← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة نقد المرويات (٣) مقارنة المرويات بقلم إبراهيم بن عبد الله اللاحم الجزء الأول مؤسسة الريان ناشرون

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

مقارنة المرويات

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

стр. 5

مقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: فهذا هو القسم الثالث من سلسلة نقد المرويات: (مقارنة المرويات)، يصدر الآن في جزأين، يتضمنان ثلاثة أبواب، الباب الأول للمسائل المتعلقة بأهمية جمع الطرق، ومصادرها، وكيف يرتبها الباحث، والتعريف ببعض ما يمر بالباحث من مصطلحات، وإلمامة سريعة بوسائل النقد في عصر الرواية، وهذه كلها مقدمات لا بد أن يدركها الباحث، ويحسن التعامل معها. ثم بعد ذلك في الباب الثاني القضايا المتعلقة بتفرد الراوي بالحديث، وفي الباب الثالث -وهو أطولها- قضايا الاختلاف، وعلل الأحاديث. سرت في هذا القسم على الطريقة السابقة في القسمين الأولين: التعرض لأكبر قدر ممكن من قضايا النقد، والإكثار من ضرب الأمثلة في القضية المعينة، وذكر ما يقع من مخالفات للمنهج الصحيح في النقد في مناسبات ذلك، والحرص على ربط مسائل هذا العلم بعضها ببعض. وقد سألني بعض الإخوان ممن قرأ الكتابين الأولين «الجرح والتعديل»، و «الاتصال والانقطاع»، عن منهج تخريج الأحاديث في هذه السلسلة، فبعض الأحاديث يطول تخريجها، وبعضها يقصر، ثم قد يوجد الحديث في مصادر عالية وقد ذكر في التخريج ما هو دونها ولم تذكر، فأحببت أن أوضح ذلك للقارئ. فمنهج التخريج -باختصار- يرتكز على الاكتفاء بتخريج الحديث في

стр. 6

قضيته المقصودة عند ذكره، ولا يزاد عليها، فإذا كان المقصود طرق الحديث عن أحد رواته -مثلا-، كان التخريج لهذه الطرق فقط دون ما عداها. يضاف إلى ذلك أن هذه الطرق إن كانت في شيء من الكتب الستة و «مسند أحمد»، فيكتفى بها، ولا يزاد عليها، مع الالتزام باستيعاب التخريج منها، وإن كان هناك طرق يحتاج إليها غير موجودة في هذه المصادر السبعة، يكون الخروج إلى غيرها من المصادر، وأذكر منها حينئذ ما يفي بالحاجة. وعلى هذا فرب حديث في تخريجه مصادر نازلة، كالطبراني، والبيهقي، ونحوهما، مع أن الحديث موجود في مصادر عالية، مثل «مصنف عبدالرزاق»، و «مصنف ابن أبي شيبة»، و «مسند الحميدي»، وغيرها، والسبب هو ما ذكرته، أن ما في هذه المصادر من طرق موجود في الكتب الستة و «مسند أحمد»، فيكتفى بها، وما في المصادر النازلة غير موجود في هذه المصادر السبعة، فتضاف حينئذ. وبهذين الضابطين في منهج التخريج أمكن تفادي إطالة الحواشي، فبها يتضخم الكتاب، وربما ضاع الغرض من التخريج، فعلى القارئ أن ينتبه لهذا حين يريد الاستفادة من التخريج. وأود هنا أن أقدم شكري الجزيل للأخوين الفاضلين محمد بن صالح الدباسي، ومحمد بن عبدالله السريِّع، فقد تفضلا بقراءة هذا القسم، وتصحيحه بعد طباعته، ولفتا نظري إلى أشياء مهمة. كما أشكر الباحثة الفاضلة الدكتورة سارة بنت عزيز الشهري، فقد كانت

стр. 7

لها يد خفية في إعداد هذا القسم، وقصة ذلك أنها أحسنت الظن بي، فطلبت أن أكون مشرفا على رسالتها للدكتوراه، وموضوعها: «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» جزء من أول الكتاب، فكان في ذلك فائدة كبيرة بالنسبة لي، فقد طورت بحرصها وجدها طريقة الإشراف على الرسائل لدي في جوانب كثيرة. وأيضا -وهو المقصود هنا- استفدت من أسئلتها ومباحثاتها معي في إعداد هذا القسم، فكنت أتلمس فيما تسأل عنه وتناقش فيه حاجة الباحث الناظر في طرق الأحاديث والمقارنة بينها، فأضفت قضايا لم تكن موجودة، وأعدت ترتيب بعض القضايا وموضعها في الكتاب. ثم إنني تلقيت من كثير من الإخوان بعض الملاحظات على الكتابين الأولين، فلهم مني شكري وتقديري، وآمل أن أتلقى منهم ومن غيرهم ما أسدد به هذا الكتاب أيضا، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه. أسأل الله تعالى للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. كتبه إبراهيم بن عبدالله اللاحم

стр. 8

تمهيد يقصد بمقارنة المرويات: عرض المرويات بعضها على بعض، والتأمل فيها، وتمييز ما يتفق منها وما يختلف، بغرض الوصول إلى رأي راجح في المتن المروي عنه ﷺ ، هل يصح ويثبت عنه، أو لا؟ . وتتضمن هذه المقارنة وهذا العرض: النظر في طرق الحديث الواحد، وشواهده، وما في الباب من أحاديث أخرى معارضة له، وما يروى عن أحد رواته مما يعارضه ويخالفه، والنظر كذلك في معارضة القرآن له أو موافقته، وأشياء أخرى غير هذه. وما ينقل عن غيره ﷺ من الصحابة والتابعين, وكذلك الحوادث التاريخية, يطبق عليه هذا المنهج في الجملة، مع اختلاف الأصول التي يحاكم إليها النص موضع الدراسة. والمتأمل في عمل أئمة النقد يرى بوضوح أن نقد المرويات بجميع أبوابه وقضاياه قائم على العرض والمقارنة، فما تقدم في الجرح والتعديل، وفي اتصال الإسناد وانقطاعه، أمكن الوصول إليه بهذه الطريقة، أي أن وضع الراوي في درجته اللائقة به، ومعرفة سماعه ممن فوقه، استخدم النقاد في الوصول إليه مقارنة مروياته فيما بينها، ومقارنة مروياته بمرويات غيره، لكن الذي ظهر لنا هو نتائج تلك المقارنة، وإدراك ذلك له أثره في نقد المرويات بالنسبة للمتأخر، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه القضية في أماكن من القسمين السابقين، وتأتي

