← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وتكلم الحاكم على الحديث الشاذ فقال: «هو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو، أو أرسله واحد فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة» (١). وذكر الخليلي تعريف الشافعي وجماعة من أهل الحجاز للشاذ بأنه ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدا، أو ناقصا، ثم قال: «والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد، يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به» (٢). فهذه النصوص يستفاد منها أن النقاد يضعفون الحديث ويستنكرونه بتفرد الراوي إذا كان ضعيفا، ولا إشكال في ذلك، ولكنهم أيضا قد يضعفون ويستنكرون ما يتفرد به الثقات ومن في حكمهم أو يتوقفون فيه، وربما احتاج الناقد منهم لإذهاب ما في نفسه من تفرد الراوي أن يحلفه على السماع، مع أنه ثقة متثبت، قال عبدالرحمن بن أبي حاتم: «سمعت أبي وذكر حديث عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته»، قال شعبة: استحلفت عبدالله بن دينار: هل سمعتها (كذا) من ابن عمر؟ فحلف لي، قال أبي: كان شعبة بصيرا بالحديث جدا، فهما فيه، كان إنما حلفه لأنه كان ينكر هذا

стр. 247

الحديث، حكم من الأحكام عن رسول الله ﷺ لم يشاركه أحد، لم يرو عن ابن عمر أحد سواه علمنا» (١). وكان شعبة لذلك يعد هذا الحديث مع ثلاثة أحاديث أخر رأس ماله (٢). وهذا المعنى المتقدم -وهو أن الثقة ومن في حكمه قد يستنكر عليه بعض ما يتفرد به- هو المراد بقولهم في تعريف الحديث الصحيح، والحسن: «ألا يكون شاذا»، فالشذوذ هنا هو التفرد وخطأ الراوي. ومن فسر الشذوذ بأنه تفرد الراوي مع المخالفة، كما اشتهر ذلك في كتب المصطلح المتأخرة، وقع في إشكال، إذ التفرد بهذا المعنى داخل في المعلل، وهو أيضا مذكور في التعريف، ولا يصح الاقتصار على ذكر المعلل، لأن هذا يخرج الرد بالتفرد مع عدم المخالفة، كما هو منهج النقاد، وإن كانوا يستخدمون في الأغلب مصطلح النكارة في كلامهم على الأحاديث بأعيانها بدل الشذوذ. هذا ما يتعلق بكلامهم النظري، فإذا جئنا إلى تطبيق منهجهم هذا على أفراد الأحاديث، وجدنا كما هائلا من الأحاديث التي نصوا على نكارتها وضعفها مما يتفرد به الضعفاء والمتروكون، إما حديث واحد يوردونه وينصون عليه، أو جملة أحاديث، كنسخة يرويها عن شيخ له، ونحو ذلك، ولا أجدني بحاجة إلى ضرب الأمثلة على هذا.

стр. 248

وأما استنكارهم لأحاديث يتفرد بها الثقة ومن في حكمه فهو أيضا ليس بالقليل، بل هو كثير جدا، خاصة فيمن ينزل عن رتبة الثقة قليلا، وإن لم يكن في حجم وضخامة النوع الأول، وهو أمر بدهي، إذ لو كان بحجمه لما كان هؤلاء الرواة ثقات، فكثرة المناكير في حديث الراوي مسقط له. ومن الأمثلة على استنكارهم ما يتفرد به الثقة ومن في حكمه ما رواه عبدالله بن أحمد قال: «قال أبي: قال أبو خيثمة: أنكر يحيى بن سعيد، ومعاذ، حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ احتجم محرما صائما»، قال أبي: أنكراه على الأنصاري محمد بن عبدالله» (١). ونقل نحو هذا عن أحمد أيضا مهنا بن يحيى، قال: «سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم»، فقال: ليس بصحيح، وقد أنكره يحيى بن سعيد [على] الأنصاري» (٢). ونقل الأثرم عن أحمد سبب خطأ الأنصاري، قال: «سمعت أبا عبدالله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاري، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون، عن ابن عباس … ، فضعفه، وقال: كانت ذهبت للأنصاري كتب، فكان بعد يحدث من كتب غلامه أبي حكيم -أراه-، قال: فكأن هذا من تلك» (٣).

стр. 249

واستنكره أيضا علي بن المديني، قال يعقوب بن سفيان: «سئل علي بن المديني عن حديث الأنصاري … ، قال: ليس من ذاك شيء، إنما أراد حديث حبيب، عن ميمون، عن يزيد بن الأصم: «تزوج النبي ﷺ ميمونة محرما»، » (١). وكذا استنكره النسائي، فقال بعد أن أخرجه: «هذا حديث منكر، لا أعلم أحدا رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد: «أن النبي ﷺ تزوج ميمونة» … » (٢). وروى حفص بن غياث، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام» (٣). استنكره جماعة من النقاد، قال الأثرم: «قلت له -يعني لأبي عبدالله أحمد بن حنبل- الحديث الذي يرويه حفص … ، فقال: ما أدري ما ذاك -كالمنكر له- ما سمعت هذا إلا من ابن أبي شيبة، عن حفص، قال لي أبو عبدالله: ما سمعته

стр. 250

من غير ابن أبي شيبة؟ قلت له: ما أعلم أني سمعته من غيره، وما أدري رواه غيره أم لا، ثم سمعته أنا بعد من غير واحد عن حفص، قال أبو عبدالله: أما أنا فلم أسمعه إلا منه، ثم قال: إنما هو حديث يزيد بن عطارد» (١). وقال ابن معين: «لم يحدث به أحد إلا حفص، وما أراه إلا وهم فيه، وأراه سمع حديث عمران بن حدير، فغلط بهذا» (٢). وقال ابن المديني: «نعس حفص نَعْسَة -يعني حين روى حديث عبيدالله بن عمر- وإنما هو حديث أبي البزري»، قال أبو داود بعد أن روى هذا: «كان حفص بأخرة دخله نسيان، وكان يحفظ» (٣). ونقل الترمذي عن البخاري قوله فيه: «هذا حديث فيه نظر»، ثم قال الترمذي: «لا يعرف عن عبيدالله إلا من وجه رواية حفص، وإنما يعرف من حديث عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر، وأبو البزري اسمه يزيد بن عطارد» (٤). وقال أبو زرعة حين سئل عنه معللا له: «رواه حفص وحده» (٥). وقال أبو حاتم: «إنما هو حفص، عن محمد بن عبيدالله العرزمي، وهذا

