقوف في أكثر الطرق إلى شعبة، ومنهم من رواه عنه مرفوعا،

стр. 154

والراجح وقفه من طريقه، وكان يقول بعد أن يرويه موقوفا: «وقال لي هشام -وكان أحفظ عن قتادة، وأكثر مجالسة له مني-: هو عن النبي ﷺ » (١). وروى شعبة, عن عبدالله دينار, عن ابن عمر مرفوعا في ليلة القدر: «من كان متحريها فليتحرها في ليلة سبع وعشرين»، ثم قال: «وذكر لي رجل ثقة عن سفيان أنه كان يقول: إنما قال: «من كان متحريها فليتحرها في السبع البواقي»، فلا أدري قال ذا , أو ذا؟ -شعبة شك-» (٢). وروى جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة، عنه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي بعد الجمعة أربعا»، قال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان: «قال سفيان: وقال غيري: قال النبي ﷺ : «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا»، وهذا أحسن، وأما الذي حفظت أنا فالأول» (٣). وممن رواه عن سهيل باللفظ الثاني: سفيان الثوري، وعبدالله بن إدريس، وخالد بن عبدالله الواسطي، وجرير بن عبدالحميد، وأبو عوانة، وإسماعيل بن

стр. 155

زكريا، وغيرهم (١)، وقد جاء عن ابن عيينة أيضا كروايتهم (٢)، ووافق ابن عيينة على اللفظ الأول زهير بن معاوية، وعبدالعزيز الدراوردي، وكذا روي عن أبي عوانة (٣). وقضية ثبات الراوي أو تراجعه عن روايته بعد أن تبلغه رواية المخالف مسألة دقيقة، تستحق من يوليها عنايته، ويجمع أمثلتها، ويجتهد في استنباط الأسباب التي تدفع بالراوي إلى الثبات، أو الرجوع، وفي «مسند الحميدي» أمثلة كثيرة مما عرض لسفيان بن عيينة، أو لمن فوقه، ونقل الفسوي عن الحميدي أشياء ليست في «المسند» (٤)، فيمكن أيضا تخصيص هذا الإمام بهذه الدراسة (٥).

стр. 156

المبحث الثاني مراجعة كتب الرواة الناقد في عصر الرواية في مقدوره للتأكد من صواب رواية أن يراجع كتاب الراوي، وينظر فيه، وقد كان لنقد المرويات بهذه الوسيلة -بصفة عامة- حضوره المميز، إذ قام النقاد بجهد كبير جدا في هذا الجانب، يقف منه المتأمل حائرا مبهوتا، وهو جانب لم يول العناية التي يستحقها من قبل الباحثين إلى الآن، وهو جدير بالعناية والتتبع والرصد، فله أثره البالغ في نقد المرويات، وفي الكلام على الرواة أنفسهم. وقد تقدم شيء من الحديث عنه في «الجرح والتعديل» في الوسائل التي استخدمها النقاد للحكم على الرواة (١)، وفي اختلاف حال الراوي بين تحديثه من حفظه وتحديثه من كتابه (٢)، وأيضا في «الاتصال والانقطاع» في قضية صيغ الأداء، ومراجعتها (٣). وأول ما يلفت الانتباه في قضية الاستفادة من مراجعة كتب الرواة في نقد

стр. 157

المرويات نفسها هو وجود الحديث في كتاب الراوي، أو عدم وجوده، فالراوي نفسه إذا حدث بحديث ولم يجده في كتابه استراب فيه، وتوقف عن روايته. روى ابن المبارك، عن شريك، عن عطية الثقفي، عن القاسم بن عبدالرحمن: «أن عمر أتي بسارق قد سرق … » الحديث، ثم قال ابن المبارك: «نظرت في كتاب شريك في حديث عطية هذا فأنكره شريك، وأنكرته» (١). وقال عبدالرحمن بن مهدي: «ذاكرني أبو عوانة بحديث، فقلت: ليس هذا من حديثك، فقال: لا تقل يا أبا سعيد، هو عندي مكتوب، قلت: فهاته، قال: يا سلامة هات الدرج، ففتش فلم يجد شيئا، فقال: من أين أتيت يا أبا سعيد؟ فقلت: هذا ذوكرت به وأنت شاب فعلق بقلبك، فظننت أنك قد سمعته» (٢). وقال أحمد: «حدثنا عبدالرزاق، قال: كنت حدثت به، ثم لم أجده عندي، فارتبت به، قول -يعني طاوس-: «الفريضة ثلث العلم»، » (٣). وروى البخاري عن محمد بن بشار، عن سهل بن حماد، عن شعبة، عن قطن، عن أبي يزيد المدني، بلغه عن النبي ﷺ : «من لم يرحم صغيرنا فليس منا»، ثم قال البخاري: «وعن أبي داود (يعني الطيالسي) عن شعبة، عن سعيد بن قطن، سمع أبا زيد الأنصاري بهذا، فنظر أبو داود في كتابه فلم يجده، والأول

