الزهري قليلا، أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما» (١).
وتعرض الذهبي أيضا لبعض الضوابط في تفرد الثقة، وسأنقل كلامه بطوله، ثم أعقب عليه، قال: «مثل يحيى القطان يقال فيه: إمام، وحجة، وثبت، وجهبذ، وثقة ثقة، ثم ثقة حافظ، … ، ثم ثقة متقن، ثم ثقة عارف، وحافظ صدوق، ونحو ذلك.
فهؤلاء الحفاظ الثقات: إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام عنده مئتا ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين، ثلاثة، ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به؟ ما علمته، وقد يوجد.
ثم ننتقل إلى اليقظ الثقة المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يطلق عليه أنه ثقة، وهم جمهور رجال (الصحيحين)، فتابعيهم إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في الصحاح.
وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات، وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض.
وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم، وحفص بن غياث: منكرا، فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما
стр. 282
انفرد به، مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر … » (١).
فقسم الذهبي في كلامه السابق الثقات قسمين، الثقات الحفاظ، وهم الذين عرفوا بالحفظ والإتقان، وندرة الخطأ، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، وتفرد تابعي التابعين عن التابعين.
والقسم الثاني الثقات، وهم جماعة يوصف الواحد منهم بأنه ثقة، لكنه ليس من الحفاظ المتقنين، وهم مع ذلك متوسطو المعرفة، أي المعرفة بنقد الحديث، فلا يؤمن أن يخطئ الواحد منهم، ولا يتنبه لذلك، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، ويتوقف فيما عدا ذلك.
فيلحظ أن الذهبي سبر عمل الأئمة في استنكار ما يتفرد به الثقة فوجدهم يراعون أمرين، الأول: قوة الراوي واشتهاره بالحفظ والضبط ، فلا شك أن هذا يجبر ما يقع منه من تفرد، ومن هذا الباب قول مسلم: «للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي ﷺ ، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد» (٢).
وكلام الذهبي يفهم منه أن تفرد الصدوق ونحوه لا إشكال في عده منكرا، وقد صرح الذهبي بذلك في مكان آخر، فقال: «إن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا, وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا» (٣).
стр. 283
وقال أيضا متعقبا ابن القطان في تقويته حديثا لثابت بن عجلان وأنه لايضره تفرده وقد وثق: «أما من عرف بالثقة فنعم, وأما من وثق ومثل الإمام أحمد يتوقف فيه, ومثل أبي حاتم يقول: صالح الحديث, فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرا» (١).
ومما يتنبه له هنا ما قد يكون في الراوي من تفصيل في بعض حالاته، أو في بعض شيوخه (٢)، فيكون التعامل معه في كل حال بما يناسبه، فلو كان في الأصل ثقة ثبتا، وهو في بعض شيوخه صدوق أو دون ذلك، فلا بد من مراعاة هذا، وهو أمر ظاهر، وإنما نبهت عليه لكثرة إغفاله من الباحثين.
ومن أمثلة ذلك ما رواه عبدالرزاق، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن عائشة، قالت: «أهدي للنبي ﷺ وشيقة لحم وهو محرم، فلم يأكله» (٣).
قال ابن رجب: «ذكر لأحمد حديث عبدالرزاق … ، فجعل أحمد ينكره إنكارا شديدا، وقال: هذا سماع مكة» (٤).
ومراده أن سماع عبدالرزاق من سفيان الثوري بمكة فيه شيء، وإنما ضبط
стр. 284
عنه باليمن حين قدم عليهم سفيان، وقد تقدم ذكر هذا (١).
وروى وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن أبي عبدالرحمن السلمي، عن أم حبيبة: «أن النبي ﷺ كان يصلي على الخمرة» (٢).
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث ليس له أصل، لم يروه غير وهب» (٣).
ووهب بن جرير -مع ثقته- قد تكلم في روايته عن شعبة، تكلم فيها عبدالرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وذكر عفان أنها أحاديث عبدالرحمن الرصاصي، شيخ يروي عن شعبة (٤).
والثاني: طبقة الراوي، فلا شك أن التفرد يحتمل في رواية التابعي عن الصحابي، وكذلك -مع الحفظ والضبط- يحتمل في رواية تابع التابعي عن التابعي، وأما بعد ذلك، أي في عصر انتشار الرواية، وحرص الرواة على التقصي والتتبع، والرحلة إلى البلدان الأخرى بغرض الرواية، وانتشار الكتابة، فإن وقوع التفرد -وهو تفرد صحيح- فيه بعد، فالغالب أن يكون خطأ من المتفرد، ولذا يستنكره الأئمة من الثقة الضابط أيضا.
стр. 285
وهذا الإمام مالك -وهو من هو في الحفظ والإتقان، ومن طبقة تابعي التابعين- ارتاب في سؤال أهل العراق له عن حديثه عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «السفر قطعة من العذاب»، فسأل عن ذلك، فقيل له: لم يروه عن سمي أحد غيرك، فقال: «لو عرفت ما حدثت به»، وكان مالك لهذا السبب ربما أرسله (١).
وقد روي أنه قال ذلك في حديثه عن الزهري، عن أنس، في دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، وقد تفرد به عن الزهري، فكان يسأل عنه، وسمعه منه من هو أسن منه، كابن جريج وغيره (٢).
وقال محمد بن عبدالله بن نمير: «كان وكيع إذا كان في كتابه حديث ينكره أمسك عنه، لم يحدث به، فإذا جاء إليه بنو أبي شيبة والحفاظ ذاكرهم بشيء منه، فإن ذكروه وقالوا: حُدِّثنا به عن فلان - ذكره، وإن شكوا فيه أمسك عنه» (٣).
ويذكر بهذه المناسبة -أي استبعاد وقوع التفرد في الطبقات المتأخرة، وهو صحيح- قصة أبي حاتم وهو عند أبي الوليد الطيالسي، قال أبو حاتم: «قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمع به فله علي درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق،
стр. 286
أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى علي ما لم أسمع به، فيقولون: هو عند فلان، فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن استخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب علي حديثا» (١).
