← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذه أحاديث مختلفة بالنسبة لوقوف الباحث على طرق أخرى إلى رواة إسناده الأصل، وهناك احتمالات أخرى للأحاديث، فقد يقف الباحث على طرق أخرى تصله بالطبقة الأولى والثانية، ثم لا يجد في الثالثة شيئا، ثم يعود فيقف على طرق تصله بالطبقة الرابعة، وهكذا. والمهم هنا معرفة أن عدد الطرق في كل طبقة يختلف من حديث لآخر، ولا يمكن أن ينضبط هذا الأمر، وكل باحث مسؤول عن نتيجة بحثه بالنسبة لعدد الطرق التي يذكرها في دراسته للحديث، ويختلف هذا من باحث لآخر، فلو قال الباحث مثلا: لم أقف على هذا الحديث إلا بهذا الإسناد - لا يلزم أن يكون ذلك هو واقع الحال، فقد يقف باحث آخر على إسناد آخر، أو ربما أسانيد أخر، فجمع الطرق من أهم القضايا التي يظهر فيها الاختلاف بين الباحثين قوة وضعفا، ومعنى هذا أن الباحث لا ينبغي له التسليم بما يقوله الآخرون، فكم ترك الأول للآخر. ذكر أحد الباحثين ما أخرجه أحمد، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، وعبدالله بن عثمان بن خثيم، عن عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن عبدالله بن مسعود مرفوعا: «من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة … » الحديث (١)، وقال في تخريجه بعد

стр. 37

أن ذكر أن رجاله ثقات، وأن فيه انقطاعا بين عون، وابن مسعود: «لم أقف عليه في غير هذا الموضع» (١). وللحديث طريق آخر إلى عون بن عبدالله، فقد رواه المسعودي، عن عون، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود، وقيل عن المسعودي بإسقاط أبي فاختة (٢)، وجاء من طريق القاسم بن عبدالرحمن، عن ابن مسعود (٣). وذكر باحث آخر ما رواه الترمذي عن يحيى بن أكثم، عن عبدالعزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم -يعني تجير على المسلمين-» (٤)، واكتفى بتخريجه من «العلل الكبير» للترمذي أيضا (٥). والحديث رواه إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن عبدالعزيز بن أبي حازم بلفظ: «يجير على المسلمين أدناهم» (٦)، وكذا رواه سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، لكن قال: «يجير على أمتي أدناهم» (٧)، ورواه أبو صالح، عن أبي هريرة

стр. 38

بلفظ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (١)، فيظهر أن يحيى بن أكثم رواه بالمعنى، والحديث واحد. ويشار هنا إلى أنه ليس كل من ترك طرقا للحديث لم يذكرها فهو مقصر، أو محل لأن يستدرك عليه، فذكر طرق الحديث يخضع لمنهج الباحث الذي التزم به واختاره ليناسب موضوع بحثه، وكذلك حاجة الحديث الذي يبحث فيه، وهكذا يقال في عدد الطرق التي يوردها، يخضع كذلك لمنهجه الذي اختطه لنفسه، ولحاجة الحديث الذي بين يديه. وسيأتي الحديث عن هذه القضايا وما يتعلق بها في باب خاص، وهو المتعلق بكتابه التخريج والدراسة، يسر الله تعالى الوصول إليه. * * *