стр. 158

-مع إرساله- أثبت» (١). وكذا يفعل النقاد، إذا لم يجدوا الحديث في كتاب الراوي استرابوا فيه، وربما حملوه هو عهدة الخطأ، حيث حدث به من حفظه فأخطأ فيه، وربما جعلوا ذلك من الراوي عنه، وقد تكون المراجعة لكتاب أحد تلامذة الراوي المعروفين بضبط حديث ذلك الشيخ، فإذا لم يجدوا الحديث فيه عن شيخه أعلوه بذلك. قال أحمد في حديث وكيع، عن شعبة، عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ في (الشفعة): «ليس هو في كتاب غندر (يعني عن شعبة)، » (٢). وروى جماعة عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب سوادة بن عاصم، عن الحكم بن عمرو الغفاري: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة» (٣). قال أحمد في نقده: «يضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر … » (٤).

стр. 159

وقال عبدالله بن أحمد: «حدثني مجاهد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: «أتت النبي ﷺ بواكي: فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا … »، فحدثت بهذا الحديث أبي، فقال أبي: أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر، فنسخناه، فلم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء -كأنه أنكره من حديث محمد بن عبيد-، قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال: حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير مرسلا … » (١). وقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «الأئمة من قريش»، قال: ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل» (٢). وقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد ذكر حديث الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا»، فقال: هذا -أراه- ريح، وسمعت أحمد ذكر هذا الحديث فقال: ليس

стр. 160

هذا -يعني هذا الحديث- في كتاب الدراوردي، كان يحدثه حفظا، فقال أحمد: كتابه أصح من حفظه» (١). وروى الأثرم عن أحمد نحو هذا، قال: «قال أبو عبدالله: الدراوردي إذا حدث من حفظه فليس بشيء -أو نحو هذا-، فقيل له: في تصنيفه؟ فقال: ليس الشأن في تصنيفه، إن كان في أصل كتابه وإلا فلا شيء، كان يحدث بأحاديث ليس لها أصل في كتابه، قال: يقولون: إن حديث هشام بن عروة … ليس له أصل في كتابه» (٢). وروى الدراوردي أيضا عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «أبشر عمار، تقتلك الفئة الباغية» (٣). قال ابن معين: «لم يوجد في كتاب الدراوردي، وأخبرني من سمع كتاب العلاء -يعني من الدراوردي- إنما كانت صحيفة ليس هذا فيها، وكانت قصة واحدة: قال رسول الله ﷺ ، والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح» (٤). وروى عبدالرزاق، عن معمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» (٥).

стр. 161

قال ابن رجب: «أنكره أحمد، ومحمد بن يحيى، قالا: لم يكن في أصل عبدالرزاق» (١). وقال عبدالله بن علي بن المديني: «سألت أبي عن أبي حفص الفلاس (يعني عمرو بن علي) فقال: قد كان يطلب، قلت: روى عن عبدالأعلى، عن هشام، عن الحسن: «الشفعة لا تورث»، فقال: ليس هذا في كتاب عبدالأعلى، عن هشام، عن الحسن» (٢). وروى جماعة عن إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب، عن هرير بن عبدالرحمن بن رافع بن خديج، عن جده رافع، عن النبي ﷺ أنه قال لبلال: «نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم» (٣). ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن هرير بن عبدالرحمن، عن جده رافع، وقد قيل عن أبي نعيم في تسمية شيخه غير هذا أيضا (٤). ذكر أبو حاتم رواية أبي نعيم هذه وتسميته لشيخه إبراهيم بن إسماعيل بن