стр. 251

حديث لا أصل له بهذا الإسناد» (١). فتلخص من كلام النقاد أن حفصا غلط حين روى هذا المتن عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وإنما يروى هذا المتن من طريق عمران بن حدير، عن يزيد بن عطارد أبي البزري السدوسي، عن ابن عمر (٢)، وأشار أبو حاتم إلى أنه عند حفص بإسناد آخر، فهو عنده عن محمد بن عبيدالله العرزمي، وهو يروي عن نافع، لكنه متروك الحديث، فلعل حفصا لما حدث به من حفظه أبدله بعبيدالله بن عمر. وروى شبابة بن سَوَّار، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر: «أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت» (٣). واستنكره على شبابة جماعة من النقاد، وأن شعبة إنما روى بهذا الإسناد حديث: «الحج عرفة» (٤).

стр. 252

قال الأثرم: «قلت لأبي عبدالله: روى -أي شبابة- عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر في الدباء، فقال: هذا إنما روي عن شعبة بهذا الإسناد حديث الحج» (١). وقال أيضا: «قلت لأبي عبدالله: حديث شبابة الذي يرويه عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر، قال: ما أدري، أخبرك، ما سمعته من أحد -يعني أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت-» (٢). وقال البخاري: «روى شبابة، عن شعبة، عن بكير، عن ابن يعمر: نهى النبي ﷺ ، في الجَرّ، ولم يصح» (٣). وقال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، لم يروه غير شبابة، ولا يعرف له أصل» (٤). وقال ابن عدي بعد أن ذكره مع حديثين آخرين أنكرا على شبابة أيضا، وكلاهما من روايته عن شعبة: «والذي أنكر عليه الخطأ، لعله حدث به حفظا» (٥).

стр. 253

هذا مع أن شبابة أحد المكثرين عن شعبة، وقد روى عنه مع الجماعة حديث الحج، ولهذا دافع عنه ابن المديني بأن من سمع من رجل ألفا، وألفين، لا ينكر منه أن يجيء بحديث غريب (١). وروى سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ : «نعم الإدام الخل»، و «بيت لا تمر فيه جياع أهله». سئل عنهما أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر بهذا الإسناد» (٢). وقال ابن رجب: «ذكرنا أن كثيرا من الحفاظ استنكروه (يعني الحديث الأول) على سليمان بن بلال، منهم أحمد، وأبو حاتم، وأحمد بن صالح، وغيرهم، وكذلك قال جماعة منهم في حديث: «بيت لا تمر فيه جياع أهله»، بهذا الإسناد» (٣). وقال المروذي: «وذكرت له (يعني لأحمد) حديث الحسين الجعفي، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر: «أسلم سالمها الله»، فأنكره إنكارا شديدا، وقال: هذا عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، انظر الوهم من قبل من هو؟ » (٤). وقال الميموني: «سمعته (يعني أحمد) وذكر عبدالوارث، فقال: كان أسن

стр. 254

من إسماعيل بن علية بسنتين، وقد سمع من غير واحد لم يسمع منه إسماعيل، ثم ذكر ضبط عبدالوارث، وأنه كان صاحب نحو، ثم قال: وقد غلط في غير شيء، ثم قال: روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه -وهو عنده مع هذا ثبت ضابط-» (١). وقال أبو زرعة الدمشقي: «سألت أحمد بن حنبل عن حديث أنس بن مالك: «دخل رسول الله ﷺ مكة, وعبدالله بن رواحة آخذ بغرزه … »، قال: لو قلت إنه باطل, ورده ردا شديدا»، ثم رواه أبو زرعة, عن أحمد بن شبويه, عن عبدالرزاق, عن معمر, عن الزهري, عن أنس (٢). وقال الآجري: «سألت أبا داود عن حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: «كان رسول الله ﷺ يقف قبل القراءة هنية، فيسأل الله من فضله» - قال: منكر جدا، من رواه؟ قلت: حدثونا بهذا من حديث الوليد بن مسلم، قال: كل منكر يجيء عن الوليد بن مسلم إذا حدث عن الغرباء، يخطئ، قال: وحدث عن حماد بن سلمة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «نزع رسول الله ﷺ بهذه الآية ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾» قال: هذا باطل، ما جاء به إلا الوليد بن مسلم … » (٣). وروى أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن عاصم بن أبي النجود، عن

стр. 255

أبي وائل، عن حذيفة قال: قال عمر: «أيكم يحفظ ما قال رسول الله ﷺ في الفتنة … » الحديث. استنكره أبو زرعة، وأبو حاتم، على أبي داود الطيالسي، فلا يعرف من حديث شعبة، وإنما يعرف من حديث حماد بن سلمة، عن عاصم، وممن رواه عنه أبو داود الطيالسي (١). وقال أبو زرعة: «كنت سمعت رجاء الحافظ حين قدم علينا فحدثنا عن علي بن المديني، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «نهى النبي ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا»، فأنكرته، ولم أكن دخلت البصرة بعد، فلما التقيت مع علي سألته، فقال: من حدث بهذا عني مجنون، ما حدثت بهذا قط، وما سمعت هذا من معاذ بن هشام قط» (٢). وروى طلق بن غنام، عن شريك، وقيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (٣).