стр. 39

الفصل الثاني مصطلحات في مقارنة المرويات

стр. 40

هناك مصطلحات كثيرة تستخدم في مقارنة المرويات، يأتي بعضها في مباحثه الخاصة، ولكن هناك مصطلحات يكثر دورانها ولا تختص بقضية معينة، ومن هذه المصطلحات: المدار ، والوجه، والمتابعة، والشاهد. فأما المدار فهو راو تدور عليه أسانيد أحاديث معينة، أو أسانيد حديث واحد، ومعنى دورانها عليه أنها كلها تجتمع عنده، وترجع إليه. فلو نظرنا في حديث أبي هريرة الماضي في الفصل السابق، وهو حديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان … » لوجدنا أن له طرقا كثيرة، كلها ترجع إلى أحد رواة الإسناد، وهو محمد بن فضيل، ومن محمد إلى أبي هريرة إسناده واحد، فنقول عن محمد بن فضيل: عليه مدار طرق حديث أبي هريرة. وحديث أنس: «أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا … »، له طرق في طبقاته الأولى، حتى وصل الحديث إلى يحيى بن عباد راويه عن أنس، فلم يشاركه أحد في الرواية عن أنس، فيحيى بن عباد إذن يقال عنه إنه مدار حديث أنس هذا. وحديث أنس: «كان النبي ﷺ قاعدا في المسجد، إذ جاء أعرابي فبال في المسجد … »، له أيضا طرق في جميع طبقاته، فمداره إذن هو صحابيه أنس بن مالك. فإن لم يكن للحديث سوى إسناد واحد فليس له حينئذ مدار. وما تقدم هو المدار المطلق، ومعناه أن الحديث كل طرقه ترجع إلى صاحب المدار، ولا يخرج عن هذا الإطلاق شيء، وفي المقابل هناك مدارات نسبية، ليس

стр. 41

لها ضابط معين، فالمدار بالنسبة لشيء معين، كأن يكون أحد رواة الإسناد، فلو افترضنا مثلا أن هناك حديثا عن ابن عمر، ورواه عن ابن عمر جماعة، كسالم ابنه، ونافع، وعبدالله بن دينار، وسالم يرويه عنه الزهري فقط، ومن الزهري تفرعت الأسانيد، فنقول حينئذ عن إسناد سالم: مداره على الزهري، وهكذا في إسناد نافع لو تفرد بالحديث عنه مالك، فهذا كله مدار نسبي، وإلا فأصل الحديث مداره المطلق صحابيه، وهو ابن عمر. ومثل هذا يقال في المصادر، فلو كان للحديث راو واحد تعود إليه الأسانيد في مصادر مخصوصة، كـ «الصحيحين»، أو الكتب الستة، فيقال: هذا الحديث أخرجه الشيخان، ومداره عندهما على فلان، أو أخرجه الستة، ومداره عندهم على فلان، وقد يكون له طرق أخرى خارج هذه الكتب. وكذلك قد يكون لبعض الحديث مدار، فيروي الحديث جماعة، وينفرد واحد منهم بلفظة فيه، يرويها عنه جماعة، فيقال: زيادة كذا مدارها على فلان، وإن كان قد توبع في بقية الحديث. وكذلك قد يشتهر الحديث عن راو، فيعبر عنه بأنه مداره، مع وجود متابعات له تحتاج إلى نظر، كما في قول الحاكم عن حديث صفوان بن عسال في طلب العلم: «ومدار هذا الحديث على حديث عاصم بن بهدلة، عن زر … ، وله عن زر بن حبيش شهود ثقات غير عاصم بن بهدلة، فمنهم المنهال بن عمرو … » (١).

стр. 42

وفي كثير من الأحيان يجتمع في الحديث الواحد مدار مطلق ومدار نسبي، أو مدارات نسبية، وتصور ذلك بعدما تقدم أمر سهل. وأما الوجه فهو عبارة عن الطريق، فيقال: أخرجه فلان من هذا الوجه، أي من هذا الطريق، وهذا الحديث قد روي عن النبي ﷺ ، أو عن أبي هريرة، أو عن الزهري -مثلا- من وجوه كثيرة، أي من طرق كثيرة، وروي عنه من غير وجه، أي من أكثر من طريق (١) , والوجه بهذا المعنى يكون مسبوقا بحرف (من). ويستخدم الوجه مسبوقا بحرف (على)، فيقصد به حينئذ صفة للإسناد أو المتن بعد المدار، فيقولون: روي هذا الحديث عن فلان على وجهين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو اختلف فيه على أوجه كثيرة، فالمقصود به صفة جاء عليها الإسناد أو المتن بعد المدار. وربما استخدم بعض الأئمة من متأخري عصر الرواية أحيانا في الاختلاف في الإسناد خاصة الوجه مسبوقا بحرف (من)، فيقولون: اختلف على فلان من وجوه، والخطب سهل، والأحسن هو ما ذكرته أولا، والله أعلم. وأما المتابعة فهي إسناد آخر للحديث عن أحد رواته، فإذا وقف الباحث على إسناد آخر للحديث عن أحد رواته، فمعنى ذلك أن الراوي الذي عنده في إسناده الأول قد توبع، ويقولون في التعبير عن ذلك: تابعه فلان، وفلان. وزاد المتأخرون في التسميات، فقسموا المتابعات إلى متابعات تامة،