стр. 162

مجمع، وهو من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، ثم قال أبو حاتم: «سمعنا من أبي نعيم كتاب إبراهيم بن إسماعيل، الكتاب كله، فلم يكن لهذا الحديث فيه ذكر، وقد حدثنا غير واحد عن أبي إسماعيل المؤدب». قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: الخطأ من أبي نعيم، أو من أبي بكر بن أبي شيبة؟ » قال: «أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر، إما محمد بن يحيى أو غيره، فعلى هذا يدل أن الخطأ من أبي نعيم -يعني أن أبا نعيم أراد أبا إسماعيل المؤدب، وغلط في نسبته، ونسب إبراهيم بن سليمان إلى إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع-» (١). وروى سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار قال: «رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته» (٢)، يعني في الوضوء. قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة … ، قال أبي: لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، قلت: هو صحيح، قال: لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة … » (٣). وروى عبدالله بن عمران، عن يحيى بن الضريس، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله قال: قال رسول الله ﷺ : «أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية … » الحديث (٤).

стр. 163

قال أبو حاتم في نقده: «نظروا في كتب يحيى فلم يصيبوه عن الثوري» (١). وروى ابن عدي عن الحسين بن أبي معشر أبي عروبة الحراني، عن مخلد بن مالك، عن العطاف بن خالد، عن نافع، عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ أقاد من خدش»، ثم قال ابن عدي: «سمعت ابن أبي معشر يقول: كتبنا عن مخلد بن مالك كتاب عطاف قديما، ولم يكن فيه هذا الحديث، كأن ابن أبي معشر أومى إلى أن لُقِّن مخلد هذا الحديث» (٢). وروى يحيى بن حسان، وعبدالغفار بن داود، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يقبلني وهو صائم» (٣). قال الطحاوي: «ليس هذا الحديث في أصل الليث، عن يحيى بن سعيد، وإنما حدث به عنه يحيى بن حسان، وعبدالغفار بن داود» (٤).

стр. 164

وروى جماعة عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود مرفوعا في (الوضوء بالنبيذ) (١). قال الدارقطني في نقده لهذا الحديث: «لا يثبت هذا الحديث، لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات … » (٢). وقضية عدم وجود الحديث مطلقا في كتاب الراوي لها صلة قوية بالتفرد، والتفرد نوع من الاختلاف، فهو مخالفة بالترك، فالمتفرد خالف أصحاب الراوي الذي تفرد عنه، فانفرد برواية الحديث. ولها صلة بالاختلاف من جهة ثانية، وهي أن أحد المختلفين إذا لم توجد روايته في كتابه ضعفت بذلك، وقدمت عليها الرواية المخالفة، كما تقدم آنفا في قصة أبي داود الطيالسي، وروايته عن شعبة حديثا خولف فيه، وكذلك رواية محمد بن عبيد، عن مسعر، ومخالفة أخيه يعلى له، وقصة أبي نعيم ومخالفته لجماعة في تسمية شيخه. والاستفادة العظمى من النظر في كتب الرواة تبرز حين يوجد اختلاف على راو من الرواة في رواية حديث عنه على صفتين أو أكثر، فيستعان بكتب الرواة لترجيح إحدى الصفتين، إما كتاب الشيخ المختلف عليه، أو كتاب أحد تلامذته، وقد يكون هذا التلميذ أحد المختلفين على الشيخ، وربما كان النظر في

стр. 165

الكتاب هو كاشف الاختلاف، وقد تكون المخالفة بين راو وكتاب شيخه، أو كتاب أحد تلامذته، وربما وقعت المخالفة بين الراوي وكتابه هو. وكل هذه الصور شحنت بها كتب النقد، فكان لهذه الوسيلة أثرها البالغ جدا في معرفة الصواب من روايتين جاءتا عن راو واحد، أو أكثر من روايتين. قال ابن المديني: «قلت لعبدالرحمن -يعني ابن مهدي-: إن الزهري روى عن النبي ﷺ في الضحك في الصلاة، قال عبدالرحمن: حدثني رجل أنه رأى هذا الحديث عند ابن أخي ابن شهاب في كتب الزهري: عن سليمان بن أرقم، عن الحسن … » (١). وجاءت الحكاية من وجه آخر عن ابن المديني، وفيها أن الذي رآه في كتاب ابن أخي الزهري هو عبدالرحمن بن مهدي نفسه (٢). وقد رواه يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري كذلك، وجاء عن الزهري من وجهين آخرين ذكر سليمان بن أرقم، والحسن، وبسليمان أعله النقاد، فإنه متروك الحديث، فالزهري ربما أسقطه، وربما أسقط الحسن أيضا (٣). وروى شريك بن عبدالله، عن عاصم بن عبيدالله، عن عبدالله بن عامر،