стр. 9

الإشارة إليها أيضا، فهي قضية في غاية الأهمية، يحسن التأكيد عليها في كل مناسبة. والباحث هناك لا يقوم بمقارنة المرويات للوصول إلى درجة الراوي، ولا إلى سماعه ممن يروي عنه، إلا في النادر جدا، لكونه قد كفي هذا الأمر، ووصلته أحكام جاهزة مبنية على تلك المقارنة. أما الآن فالوضع مختلف، فالباحث ليس بصدد معرفة درجة الراوي بصفة عامة، ولا معرفة سماعه ممن فوقه، وإنما غرضه الآن أدق من ذلك، وهو الوصول إلى نتيجة راجحة في حديث الراوي الذي بين يديه بخصوصه، إذ النتيجة هذه لا تتوقف على معرفة رتبة الراوي، وسماعه ممن فوقه، وإنما تتوقف كذلك على النظر في حديثه هذا هل أصاب فيه أو أخطأ؟ وإذا كان قد أصاب فيه فما درجة هذا الحديث؟ وإذا كان قد أخطأ فيه فما درجة هذا الخطأ؟ . وعقدة المسألة ترجع إلى أمر في غاية الأهمية، إذا لم يتصوره الباحث ولم يدركه فليدع النقد، وليعلم أنه وقع في هوة تتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وهذا الأمر هو أن الأحكام التي أطلقها النقاد على الرواة وعلى سماع بعضهم من بعض، هي أحكام مجملة، لا مانع من وجود ما يخالفها في تفاصيل أحاديث الرواة حديثا حديثا، فالنقاد يوثقون الرواة مع تجويز الخطأ عليهم، بل والنص عليه، فليس هناك أحد معصوم من الخطأ، ويضعفون الرواة، مع تجويز أن يكونوا قد حفظوا بعض حديثهم، وليس هناك من سبيل إلى معرفة الحديث الذي بين يدي الباحث هل هو مما أصاب فيه أو مما أخطأ فيه، إلا بالنظر فيه، والقيام بالمقارنة المشار إليها.

стр. 10

والأمر كذلك بالنسبة للاتصال والانقطاع، فلا يكفي معرفة سماع الراوي ممن فوقه، بل لا بد أن يترجح سماعه ذلك الحديث بعينه منه. واتضح مما تقدم أن الغرض من المقارنة، والبحث عن طرق وروايات أخرى للحديث، ليس تقوية الحديث فقط، كما هو مترسخ في أذهان كثير من الباحثين، فيرددون في مقدمات بحوثهم العبارة التالية أو نحوها: فإن كان الإسناد صحيحا اكتفيت به، وإن كان حسنا أو ضعيفا بحثت له عن متابعات وشواهد لتقويته، فهذه عبارة تومئ إلى خلل في منهج البحث، إذ لا يصح أصلا أن يكون غرض الباحث هو التفتيش عما يرفع الضعف، ويجبره، فإن هذه تعد نتيجة قصدها الباحث، كان لها أثرها في حرص كثير من الباحثين على رفع درجة الحديث بالمتابعات والشواهد، فوق أنها تومئ إلى فهم ناقص للغرض الذي من أجله نحتاج إلى جمع الطرق والشواهد، وأحاديث الباب، يضاف إلى ذلك إغفالها أمورا أخرى لا بد من عرض الحديث عليها. فالباحث إذن وهو يجمع طرق الحديث وشواهده، وما يلزم النظر فيه، لا يصح أن يكون غرضه محددا، فغرضه الصحيح هو انتظار النتيجة المناسبة في النهاية، وليس البحث عنها، ولو كان هناك نتيجة يصح البحث عنها مسبقا لكانت بضد ما في أذهان هؤلاء الباحثين، ألا وهي البحث عما يضعف الحديث، لأسباب ليس هذا موضع شرحها، ويهمنا منها هنا كلام أئمة النقد، كما في قول عبدالرحمن بن مهدي: «لأن أعرف علة حديث هو عندي، أحب إلي من أن

стр. 11

أكتب حديثا ليس عندي» (١). وفي لفظ له: «لأن أعرف علة حديث هو عندي، أحب إلي من أكتب عشرين حديثا ليس عندي» (٢). ولهذا السبب استحب أئمة النقد الإكثار من كتابة الحديث، وكتابة الجميع دون انتقاء وانتخاب، مسند الحديث، ومرسله، مرفوعه وموقوفه، ومقطوعه، وأحاديث الضعفاء، ليعرض بعضه على بعض، فيتبين الصواب من الخطأ. قال ابن المبارك: «ما جاء من منتقٍ -يعني منتقي الحديث- خير قط» (٣). وقال أيضا: «ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت» (٤). وقال أيضا: «إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض» (٥). وروى الميموني، قال: «تعجب إلي أبو عبدالله -يعني أحمد بن حنبل- ممن يكتب الإسناد، ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا وأكبر، قلت: بينه لي، كيف؟ قال: يكتب الإسناد متصلا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادا منه، وهو يرفعه ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم

стр. 12

أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ﷺ ، معناه: لو كتب الإسنادين جميعا عرف المتصل من المنقطع، يعني ضعف ذا، وقوة ذا» (١). ومراده أن الحديث الواحد يختلف على أحد رواته، فيروى عنه مرة متصلا، ومرة منقطعا، وقد يكون المنقطع أقوى إسنادا إليه، فإذا لم يكتب الإسناد المنقطع وكتب المتصل فقط لم تتبين هذه العلة. وذكر أحمد بعض قرنائه في الطلب، ومتى عرفهم، فذكر إسحاق بن راهويه، فقال: «عند عبدالرزاق، وكان ربما انتخب الكتب، ثم أعود أنا فأكتب ما تركه» (٢). وقال يحيى بن معين: «اكتب الحديث خمسين مرة، فإن له آفات كثيرة» (٣). وقال أيضا: «لو لم نكتب الشيء من ثلاثين وجها ما عقلناه» (٤). وقال أيضا: «من لم يكتب حديث معاوية بن سلام مسنده ومنقطعه فليس هو صاحب حديث» (٥). وقال ابن المديني: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين لك خطؤه» (٦). وهكذا يقال في فهم الحديث والاستنباط منه، هو بحاجة إلى جمع طرقه