стр. 256

قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: طلق بن غنام هو ابن عم حفص بن غياث، وهو كاتب حفص بن غياث، روى حديثا منكرا، عن شريك، وقيس … ، قال أبي: ولم يرو هذا الحديث غيره» (١). وروى محمد بن حرب الأبرش، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» (٢). سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر» (٣)، وقال مرة: «لم يروه غير محمد بن حرب» (٤). وأخرج النسائي عن يزيد بن سنان، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﵌، أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج»، ثم قال النسائي: «هذا حديث معضل، لا أعلم رواه غير مكي، وهو لا بأس به،

стр. 257

لا أدري من أين أتي؟ » (١). في أشياء كثيرة جدا من هذا القبيل، سيأتي شيء منها في الفصول اللاحقة من هذا الباب. وقد يعترض على ما تقدم، بأن توقفهم في تفرد الراوي إذا كان ثقة أو في حكمه يحتمل أن يكون ذلك مع المخالفة، فيخالف الراوي غيره ممن هو أوثق منه، أو يخالف جماعة، فيصل مرسلا، أو يرفع موقوفا، ونحو ذلك. والجواب: أن استنكار حديث الراوي ورده بسبب المخالفة كثير جدا أيضا، لكن ليس هو المقصود هنا، فهذا له شأن آخر، سيأتي تفصيل الكلام فيه في الباب الثالث. وأما المقصود هنا فهو تفرد الراوي في الرواية عن شيخه دون مخالفته لغيره، فلم يصل مرسلا، أو يرفع موقوفا، أو يبدل راو بآخر، بل تفرد بالإسناد أصلا، والأمثلة التي سقتها كلها بهذه المثابة، حسب ما يظهر من كلام النقاد. وههنا أمر آخر، وهو أن هذا الاعتراض مبني على أن الراوي إذا خالف فرفع حديثا وقفه غيره، أو وصل مرسلا، أو أبدل راويا بآخر، ونحو ذلك، أعظم مما إذا تفرد بإسناد شذ فيه، وحكم عليه بالخطأ، لأن الأول ظهر غلطه، والآخر أمره محتمل.

стр. 258

والواقع أن الأمر عند أئمة النقد في الجملة بخلاف ذلك، فتفرد الراوي بشيء يستنكر عليه أعظم عندهم من روايته لشيء يخالفه غيره فيه، ويتبين غلطه، وذلك لأن من أخطأ على شيخه فرفع موقوفا، أو وصل مرسلا، قد تابعه في أصل الحديث غيره، إما واحد أو أكثر، وهذه تسمى متابعة، ومخالفته له بعد ذلك في بعض الحديث إسنادا أو متنا شأن آخر، فقد وجدت المتابعة في أصل الحديث، وأما من تفرد بجملة الإسناد عن الشيخ، وقد غلط في ذلك، فلم يتابع مطلقا. ثم إن القول بأنه لم يخالف غير دقيق، فهو قد خالف غيره ممن ترك رواية هذا الذي تفرد به، فهي إذن مخالفة بالترك، وهي عندهم أشد من المخالفة بالفعل، إذا تبين غلطها. ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود قال: «سمعت أحمد يقول: عند أبي داود، عن هشام -يعني الدستوائي- حديث منكر، عن قتادة، عن أنس قال: «كان أصحاب النبي ﷺ يحتجمون: سبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين»، قلت له: حدثنا به مسلم، عن هشام -أعني عن قتادة- مرسلا، فأعجبه، وقال: كان عند فلان -سماه أبو عبدالله- عن علي بن المبارك، عن قتادة مرسلا» (١). فأحمد استنكر الحديث على أبي داود الطيالسي في روايته له عن هشام الدستوائي، فإنه لم يكن سمعه من أحد عن هشام، فلما أبلغه أبو داود أنه سمعه من مسلم بن إبراهيم، عن هشام مرسلا فرح به وأعجبه، إذ قد توبع أبو داود

стр. 259

الطيالسي، غاية ما فيه أنه غلط فوصله بذكر أنس، ثم ذكر أحمد ما يؤيد رواية مسلم، عن هشام، وهو أن علي بن المبارك قد رواه عن قتادة أيضا مرسلا. وقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث علي بن عاصم، عن ابن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبدالله، عن النبي ﷺ : «من عزى مصابا فله مثل أجره»، فقيل لأحمد: رواه غير علي بن عاصم؟ قال: لا نعلمه رواه غيره، قلت: ولا يوقف، قال: لا يرويه غيره، قيل له: محمد بن الفضل بن عطية، فلم يعبأ به» (١). ونحو هذا جاء عن يعقوب بن شيبة، قال عن الحديث: «حديث كوفي منكر، يرون أنه لا أصل له مسندا ولا موقوفا … ، ولا نعلم أحدا أسنده ولا وقفه غير علي بن عاصم، وقد رواه أبو بكر النهشلي -وهو صدوق ضعيف الحديث- رواه عن محمد بن سوقة فلم يجاوز به محمدا إلى أحد فوقه، وقال: يرفع الحديث، وهذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم، وتكلموا فيه، مع ما أنكر عليه سواه» (٢). وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن عبدة، عن يحيى بن كثير … ، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن

стр. 260

النبي ﷺ قال: «توضئوا من لحوم الإبل، ولا توضئوا من لحوم الغنم». سمعت أبي يقول: كنت أنكر هذا الحديث لتفرده، فوجدت له أصلا، حدثنا ابن المصفى، عن بقية، قال: حدثني فلان -سماه-، عن عطاء بن السائب، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بنحوه. قال: وحدثني عبيدالله بن سعد الزهري، قال: حدثنا عمي يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني عطاء بن السائب الثقفي، أنه سمع محارب بن دثار يذكر عن ابن عمر نحو هذا، ولم يرفعه. قال أبي: حديث ابن إسحاق أشبه، موقوفا» (١). والشاهد هنا أن أبا حاتم أخرج الحديث عن حد التفرد والنكارة المطلقة بهذه المتابعات، ومنها -وهو الراجح عنده- ما يعل الحديث، وأنه موقوف على ابن عمر. وقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن ابن أبي خداش، سمع ابن عباس، عن النبي ﷺ في المماليك: «ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون … » الحديث. قال أبي: لم أجد هذا الحديث عند الحميدي في «مسنده»، ولا عند علي بن