стр. 166

عن زيد بن ثابت: «البراءة من كل عيب براءة»، وقيل عن شريك بهذا الإسناد: عن زيد بن ثابت، وابن عمر (١). قال ابن المبارك في نقده لهذا الحديث: «جاء به شريك على غير ما كان في كتابه، ولم نجد لهذا الحديث أصلا» (٢). وسئل عنه يحيى بن معين فقال: «ليس يثبت، تفرد به شريك، وكان في كتابه: عن أشعث بن سوار» (٣). وروى جماعة منهم عقيل، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، وغيرهم، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن عدي بن الحمراء قال: «رأيت النبي ﷺ واقفا على الحزْوَرَة، فقال: والله إنك لخير أرض الله … » الحديث (٤). قال أحمد: «سمعت كتاب صالح بن كيسان -يعني حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان- من سعد -يعني سعد بن إبراهيم أخا يعقوب بن إبراهيم- وكان حدثنا عن ابن عدي بن الخيار، فحدثنا به يعقوب، فدعا

стр. 167

بالأصل، فإذا فيه: ابن عدي بن الحمراء» (١). وجاء من وجه آخر عن أحمد أن يعقوب بن إبراهيم يخطئ فيه أيضا، فكان في نسخته: عبدالله بن عدي بن الخيار، فلما راجع أصله وجده على الصواب: عبدالله بن عدي بن الحمراء. ويقال إن أصل الخطأ من والدهما إبراهيم بن سعد (٢)، فلعله كان حين يحدث به حفظا يخطئ فيه، وهو في الأصول على الصواب. وروى أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا (قصة ذي اليدين) (٣). قال المروذي: «قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيدالله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره» (٤). وقال الأثرم: «قلت لأبي عبدالله: حديث السهو حديث ابن عمر يرويه غير أبي أسامة؟ فقال: أبو أسامة وحده، وكأنه ضعفه، قال أبو عبدالله: زعموا أن يحيى بن سعيد قال: إنما هو عن عبيدالله، عن نافع، مرسل» (٥).

стр. 168

وروى جماعة عن أزهر بن سعد السمان، عن عبدالله بن عون، عن إبراهيم النخعي، عن عبيدة السلماني، عن عبدالله بن مسعود مرفوعا: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم … » الحديث (١). قال عمرو بن علي الفلاس بعد أن رواه عن أزهر كما تقدم: «فحدثت به يحيى بن سعيد، فقال: ليس في حديث ابن عون: عن عبدالله، فقلت له: بلى فيه، قال: لا، فقلت: إن أزهر حدثنا عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبدالله، قال: رأيت أزهر جاء بكتابه ليس فيه: عن عبدالله»، قال عمرو بن علي: «فاختلفت إلى أزهر قريبا من شهرين للنظر فيه، فنظر في كتابه، ثم خرج فقال: لم أجده إلا عن عبيدة، عن النبي ﷺ » (٢). وروى أحمد بن سنان الواسطي قال: «سألت عبدالرحمن بن مهدي وهو يحدثنا بأحاديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، فمن حسنها قلت له: من أبو الأسود هذا يا أبا سعيد؟ قال: هذا محمد بن عبدالرحمن بن نوفل، ربيب عروة، أخو هشام بن عروة من الرضاعة، وهو الذي يقول هشام في حديث عبدالله بن عمرو، عن النبي ﷺ : «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا ينتزعه من

стр. 169

الناس … »، فقال هشام: وحدثني أخي محمد بن عبدالرحمن بن نوفل، عن أبي قال: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا»، فقلت: قد كتبته يا أبا سعيد، وليس هو هكذا، فقال: بلى، أخرج إلي أبو أسامة كتابه وهو هكذا. قال أحمد بن سنان: وكنت كتبته عن أبي أسامة بالكوفة قبل أن أنحدر إلى البصرة، فلما قدمت واسطا لم يكن لي همة إلا أن أنظر في كتابي، فنظرت فإذا الحديث قد أملى علينا عن هشام، عن أبيه تاما، فلما أتمه قال هشام: أخبرني من سمع أبي يقول: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا … » حتى ذكر الحديث بتمامه» (١). علق الشيخ عبدالرحمن المعلمي على هذه الحكاية بقوله: «كأن أبا أسامة حدثهم من حفظه (يعني فلم يستحضر اسم محمد بن عبدالرحمن بن نوفل فأبهمه)، وابن مهدي أخذ من كتابه». وقال عبدالله بن أحمد: «قرأت على أبي: عبدالرحمن، عن مالك، عن نافع: «أن ابن عمر رأى رجلا صلى ركعتي الفجر، ثم اضطجع، فقيل له في ذلك، فقال: أردت أن أفصل، فقال: وأي فصل أفضل من التسليم؟ »، سمعت أبي يقول: قرأت على عبدالرحمن، وعارضني به من كتابه: مالك، أنه بلغه عن ابن عمر، قال عبدالرحمن: وقرئ على مالك» (٢).