стр. 43

ومتابعات قاصرة، فالتامة هي رواية أخرى عن شيخ الراوي نفسه، والقاصرة رواية أخرى عن شيخ الشيخ، أو من فوقه إلى الصحابي، وكلما ارتفع الإسناد درجة زاد قصور المتابعة، فيقال: متابعة قاصرة بدرجة، أو بدرجتين … الخ. مثال ذلك حديث أنس في الفصل السابق، وهو ما رواه أحمد، عن بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، في قصة الأعرابي، لو افترضنا أن الباحث اعتمد إسناد أحمد للحديث، فهذا عنده هو الإسناد الأصل. والحديث يرويه أيضا عبدالله بن هاشم، عن بهز بن أسد، فرواية عبدالله هذه متابعة لأحمد، وهي متابعة تامة، لأنه رواه عن شيخه مباشرة وهو بهز. ورواه أيضا عن عكرمة بن عمار: عمر بن يونس الحنفي، وثلاثة آخرون، فهذه متابعة لأحمد، لكنها قاصرة، يروونه عن شيخ شيخ أحمد، وهو عكرمة، وهي قاصرة بدرجة. ورواه عن إسحاق بن أبي طلحة أيضا: همام بن يحيى، فهي متابعة لأحمد، لكنها قاصرة بدرجتين. ورواه عن أنس أيضا: يحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، فهي متابعة لأحمد، لكنها قاصرة بثلاث درجات. ويلاحظ في المتابعات أنها مسألة نسبية في شيئين: الأول: في تحديد المتابع والمتابع، فمرجع ذلك إلى الباعث الأول على دراسة

стр. 44

الحديث كله، فما تقدم من كون أحمد هو المتابَع، وعبدالله بن هاشم هو المتابِع، إنما كان ذلك، لأن الإسناد الأصل الذي وقف عليه الباحث أولا هو إسناد أحمد، وقد يكون اختاره لكونه الأعلى، أو الأتم لفظا، ولكن لا بأس بقلب التسمية، فيكون أحمد هو المتابع، وعبدالله بن هاشم هو المتابع، وذلك عند باحث آخر، اختار أن يكون إسناده الأصل هو إسناد عبدالله بن هاشم، لغرض من الأغراض، وبغير تصور هذا الأمر لا يمكن ضبط المتابعات. الثاني: في التمام والقصور، فما تقدم ذكره في متابعات أحمد القاصرة هي بالنسبة له، أما لو أخذنا كل طبقة لوحدها فالمتابعات تامة، فمثلا رواية عمر بن يونس الحنفي ومن معه للحديث عن عكرمة بن عمار هي بالنسبة لبهز بن أسد متابعة تامة، وما فوقها مباشرة قاصرة بدرجة واحدة، وهذا يقع كثيرا عند الباحث، إذ قد تكون حاجته في دراسة رواية في وسط الإسناد، فيبحث لها عن متابعات، فيبتدئ التمام والقصور من هذه الطبقة. وأما الشاهد فيراد به في الغالب رواية صحابي آخر للحديث نفسه، فهو يرجع إلى معنى المتابعة، إذ الصحابي قد تابع الصحابي الآخر، لكن جرى الاصطلاح على اعتبار رواية الصحابي حديثا مستقلا، فإذا قالوا: صح في هذا الأمر حديثان، فمعناه صح من رواية صحابيين، وإن كان المتن واحدا. وربما سمى بعض العلماء الشاهد متابعا، كما يسمي بعضهم المتابع شاهدا، فإنه يشهد للمتابع أيضا، والخطب في ذلك سهل، كما قال ابن حجر (١)،