стр. 261

المديني، فإن كان محفوظا فهو غريب، قلت: على ما يصنع؟ قال: لعله أن يكون عندهما موقوفا» (١). ويلحظ في السؤال والجواب أن أبا حاتم متوقف في رواية ابن أبي عمر، مستنكر لها، وكان يبحث عن متابع له يرفع الغرابة عن روايته، ويقصر النكارة على رفع الحديث فقط. ويظهر أنه حال إجابته عن هذا السؤال هنا لم يقف عليه موقوفا، وقد سئل عنه مرة أخرى فذكر أنه وقف عليه، لكنه لم يسم راوي الموقوف عن ابن عيينة، وفي الجواب الثاني يوضح أبو حاتم سبب استنكار المرفوع. قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر العدني … ، قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند الحميدي، ولا عند علي بن المديني، ولم نجده عند أحد من أصحاب ابن عيينة، ولم أزل أفتش عن هذا الحديث، وهمني جدا، حتى رأيت في موضع: عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن عباس موقوفا، فقلت: إن رفعه ليس له معنى، والصحيح موقوف. وقد كان روى ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «نعم المقبرة هذه -يعني مقبرة مكة- … »، فلم يعرف بذلك الإسناد إلا هذا وحده، حتى كتبت عن ابن أبي عمر ذاك الحديث» (٢).

стр. 262

وفي أجوبة كثيرة لأبي حاتم يظهر منها أن الغرابة عنده تزول بالمتابع وإن كان مخالفا كاشفا لعلة في الإسناد (١)، وجاء هذا عن غيره أيضا، والظاهر أن المراد زوال الغرابة المطلقة (٢). وروى نافع بن يزيد الكلاعي، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة … » الحديث بطوله (٣). قال الطحاوي بعد أن رواه من طرق عن نافع بن يزيد: «فسألت أنا إبراهيم بن أبي داود عن هذا الحديث، وقلت له: هل رواه عن عقيل غير نافع بن يزيد؟ قال: نعم، حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه أنس بن مالك». ونلحظ في السؤال حرص الطحاوي على رفع تفرد نافع بن يزيد، وقد

стр. 263

وثقه أحمد بن صالح المصري وغيره، لكن قال أبو حاتم: «لا بأس به»، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقد تفرد بهذا الحديث عن عقيل، والحديث خبر عمن تقدم، وفي سياقه غرابة، فيحتاج نافع بن يزيد إلى متابع، ولهذا قال ابن كثير بعد أن أورده موصولا: «وهذا غريب رفعه جدا، والأشبه أن يكون موقوفا» (١). وهو كما قال ابن كثير، غريب جدا، وكأنه لم يقف عليه مرسلا، فأبدى احتمال أن تكون علته الوقف. وفي الجواب ما يدل على أن المتابع المخالف يحتاج إليه لرفع التفرد، وإن كان فيه مخالفة، ولهذا قال إبراهيم في الجواب: «نعم»، ويونس بن يزيد قد تابع نافع بن يزيد، وهو فوقه في الرتبة, خاصة في عقيل، والقول قوله في إرسال الحديث، فصار هذا المرسل أقوى من الإسناد المتصل الذي تفرد به نافع بن يزيد، فهو علة له، وجابر له، علة له من جهة أن الراجح إرساله، وجابر له من جهة رفع التفرد عن أصل الحديث. وقد سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن حديث رواه بقية بن الوليد، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : «أنه لم ير بالقزِّ والحرير للنساء بأسا»، فقال أبو زرعة: «هذا حديث منكر»، فسأله ابن أبي حاتم إن كان يعرف له علة، فأجاب بالنفي. فمثل هذا الحديث لا يظن باحث أن عدم وجود العلة له خفف من ضفعه،

стр. 264

بل زاده ضعفا، فصار منكرا عن جميع من يحتمل أن يكون صدر منه، ولو كان له علة، لكان من قول ابن عمر مثلا، أو من قول نافع، أو من مراسيله، أو من مراسيل عبيدالله بن عمر، أما الآن فهو منكر بإطلاق، شديد الضعف. وهكذا يقال في الحكم على الرواة، ف إذا كان الراوي يخالف في بعض ما يرويه الثقات، أو يختلف عليه، فأمره أخف من كونه يروي شيئا منكرا لا يرويه غيره . قال ابن أبي حاتم: «سئل أبو زرعة عن عاصم بن عبيدالله، فقال: قال لي محمد بن عبدالله بن نمير: عاصم بن عبيدالله أحب إليك أم ابن عقيل؟ فقلت: ابن عقيل يختلف عليه في الأسانيد، وعاصم منكر الحديث في الأصل، وهو مضطرب الحديث» (١). وأما الاتجاه الثاني الذي يسير فيه كلام النقاد، وتصرفاتهم، فهو أنه قد اشتهر عنهم الاهتمام بالغرائب، وكتابتها، قال عبدالله بن أحمد: «سألت أبي عن محمد بن الحسن الواسطي الذي يقال له: المزني، قال: ليس به بأس … ، وقد حدثتكم عنه، كتبت عنه عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد- أحاديث غرائب، كتبت عنه أول سنة انحدرت إلى البصرة، ولم ألقه في السنة الثانية، كان قد مات قديما» (٢).