стр. 170

وروى أحمد، عن سفيان بن عيينة قال: «كان بعض الشيوخ يتقي حديث عاصم بن عبيدالله» (١)، ورواه أحمد أيضا دون كلمة «بعض» (٢)، قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: قال ابن عيينة: كان بعض المشايخ يتقون حديث عاصم بن عبيدالله، وكان أحمد ذكره فلم يذكر «بعض»، ثم قال: نظرت في الكتاب فيه «بعض»، » (٣). وروى جماعة عن أزهر بن سعد السمان، عن عبدالله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي قال: «شكت إليَّ فاطمة مجل يديها من الطحن، فقلت: لو أتيت أباك … » الحديث (٤). قال علي بن المديني بعد أن رواه هكذا عن أزهر: «رأيته في أصله مرسلا عن محمد، وكلمت أزهر في ذلك، وشككته فأبى، وقال: عن عبيدة» (٥). وكذا نقده بما في كتاب أزهر: البخاري، والبزار، وذكر البزار أن بشر بن آدم، ابن بنت أزهر، أخرج إليه كتاب أزهر الأصل فرآه فيه مرسلا، مع حديث آخر لأزهر، عن ابن عون، وصله أزهر أيضا من حفظه بما يخالف ما في كتابه (٦).

стр. 171

وروى إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن أنس بن عياض، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أن جيشا غنموا في زمان رسول ﷺ طعاما وعسلا، فلم يؤخذ منهم الخمس» (١). قال الدوري: «سمعت يحيى يقول في حديث أبي ضمرة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أن جيشا غنموا طعاما … »: قرأه عليَّ أبو ضمرة -ومن أصل كتابه-: عن نافع، مرسل» (٢). وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، وطاوس، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم» (٣). قال الحميدي: «قال سفيان: حدثنا بهذا الحديث عمرو مرتين، مرة قال فيه: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس يقول … ، ومرة سمعته يقول: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس … ، ولا أدري أسمعه عمرو منهما، أو كانت إحدى المرتين وهم؟ » (٤). وروى هذا يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، وزاد فيه قول سفيان:

стр. 172

«وقد ذكر لي أنه سمعه منهما»، ثم قال الحميدي: «ورأيت في كتاب ابن أخي عمرو بن دينار، وهذا الحديث عنهما» (١). وروى يحيى بن سليمان الرازي البزاز والد أبي حصين البزاز، عن حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: «الإيمان كلمات: سبحان الله، والحمد لله … ». قال أبو حاتم بعد أن بين أن هذا خطأ، والصواب: «ألا إنما هو كلمات … »: «قال لنا أبو حصين: رأيت في كتاب أبي هذا الحديث: فقال رسول الله ﷺ : «ألا»، وقد تأكل ما بعده، فجاء الرازيون فلقنوه: «الإيمان كلمات»، وإنما موضعه موضع دارس قد تأكل» (٢). وروى بعض أصحاب محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عنه، عن أخيه عيسى، والحكم بن عتيبة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب مرفوعا، حديث (رفع اليدين في تكبيرة الإحرام) (٣)، ومنهم من لم يذكر الحكم بن عتيبة (٤). ورواه بعض أصحاب محمد بن عبدالرحمن، عنه، عن يزيد بن أبي زياد، عن

стр. 173

عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء (١). قال عبدالله بن أحمد: «حدثني أبي، عن محمد بن عبدالله بن نمير، قال: نظرت في كتاب ابن أبي ليلى، فإذا هو يرويه عن يزيد بن أبي زياد، قال أبي: وحدثنا وكيع، سمعه من ابن أبي ليلى، عن الحكم، وعيسى، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وكان أبي يذكر حديث الحكم، وعيسى، يقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد، كما رآه ابن نمير في كتاب ابن أبي ليلى، قال أبي: ابن أبي ليلى كان سيئ الحفظ، ولم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ» (٢). وروى رويم بن يزيد، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل … » الحديث (٣). وهو مشهور من حديث رويم بن يزيد، لكن رواه أيضا محمد بن أسلم الطوسي، عن قبيصة بن عقبة، عن الليث كذلك (٤).