стр. 13

ورواياته، كما قال أحمد: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا» (١). والأصل عندهم هو الكتابة عن الراوي جميع ما عنده، ويسمونه الكتابة على الاستيعاب، أو على الوجه، أو على الولاء، وهو بضد الانتخاب والانتقاء، وإنما يحسن الانتخاب والانتقاء في مواضع، وقد لخص الخطيب البغدادي ذلك بقوله: «إذا كان المحدث مكثرا، وفي الرواية متعسرا، فينبغي للطالب أن ينتقي حديثه، وينتخبه، فيكتب عنه ما لا يجده عند غيره، ويتجنب المعاد من رواياته، وهذا حكم الواردين من الغرباء، الذين لا يمكنهم طول الإقامة والثواء. وأما من لم يتميز للطالب معاد حديثه من غيره، وما يشارك في روايته مما يتفرد به، فالأولى أن يكتب حديثه على الاستيعاب، دون الانتقاء والانتخاب» (٢). واليوم قد ذهب عصر الكتابة والحفظ، ولم يبق إلا البديل عنه، وهو التفتيش عن الطرق والروايات، وأحاديث الباب الموافقة والمخالفة، والنظر فيها، ثم عرض الحديث على أصول أخرى غير الحديث، وهذه القضايا لها وسائل لتحقيقها، ولها أيضا قواعد يسير عليها الباحث. وأبواب هذا الكتاب بفصولها الغرض منها شرح كيفية جمع الطرق، وأحاديث الباب، وكيفية عرض المرويات ومقارنتها، وما يحكم ذلك من قواعد

стр. 14

وضوابط، حرصت فيها على الإكثار من الأمثلة التطبيقية لكل قضية أتناولها، تكون مفتاحا لطالب العلم، ينطلق منها إلى التطبيق على أمثلة أخرى قد تمر به في بحوثه، فإن مجرد التنظير وشرح القواعد والضوابط غير كاف أبدا، فلا بد -بعد معرفتها- من طول الممارسة، والصبر، والأناة، لتتكون لدى الباحث ملكة يستطيع بها معرفة اختلاف الأسانيد واتفاقها، ثم كيفية عرض هذه الأسانيد وهذه الطرق للقارئ، مع فهم كلام النقاد حولها، وحسن الاستدلال به في موضعه، فإن نقد المرويات ذوق يرزقه الشخص إذا أخذ بأسبابه، وهو الذي كان النقاد يعبرون عنه بأنه إلهام أو كهانة (١)، ويقصدون به أنه مجموعة من المعارف يتم توظيفها في لحظة معينة، للحكم على حديث، وغير المشارك لهم في هذه المعارف لا يتقبل ذهنه ما يصدر عنهم من أحكام، أو ما يسيرون عليه من قواعد. فالمطلوب إذن من الناقد للسنة في العصور المتأخرة هو النظر في الطرق، وكثرة الممارسة، وإدمان القراءة في كتب النقاد، ليستطيع مشاركة النقاد في هذا العلم، بالقدر الذي تؤدي إليه الأسباب الممكنة، وهو -كما تقدم- إدراك الاتفاق والاختلاف في الأسانيد، وتشعبها، وعرض الروايات بعضها على بعض، وحسن عرض ذلك وتلخيصه عند الحاجة، مع فهم كلام النقاد، وعدم النفرة منه، ووضعه في مكانه المناسب له، وترتيبه، وشرحه، والاستدلال له، وقد يحتاج الباحث إلى تطبيق قواعدهم وما يسيرون عليه في مواقف لم يجد لهم فيها

стр. 15

كلاما، مع الحذر الشديد، ومزيد اليقظة والانتباه. قال الخطيب البغدادي: «أشبه الأشياء بعلم الحديث: معرفة الصرف، ونقد الدنانير والدراهم، فإنه لا يعرف جودة الدينار والدرهم بلون، ولا مَسٍّ، ولا طراوة، ولا دنس، ولا نقش، ولا صفة تعود إلى صغر أو كبر، ولا إلى ضيق أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف البهرج والزائف، والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب، بعد طول الممارسة له، والاعتناء به» (١). وقال ابن رجب: «لا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه، كأحمد، وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة - صلح له أن يتكلم فيه» (٢). وقال السخاوي: «الله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا، تفرغوا وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم، وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك -إن شاء الله- معرفة السنن

стр. 16

النبوية، ولا قوة إلا بالله» (١). والغرض من هذه النقول هنا التأكيد على طول الممارسة، وكثرة المطالعة في كتب النقاد الأوائل، ليستطيع فهم كلامهم، وعدم إنكاره، والسير على طريقتهم. وسيأتي في مناسبات عديدة مزيد تأكيد على هذه القضية، وبيان القدر الذي يشارك الباحث فيه أئمة النقد. * * *

стр. 17

الباب الأول مقدمات في مقارنة المرويات وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: مصادر طرق الأحاديث واختلافها كثرة وقلة. الفصل الثاني: مصطلحات في مقارنة المرويات. الفصل الثالث: الرسم التوضيحي لأسانيد الحديث. الفصل الرابع: النقد في عصر الرواية.

стр. 18

الفصل الأول مصادر طرق الأحاديث واختلافها كثرة وقلة وفيه مبحثان: المبحث الأول: مصادر طرق الأحاديث. المبحث الثاني: كثرة طرق الأحاديث وقلتها.