стр. 265

وقال عبدالله أيضا: «قدمت من الكوفة سنة ثلاثين ومائتين، فعرضت عليه أحاديث أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك، فقال: عند أبي بكر بن أبي شيبة أحاديث حسان غرائب، عن شريك، لو كان ههنا سمعناها منه» (١). وقال حميد بن زنجويه لعلي بن المديني: «إنك تطلب الغرائب، فأت عبدالله بن صالح، واكتب كتاب معاوية بن صالح، تستفد مئتي حديث» (٢). وسأل ابن أبي حاتم أبا زرعة الرازي، عن معاوية بن عبدالله الزبيري، فقال: «لا بأس به، كتبنا عنه بالبصرة، أخرج إلينا جزءا عن عائشة (يعني عائشة بنت الزبير بن هشام بن عروة)، فانتخبت منه أحاديث غرائب، وتركت المشاهير» (٣). ولشدة اهتمام النقاد بهذا النوع من الأحاديث، فقد اشتهر عندهم تخصيص كتاب أو جزء، يجمع فيه الناقد ما يمر به من هذا النوع (٤). وفوق ذلك أن النقاد قد صححوا من الأحاديث الغريبة غرابة مطلقة أو نسبية شيئا كثيرا، وفي «الصحيحين» من ذلك قدر كبير، وقد جمع الضياء

стр. 266

المقدسي ما فيهما من الغرائب المطلقة فبلغ بها مئتي حديث (١)، فضلا عن الغرائب النسبية. وهذان الاتجاهان في موقف النقاد من التفرد لا يتعارضان، فالنهي عن كتابة الغرائب إنما ذلك ما يأتي عن الضعفاء، ومن دونهم، قال أبو زرعة، وقد سأله البرذعي، عن هيصم بن شداخ -وقد اتهمه أبو زرعة- هل يخرج حديث وأمثاله في «الفوائد»، وذكر له بعض ما يرويه عن الأعمش، فقال أبو زرعة: «يخرج مثل ابن إسحاق، مثل الحكم بن عبدالملك، أما حديث باطل مثل هذا: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله … » (٢). والأمر كما قال الخطيب: «والغرائب التي كره العلماء الاشتغال بها، وقطع الأوقات في طلبها، إنما هي ما حكم أهل المعرفة ببطوله، لكون رواته ممن يضع الحديث، أو يدعي السماع، فأما ما استغرب لتفرد راويه به، وهو من أهل الصدق والأمانة، فذلك يلزم كتبه، ويجب سماعه وحفظه» (٣). و كتابة النقاد لأحاديث غرائب عمن يجوزون الكتابة عنه لا يعني صحة تلك الأحاديث ، فالناقد حين الكتابة يغلب عليه كونه راويا، لا يلزم أن يكون ما كتبه كله صوابا عنده، فقد يكون يراه صوابا، وقد يكون يراه خطأ، أو يتبين له

стр. 267

ذلك فيما بعد، وقد يكون من طريقة بعضهم الكتابة عن الكل، ثم التمييز حين النقد والرواية، كما تقدم شرحه في «الجرح والتعديل» (١). فمن المهم جدا معرفته أن الناقد قد يكتب حديثا غريبا، وقد يظهر مع ذلك فرحه به واستحسانه له، لكونه ليس عنده قبل أن يقف عليه، وهو مع ذلك يستنكره ويراه خطأ، وما يفعله بعض الباحثين من التعويل على ذلك في تقوية الحديث ليس بجيد. روى جماعة كثيرون عن أبي نوح عبدالرحمن بن غزوان المعروف بقراد, عن يونس بن أبي إسحاق, عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري, عن أبيه, قصة خروج النبي ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام, وفيه طول, وألفاظ منكرة (٢). قال عباس الدوري بعد أن رواه عن قراد: «ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد أبي نوح، وسمع هذا الحديث أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين, -قال-: وإنما سمعاه من قراد لأنه من الغرائب والأفراد التي تفرد بروايتها عن يونس بن أبي إسحاق, عن أبي بكر بن أبي موسى, عن أبيه» (٣).

стр. 268

والتقى أحمد بن حنبل، أحمد بن صالح المصري، فجرت بينهما قصة شهدها أبو بكر بن زنجويه، قال: « … فقام إليه، ورَحَّب به، وقرَّبه، وقال له (القائل أحمد بن حنبل): بلغني أنك جمعت حديث الزهري، فتعال حتى نذكر ما روى الزهري، عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فجعلا يتذاكران، ولا يغرب أحدهما على الآخر، حتى فرغا، فما رأيت أحسن من مذاكرتهما, ثم قال أحمد بن حنبل: تعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أولاد الصحابة، فجعلا يتذاكران، ولا يغرب أحدهما على الآخر. إلى أن قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: عند الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف: قال النبي ﷺ : «ما يسرني أن لي حمر النعم، وأن لي حلف المطيبين»، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد بن حنبل يبتسم، ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول -أو صالح-: عبدالرحمن بن إسحاق، فقال: من رواه عن عبدالرحمن؟ فقال: حدثنا رجلان ثقتان: إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي، فقال أحمد: من الكتاب، فقام ودخل وأخرج الكتاب وأملى عليه، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحديث كان كثيرا، ثم ودعه وخرج» (١).

стр. 269

فهذا الحديث كتبه أحمد بن حنبل، ويذاكر به، ويرويه، مع أنه يراه منكرا، إذ استنكره على عبدالرحمن بن إسحاق، قال المروذي: «قلت لأبي عبدالله: فعبدالرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه، فقد حدث عن الزهري بأحاديث -كأنه تفرد بها-، ثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحلف، حلف المطيبين، فأنكره أبو عبدالله، وقال: ما رواه غيره» (١). وروى محمد بن عثمان بن صفوان المكي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : «ما خالطت الصدقة مالا إلا أهلكته» (٢). قال أبو داود: «قلت لأحمد: هشام بن عروة … ، قال: هذا كتبته عن شيخ كان بمكة، يقال له: محمد بن عثمان بن صفوان، قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: هو حديث منكر» (٣). فهذا الحديث كتبه أحمد، وكان أيضا يفسر معناه، وأن المراد به الرجل يأخذ الصدقة -وهي الزكاة- وهو موسر أو غني، إنما هي للفقراء (٤)، وأحمد يراه حديثا منكرا. وروى عبدالله بن عمران الرازي، عن يحيى بن الضريس، عن عكرمة بن