стр. 45

ويعرف المراد من سياق الكلام. نعم، قد استقر الاصطلاح في وقتنا الحاضر على أن المتابع ما كان من طرق عن الصحابي نفسه، والشاهد ما كان عن صحابي آخر، لكن هذا لا ينبغي أن ينزل عليه كلام الأولين إذا أرادوا خلاف ذلك، وهذه قضية لا تختص بهذا الموضع، وأوردتها هنا لمناسبتها، فقد كان بعض الأئمة يستخدمون كلمة (الاستشهاد) في الكلام على رواة الكتب الستة، ويقصدون بها معنى خاصا، وهو التخريج للراوي تعليقا، كما نراه في كلام المزي، والذهبي (١)، وغيرهما. قال المزي في ترجمة أسامة بن زيد الليثي: «استشهد به البخاري في «الصحيح»، وروى له في «الأدب»، وروى له الباقون» (٢)، فعلق عليه أحد الباحثين بقوله: «وفي قول المزي: روى له مسلم - نظر، لما ذكره الحافظ أبو الحسن بن القطان في كتاب «الوهم والإيهام» من أن مسلما -رحمه الله تعالى- لم يحتج به، إنما روى له استشهادا كالبخاري». كذا قال الباحث، خلط بين اصطلاحين، وكلمة ابن القطان ليس فيها: «كالبخاري» (٣)، ومراد ابن القطان أن مسلما لم يعتمد عليه، وإنما أخرج له في الشواهد، وهذا غير مراد المزي بالاستشهاد، فمراده تعليق البخاري له، وأما غير

стр. 46

البخاري -ومنهم مسلم- فروى له موصولا، سواء كان في الشواهد أو في الأصول. وقضية المصطلحات ومراعاة الباحث لمراد من أطلقها من الأهمية بمكان بالنسبة لدراسة الأسانيد، وسأعرج عليها في مناسباتها في هذا الكتاب. * * *

стр. 47

الفصل الثالث الرسم التوضيحي لأسانيد الحديث

стр. 48

المقصود بالرسم التوضيحي للأسانيد: وضع شجرة لأسانيد الحديث، بحيث يكون الإسناد الذي مع الباحث أصل الشجرة، ثم تتفرع منه الأسانيد الأخرى التي يقف عليها الباحث، مثل شجرة الأنساب، فإن أسانيد الحديث يشبهونها بالأنساب، ويكون نهاية الإسناد كالصحابي نقطة تفرعها. والهدف من الرسم التوضيحي التسهيل على الباحث في تنظيم المتابعات حين صياغة التخريج، ومعرفة الاتفاق والاختلاف في الحديث الواحد إسنادا ومتنا. واستخدام الرسم التوضيحي معروف عند الأئمة، قال ابن رشيد في كلامه عن محب الدين الطبري: «ومن سماعه على عم أبويه: سنن أبي داود، رواية اللؤلؤي، ورأيت له صورة شجرة مغصنة، كتب فيها أسانيده في سنن أبي داود» (١). ويختلف الباحثون في بعض الأمور المتعلقة بالشكل النهائي للرسم، فمن الباحثين من يحرص على جمع طرق الحديث كلها في صفحة واحدة مهما كان حجمها، ليتمكن من إلقاء نظرة واحدة عليها متى أراد، ومنهم من يوزعها على صفحات متعددة، فيضع كل تابعي ورد الحديث من طريقه في صفحة مستقلة، وبعضهم يكتب أولا مسودة لهذه الطرق ثم يقسمها على صفحات بحسب ما تتسع له الصفحة، بغض النظر عن اعتبار معين. ومن جهة ثانية فبعض الباحثين يكتب الصحابي في يمين الصفحة أو في يسارها، ثم تتفرع منه الأسانيد أفقيا، والبعض الآخر يكتبه في أعلى الصفحة، ثم