وقضية ظهور حديث عن رسول الله ﷺ في زمن متأخر وإن كان في عصر الرواية من أعظم الدلائل على نكارته، فقد كانت العناية بسنته وجمعها قد بلغ الغاية التي ليس فوقها غاية، فمن المستحيل أن يفوت شيء على عموم الرواة في طبقات متعددة، ثم يظهر فجأة في زمن متأخر، خاصة إذا كان في أصل من أصول الشرع، والحاجة إليه ماسة في الاستدلال والتشريع.
ومما يؤكد هذا أن الحديث إذا كان قد تم تداوله في الزمن الأول بإسناد معين، ثم ظهر في زمن متأخر إسناد جديد، فهو دليل قاطع على نكارة المتن بالإسناد الجديد.
وقد تقدم في المبحث الثالث من الفصل الرابع من الباب الأول الإشارة إلى هذا, وأن النقاد الأوائل قد قاموا بعبء كبير في هذا السبيل.
ومن أمثلة ذلك أن الأعمش يروي عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش, عن علي أنه قال: إنه لعهد النبي ﷺ : «لا يحبك إلا مؤمن, ولا يبغضك إلا منافق» (٢).
стр. 287
ورواه يحيى بن عبدك القزويني, عن حسان بن حسان البصري, عن شعبة, عن عدي بن ثابت (١).
قال أبو حاتم: «الحديث معروف بالأعمش, ومن حديث شعبة غلط, ولو كان هذا عند شعبة كان أول ما يسأل عن هذا الحديث» (٢).
ومراد أبي حاتم أن شعبة بصري, والحديث في فضائل علي, فلو كان عنده لكان أولى أن يشتهر عنه من شهرته عن الأعمش, فهو كوفي.
وذكر ابن حجر في «إتحاف المهرة» في ترجمة (عبدالله بن شداد - عن عائشة)، قال: «حديث ظاهره الصحة، له علة، ذكرته للمعرفة: قال الآجري: قيل لأبي داود: سفيان -هو الثوري- عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالله بن شداد، عن عائشة، عن النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي»، فقال: هذا باطل، ما كان حديث قط بهذا الإسناد، ولا يكون، فقيل له: حدث بهذا عبدالرزاق، قال: ولو حدث بهذا عبدالرزاق أهل صنعاء لعلمنا أنه باطل، ولو كان هذا عند سفيان لما احتاجوا إلى هذه المراسيل» (٣).
يريد أبو داود أن من يشترط الولي في النكاح احتج بأحاديث فيها علل من جهة إرسالها، وهذا إسناد مستقيم، لو كان صحيحا لما احتاجوا لتلك المراسيل.
стр. 288
وروى الخليلي عن أبي عبدالله الحاكم، عن أبي أحمد الحاكم قوله: «قال لي أبو عروبة بحران: يا أبا أحمد، بلغني أن ببغداد شيخا يروي عن محمد بن يحيى القطعي، عن عاصم بن هلال البارقي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «لا طلاق ولا عتق فيما لا يملك»؟ فقلت: نعم، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد الحافظ، حدثنا محمد بن يحيى به.
فقال لي: يا أبا أحمد، لم يعمل شيئا، لو كان هذا الحديث عند أيوب، عن نافع، لما احتج به الناس منذ مئتي سنة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده».
ثم روى الخليلي حديث أيوب، عن أبي حفص عمر بن إبراهيم المقرئ، عن يحيى بن صاعد به، وفيه: «قال ابن صاعد: هذا حديث لا أعرف له علة» (١).
وكلمة أبي عروبة الحراني هذه في حديث ابن عمر في غاية الأهمية، فهذا المتن إنما يعرفه الأولون من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٢)، ولو كان عند أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، لاحتفوا به، فإنه من أصح الأسانيد، ولم يحتاجوا لإسناد عمرو بن شعيب، مع ما فيه من كلام (٣).
وفي كتب الفقه المتأخرة أمثلة كثيرة لهذا النوع، أحاديث يستدل بها الفقهاء
стр. 289
لمذاهب أئمتهم المتقدمين، لم يستدل بها الأولون، لكونها لم تظهر في زمنهم، أو ظهرت ولكن بأسانيد جديدة، تلتقط من كتب متأخرة في عصر الرواية.
والجميع يدرك أن التفرد كثر جدا في مؤلفات من تأخر بعد عصور النقد، أعني في نهاية القرن الثالث، وما بعده، مثل «مسند البزار»، و «المعجم الكبير» للطبراني، و «سنن الدارقطني»، و «مستدرك الحاكم»، و «سنن البيهقي»، فضلا عن الكتب المخصصة للأفراد والغرائب، مثل «المعجم الأوسط»، و «المعجم الصغير» للطبراني، و «الأفراد» للدارقطني، و «غرائب مالك» له، وكتب التراجم، مثل كتب أبي نعيم الأصبهاني، والخطيب البغدادي، وكتب الرجال، مثل «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «المجروحين» لابن حبان، و «الكامل» لابن عدي، وغير ذلك كثير جدا، ف ضابط تأخر الزمن وأثره في الرد بالتفرد، والحكم على الحديث بالنكارة، ينبغي أن يستخدمه الباحث كثيرا فيما لم يقف عليه إلا في هذه الكتب .
نقل ابن حجر في ترجمة الطبراني عن أبي بكر بن أبي علي قوله: «كان الطبراني واسع العلم، كثير التصانيف … ، وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء، من الصحابة وغيرهم … » (١).
وقال ابن رجب بعد أن نقل كلمة الخطيب التي ينعى فيها على بعض طلبة الحديث في زمانه، لاشتغالهم بالغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف،
стр. 290
قال: «وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل «مسند البزار»، و «معاجم الطبراني»، و «أفراد الدارقطني»، وهي مجمع الغرائب والمناكير» (١).
وسيأتي في الباب الثالث، في المبحث الثالث من الفصل الثاني منه، التأكيد على قانون عظيم من قوانين الرواة، يتم تسخيره للنقد، وهو أن الرواة في عصر الرواية يبحثون عن الأتم صورة ومعنى، فيستفاد من هذا أنه إذا اشتهر عندهم حديث بإسناد، ثم ظهر بعدهم بإسناد أتم منه، فلا يصح قبول ما ظهر متأخرا، فهو خطأ ولا بد.