стр. 270

عمار، عن الهرماس قال: «سمعت النبي ﷺ يلبي بهما جميعا: لبيك بحجة وعمرة» (١). قال أبو حاتم: «ذكرته لأحمد بن حنبل، فأنكره»، ثم قال أبو حاتم: «أرى دخل لعبدالله بن عمران حديث في حديث» (٢). فهذا الحديث أنكره أحمد، وهو قد كتبه عن عبدالله بن عمران (٣). وكذلك الحال بالنسبة لرواية الأفراد والغرائب، قد يحدث الناقد بشيء منها إذا كان عن الثقات ومن في حكمهم، وأما المناكير عن الضعفاء ومن دونهم فالغالب أن الناقد لا يحدث بشيء منها، ولهذا نجد في النصوص عنهم امتناعهم عن التحديث بذلك، وأمرهم بأن يضرب على الحديث. ومن ذلك قول البرذعي: «كان في كتابنا عن أبي زرعة، عن عبدالرحمن بن عبدالملك بن شيبة، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قرب إلى أحدكم الحلواء فليأكل منها ولا يردها»، وعنه، عن ابن أبي فديك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كان أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ الذراع»، فسألت أبا زرعة عنهما،

стр. 271

فأمرني أن أضرب عليهما، ولم يقرأهما» (١). وعبدالرحمن بن عبدالملك هذا قال فيه أبو زرعة: «لم يكن بين تحديث عبدالرحمن بن عبدالملك بن شيبة وبين موته كثير شيء، اختلفت إلى بيته عشرين ليلة أنظر في كتبه» (٢). وقال أبو حاتم فيه: «يختلف إلى عبدالعزيز الأويسي وهو شاب يكتب عنه، فرآه أبو زرعة هناك، فذاكر أبا زرعة بأحاديث غرائب لم تكن عنده، فسأله أن يحدثه، فصار إليه، ونظر في كتبه» (٣). ومما يتنبه له هنا أن إدخال الناقد الحديث في مصنف له ينطبق عليه قاعدة روايته للحديث، فلا يلزم من إدخاله له رضاه عنه، ولا قبوله، ومن نظر في الجزء المطبوع من «منتخب علل الخلال»، وما فيه من الأحاديث التي ضعفها أحمد، وهي في «مسنده»، أدرك ذلك بسهولة، وقد قال ابن القيم في بحث له حول هذه المسألة: «والإمام أحمد لم يشترط في «مسنده» الصحيح، ولا التزمه، وفي «مسنده» عدة أحاديث سئل هو عنها، فضعفها بعينها، وأنكرها»، ثم ذكر أمثلة، وقال بعدها: «وهذا باب واسع جدا، لو تتبعناه لجاء كتابا كبيرا» (٤).

стр. 272

وربما كان غرض المؤلف من كتابه -أو أحد أغراضه- جمع هذه الأفراد والغرائب، وإن كان يستنكرها، كما يفعل البزار في «مسنده». ومن أمثلة ذلك عنده قوله في زائدة بن أبي الرقاد: «منكر الحديث»، وضعفه مرة، وقال مرة: «ليس به بأس، حدث عنه جماعة من أهل البصرة، وإنما كتبنا من حديثه ما لم نجده عند غيره»، وقال أيضا: «لا نكتب من حديثه إلا ما ليس عند غيره»، وقال أيضا: «إنما ينكر من حديثه ما يتفرد به» (١). والخلاصة أن الناقد بعد أن يبلغه حديث تفرد به راو ثقة يحكم عليه بما يؤدي إليه اجتهاده، فقد يراه صحيحا غريبا، وقد يراه منكرا، ولا علاقة بين كتابة الأفراد والغرائب، وروايتها، وبين الحكم عليها. والحكم في التفرد كغيره من مسائل هذا الفن، يخضع لنظر الناقد وما لديه من قرائن وأدلة، وربما وصل فيه إلى ما وصل إليه غيره، لاجتماع قرائن وتعاضدها، وقد يخالف غيره، وسيأتي معنا أمثلة لهذا في الفصل الرابع. ومن هذا الباب قول يعقوب بن شيبة في قيس بن أبي حازم: « … ، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره وعظمه، وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا:

стр. 273

هي غرائب … » (١). وربما وقع التردد من الناقد الواحد، فقد روى حرمي بن عمارة، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعا: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٢)، تفرد به حرمي، عن شعبة، وسئل عنه أحمد مرة فأنكره على حرمي بن عمارة (٣)، وسئل عنه مرة أخرى فقال: «أرجو أن يكون محفوظا» (٤). وفي رأيي أن موضوع التفرد من أدق قضايا نقد المرويات، فهو مزلة قدم بالنسبة للباحث، يجب عليه فيه أن يكون متوازنا، فإن إهماله ضعف، والإسراف فيه ضعف أيضا، ولا شك أن الباحث بحاجة إلى ما ينير الطريق له حين نظره في التفرد، وسأحاول ذلك في الفصل التالي (ضوابط النظر في التفرد). * * *

стр. 274

الفصل الثاني ضوابط النظر في التفرد

стр. 275

يوجد في كلام النقاد على قضية التفرد إشارات إلى بعض ضوابطه، سواء في الحديث عن القضية بعينها، أو على أحاديث وقع فيها تفرد، فيشير الناقد حين حكمه على الحديث إلى ما يصلح أن يكون ضابطا، يمكن تطبيقه على غيره من الأحاديث. ومن أول من خص التفرد بالحديث عنه وبيانه مسلم بن الحجاج في مقدمة «صحيحه»، فإنه قال: «حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته. فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم» (١). وما ذكره مسلم من قبول ما يتفرد به من أمعن في موافقة الثقات عن شيخه، مبني على أن الراوي قد لا يستوعب ما عند شيخه، وإذا استوعبه فقد