стр. 49

تتفرع منه الأسانيد رأسيا، والخطب في كل ذلك سهل. وأهم نقطة يقع فيها اختلاف بين الباحثين هي عند وقوع اختلاف بين رواة الإسناد في رفع الحديث ووقفه، أو في وصله وإرساله، أو في زيادة راو وحذفه، فإن بعض الباحثين يجمعها جميعا في رسم واحد، ثم يوضح في نهاية كل إسناد ما وقع فيه من مخالفة مع الإسناد الأصل، فبعد أن يكتب معلومات التخريج كالجزء والصفحة، ورقم الحديث، وهل الحديث بلفظه أو بمعناه أو بنحوه، يكتب المخالفة الواقعة في الإسناد، فيقول: موقوف، أو مرسل، أو ليس فيه ابن عباس، أو بإسقاط فلان، ونحو ذلك، أو يكتب كلمة موقوف، أو مرسل، في أسفل الصفحة، ويأخذ خطا من كل رواية بهذه الصفة إلى تلك الكلمة، فيميز بهذا الرواية الموقوفة أو المرسلة. وبعض الباحثين يفصل بينهما، فيجعل الموصول لوحده في صفحة، والمرسل لوحده، أو المرفوع لوحده، والموقوف لوحده، مع أن الجميع يلتقون عند راو واحد، ويرى أن هذا أكثر وضوحا حين الرجوع إلى الرسم. ويزيد بعض الباحثين الرسم التوضيحي إتقانا بأمور أخرى، مثل وضع دائرة بالأحمر على اسم الراوي إذا كان هذا الراوي مصنفا، مثل ما إذا أخرج البخاري حديثا من طريق مالك في «الموطأ»، أو عبدالرزاق في «المصنف»، فإنه يضع الدائرة على اسم مالك، أو عبدالرزاق، وتحته معلومات التخريج من كتابه، لكي ينتبه له حين صياغة التخريج.

стр. 50

ثم إن الباحث سيمر به أثناء جمعه للطرق كلام للأئمة على أسانيد الحديث أو بعضها، أو على متنه، فيسجل ذلك كله مع الرسم التوضيحي، إما عند كتابته لمعلومات التخريج، فإذا وصل إلى أبي داود مثلا، وكتب الجزء والصفحة، ورقم الحديث، نقل كلام أبي داود، وإما على جانب الورقة. وهناك بعض التنبيهات للباحث حين يريد إلحاق الأسانيد التي وقف عليها بإسناده الأصل في الرسم التوضيحي: أولا: في بعض كتب السنة يذكر في الإسناد رواية تلميذ المؤلف، الراوي للكتاب عنه، فيقول التلميذ: حدثنا فلان، ويعني به صاحب الكتاب، وقد بقي هذا بعد طباعة الكتب، مثل ما هو موجود في «مصنف ابن أبي شيبة»، يقول الراوي عنه: حدثنا أبو بكر، يعني به ابن أبي شيبة، وكذلك «صحيح ابن خزيمة»، وغيرهما. وقد يوجد تلميذ الراوي للكتاب عن المؤلف، كما في قول القطيعي في أسانيد «مسند أحمد»: حدثنا عبدالله، حدثنا أبي. وعلى الباحث أن يتنبه لهذا، فإسناد المؤلف يبدأ بعده، فإذا جاء في «مصنف ابن أبي شيبة»: حدثنا أبو بكر، حدثنا وكيع، فأبو بكر هذا هو ابن أبي شيبة، والإسناد عنده يبدأ من وكيع. وربما وقع بعض الباحثين في الخطأ، فيقول مثلا: رواه ابن خزيمة، عن شيخه أبي بكر، عن أبي الطاهر بن السرح، وأبو الطاهر هذا شيخ ابن خزيمة، وأبو بكر هو ابن خزيمة نفسه.