стр. 19

المبحث الأول مصادر طرق الأحاديث أول ما يذكر في مصادر طرق الأحاديث كتب الرواية الجامعة، وهي التي تعرف بأمّات كتب السنة، مثل الصحاح، والجوامع، والمصنفات، والسنن، والمسانيد، والمستخرجات، وما ألف على شاكلة هذه الكتب تحت مسميات أخر، مثل كتاب الطحاوي «شرح مشكل الآثار»، وكتاب الطبري «تهذيب الآثار»، وغيرها، فهذه كتب ألفت بقصد جمع السنة النبوية، وفق منهج كل مؤلف، وغرضه من تأليف كتابه، فهي إذن المصدر الأساس لطرق الأحاديث. ويلتحق بهذه الكتب ما ألفه أئمة الحديث على طريقة الإفراد، أي إفراد موضوع معين بالتأليف، ومن أمثلة هذا النوع من المؤلفات: «الصلاة» لأبي نعيم، و «الزهد» لوكيع، ولهناد بن السري، ولأحمد، و «فضائل الصحابة» لأحمد، و «الأدب المفرد»، و «جزء القراءة خلف الإمام» للبخاري، و «الشمائل المحمدية» للترمذي، و «خصائص علي» للنسائي، و «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي، و «الأموال» لأبي عبيد، ولابن زنجويه، و «الطهور» لأبي عبيد، و «الدعاء» للطبراني، وكتب ورسائل ابن أبي الدنيا، وغير ذلك كثير جدا. ويتميز هذا النوع من المؤلفات بكثرة الأحاديث ووفرة طرقها، خاصة منها ما كان موضوع الكتاب فيه ضيقا، إذ المجال رحب للمؤلف ليسوق من الطرق ما يريد، لا سيما إذا تخفف من شرطه, فكتاب (الأدب) في «صحيح البخاري»،

стр. 20

لا يقارن عدد الأحاديث وطرقها فيه بما في كتابه الآخر «الأدب المفرد»، لأن الأول في ضمن كتاب شامل للأدب وغيره، مع نزول شرطه في «الأدب المفرد»، وهكذا كتابه الآخر «جزء القراءة خلف الإمام» فيه من الأحاديث وطرقها ما يفوق بكثير ما في كتابه «الصحيح» مما يتعلق بهذه المسألة. وهكذا يقال فيما ألف في هذا العصر -عصر الرواية- من الأجزاء الحديثية التي تجمع أحاديث صحابي واحد، أو راو واحد من رواة الحديث، أو ما ينفرد به راو، أو جمع طرق حديث معين، ونحو ذلك. ومن مصادر الطرق أيضا ما ألف في عصر الرواية مما له صلة بعلوم أخرى، كالتفسير، والفقه، والعقائد، والتاريخ، والأدب، وغير ذلك. ففي التفسير يذكر «تفسير الطبري»، و «تفسير ابن أبي حاتم»، و «تفسير سعيد بن منصور». وفي الفقه مثل كتاب «الحجة على أهل المدينة» لمحمد بن الحسن، و «الأم» للشافعي، و «الأوسط» لابن المنذر، و «شرح معاني الآثار» للطحاوي، وغيرها. وفي العقائد مثل «الشريعة» للآجري، و «السنة» لعبدالله بن أحمد، و «التوحيد» لابن خزيمة، و «الإيمان» لابن منده، و «الأسماء والصفات» للبيهقي، وغيرها. وفي التاريخ مثل «سيرة ابن إسحاق»، و «طبقات ابن سعد»، و «تاريخ الطبري».

стр. 21

ومن مصادر الطرق أيضا ما ألف بغرض نقد الراوي أو المروي، ويشمل ذلك شريحة واسعة جدا من الكتب، ابتداء من الكتب الأولى التي كان فيها نقد الراوي والمروي مختلطا، مثل «سؤالات أبي داود لأحمد»، و «مسائل أبي داود عن أحمد»، و «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية عبدالله، ورواية المروذي، و «تاريخ الدوري عن ابن معين»، و «سؤالات ابن الجنيد لابن معين». ثم الكتب المخصصة لنقد المرويات، وهي التي عرفت بكتب العلل، مثل «علل ابن المديني»، و «علل الترمذي الكبير»، و «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني». والكتب المخصصة للرواة أنفسهم، مثل «التاريخ الكبير»، و «التاريخ الأوسط» وهما للبخاري، و «الضعفاء» للعقيلي، و «الكامل» لابن عدي، و «المجروحين» لابن حبان. ويدخل في هذه الكتب تواريخ البلدان، مثل «تاريخ واسط» لبحشل، و «تاريخ جرجان» للسهمي، و «تاريخ أصبهان» لأبي نعيم، و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي. ويدخل فيها أيضا معاجم الشيوخ، مثل «معجم شيوخ الإسماعيلي»، و «المعجم الأوسط»، و «المعجم الصغير» للطبراني، وغيرها. وخلاصة ما تقدم أن كل كتاب مما ألف في عصر الرواية فهو مصدر أصيل، يحتاجه الباحث، لا غنى له عنه.

стр. 22

ثم نأتي إلى المصادر الفرعية, وهي التي ألفت بعد عصر الرواية ، أي بعد أن تحولت الرواية إلى رواية مصنفات من تقدم، وهي مصادر واسعة جدا، مثل كتب ابن الجوزي، وابن عساكر، وعبدالغني المقدسي، وابن تيمية، والذهبي، وابن القيم، وابن كثير، وابن رجب، والعراقي، وابن الملقن، وابن حجر، سواء ما كان منها يروي فيه مؤلفه أحاديثه بالأسانيد, أو مما حذفت أسانيده. فهذا النوع من المصادر هو أيضا مورد معين لطرق الأحاديث، يحتاجه الباحث، لا يستغني عنه، فقد حفظت هذه المصادر كثيرا من الأسانيد التي فقدت مصادرها الأصلية، فكتاب «المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر حفظ أسانيد كثيرة لمسانيد مفقودة الآن، مثل «مسند مسدد»، و «مسند العدني». ثم هناك جانب آخر مهم جدا يبرز أهمية هذه المصادر البديلة، وهي أنها تارة تكون نسخا أخرى لمصادر أصلية وصلت إلينا، فيوجد فيها أسانيد ليست في المصادر الأصلية, كما يستفاد منها حين يكون هناك إشكال في أسانيد الأحاديث أو متونها، فكم من إسناد في مصدر أصلي تم تصويبه من «تحفة الأشراف» للمزي، أو من «إتحاف المهرة» لابن حجر. وفي الكلام على مصادر الأحاديث وطرقها أنبه على عدد من الأمور: الأول: يتساءل كثير من الباحثين عن الطريقة المثلى للوصول إلى طرق الأحاديث في مصادرها، والتأكد من أن الباحث لم يفته شيء منها.