ثم إن ما ذكره مسلم، وما حرره الذهبي من عمل الأئمة, هي ضوابط عامة، تزداد قوة بأشياء أخرى غير حال الراوي، مثل طول الحديث وغرابة لفظه، أو كونه أصلا في بابه، أو أحد رواته من أهل بلد يرويه عن راو آخر من
стр. 291
غير بلده، ولا يعرف ذلك في بلد الشيخ (١).
وكذلك هذه الضوابط لا يفهم منها أنهم لا يستنكرون الحديث بالتفرد إلا مع وجودها، فهناك أمور دقيقة قد تصاحب التفرد توجب التوقف فيه واستنكار الحديث، وإن لم تتوافر ضوابط الرد المذكورة، ولذا قال ابن رجب: «أكثر الحفاظ المتقدمين يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه» (٢).
وما ذكره ابن رجب يمكن التمثيل له بحديث شبابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر في الدباء والمزفت، الماضي ذكره في الفصل الأول، فإن شبابة أحد المكثرين عن شعبة، ولذا دافع عنه ابن المديني من هذه الجهة، غير أن الأئمة تواردوا على استنكار حديثه هذا، وذلك لما انضم إلى التفرد من كون عبدالرحمن بن يعمر ليس له إلا حديث واحد، يرويه أيضا شعبة، وكذا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عنه، وهو حديث «الحج عرفة»، فيبعد جدا أن يكون بهذا الإسناد حديث آخر عند شعبة، ويفوت سائر أصحابه على كثرتهم، ويحفظه واحد منهم، مع أن فيهم من هو مقدم على شبابة، إما في الكثرة
стр. 292
أو الحفظ أو كليهما، مثل محمد بن جعفر، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم (١).
ومن ذلك أيضا ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ سئل: متى كنت نبيا؟ … » الحديث (٢)، استنكره أحمد وقال: هو من خطأ الأوزاعي (٣).
والأوزاعي من كبار أصحاب يحيى بن أبي كثير، ومن المقدمين فيه، نص عليه أحمد وغيره (٤)، ولم يمنع هذا أحمد من استنكار حديثه الذي تفرد به عنه، فالأوزاعي قد حفظ عنه غير خطأ في حديث يحيى، فإن كتابه عن يحيى قد احترق، أو ضاع، فكان يحدث عنه من حفظه (٥)، يضاف إلى ذلك ما في المتن من نكارة.
ولا ينبغي أن يفهم من تحرير ضوابط قبول التفرد أو رده على أن ما استنكره
стр. 293
النقاد ينظر فيه الباحث وفق هذه الضوابط، ثم قد يوافقهم أو يخالفهم، فهذا غير مراد، فالنقاد إذا تواردوا على استنكار حديث، فالتسليم لهم واجب، سواء أدركنا سبب استنكارهم، أو خفي علينا ذلك، ومثله إذا استنكر الواحد منهم حديثا، ولم يخالفه غيره، ينبغي التسليم له كذلك، وسيأتي مزيد شرح لأهمية كلام النقاد في التفرد في الفصل الرابع.
فمعرفة هذه الضوابط -والحالة هذه- تفيد الباحث من جهة كونه يعرف الحكم بدليله، وهذا ما يفرقه عن العامي، وكذلك قد يحتاج هو إلى تطبيق هذه الضوابط في حالات أخرى، مثل أن يكون النقاد قد اختلفوا في الحكم على تفرد بالقبول، أو الرد، فيضطر الباحث إلى الموازنة بينهم، وكذلك في حال وقوف الباحث على تفرد لم يجد للأئمة فيه حكما، فيجتهد هو في تطبيقها.
* * *
стр. 294
الفصل الثالث
موقف المتأخرين من التفرد
стр. 295
تعد مسألة التفرد وتأثيرها على حكم الناظر في الإسناد إحدى المسائل البارزة التي خالف فيها المتأخرون ما عليه أئمة النقد، فما زال الاهتمام بالتفرد يخف شيئا فشيئا بعد الثلاثمائة، حتى استحكم جدا في الوقت الحاضر.
وقد كان هناك جهود من بعض الأئمة المتأخرين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وسد الهوة الواسعة بين المنهجين، كما تقدم في الفصل الذي قبل هذا في كلام الذهبي، وابن رجب، غير أن تأثير هذه الجهود كان محدودا، والتيار كان جارفا.
ومخالفة المتأخرين لأئمة النقد في هذه المسألة ذات شقين، الأول: البحوث والتقريرات النظرية، والثاني: التطبيق العملي.
فأما الأول فمنه قول ابن حزم: «إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي ﷺ فقد وجب الأخذ به، ولزمت طاعته والقطع به، سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه، أو رواه كذاب من الناس، وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق … » (١).
وقال أيضا: «إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره، فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه، فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلا، أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث … ، وهذه الزيادة،
стр. 296
وهذا الإسناد، هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما، أو لم يروه سواهما … » (١).
ويذكر أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتاب «الأحكام الوسطى» عن النقاد، تعليل بعض الأحاديث بأن راويها قد انفرد بها، أو لم يتابع، فيتعقبه ابن القطان في كتابه «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام»، ومن ذلك قوله ملخصا هذا الأمر: «وهناك اعتلالات أخر يعتل بها أيضا أبو محمد على طريقة المحدثين … ، فمن ذلك انفراد الثقة بالحديث، أو بزيادة فيه، وعمله فيه هو الرد -ثم ذكر أمثلة على ذلك، ثم قال-: والذي له من هذا النوع هو كثير جدا مما لم نذكر، مما هو عندنا صحيح لم يضره هذا الاعتلال … ، وإنما أقصد في هذا الباب إلى ذكر مثل مما ضعف به أحاديث ينبغي أن يقال فيها: إنها صحيحة، لضعف الاعتلال عليها، كهذا الاعتلال الذي هو الانفراد، فإنه غير ضار، إذا كان الراوي ثقة، وأصعب ما فيه الانفراد بزيادة لم يذكرها رواة الخبر الثقات، وأخفها أن يجيء بحديث لا نجده عند غيره» (٢).