стр. 51

والباحث حين يريد إلحاق مثل هذه الأسانيد برسمه التوضيحي يحذف من قبل المؤلف، فإذا وصل إلى وكيع وضع تحته «مصنف ابن أبي شيبة» وإذا وصل إلى أبي الطاهر وضع تحته «صحيح ابن خزيمة». ثانيا: في بعض كتب السنة يعمد تلميذ المؤلف الراوي للكتاب عنه إلى رواية أحاديث بأسانيد خاصة به، لا يمر فيها على شيخه صاحب الكتاب، مثل عبدالله بن أحمد في «مسند أحمد»، ومثل الحسين بن الحسن المروزي في «الزهد» لابن المبارك، ويوجد هذا أيضا بقلة في «صحيح مسلم»، و «سنن ابن ماجه»، وغيرهما. وربما جاء في بعض الكتب أسانيد خاصة بتلميذ التلميذ، كما يفعله القطيعي في «فضائل الصحابة» لأحمد، فهو يرويه عن عبدالله، عن أبيه، وله فيه أسانيد خاصة به، وكذلك يفعل ابن صاعد في «الزهد» لابن المبارك، وهو يرويه عن الحسين المروزي، عن ابن المبارك، وله فيه أسانيد خاصة به. وهذا الصنيع عرف بالزيادات، فيقولون: زيادات عبدالله على «مسند أبيه»، وزيادات القطيعي على «فضائل الصحابة» لأحمد، وهكذا، وقد يعبر عنه بالزوائد أيضا. والباحث إذا أراد نقل إسناد من هذه الكتب وأمثالها عليه أن يدقق فيه، خشية أن يكون لتلميذ المؤلف، أو لتلميذ التلميذ أيضا، وإذا استعجل الباحث ربما وقع في خطأ نسبة تخريج إسناد إلى غير مخرجه. روى حرمي بن عمارة، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».

стр. 52

خرجه أحد الباحثين فقال: «أخرجه أحمد، وابنه (٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩)». وقال باحث آخر في تخريجه: «أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائده على المسند ٣/ ٢٧٩، من طريق عبيدالله بن عمر القواريري، بهذا الإسناد (يعني عن حرمي بن عمارة … )، وأخرجه أحمد ٣/ ٢٧٨ من طريق أبي عبدالله السلمي، قال: حدثني حرمي بن عمارة، بهذا الإسناد». وهو في «مسند أحمد» في المكانين من زوائد عبدالله، فلم يخرجه أحمد من هذا الطريق، رواه عبدالله في المكان الأول عن أبي عبدالله السلمي، عن حرمي، وفي المكان الثاني عن عبيدالله بن عمر القواريري، عن حرمي، وأبو عبدالله السلمي هذا من تلاميذ أحمد، وليس من شيوخه، ولم يذكر في الرواة عنه سوى عبدالله بن أحمد (١)، وكان أحمد في -في بعض الروايات عنه- ينكر على حرمي بن عمارة روايته لهذا الحديث عن شعبة (٢). ثالثا: بعض الرواة، تارة يأتي بكنيته، وتارة باسمه، مثل أبي الوداك جبر بن نوف الأكثر أن يأتي بكنيته، وربما جاء باسمه، ومثل أبي وائل شقيق بن سلمة، الأكثر أن يأتي بكنيته، وربما جاء باسمه، ومثل أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، تارة يأتي باسمه، والأكثر أن يأتي بكنيته. وكذلك اللقب مع الاسم، كالأعمش، فإنه أكثر ما يأتي بلقبه، وقد يأتي