стр. 23

والإجابة عن هذا التساؤل قد تبدو ظاهرة في الوقت الحاضر، فالحاسب الآلي قد تكفل بذلك كله، خاصة بعد التوسع في إدراج المصادر المفهرسة، وشمولها للمخطوطات أيضا، فقد قضى الحاسب الآلي ببرامجه المتنوعة على الطرق القديمة، مثل «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي»، و «مفتاح كنوز السنة»، و «تحفة الأشراف»، وغيرها من كتب الفهرسة. وهذه الإجابة لا إشكال فيها، فلا أحد ينكر الثمرة التي جناها الباحثون من الحاسب الآلي وبرامجه، فاختصرت الوقت والجهد، ولا زالت الجهود مستمرة لإخراج برامج أكثر دقة وأوسع نطاقا. وفي رأيي أن الباحث مع وجود هذه الخدمة لا يستغني عن الجرد المباشر للمصادر، فالبحث عن الطرق يختلف اختلافا جذريا عن مجرد تخريج متن حديث، فطرق الأحاديث ربما ذكرت في بعض المصادر دون ذكر متنها، أو مع ذكر طرف من المتن قد لا يكون هو الذي مع الباحث، وربما اعتاض المؤلف أو السائل عن سرد المتن بذكر موضوع الحديث، وقد يأتي الطريق في أثناء طرق حديث آخر، يشير إليه المؤلف لغرض استوجب ذلك. وكل هذا موجب -فيما أرى- لقيام الباحث بالجرد المباشر للمصادر، خاصة ما كان منها ليس المقصود منه الرواية كالسؤالات، وكتب العلل، وكتب النقد بصفة عامة. ثم ههنا أمر آخر، وهو أن برامج الحاسب الآلي قد تكون خالية من حواشي

стр. 24

الكتب، وفي هذه الحواشي فوائد يحتاجها الباحث، ومنها ما يتعلق بجمع الطرق، فيكون المحقق قد قام بتخريج الحديث، وذكر شيئا من مصادر طرقه، وقد ينبه المحقق على أشياء في نسخ الكتاب المخطوطة هي من غرض الباحث. ومما يجدر ذكره هنا في وسائل جمع طرق الحديث تلك الجهود العظيمة التي قام بها عدد من الباحثين في رسائلهم العلمية، للماجستير، أو للدكتوراه، خاصة ما كان منها يستلزم التوسع في جمع الطرق، وهي التي يكون موضوعها أحاديث معللة، فهي -بلا جدال- وسيلة هامة بالنسبة للباحث، تساعده في سرعة إنجاز عمله، وفي توسعه في جمع الطرق. ومما ينبه عليه الباحث المتخصص في السنة النبوية أن يدرك تمام الإدراك أن أي وسيلة يستخدمها تساعده في الوصول إلى طرق الأحاديث في مصادرها لا ينبغي أن تتجاوز كونها وسيلة توصله إلى مقصوده، فإذا أوصلته انتهى المطلوب منها، وبقي عليه جهده في تأمل ما في المصدر، فلا يقلد تلك الوسيلة في شيء مما يتعلق بالنظر في الحديث، لا في إسناده، ولا في متنه، فالباحث هو المسؤول الأول عن كل شيء يثبته في بحثه، ومن دله على موضع طريق لحديثه وقفت مهمته عند هذا الحد. والوسائل قد تخطئ في عزو طريق، أو في صفته، أو في صلته بالحديث، وغير ذلك، فلا حجة للباحث إذا قلدها، وعليه أن يستحضر أن توافر وسائل الدلالة على مواضع الطرق وإن كان قد اختصر الوقت والجهد، لكنه أضاف

стр. 25

أعباء كثيرة على الباحثين، فالوصول إلى المعلومة جزء أولي من مهمة الباحث، والجهد الأكبر هو في التعامل مع هذه المعلومة، وسهولة الوصول إلى طرق الأحاديث وسع جدا من دائرة نظر الباحث، وزاد من أعبائه، فالتعامل مع طرق الأحاديث -قبل النظر فيها من جهة قواعد الحكم على الحديث- هو بحد ذاته فن يحتاج إلى دربة ومران، وسيأتي لذلك فصل خاص به، وهو الفصل الثالث من هذا الباب. ثم على الباحث أن يستحضر أيضا سعة مصادر طرق الأحاديث وتنوعها، فمن المحتمل جدا أن يفوت الباحث شيء من أسانيد حديثه، رغم وجود ذلك فيما وصل إلينا من كتب ومؤلفات، فعليه أولا أن يلتمس العذر لغيره ممن فاته شيء من ذلك، ثم هو يكون سريع الاستحضار لأحاديثه التي يبحث فيها، فإذا وقف على طريق -ولو بعد حين- ألحقه بمكانه، واستفاد منه، فهكذا كان نقاد المرويات، يسير نقدها في عروقهم، وهي شغلهم الشاغل، كما قال علي بن المديني: «ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة» (١). الأمر الثاني: تبين من عرض مصادر طرق الأحاديث سعة دائرة هذه المصادر، وتنوعها، بما لا يمكن الإحاطة به، فإذا ضممنا إلى ذلك حال هذه المصادر، من جهة روايتها عن مؤلفيها، وأن الكتاب الواحد مثل «صحيح البخاري»، و «سنن أبي داود»، و «سنن النسائي الكبرى»، يكون له عدة روايات عن مؤلفه.