وذكر ابن الصلاح في حديثه عن مصطلح (المنكر) ما نصه: «بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، فأطلق البرديجي ذلك، ولم يفصل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة،
стр. 297
أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ … » (١).
وكان ابن الصلاح قد ذكر في حديثه عن مصطلح (الشاذ) تعريف الحاكم والخليلي للشاذ، الماضي ذكرهما في الفصل الأول من هذا الباب، لكنه لم يرتض كلامهما، وقال: «بل الأمر على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط - كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره، إنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المتفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه، وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه -ثم ضرب أمثلة لذلك، ثم قال-: وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح.
ثم هو بعد دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده، استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا عن ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر … » (٢).
وكلام ابن الصلاح في تعريف الحديث (الصحيح)، و (الحسن) يدور حول ما ذكره هنا، من أن حديث الراوي الثقة يصحح، فإن خف ضبطه فهو الحديث
стр. 298
الحسن، وإن كان ضعيفا فهو الذي يضعف حديثه (١).
ومن المعلوم أن المصنفات في (مصطلح الحديث) بعد ابن الصلاح دارت في الغالب حول كتابه، إما بالشرح، أو الاختصار، أو النظم، فوافق ابن الصلاح على ما ذكره جمع غفير ممن ألف في مصطلح الحديث منذ عصره إلى وقتنا الحاضر (٢).
ويلحظ أن الثلاثة -ابن حزم، وابن القطان، وابن الصلاح- لم يخف عليهم أن أئمة النقد ربما ردوا ما ينفرد به الثقة استنكارا له، فأشار الثلاثة في معرض كلامهم إلى ذلك، لكنهم لم يرتضوه.
ولا شك أن مخالفة أئمة النقد في قضية من صميم قضايا النقد، يترتب عليها قبول أو رد ما لا يحصى من الأحاديث - أمر ليس بالهين، لا سيما بالنسبة لمن تصدى لجمع مصطلحاتهم وشرحها، ولهذا سلك أئمة آخرون مسلكا آخر في موقفهم من كلام أئمة النقد، وهو مسلك التأويل، فلجأ هؤلاء إلى تفسير النكارة الواردة في كلام النقاد على أحاديث الثقات بما لا يعارض تصحيحها وقبولها، فالنكارة معناها حينئذ على ما هي عليه في أصل اللغة: التفرد، فهي إذن وصف
стр. 299
كاشف لحال الإسناد، لا حكم عليه، فوصف الإسناد أو الحديث بأنه منكر إذا كان راويه ثقة معناه أن راويه تفرد به، وهو مع ذلك صحيح.
قال النووي تعليقا على كلام مسلم الذي شرح به معنى المنكر: «هذا الذي ذكر ﵀ هو معنى المنكر عند المحدثين - يعني به المنكر المردود، فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود، إذا كان الثقة ضابطا متقنا» (١).
وقال ابن كثير: «فإن كان الذي تفرد به عدل ضابط حافظ قبل شرعا، ولا يقال له: منكر، وإن قيل له ذلك لغة» (٢).
واعتمد ابن حجر هذا في أماكن كثيرة، وخاصة في كلامه على الرواة (٣).
وأما بعد ابن حجر فصار هذا كالأمر المسلم به، لا يناقش فيه (٤).
وقد يبدو لأول وهلة أن المسلك الثاني هو الأسلم، لأن فيه تأويلا لكلام النقاد، لا ردا له، وعند التأمل فإن المسلك الأول أسلم بلا شك، فهو نظر في كلام المتقدمين، وتقرير له على حقيقته، ثم مخالفته باجتهاد أخطأ أو أصاب، وأما
стр. 300
المسلك الثاني فهو تقييد لكلام النقاد، وقصر له على بعض أفراده، مع أن نصوصهم وأقوالهم تأباه، وذلك لأمور:
الأول: جعل النكارة في كلام النقاد على معنيين، اصطلاحي بمعنى التضعيف والرد، ولغوي بمعنى التفرد - بعيد جدا، فكلامهم كله محمول على الاصطلاح، والتفريق يحتاج إلى دليل قوي، كيف والدليل يدل على نقيضه؟ فإن كلامهم على تفرد الثقة واستنكاره يصحبه في الغالب ما يشير إلى المراد، وهو رده وتضعيفه، كما في الأمثلة السابقة في الفصلين الأول والثاني، إذ قد يسميه وهما، أو خطأ، أو يقول: لا أصل له، ونحو ذلك.
والمتأمل في إطلاقهم لفظ (النكارة)، وما تصرف منه مثل: حديث منكر، وأحاديث مناكير، واستنكر عليه، وأنكرت من حديثه، وكان فلان ينكر عليه حديث كذا، وذكرت له الحديث الفلاني فأنكره، ونحو ذلك، يدرك أن المقصود به التضعيف والرد.
ثم إن تمييز نوع النكارة في نصوص النقاد إذا قيل به، كيف يمكن ضبطه؟ إن رجع الأمر إلى درجة الراوي لم يكن للتفرد حينئذ كبير معنى، ونصوصهم تدل على أن الأمر في هذا النوع من النقد يدور عليه.
ثم إن ربطه بدرجة الراوي يجعل الأمر مضطربا، فإن الراوي متى كان فيه توثيق معتبر، فهو في حيز القبول، أمكن أن يذهب ذاهب إلى تفسير النكارة في حديث استنكر عليه بأن المقصود بها التفرد، لا التضعيف، وجوابهم عن هذا سيكون ضعفه ظاهرا.
стр. 301
الثاني: النقد بالتفرد لم يقتصر على لفظ (النكارة)، فقد استعملوا فيه مصطلحات أخرى كثيرة، كالتعبير عنه بأنه خطأ، أو لا أصل له، أو باطل، أو لم يتابع عليه، أو روى أحاديث لم يتابع عليها، ونحو ذلك، فهذه ألفاظ لا يمكن صرفها إلى معنى لغوي، فيحصل التناقض في معنى واحد، لمجرد أن النقاد عبروا عنه بألفاظ مختلفة، من باب التنويع والتفنن.