стр. 174

ورواه قتيبة بن سعيد، وعبدالله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري مرسلا (١). قال أحمد بن سلمة عن الموصول: «ذاكرت به مسلم بن الحجاج، فقال: أخرج إلي عبدالملك بن شعيب بن الليث كتاب جده، فرأيت في كتاب الليث على ما رواه قتيبة» (٢). وروى الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة الدمشقي، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا … » الحديث (٣). ورواه محمد بن بكار، وأخوه جامع بن بكار، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم -وهو متروك الحديث- عن الزهري (٤). وقد توارد جمع من الرواة على أنهم رأوه في أصل يحيى بن حمزة: عن سليمان بن أرقم، ومن هؤلاء: محمد بن الوليد أبو هبيرة الدمشقي، ودحيم، وابن منده (٥).

стр. 175

وروى هشام بن إسماعيل، وهشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن شابور، عن عبدالله بن العلاء بن زَبْر، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن النبي ﷺ صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه … » الحديث (١). سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث وذكر له رواية هشام بن إسماعيل، فقال: «هذا وهم، دخل لهشام بن إسماعيل حديث في حديث، نظرت في بعض أصناف محمد بن شعيب، فوجدت هذا الحديث رواه محمد بن شعيب، عن محمد بن يزيد البصري، عن هشام بن عروة، عن أبيه: «أن النبي ﷺ صلى فترك آية … » هكذا مرسل، ورأيت بجنبه حديث عبدالله بن العلاء، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ : «أنه سئل عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح … »، فعلمت أنه سقط على هشام بن إسماعيل متن حديث عبدالله بن العلاء، وبقي إسناده، وسقط إسناد حديث محمد بن يزيد البصري، فصار متن حديث محمد بن يزيد البصري بإسناد حديث عبدالله بن العلاء بن زبر، وهذا حديث مشهور، يرويه الناس عن هشام بن عروة. فلما قدمت السفرة الثانية رأيت هشام بن عمار يحدث به عن محمد بن شعيب، فظننت أن بعض البغداديين أدخلوه عليه، فقلت له: يا أبا الوليد هذا ليس من حديثك، فقال: أنت كتبت حديثي كله؟ فقلت: أما حديث محمد بن

стр. 176

شعيب فإني قدمت عليك سنة بضعة عشر، فسألتني أن أخرج لك مسند محمد بن شعيب، فأخرجت إلي حديث محمد بن شعيب، فكتبت لك مسنده، فقال: نعم، هي عندي بخطك، قد أعلمت الناس أن هذا بخط أبي حاتم، فسكت» (١). وقال ابن أبي حاتم: «حضرت أحمد بن سنان، وقد حدثنا عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي جمرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى: «أن رسول الله ﷺ عطس، فقيل له: يرحمك الله، فقال النبي ﷺ : يهديكم الله ويصلح بالكم»، فقال أبي لأحمد بن سنان: إنما هو عن أبي حمزة، عن أبي بردة، فأبى أن يقبل. ثم صار أبي إلى محمد بن عبادة فسأله أن يخرج له حديث يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، فأخرج كتابه فإذا هو: حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، كما قال أبي، فكتبنا عن ابن عبادة هذا الحديث، ثم أخبر أبي ابني أحمد بن سنان بأنه وجد في كتاب ابن عبادة: عن يزيد، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، كما قال أبي، فتحيرا، وقالا: ننظر في الأصل. فلما كان الغد حملوا إلى أبي أصل أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة -معجما على الحاء والزاي كما قال أبي- وقالا: وقع الغلط في التحويل، فحدثنا أحمد بن سنان من الرأس عن يزيد، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، كما قال أبي، واعتذروا من ذلك» (٢).