стр. 26

ثم هذه الروايات مَرَّ عليها عصور متعاقبة، فصار لكل منها في بعض الأحيان فروع من الروايات، ولكل فرع نسخ متعددة. وضممنا إلى ذلك كله حفظ هذه المصادر إلى زماننا هذا، أو فقدانها، ثم تنوع الموجود منها ما بين مخطوط ومطبوع، وتعدد طبعات الكتاب الواحد أحيانا، ومنها الطبعة الجيدة المحققة، والطبعة الرديئة. إذا عرفنا ذلك كله -وغيره مما يتعلق بهذه المصادر- أدركنا بسهولة أن أحوال هذه المصادر من الجهات المتقدم ذكرها قد شكل علما مستقلا برأسه، يتفاوت فيه الباحثون جدا، فنحن بأمَسِّ الحاجة إلى من يولي عنايته هذا الأمر، ويخصص فيه قراءاته وبحوثه، ويكون فيه مرجعا للباحثين. وأكثر من ذلك أن بعض مصادر السنة يمكن أن تحتمل من يتخصص فيها، فلو أخذنا -مثلا- «صحيح البخاري»، أو «موطأ مالك»، أو «سنن أبي داود» لرأينا ما يتعلق به من الجهات المتقدمة ما يحتمل أن يتوجه له بعض الباحثين، ويتخصص فيه. ولا شك أن هناك جهودا قد بذلت لحصر مطبوعات المصادر والمؤلفات في السنة النبوية، وصدرت كتب في ذلك، كما أن هناك بعض الفضلاء من الباحثين له اهتمام بالمصادر، وما يتعلق بها من أحوال، غير أن الحاجة -فيما أرى- فوق ذلك بكثير، وفي الأقسام العلمية في الجامعات -وهذا مما يؤسف له- عزوف عن التوجه إلى هذا النوع من البحوث.

стр. 27

الأمر الثالث: من مصادر المرويات -وهذا قليل- ما لا يصح عمن نسب إليه، وقد تصح نسبته إليه لكنه في نفسه متهم بالكذب، مثل «المسند» المنسوب للإمام زيد بن علي، فراويه عن زيد هو عمرو بن خالد الكوفي الواسطي، وهو متروك يضع الحديث، أطبق أئمة النقد على تكذيبه، ومما قيل فيه قول وكيع: «كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول إلى واسط» (١)، وقال أحمد: «كذاب، يروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب» (٢). و«مغازي الواقدي»، فالواقدي نفسه -واسمه محمد بن عمر- أخباري مشهور، وهو متروك الحديث عند أئمة النقد، وصرح بعضهم بأنه يضع الحديث. و«مسند الربيع بن حبيب»، والربيع هذا نكرة لا يعرف. و«المجالسة» للدينوري، وهو كتاب كبير جدا، ومؤلفه أحمد بن مروان الدينوري المالكي، وثقه مسلمة بن قاسم، وأما الدارقطني فقال فيه: «هو عندي ممن كان يضع الحديث» (٣). و«تنوير المقباس من تفسير ابن عباس»، هو من رواية صالح بن محمد الترمذي، عن محمد بن مروان السدي، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، والثلاثة الأولون كلهم متروكون، رموا بوضع

стр. 28

الحديث، وقد جمع هذا التفسير في وقت متأخر، جمعه الفيروزآبادي من كتب التفسير التي تورد تفسير ابن عباس بهذا الإسناد. وقد سئل أحمد عن تفسير الكلبي فقال: «من أوله إلى آخره كذب، فقيل له: يحل النظر فيه؟ قال: لا» (١). وهذه الكتب السابقة كلها مطبوعة، ويتساءل كثير من الباحثين عن التخريج منها والعزو إليها، وهذه صفتها، والجواب أن هذه المصادر تعامل معاملة الأسانيد التي فيها رواة متهمون، ثم يبين حالها، كما يخرج الباحث حديثا من «سنن ابن ماجه»، أو من «المعجم الأوسط» للطبراني، أو من «الكامل» لابن عدي، وفيه من نسب إلى الكذب والوضع، ثم يبين حاله، فكذلك هنا، يبين حال المؤلف أو من في الطريق إليه من رواة إسناده، فلا فرق بين تخريج حديث من «سنن ابن ماجه» في إسناده عمرو بن خالد المذكور -وقد أخرج له ابن ماجه-، ثم بيان حال عمرو، وبين تخريج حديث من «مسند زيد بن علي»، ثم بيان حال عمرو. والذي يخشى منه أن يدع الباحث المؤلف ومن قبله، ويبدأ بنقد الإسناد بعده، اعتمادا على أنه وجد الإسناد في كتاب. والأمر ذاته يجري في المؤلفين ومن يروي عنهم، وإن لم يصل الكلام فيهم إلى حد الترك، والرمي بالكذب، كأن يكون المؤلف أو من يروي عنه فيه ضعف، فيحتاج الباحث إلى نقد الإسناد به.

стр. 29

الأمر الرابع: ذكرت في تمهيد هذا الباب أن البحث عن طرق الأحاديث في مصادر السنة هو البديل عن كتابة الأسانيد في عصر الرواية، وحفظها، وأنبه هنا إلى أنه ليس المقصود بهذا أنه بمنزلته، فمن قام بجمع الطرق فهو مثل أئمة النقد في الرواية، كلا -والله- فلا يقاربه ولا يدانيه، لأسباب عديدة، منها أن وجود الحفاظ النقاد في زمن الرواية قد منحهم وسائل خاصة بهم، لا يمكن للمتأخرين مجاراتهم فيها كما سيأتي في الفصل الرابع من هذا الباب. ومنها أن كثيرا مما ألف في السنة النبوية لم يصل إلينا، سواء ما ألف في جمع السنة، أو في نقدها، خاصة ما يتعلق بالنقد، ومقارنة المرويات، فإن أكثره مفقود (١)، وما أكثر ما يذكر النقاد وجوها وأسانيد معلقة، ولا يقف عليها الباحث بعد جهد وتعب، وسيأتي نماذج لذلك في ثنايا هذا الكتاب. وإنما كان البحث في المصادر الموجودة هو البديل لأنه هو الممكن، والباحث بعد تتبعه للطرق، وتفتيشه عنها، وجمعها، يعتمد -بعد اعتماده على الله تعالى- على من تهيأت لهم الأسباب، وهم أئمة النقد وحفاظه، متمما لعملهم، مستحضرا للقدر الذي هو فيه، وللوسائل الممكنة له، وسيمر بنا التأكيد على هذا في مناسباته. ومن جانب آخر لا ينبغي أن يفهم من الحث على جمع الطرق، والتنقيب الشديد عنها في مصادرها أنه حث على التطويل في التخريج، ودراسة الأسانيد،