الثالث: أطلق النقاد كثيرا على حديث الثقة إذا تفرد وخالف غيره من الثقات بأنه منكر، كما تقدمت الإشارة إليه قريبا، فما المانع أن يذهب من يرى قبول زيادة الثقة مطلقا إلى تفسير النكارة ههنا أيضا على المعنى اللغوي، فإنه موجود فيها، فيسقط بهذا التضعيف بالمخالفة، وما كان جوابا عنه، فهو أيضا جواب عن حمل الاستنكار في التفرد دون مخالفة على المعنى اللغوي.
وأما الشق الثاني في مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في النظر إلى التفرد، فهو الجانب التطبيقي، أي في حال الحكم على إسناد وقع فيه تفرد، فما زال المتأخرون يبتعدون شيئا فشيئا عن منهج النقاد في هذه المسألة حتى أشرفوا في ذلك على الغاية في الوقت الحاضر، فلا أثر لرد تفرد الثقة ومن في حكمه، بل إن أكثرهم لا يبحث في ذلك أصلا، ولا يعرج عليه، مع وجود نقد الحديث الذي بين يديه من النقاد الأوائل أو من بعضهم بالتفرد، ومن يكلف نفسه بالنظر في أقوال النقاد فإنما يفعل ذلك لرده ومناقشته، كأن يقول بعد نقل كلام الناقد: كذا قال، وفلان ثقة فلا يضر تفرده، أو يقول: قال فلان: لم يتابع عليه، نعم لم يتابع عليه فكان ماذا؟ ونحو هذه العبارات.
стр. 302
وسأعرض الآن نماذج تطبيقية توضح الفرق بين منهج المتأخرين ومنهج أئمة النقد.
فمن ذلك حديث حفص بن غياث، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي … »، الماضي في الفصل الأول، فقد استنكره على حفص بن غياث جمع من النقاد، وذكروا أنه أخطأ فيه، فهذا الحديث أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، كما تقدم، وكذا توارد عدد من المشايخ المعاصرين على وصف الإسناد بأنه صحيح.
وحديث محمد بن حرب الأبرش، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «ليس من البر الصيام في السفر»، الماضي في الفصل الأول، استنكره أبو حاتم على محمد بن حرب، وقد أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، كما تقدم، وقال عنه البوصيري: «إسناد صحيح، رجاله ثقات» (١)، وكذا صححه جمع من المشايخ المعاصرين.
وحديث برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي والباب مغلق عليه، فجئت فاستفتحت … »، وهو الحديث الماضي في الفصل الثاني، وقد استنكره الجوزجاني، وأبو حاتم، على برد بن سنان، كما تقدم، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢)، وصححه بعض المشايخ المعاصرين.
стр. 303
وهذه الأحاديث الثلاثة لم يذكر من صححها من المشايخ كلام أئمة النقد، ولا عرج عليه.
وروى ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق» (١).
قال أبو زرعة الدمشقي: «قلت لأحمد: فإن ضمرة يحدث عن الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «من ملك ذا رحم محرم … »، فأنكره، ورده ردا شديدا، [وقال: لو قال رجل: هذا كذب، لم يكن مخطئا] وقال أحمد بن حنبل: بلغني أن ضمرة كان شيخا صالحا» (٢).
وقال ابن القيم: «قال الإمام أحمد عن ضمرة: إنه ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل، أحدهما هذا الحديث» (٣).
وقال الترمذي بعد أن ذكره: «لم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث».
وقال النسائي: «لا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر».
стр. 304
وعده الساجي في الأحاديث التي رواها ضمرة، وهي مناكير (١).
وقال ابن المنذر: «قد تكلم الناس في الحديثين اللذين روينا في هذا الباب، حديث ابن عمر لم يروه عن الثوري غير ضمرة، وحديث الحسن، عن سمرة، وقد تكلم فيه، وليس منهما ثابت» (٢).
وقال البيهقي: «وهم فيه راويه … ، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث (النهي عن بيع الولاء)، فقد رواه أبو عمير، عن ضمرة، عن الثوري، مع الحديث الأول».
فقد توارد هؤلاء الأئمة على استنكار الحديث وتضعيفه، لتفرد ضمرة بن ربيعة به عن سفيان الثوري، وضمرة وإن كان ثقة إلا أنه ليس من أصحاب الثوري المعروفين بكثرة الرواية عنه، ولهذا لا يذكره الأئمة عند كلامهم على أصحاب سفيان، وقد غلطوه في غير ما حديث يرويه عن سفيان الثوري (٣)، وأيضا فقد استنكر له أحاديث أخر عن غير سفيان (٤).
وقد أشار البيهقي إلى سبب وهم ضمرة في حديثنا هذا، وهو أنه دخل له حديث في حديث، لأنه كان يرويهما جميعا، ثم إن الحديث لا يعرف عن عبدالله بن دينار، وله أصحاب كثيرون، ولا عن ابن عمر، وهو المعروف أيضا بكثرة
стр. 305
أصحابه، إلا من هذا الطريق، فهذا يدل على وهم ضمرة بن ربيعة كما ذهب إليه هؤلاء النقاد، فأصبح من اليسير فهم كلمة أحمد، وقوله إن من وصف هذا الحديث بأنه كذب لم يكن مخطئا، ومراده أن الوهم فيه من الظهور بحيث يتساوى في التضعيف والرد مع حديث الكذاب.
هذا كلام أئمة النقد، وموقفهم من حديث ضمرة، ولننظر الآن في كلام بعض المتأخرين على هذا الحديث، والمهم فيه طريقتهم في رد كلام النقاد، والتهوين من شأنه، بما يظهر فيه بعدهم عن إدراك قواعد التفرد والتضعيف به التي كان النقاد يعملونها.
قال ابن حزم: «فهذا خبر صحيح، كل رواته ثقات، تقوم به الحجة، وقد تعلل فيه … بأن ضمرة انفرد به، وأخطأ فيه، فقلنا: فكان ماذا إذا انفرد به؟ … فأما دعوى أنه أخطأ فيه فباطل، لأنه دعوى بلا برهان» (١).
وقال عبدالحق الإشبيلي: «عللوا هذا الحديث بأن ضمرة تفرد به، ولم يتابع عليه، وقال بعض المتأخرين: ليس انفراد ضمرة علة فيه، لأن ضمرة ثقة، والحديث صحيح إذا أسنده ثقة، ولا يضره انفراده به … » (٢).