стр. 276

لا يحدث به كله، كما في قول أحمد: «عند سعد بن إبراهيم شيء لم يسمعه يعقوب، كتاب عاصم بن محمد العمري» (١). ويعقوب هذا أخو سعد بن إبراهيم، وقد أكثرا جميعا عن والدهما إبراهيم بن سعد. وسئل أحمد، عن نوح بن يزيد، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، في حديث إبراهيم بن سعد، فقال: «نوح بن يزيد أحب إلي من يعقوب، روى نوح عن إبراهيم شيئا ليس عند يعقوب» (٢). وقال أحمد أيضا: «حدث عبدالرزاق، عن معمر، أحاديث لم يسمعها ابن المبارك، وحدث ابن المبارك أيضا بشيء لم يسمعه عبدالرزاق» (٣). وسأل عبدالله بن أحمد أباه عن حديث للأعمش، فأجابه، ثم قال أحمد: «وقال يحيى بن معين: لم أسمعه من أبي معاوية، وإنما حدثناه أبو معاوية ببغداد، وكان يحيى ربما فاته الشيء» (٤). ومن نظر في كلام النقاد على أصحاب الرواة المكثرين، كسعيد بن المسيب، ونافع، وقتادة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم، أدرك بسهولة تفاوتهم

стр. 277

في مقدار ما يروونه عنهم. ومن ذلك قول ابن المديني: «لا أعلم في التابعين أحدا أوسع علما من سعيد بن المسيب، روى عنه الزهري، وقتادة، ويحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن حرملة بن عمرو الأسلمي، وغيرهم، فإذا كل واحد منهم لا يكاد يروي ما يرويه الآخر، ولا يشبهه، فعلمت أن ذلك لسعة علمه، وكثرة روايته» (١). وقال أيضا في أصحاب الأعمش: «أثبت الناس في الأعمش وأعلمهم به سفيان الثوري، وأروى الناس عنه أبو معاوية، عند أبي معاوية عن الأعمش نحو من ألف وسبعمائة، وكتاب حفص بن غياث صحيح، وعنده عن الأعمش قريب من ألف حديث، وجرير الرازي … ، وهو أقل عددا من أبي معاوية، وعند جرير عن الأعمش ما ليس عند أبي معاوية، أربعمئة ونيف وخمسين، ووكيع بن الجراح حسن السماع من الأعمش، عنده نحو من سبعمئة … » (٢). ويظهر ذلك أيضا في رواية بعض الأصحاب عن بعض ما فاتهم عن الشيخ، فالليث بن سعد أحد أصحاب الزهري، وهو يروي كثيرا عن عقيل بن خالد، عن الزهري، وعن يونس بن يزيد، عن الزهري، ويونس أيضا أحد أصحاب الزهري المكثرين عنه، وربما روى عن عقيل بن خالد، عن الزهري، وكذلك سفيان بن عيينة، أحد المكثرين عن الزهري، ويروي أيضا عن معمر، عن الزهري.

стр. 278

وإنما يستنكر بداهة أن يروي الراوي عن شيخ له أصحاب كثيرون ثقات، فينفرد عنهم بشيء، كما قال شعبة لما قيل له: متى يترك حديث الرجل؟ قال: «إذا حَدَّث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون … » (١). وفي هذا السياق يفهم ما يأتي عن النقاد من كلمات في تعليل استنكارهم لبعض الأحاديث، كأن يقول الناقد: أين أصحاب فلان عن هذا الحديث؟ أو لو كان عنده لرواه أصحابه، ونحو ذلك. قال صالح بن محمد البغدادي المعروف بجزرة في عبدالرحمن بن أبي الزناد: «قد روى عن أبيه أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك بسبب روايته كتاب «السبعة» عن أبيه، وقال: أين كنا نحن من هذا؟ ! » (٢). وقال الدوري: «سمعت يحيى، وسألته عن حديث حكيم بن جبير، حديث ابن مسعود: «لا تحل الصدقة لمن كان عنده خمسون درهما» يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى بن معين: يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن زبيد، ولا نعلم أحدا يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم، لو كان هكذا لحدث به الناس جميعا عن سفيان، ولكنه حديث منكر، هذا الكلام قاله يحيى، أو نحوه» (٣).

стр. 279

ثم ينظر في هذا المتفرد، إن أكثر من ذلك سقط هو في نفسه، كما هو حال كثير من الضعفاء والمتروكين، إنما ضعفوا بسبب كثرة المناكير في حديثهم عن أناس مشهورين. روى الجوزجاني عن أحمد قوله في فرقد السبخي: «فرقد روى عن مُرَّة منكرات»، ثم عقبه الجوزجاني بقوله: «وصدق أحمد، كوفي، كيف صار عنده عن مُرَّة أحاديث عن أبي بكر الصديق مرفوعة، لم يشركه في شيء منها أحد من أهل الكوفة؟ » (١). وقوله: «كوفي» يعني به مُرَّة الطيب، فإنه كوفي، فكيف تفرد بهذا الأحاديث عنه فرقد السبخي، وهو بصري، ولم يروها عن مُرَّة أحد من أهل الكوفة؟ . وإن لم تكثر هذه المنكرات في عموم روايات الراوي بقيت هي منكرات، مع تقوية الراوي إما بصفة عامة، أو تقويته في غير شيخه الذي يروي عنه مناكير، وقد تقدم لهذا أمثلة فيما مضى، وتأتي أمثلة أخرى لاحقا. ومن ذلك أيضا أن جماعة رووا عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعا: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … » الحديث (٢).

стр. 280

اشتهر هذا الحديث عن إسماعيل بن رجاء، وعرف به، ورواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، عن أوس بن ضمعج (١)، فاستنكره النقاد على الحسن بن يزيد، قال أبو حاتم لما سئل عن هذه المتابعة: «إنما رواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، وهو شيخ، أين كان الثوري، وشعبة، عن هذا الحديث؟ وأخاف ألا يكون محفوظا» (٢). وكذا استنكره ابن عدي عليه مع أحاديث أخر عن السدي (٣). وروى برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي، والباب مغلق عليه، فجئت فاستفتحت … » الحديث (٤). سئل عنه أبو حاتم فقال: «لم يرو هذا الحديث أحد عن النبي ﷺ غير برد، وهو حديث منكر ليس يحتمل الزهري مثل هذا الحديث، وكان برد يرى القدر» (٥). وبرد هذا وثقه الجمهور، ومنهم من لينه، لكنه ليس من أصحاب الزهري، ولذا قال الجوزجاني بعد كلامه عن أصحاب الزهري المعروفين: «قوم رووا عن