стр. 30

هكذا بإطلاق، فليس هذا هو المقصود، إذ الكلام السابق هو فيما ينظر فيه الباحث، أما القدر الذي يثبته في بحثه فالحديث عنه له مجال آخر، ففي النية إفراده بباب خاص، أتعرض فيه لكيفية عرض التخريج والدراسة. وهذه قضية طالما تكرر بحثها بين المنتسبين لتخصص السنة، وبين غيرهم، بل يجري بحثها بين المتخصصين أنفسهم، إذ يتوقف بعض الباحثين في قضية التوسع في جمع الطرق، وفي التخريج، وربما ألحقه بعضهم بما يعرف بـ (الترف العلمي). وأوضح هنا أن التوسع الذي يرغب فيه حيث يكون الحديث بحاجة لذلك، والمقام يناسب التخريج الموسع، سواء بالنسبة لخاصية موضوع البحث، أو بالنسبة للباحث، وحاجته إلى التدرب، وسأوضح هذا بجلاء في الباب الذي وعدت به، وهو باب عرض التخريج والدارسة. وههنا أمر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن قضية التوسع في التخريج، وجمع الطرق من الكتب المشهورة، وغير المشهورة، هو الآن متعين أكثر منه فيما مضى، لسبب في غاية الأهمية، وهو أن جماعة ممن يعتمد على ظواهر الأسانيد، أولعوا في العصور المتأخرة بالبحث عن الطرق، والتفتيش عنها في الكتب والأجزاء، حتى إذا ظفروا بإسناد -في أي مصدر كان-، اعتمدوا عليه، وصححوه، أو عضدوا به غيره، واغتر كثير من الناس بهؤلاء، وظنوا ما فعلوه فتحا في الإسلام، يناقشك الشاب بكل ثقة وجرأة، بأن الشيخ الفلاني توسع في الطرق وجمعها مما لم يصل إليه أحمد، وابن معين، فأحكامه أقرب إلى الصواب، فكان من الواجب على أهل

стр. 31

التخصص العودة إلى النقطة التي بدأ منها النقاد الأوائل، وبيان حقيقة هذه الطرق التي يقف عليها فلان وفلان، فلو لم يكن في جمع الطرق من قبل الباحث المتخصص الذي ينظر إليها وفق منهج النقاد الأوائل، إلا هذه الفائدة، لكانت كافية، فكيف وفي جمع الطرق فوائد أخرى جليلة، تظهر لمن مارس هذا العلم، ويأتي شيء منها في ثنايا هذا الكتاب. وفي الجملة فإن من ينكر التوسع في جمع الطرق بإطلاق، هم في الغالب لا يحسنون جمعها، ولا الاستفادة منها والنظر فيها، ومن جهل شيئا أنكره، وعسى أن يكون في هذا الكتاب وأمثاله ما يجلي الحقيقة، ويرشد إلى الصواب، والله الموفق. * * *

стр. 32

المبحث الثاني كثرة طرق الأحاديث وقلتها الأحاديث ليست على نمط واحد في كثرة الطرق وقلتها، سواء عن صحابي الحديث، أو عن كل راو بعينه، وهذه بعض الأمثلة التي توضح ذلك وتشرحه. المثال الأول: قال الترمذي: حدثنا عبدالأعلى بن واصل، حدثنا الحسين بن عطية، قال: حدثنا أبو عاتكة، عن أنس بن مالك قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم» (١). انفرد بإخراجه الترمذي، ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي (٢). المثال الثاني: حديث أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». رواه أحمد، عن محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة (٣)، قام باحث بدراسة هذا الإسناد، وحكم عليه

стр. 33

بحكمه الأولي، ثم قام بجمع طرق الحديث. الطرق الأخرى للحديث كثيرة، لكن كلها ترجع إلى محمد بن فضيل، لم يجد الباحث طرقا أخرى تصله بعمارة بن القعقاع، ولا بأبي زرعة، ولا بأبي هريرة. فقد وجد الباحث طرقا تصله بطبقة واحدة وهي الطبقة الأولى التي فيها أحمد، فقد رواه معه عن محمد بن فضيل رواة كثيرون، منهم زهير بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وأحمد بن إشكاب، ومحمد بن عبدالله بن نمير، وأبو كريب محمد بن العلاء، ويوسف بن عيسى، وعلي بن المنذر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم (١). فهذه الطرق كلها تعود إلى محمد بن فضيل. المثال الثالث: روى أحمد، عن حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري، حديث: «رأيت النبي ﷺ يدعو بعرفة هكذا، ورفع يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض» (٢).

стр. 34

خرجه أحد الباحثين، فوجد أن ابن أبي شيبة قد رواه عن حسن بن موسى، كما رواه أحمد، وأن عددا من الرواة قد رووه عن حماد بن سلمة مع حسن بن موسى، منهم: روح بن عبادة، ويونس بن محمد، وعفان، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد (١)، ولم يقف على طريق آخر إلى بشر بن حرب غير طريق حماد بن سلمة، ولا إلى أبي سعيد غير هذا الطريق. المثال الرابع: روى أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبدالرحمن السدي، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة، عن أنس بن مالك: «أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، قال: أهرقها، قال أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا» (٢). روى الحديث مع أحمد عن وكيع: ابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، ورواه مع وكيع، عن سفيان الثوري: عبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وقبيصة، والفريابي، وأبو داود الحفري، وغيرهم، ورواه عن إسماعيل السدي، مع سفيان الثوري: إسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع، ورواه عن يحيى بن عباد، مع السدي: ليث بن أبي سليم (٣).