ونقل ابن القطان هذا عن عبدالحق، ثم قال: «وهذا هو الصواب» (٣).
стр. 306
وقال ابن التركماني متعقبا البيهقي في كلامه السابق آنفا: «ليس انفراد ضمرة به دليلا على أنه غير محفوظ، ولا يوجب ذلك علة فيه، لأنه من الثقات المأمونين … ، والحديث إذا انفرد به مثل هذا كان صحيحا، ولا يضره تفرده، فلا أدري من أين وهم في هذا الحديث راويه كما زعم البيهقي؟ … » (١).
وذكر هذا الحديث أحد المشايخ الفضلاء في كتاب له، ثم ذكر تعليل بعض النقاد له بتفرد ضمرة، وما أشار إليه البيهقي في بيانه لسبب وهم ضمرة، وأنه يروي بهذا الإسناد حديث (النهي عن بيع الولاء)، وهو المحفوظ بهذا الإسناد، ثم قال الشيخ: «هذا يدل على أن ضمرة قد حفظ الحديثين جميعا، وهو ثقة، فلا غرابة أن يروي متنين -بل وأكثر- بإسناد واحد، فالصواب أن الحديث بهذا الإسناد صحيح، وقد صححه جماعة … ».
وقال أحد الباحثين متعقبا النقاد أيضا: «أما قول النسائي: إنه حديث منكر، وقول البيهقي: وهو غير محفوظ، وقول الترمذي: … ، لم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث - ليس بسليم، لأن ضمرة ثقة، وفوق الثقة، فلا يضره التفرد بشيء لم يروه غيره، وما ذنبه إذا لم يحفظ غيره ما حفظه؟ فهل يعاقب برد ما تفرد به؟ ».
وقال باحث ثالث: «هذا الإسناد صحيح، رجاله ثقات، لكن تكلم بعض أهل العلم في حديث ابن عمر هذا، لانفراد ضمرة بن ربيعة أحد رواته به، ولم
стр. 307
يلتفت إلى ذلك آخرون، وصححوه».
ومع أن بعد المتأخرين عن منهج المتقدمين في النقد له أسباب كثيرة، تأتي الإشارة إلى شيء منها في بداية الفصل الثاني من الباب الثالث, إلا أنه يحسن هنا التنبيه على عقدة القضية في مسألة التفرد، وهو أمر سبقت الإشارة إليه، ووعدت بأن أعيد ذكره في مناسبات أخرى لأهميته، وخلاصته أن الناقد في عصر النقد يحكم على الراوي بعد النظر في حديثه، إذ قد تقدم في «الجرح والتعديل» (١) في شرح وسائل الحكم على الراوي أن هذه الوسيلة أهم الوسائل، وأكثرها استعمالا، فالحكم على الراوي فرع على النظر في حديثه، وأما المتأخر فالحكم على الحديث فرع على درجة الراوي المتقررة سابقا، فالصورة مقلوبة إذن.
فالناقد نظر في أحاديث الراوي مقارنا لها بما لديه من مخزون عظيم من أحاديث الرواة الآخرين، فما وافق فيه غيره كان لصالح الراوي، دالا على ثقته وضبطه، وما خالف فيه غيره، أو تفرد به، ينظر فيه الناقد، فما عده خطأ، أو منكرا، حكم عليه بذلك، ثم تكون الموازنة بين ما أصاب فيه، وما أخطأ فيه، فإن كان الغالب عليه الصواب، وأخطأ أو تفرد بأشياء منكرة قليلة، فهذا يوثقه الناقد، مع بقاء حكمه على ما أخطأ فيه أو استنكره عليه، لم يغيره كونه عنده ثقة، ولا يمكن أن يغيره، وإلا أدى هذا إلى الدور في الاستدلال، وإن كان الغالب عليه الخطأ والتفرد بما يستنكر ضعفه الناقد، مع بقاء حكمه عليه فيما وافق فيه
стр. 308
غيره، فيصلح للاعتبار والاعتضاد، إن لم تكن أخطاؤه فاحشة جدا، يصل بها إلى حد الترك.
ولهذا السبب يأتي عن الناقد حكمه على بعض حديث الراوي بالنكارة، أو الخطأ، قبل استكمال النظر في حال الراوي، ورب حديث استنكره النقاد، ثم اختلفوا بعد ذلك في عهدة النكارة من يتحملها؟
وقد روى عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر مرفوعا: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا».
وأنكر شعبة على عبدالملك بن عطاء هذا الحديث، وتابع شعبة على استنكاره جمع غفير من النقاد، منهم يحيى القطان، والشافعي، وأحمد، والبخاري، والنسائي، وغيرهم (١).
ونقل عن شعبة كلام حول رواية عبدالملك عن عطاء هذا الحديث، وأن عبدالملك لو روى حديثا آخر مثل هذا لترك شعبة حديثه، وفي بعض الروايات: لو روى حديثين آخرين.
стр. 309
قال ابن القيم بعد أن نقل شيئا من هذا عن شعبة، وذكر توثيق عبدالملك، محررا قول من ذهب إلى تقوية الحديث: «لم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث، وهو كلام باطل، فإنه إذا لم يضعفه إلا من أجل هذا الحديث كان ذلك دورا باطلا، فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبدالملك، فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يعلم ضعفه إلا من جهة عبدالملك، ولم يعلم ضعف عبدالملك إلا بالحديث، وهذا محال من الكلام» (١).
وهذا التقرير من ابن القيم لا يحسن أن يعول عليه، ولا اعتراض على شعبة فيما ذهب إليه، فهو متمش مع منهج النقاد كلهم، وهو المنهج الذي لا يصح غيره، وقول ابن القيم في إثبات الدور في كلام شعبة: «فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبدالملك … »، قول منتقد، فالحديث يثبت ضعفه عند النقاد بقرائن والراوي لا يزال ثقة، وإنما يضعف الراوي بتكرر وقوع هذا منه، وهو ما ألمح إليه شعبة، فإذا لم يتكرر منه بما يوجب ضعفه بقي هو على ثقته، وبقي حديثه المنكر على نكارته، وقد يعظم الخطأ الواحد في عين ناقد فيجرح به الراوي.