стр. 281

الزهري قليلا، أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما» (١). وتعرض الذهبي أيضا لبعض الضوابط في تفرد الثقة، وسأنقل كلامه بطوله، ثم أعقب عليه، قال: «مثل يحيى القطان يقال فيه: إمام، وحجة، وثبت، وجهبذ، وثقة ثقة، ثم ثقة حافظ، … ، ثم ثقة متقن، ثم ثقة عارف، وحافظ صدوق، ونحو ذلك. فهؤلاء الحفاظ الثقات: إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام عنده مئتا ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين، ثلاثة، ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به؟ ما علمته، وقد يوجد. ثم ننتقل إلى اليقظ الثقة المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يطلق عليه أنه ثقة، وهم جمهور رجال (الصحيحين)، فتابعيهم إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في الصحاح. وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات، وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض. وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم، وحفص بن غياث: منكرا، فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما

стр. 282

انفرد به، مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر … » (١). فقسم الذهبي في كلامه السابق الثقات قسمين، الثقات الحفاظ، وهم الذين عرفوا بالحفظ والإتقان، وندرة الخطأ، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، وتفرد تابعي التابعين عن التابعين. والقسم الثاني الثقات، وهم جماعة يوصف الواحد منهم بأنه ثقة، لكنه ليس من الحفاظ المتقنين، وهم مع ذلك متوسطو المعرفة، أي المعرفة بنقد الحديث، فلا يؤمن أن يخطئ الواحد منهم، ولا يتنبه لذلك، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، ويتوقف فيما عدا ذلك. فيلحظ أن الذهبي سبر عمل الأئمة في استنكار ما يتفرد به الثقة فوجدهم يراعون أمرين، الأول: قوة الراوي واشتهاره بالحفظ والضبط ، فلا شك أن هذا يجبر ما يقع منه من تفرد، ومن هذا الباب قول مسلم: «للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي ﷺ ، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد» (٢). وكلام الذهبي يفهم منه أن تفرد الصدوق ونحوه لا إشكال في عده منكرا، وقد صرح الذهبي بذلك في مكان آخر، فقال: «إن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا, وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا» (٣).

стр. 283

وقال أيضا متعقبا ابن القطان في تقويته حديثا لثابت بن عجلان وأنه لايضره تفرده وقد وثق: «أما من عرف بالثقة فنعم, وأما من وثق ومثل الإمام أحمد يتوقف فيه, ومثل أبي حاتم يقول: صالح الحديث, فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرا» (١). ومما يتنبه له هنا ما قد يكون في الراوي من تفصيل في بعض حالاته، أو في بعض شيوخه (٢)، فيكون التعامل معه في كل حال بما يناسبه، فلو كان في الأصل ثقة ثبتا، وهو في بعض شيوخه صدوق أو دون ذلك، فلا بد من مراعاة هذا، وهو أمر ظاهر، وإنما نبهت عليه لكثرة إغفاله من الباحثين. ومن أمثلة ذلك ما رواه عبدالرزاق، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن عائشة، قالت: «أهدي للنبي ﷺ وشيقة لحم وهو محرم، فلم يأكله» (٣). قال ابن رجب: «ذكر لأحمد حديث عبدالرزاق … ، فجعل أحمد ينكره إنكارا شديدا، وقال: هذا سماع مكة» (٤). ومراده أن سماع عبدالرزاق من سفيان الثوري بمكة فيه شيء، وإنما ضبط

стр. 284

عنه باليمن حين قدم عليهم سفيان، وقد تقدم ذكر هذا (١). وروى وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن أبي عبدالرحمن السلمي، عن أم حبيبة: «أن النبي ﷺ كان يصلي على الخمرة» (٢). سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث ليس له أصل، لم يروه غير وهب» (٣). ووهب بن جرير -مع ثقته- قد تكلم في روايته عن شعبة، تكلم فيها عبدالرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وذكر عفان أنها أحاديث عبدالرحمن الرصاصي، شيخ يروي عن شعبة (٤). والثاني: طبقة الراوي، فلا شك أن التفرد يحتمل في رواية التابعي عن الصحابي، وكذلك -مع الحفظ والضبط- يحتمل في رواية تابع التابعي عن التابعي، وأما بعد ذلك، أي في عصر انتشار الرواية، وحرص الرواة على التقصي والتتبع، والرحلة إلى البلدان الأخرى بغرض الرواية، وانتشار الكتابة، فإن وقوع التفرد -وهو تفرد صحيح- فيه بعد، فالغالب أن يكون خطأ من المتفرد، ولذا يستنكره الأئمة من الثقة الضابط أيضا.

стр. 285

وهذا الإمام مالك -وهو من هو في الحفظ والإتقان، ومن طبقة تابعي التابعين- ارتاب في سؤال أهل العراق له عن حديثه عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «السفر قطعة من العذاب»، فسأل عن ذلك، فقيل له: لم يروه عن سمي أحد غيرك، فقال: «لو عرفت ما حدثت به»، وكان مالك لهذا السبب ربما أرسله (١). وقد روي أنه قال ذلك في حديثه عن الزهري، عن أنس، في دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، وقد تفرد به عن الزهري، فكان يسأل عنه، وسمعه منه من هو أسن منه، كابن جريج وغيره (٢). وقال محمد بن عبدالله بن نمير: «كان وكيع إذا كان في كتابه حديث ينكره أمسك عنه، لم يحدث به، فإذا جاء إليه بنو أبي شيبة والحفاظ ذاكرهم بشيء منه، فإن ذكروه وقالوا: حُدِّثنا به عن فلان - ذكره، وإن شكوا فيه أمسك عنه» (٣). ويذكر بهذه المناسبة -أي استبعاد وقوع التفرد في الطبقات المتأخرة، وهو صحيح- قصة أبي حاتم وهو عند أبي الوليد الطيالسي، قال أبو حاتم: «قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمع به فله علي درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق،
следующие страницы →