стр. 35

فهذا الحديث وجد له الباحث طرقا أخرى إلى جل رواة الإسناد، فوجد الباحث لهذا الحديث طرقا إلى وكيع في الطبقة الأولى، وإلى سفيان الثوري في الثانية، وإلى السدي في الثالثة، وإلى يحيى بن عباد في الرابعة، وبقي أنس بن مالك لم يقف الباحث على طريق آخر إليه غير طريق يحيى بن عباد. المثال الخامس: روى أحمد عن بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: «كان النبي ﷺ قاعدا في المسجد، إذ جاء أعرابي فبال في المسجد … » الحديث (١). ورواه مع أحمد، عن بهز بن أسد: عبدالله بن هاشم، ورواه مع بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار: عمر بن يونس الحنفي، وأبو الوليد الطيالسي، والنضر بن محمد، وأبو حذيفة موسى بن مسعود، ورواه مع عكرمة، عن إسحاق بن عبدالله: همام بن يحيى، ورواه مع إسحاق، عن أنس: ثابت البناني، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٢).

стр. 36

هذه أحاديث مختلفة بالنسبة لوقوف الباحث على طرق أخرى إلى رواة إسناده الأصل، وهناك احتمالات أخرى للأحاديث، فقد يقف الباحث على طرق أخرى تصله بالطبقة الأولى والثانية، ثم لا يجد في الثالثة شيئا، ثم يعود فيقف على طرق تصله بالطبقة الرابعة، وهكذا. والمهم هنا معرفة أن عدد الطرق في كل طبقة يختلف من حديث لآخر، ولا يمكن أن ينضبط هذا الأمر، وكل باحث مسؤول عن نتيجة بحثه بالنسبة لعدد الطرق التي يذكرها في دراسته للحديث، ويختلف هذا من باحث لآخر، فلو قال الباحث مثلا: لم أقف على هذا الحديث إلا بهذا الإسناد - لا يلزم أن يكون ذلك هو واقع الحال، فقد يقف باحث آخر على إسناد آخر، أو ربما أسانيد أخر، فجمع الطرق من أهم القضايا التي يظهر فيها الاختلاف بين الباحثين قوة وضعفا، ومعنى هذا أن الباحث لا ينبغي له التسليم بما يقوله الآخرون، فكم ترك الأول للآخر. ذكر أحد الباحثين ما أخرجه أحمد، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، وعبدالله بن عثمان بن خثيم، عن عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن عبدالله بن مسعود مرفوعا: «من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة … » الحديث (١)، وقال في تخريجه بعد

стр. 37

أن ذكر أن رجاله ثقات، وأن فيه انقطاعا بين عون، وابن مسعود: «لم أقف عليه في غير هذا الموضع» (١). وللحديث طريق آخر إلى عون بن عبدالله، فقد رواه المسعودي، عن عون، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود، وقيل عن المسعودي بإسقاط أبي فاختة (٢)، وجاء من طريق القاسم بن عبدالرحمن، عن ابن مسعود (٣). وذكر باحث آخر ما رواه الترمذي عن يحيى بن أكثم، عن عبدالعزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم -يعني تجير على المسلمين-» (٤)، واكتفى بتخريجه من «العلل الكبير» للترمذي أيضا (٥). والحديث رواه إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن عبدالعزيز بن أبي حازم بلفظ: «يجير على المسلمين أدناهم» (٦)، وكذا رواه سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، لكن قال: «يجير على أمتي أدناهم» (٧)، ورواه أبو صالح، عن أبي هريرة

стр. 38

بلفظ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (١)، فيظهر أن يحيى بن أكثم رواه بالمعنى، والحديث واحد. ويشار هنا إلى أنه ليس كل من ترك طرقا للحديث لم يذكرها فهو مقصر، أو محل لأن يستدرك عليه، فذكر طرق الحديث يخضع لمنهج الباحث الذي التزم به واختاره ليناسب موضوع بحثه، وكذلك حاجة الحديث الذي يبحث فيه، وهكذا يقال في عدد الطرق التي يوردها، يخضع كذلك لمنهجه الذي اختطه لنفسه، ولحاجة الحديث الذي بين يديه. وسيأتي الحديث عن هذه القضايا وما يتعلق بها في باب خاص، وهو المتعلق بكتابه التخريج والدراسة، يسر الله تعالى الوصول إليه. * * *

стр. 39

الفصل الثاني مصطلحات في مقارنة المرويات

стр. 40

هناك مصطلحات كثيرة تستخدم في مقارنة المرويات، يأتي بعضها في مباحثه الخاصة، ولكن هناك مصطلحات يكثر دورانها ولا تختص بقضية معينة، ومن هذه المصطلحات: المدار ، والوجه، والمتابعة، والشاهد. فأما المدار فهو راو تدور عليه أسانيد أحاديث معينة، أو أسانيد حديث واحد، ومعنى دورانها عليه أنها كلها تجتمع عنده، وترجع إليه. فلو نظرنا في حديث أبي هريرة الماضي في الفصل السابق، وهو حديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان … » لوجدنا أن له طرقا كثيرة، كلها ترجع إلى أحد رواة الإسناد، وهو محمد بن فضيل، ومن محمد إلى أبي هريرة إسناده واحد، فنقول عن محمد بن فضيل: عليه مدار طرق حديث أبي هريرة. وحديث أنس: «أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا … »، له طرق في طبقاته الأولى، حتى وصل الحديث إلى يحيى بن عباد راويه عن أنس، فلم يشاركه أحد في الرواية عن أنس، فيحيى بن عباد إذن يقال عنه إنه مدار حديث أنس هذا. وحديث أنس: «كان النبي ﷺ قاعدا في المسجد، إذ جاء أعرابي فبال في المسجد … »، له أيضا طرق في جميع طبقاته، فمداره إذن هو صحابيه أنس بن مالك. فإن لم يكن للحديث سوى إسناد واحد فليس له حينئذ مدار. وما تقدم هو المدار المطلق، ومعناه أن الحديث كل طرقه ترجع إلى صاحب المدار، ولا يخرج عن هذا الإطلاق شيء، وفي المقابل هناك مدارات نسبية، ليس
следующие страницы →