وقضية تأثير الخطأ والمنكر على الراوي نفسه قضية دقيقة جدا، ينظر فيها لنوع الخطأ والنكارة، ولهذا نجد في كلام النقاد أحيانا كلمات تشير إلى تفاوت النكارة، وأنها على درجات، بحسب الشيخ الذي تفرد الراوي عنه، والمتن الذي
стр. 310
يروى بذلك الإسناد، وطبقة الراوي، وغير ذلك (١) , وينظر فيها كذلك للقدر الذي يرويه الراوي من الأحاديث، ومقدار ما أخطأ فيه، وهذا يخضع لما يقف عليه الناقد من النوعين، وللاشتباه والتردد في تحميل عهدة الخطأ أحيانا.
وقد تقدم أيضا هذا في «الجرح والتعديل» (٢)، لكن أعدت التنبيه عليه هنا لأهميته، وضرورة أن تكون الصورة واضحة للباحث، من جهة العلاقة بين الراوي وحديثه، وأن الدور في الاستدلال إنما يثبت على الحقيقة بالتلازم بين درجة الراوي، وحديثه، كما يفعله المتأخرون، لأننا إذا كنا نعرف -على طريقتهم- درجة الحديث من درجة راويه لا غير، ودرجة راويه إنما عرفت أصلا من النظر في حديثه، فهذا هو الدور الحقيقي.
وأما طريقة النقاد فلا دور فيها، فالحديث له درجة عند الناقد، دون اعتبار لدرجة راويه، ودرجة الراوي ينظر فيها إلى عموم حديثه، ما أصاب وما أخطأ فيه، ونوع الخطأ الذي وقع فيه.
روى جماعة عن الحسن بن سوار، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، عن عبدالله بن حنظلة الراهب قال: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك» (٣).
стр. 311
قال أبو إسماعيل الترمذي: «سألت أحمد عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؟ قلنا: نعم» (١).
وقال أبو إسماعيل أيضا: «ألقيت على أبي عبدالله أحمد بن حنبل، فقال: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر» (٢).
وقال العقيلي: «لا يتابع الحسن بن سوار على هذا، وقد حدث أحمد بن منيع وغيره عن الحسن بن سوار هذا، عن الليث بن سعد وغيره أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فمنكر» (٣).
وسئل أحمد، عن حديث ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن ابن المنكدر، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ : «من جلس إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة»، وقيل له: رواه رجل بحلب، وحسنوا الثناء عليه، فقال: «هذا باطل» (٤).
فالحديث باطل عند أحمد، ولم يلتفت إلى الثناء على من رواه، ولم يسأل عنه من هو؟ .
وروى الهذيل بن الحكم، عن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن
стр. 312
ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «موت الغريب شهادة» (١).
والهذيل بن الحكم هذا قال فيه البخاري، وابن حبان: «منكر الحديث»، زاد ابن حبان: «جدا» (٢)، وقال العقيلي: «لا يقيم حديثه» (٣)، وأما ابن معين فإنه قواه، قال ابن الجنيد: «سألت يحيى بن معين عن الهذيل بن الحكم، فقال: قد رأيته بالبصرة، وكتبت عنه، ولم يكن به بأس، قلت: ما روى عن عبدالعزيز بن أبي رواد … ، قال يحيى: هذا حديثه الذي كان يسأل عنه، ليس هذا الحديث بشيء، هذا حديث منكر» (٤).
فهذا الحديث منكر عند الجميع، من ضعف الهذيل، ومن قواه، والذي قواه هو ابن معين، ولم يمنعه من استنكار الحديث كون المتفرد به ليس به بأس عنده (٥).
وروى عمرو بن أبي عمرو المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٦).
стр. 313
وهذا الحديث استنكره جماعة من النقاد، فنقل ابن رجب، عن أحمد قوله: «كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة»، ثم قال ابن رجب: «لكنه نسب الاضطراب إلى عكرمة، لا إلى عمرو» (١).
وقال ابن معين: «ثقة، ينكر عليه حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به»، » (٢).
وقال البخاري: «صدوق، لكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع عكرمة» (٣).
وتعلق الترمذي براويه عن عمرو بن أبي عمرو، وقد أخرجه هو من طريق عبدالعزيز الدراوردي، عن عمرو، وذكر الترمذي أن محمد بن إسحاق رواه عن عمرو، فقال فيه: «ملعون من عمل عمل قوم لوط»، ولم يذكر القتل (٤).
стр. 314
ونقل ابن حجر أن النسائي استنكر هذا الحديث (١)، ولم يذكر السبب.
فاتفق هؤلاء النقاد على ضعف الحديث ونكارته، ثم عزا أحمد ذلك إلى عكرمة، وابن معين إلى عمرو، وأراد البخاري تبرئتهما فأشار إلى أن عمرو بن أبي عمرو لم يسمع من عكرمة، فالعهدة على الواسطة الذي لم يذكر، وأما الترمذي فتعلق بمن دون عكرمة.
ومثله ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: «قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ … »، قال الترمذي: «سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه»، ثم قال الترمذي: «وهو حديث غريب من حديث الوليد بن مسلم، رواه رجل واحد من أصحاب الوليد» (٢).
فظاهر كلام الترمذي أنه يجعل العهدة على راويه عن الوليد بن مسلم، وهو عند الترمذي أبو بدر شجاع بن الوليد، وقد تقدم في الفصل الثاني عن أحمد أن الخطأ من الأوزاعي.
فيلاحظ هنا أن النقاد اتفقت كلمتهم على استنكار الحديث، ويبقى بعد ذلك أمر غير مؤثر عندهم، وهو البحث في عهدة الخطأ والنكارة.
وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» أن الناقد إذا بلغه أحاديث منكرة عن الراوي، وكان يحسن الظن به ويقويه، فزع إلى رميه بالتدليس دفاعا عنه (٣)،
стр. 315
وتقدم هنا في الفصل الرابع من الباب الأول في المبحث الخامس منه أن الناقد قد يرجح بأن هذه الأحاديث أدخلت عليه وهو لا يعلم، ولا يلجأ الناقد إلى تقوية هذه الأحاديث بمجرد كون راويها كذلك عنده، إذ هي منكرة.