стр. 177

وروى جماعة عن عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل، قال: «احتجم النبي ﷺ وهو صائم» (١). ورواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عيسى بن يونس موقوفا من فعل معاذ. سئل أبو زرعة عن الرواية الأولى، وذكر له بعض من رواه عن عيسى بن يونس، فقال: «هذا خطأ، في كتاب عيسى بن يونس: عن الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير: «أن النبي ﷺ احتجم … »، مرسل» (٢). وروى صالح بن محمد الحافظ المعروف بجزرة، عن هشام بن عمار، عن محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري (يعني عن سعيد بن المسيب) حديث مقتل عثمان، قال صالح: «فجهدت به (يعني هشام بن عمار) الجهد أن يقول: حدثنا ابن أبي ذئب، فأبى أن يقول: إلا: عن ابن أبي ذئب، فقال لي محمود ابن ابنة محمد بن عيسى: هو في كتاب جدي: عن إسماعيل بن يحيى بن عبيدالله، عن ابن أبي ذئب»، قال صالح: «وإسماعيل بن يحيى هذا يضع الحديث» (٣).

стр. 178

وذكر الدارقطني حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في أمر بلال بالأذان شفعا، والإقامة وترا، وذكر من رواه هكذا عن سعيد، ثم عقبه برواية من رواه عن سعيد، عن قتادة مرسلا، ثم قال: «هو في مصنفات سعيد مرسلا» (١). فاتضح مما تقدم من أمثلة أهمية النظر في كتب الرواة لكشف الخطأ، وللترجيح بين الروايات عند وقوع الاختلاف، واعتماد النقاد على اختلاف طبقاتهم على هذه الوسيلة. ومما يحسن التنبيه عليه أن هذا الأمر بالنسبة لهم ليس بالأمر السهل، فهناك عقبات تواجه الناقد وهو يتحقق من الصواب بالنظر في الكتاب، منها أن الرواة لهم أصول عتيقة سمعوا بواسطتها من شيوخهم، أو قيدوها وقت السماع، ولهم فروع لتلك الأصول، تعرف بالنسخ، لكونها نسخت من الأصول، وذلك للتحديث منها في وقت الكبر، ومجيء الرواة للسماع منهم، فيحتفظون بالأصل

стр. 179

خوفا عليه، وللكثير من الرواة مصنفات، خاصة من تدور الرواية عليهم، مثل ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر، وحماد بن سلمة، ووكيع بن الجراح، وعبدالرزاق، وغيرهم، جمعوها من أصولهم، أو من فروعها، فالناقد عليه أن يتتبع الحديث في مراحله هذه، وهل له وجود فيها؟ وما يحصل له من تغيير، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» أمثلة لذلك (١)، وتقدم أيضا في أول هذا المبحث من كلام أحمد في عبدالعزيز الدراوردي، وفي كلامه عن حديث عبدالله بن عدي بن الحمراء، وتقدم كذلك آنفا في قصة أبي حاتم مع أحمد بن سنان. وكذلك فإن أصول الرواة وكتبهم ليست على درجة واحدة من الإتقان والصحة، ابتداء من السماع، إذ قد يكتب الراوي بعد السماع بفترة تطول أو تقصر، ثم قد يعارض ويصحح بعد الكتابة، أو يغفل ذلك، وقد تختلط الأحاديث في الكتاب على الراوي، أو يندرس شيء منه، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في «الجرح والتعديل» (٢)، وهو ما يفسر وجود أخطاء في الكتب نفسها، وقد قام النقاد بجهد عظيم في سبيل فحص كتب الرواة وأصولهم، ومعرفة ما كتبه الراوي وسمعه من شيخه، وما كتبه ولم يقض له سماعه منه، أو لم يقض له سماع شيء منه، ومعرفة من كان يملي على تلامذته، ومن يمتنع من

стр. 180

الإملاء، ومعرفة ما تمت معارضته بعد الكتابة، وبيان من كان يكتب عند السماع، ومن كان يكتب من حفظه، أو من إملاء غيره، ومن كان من المشايخ يأذن بالكتابة حال تحديثه، ومن كان يأبى ذلك (١). ومن أمثلة ما وقع فيه خطأ في الكتاب، قول أحمد: «حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي سعيد الرقاشي، عن ابن عباس: «لا تأكل من الجبن إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب»، وكان في كتابنا: عن سليمان التيمي، فقال وكيع: عاصم الأحول، وهو الصواب، وكنا نسخناه من كتاب ابن أبي شيبة» (٢). ومراد أحمد أنهم نسخوه من كتاب أبي بكر بن أبي شيبة لقراءته فيما بعد
следующие страницы →