ومن أمثلة ذلك أيضا في التدليس أن ابن معين كان يذهب إلى تقوية محمد بن كثير القرشي الكوفي، وأنه لا بأس به، والجمهور على أنه ضعيف منكر الحديث، وسئل عنه ابن معين مرة فقواه، فذكر له السائل حديثين مما استنكره النقاد عليه، فأشار ابن معين إلى احتمال أن يكون دلسهما، ثم قال: «وإن كان الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيما» (١).
فاستقامة حديث هذا الراوي عند ابن معين، وكونه يرى أنه لا بأس به، لم يقدم ولم يؤخر في نظر ابن معين لهذين الحديثين، فهما منكران، وبهما نسب الراوي إلى الكذب، إن كان رواهما، فهما اللذان حكما على الراوي، وليس العكس.
وبضد هذا ما حصل لابن المديني مع عبدالسلام بن حرب، فإنه وقف له أولا على منكرات، ثم وقف على باقي حديثه فرآه مستقيما، فغير رأيه فيه، والمنكرات باقية كما هي، ولهذا قصة ذكرها ابن المديني، قال: «كنت أستنكر بعض حديثه حتى نظرت في حديث من يكثر عنه، فإذا حديثه مقارب، عن مغيرة والناس، وذلك أنه كان عسرا، فكانوا يجمعون غرائبه في مكان، فكنت أنظر إليها
стр. 316
مجموعة فأستنكرها» (١).
وروى الربيع بن يحيى الأشناني، عن الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة، للرخص من غير خوف ولا سفر» (٢).
سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: «باطل عندي، هذا خطأ، لم أدخله في التصنيف، أراد: أبا الزبير، عن جابر، أو: أبا الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والخطأ من الربيع» (٣).
وأبو حاتم استنكر هذا الحديث على الربيع، لكنه احتمله منه، وقال فيه حين سئل عنه: «ثقة، ثبت» (٤).
وأما الدارقطني فرأى مثل هذا الخطأ مؤثرا، لفداحته، فقال فيه حين سئل عنه: «ليس بالقوي، يروي عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر (الجمع بين الصلاتين)، وهذا يسقط مئة ألف حديث» (٥).
وقال أبو زرعة في عمر بن عبدالله بن أبي خثعم: «واهي الحديث، حدث
стр. 317
عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث، لو كانت في خمسمئة حديث لأفسدتها» (١).
وروى مسكين بن أبي فاطمة، عن حوشب بن عقيل، عن الحسن، عن أبي أمامة, عن النبي ﷺ قال: «إن الغسل يوم الجمعة ليستل الخطايا من أصول الشعر استلالا» (٢).
قال أبو حاتم في نقده لهذه الرواية: «هذا منكر، الحسن، عن أبي أمامة، لا يجيء، وَوَهَن أمر مسكين عندي بهذا الحديث» (٣).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة، عن النبي ﷺ : «من صلى الصلوات الخمس، فأتم ركوعها، وسجودها، كان له عند الله عهد أن لا يعذبه».
قال أبي: سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن … ، حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … ، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (٤).
стр. 318
فالحديث إذن منكر عند أبي حاتم، بغض النظر عن درجة راويه، قبل أن يطلع أبو حاتم على علته، وبعد أن اطلع عليها (١).
والخلاصة أنه لا علاقة بين كون الراوي ثقة، وبين نكارة حديثه، ولا بين النكارة وتبين مصدر الغلط ، بل قد يكون وضوح سبب الغلط مخففا للنكارة، كما تقدم شرحه.
ومما يؤكد ما تقدم -وهو أن درجة الحديث لا تؤخذ من حال راويه فقط- أن رواية الراوي قد تكون صحيحة في نفسها، وإن كان راويها ليس في درجة من يحكم لروايته بذلك، كما قال أبو حاتم في أحمد بن إبراهيم الخراساني: «شيخ مجهول، والحديث الذي رواه صحيح» (٢).
стр. 319
وقال ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن المنذر القزاز: «سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وعرضت عليه حديثه، فقال: حديث صحيح» (١).
وكان من المفترض أن يكون عمل المتأخر ينصب على تأييد أقوال النقاد، وتكميله، كأن يستنكر الناقد حديثا، دون أن يذكر السبب، فيجتهد المتأخر في توجيهه، وبيان سبب النكارة، أو يختلف النقاد في سبب النكارة، وتحميل الخطأ، فيجتهد في الموازنة بين أقوالهم، واستبعاد ما يظهر كونه مرجوحا.
فالاختلاف في عهدة النكارة في حديث (اللواط) الآنف الذكر يمكن للباحث أن يستبعد من الاحتمالات ما ذهب إليه الترمذي، فإن الحديث قد رواه جماعة عن عمرو بن أبي عمرو غير الدراوردي.
وكذلك حديث أبي هريرة: «متى كنت نبيا؟ … »، لم يتفرد به شجاع بن الوليد، فقد رواه جماعة غيره عن الوليد بن مسلم.
وروى المعافى بن عمران، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يلملم» (٢).
стр. 320
فهذا الحديث استنكره جماعة من النقاد، فجعل أحمد عهدة النكارة على أفلح بن حميد، قال أبو داود: «قلت لأحمد: أفلح بن حميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثا منكرا، حديث المواقيت، قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة» (١).
وقد استنكر عليه أحمد غير هذا الحديث أيضا، قال أبو داود: «كان أحمد تكلم فيه، وسمعت أحمد يقول: لم يحدث عنه يحيى، وروى أفلح حديثين منكرين: «أن النبي ﷺ أشعر»، و «حدَّد لأهل العراق ذات عرق» (٢).
وروى ابن صاعد حديث المواقيت من طريقه، ثم قال: «كان أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد، فقيل له: يروي عنه غير المعافى؟ فقال: المعافى بن عمران ثقة» (٣).
وفي السؤال الموجه لأحمد عن ثبوت الحديث عنه ما يشير إلى احتمال أن تكون النكارة من الراوي عنه: المعافى بن عمران، وقد أشار إلى ذلك ابن عدي،