стр. 53

مسمى، فإن بعض الرواة كشعبة لا يلقبونه، بل يقولون: حدثنا سليمان. وكذلك النسبة مع الاسم، كالفريابي محمد بن يوسف، تارة يأتي بنسبته، وتارة باسمه. ويلتحق بهذا نسبة الراوي إلى أبيه تارة، وإلى جده القريب أو البعيد تارة أخرى، كعبدالله بن زياد بن سليمان بن سمعان، ويقال له أيضا: عبدالله بن سمعان، ومحمد بن يحيى بن خالد الذهلي شيخ البخاري، يسميه البخاري: محمد بن خالد، وأحمد بن عبدالله بن يونس، يقال له كثيرا: أحمد بن يونس، ومحمد بن عبدالله بن نمير، يقال له: محمد بن نمير. وربما يأتي الراوي في الأسانيد على أكثر من ذلك، كالزهري، فإنه يأتي هكذا كثيرا، ويأتي أيضا بصيغة: ابن شهاب، ويأتي بصفة نادرة باسمه محمد بن مسلم، وأكثر ما يقع هذا التنوع إذا كان مشهورا باسمه وكنيته، أو باسمه ولقبه، أو باسمه ونسبته، أو بهما جميعا، فيستخدم الرواة عنه هذا وهذا. وقد يقع ما تقدم على سبيل التعمية، وتوعير معرفة الراوي، وهو داخل فيما يعرف بتدليس الشيوخ (١). والقاعدة هنا أن على الباحث وهو بصدد كتابة الرسم التوضيحي أن يفسر كل راو يمر به تفسيرا كاملا، فيكشف اسمه، واسم جده، وكنيته، ولقبه، وجميع ما يتعلق به، فإذا مر في مصدر آخر بكنيته -مثلا- وقد وقف عليه قبل

стр. 54

ذلك باسمه يعرف أنه هو، ولا يعده إسنادا آخر للحديث، وقد رأيت كثيرا من الطلاب يقع في هذا، كما يقع فيه بعض الباحثين في ابتداء أمرهم, وقل باحث إلا وقد وقع في مثل هذا. ويشبه ما تقدم ما إذا كان الراوي واحدا، ولكن اختلف في اسمه، أو في نسبته، فهو راو واحد وإن تعددت أسماؤه، فالتفريع عليه في الرسم التوضيحي يكون مرة واحدة. وبضد ما تقدم أن يشترك الرواة في الاسم، أو الاسم واسم الأب، وقد يشتركون في الجد أيضا، وقد يتفق مع هذا الاشتراك في الطبقة، والتلاميذ والشيوخ، أو التقارب في ذلك، مثل السفيانين، والحمادين، وعطاء بن يسار، وعطاء بن السائب, فإذا اشترك مثل هؤلاء في رواية حديث قد يظنه الباحث واحدا، وذلك في حال كون الراوي لم ينسب بما يميزه. وقد يقع الاشتراك في الاسم والنسبة بسبب الاختصار، مثل أن يأتي عند أحمد: حدثنا ابن نمير، ويأتي كذلك عند مسلم، فالذي عند أحمد هو الأب عبدالله بن نمير، والذي عند مسلم هو ولده محمد بن عبدالله، ومثل ابن أبي زائدة، هم ثلاثة، يقال لكل منهم: ابن أبي زائدة، زكريا بن أبي زائدة، وولداه يحيى وعمر، وهذا كثير في الرواة، فيتنبه له. والباحث كما طولب بتمييز رواة إسناده الأصل، مطالب أيضا بتمييز الرواة الذي يقف على أسانيدهم في مرحلة جمع الطرق، فالباب واحد، وقد تقدم

стр. 55

في «الجرح والتعديل» فصل خاص بتمييز الرواة، وذكرت هناك بعض الأمثلة على وقوع الأخطاء في تمييز الرواة قديما وحديثا (١). وأذكر هنا مثالا واحدا وقع فيه الخطأ في تمييز الراوي في الإسناد الأصل، وفي الطرق الأخرى، فروى أحد الأئمة من طريق أبي قرة، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصلها أربعا». قال أحد المشايخ في تخريجه: « … وسفيان هو ابن عيينة، وأخرجه عبدالرزاق (٥٥٢٩)، والحميدي (٩٧٦)، والدارمي ١/ ٣٧٠، ومسلم (٨٨١)، والترمذي (٥٢٣)، والطحاوي ١/ ٣٣٦، والبيهقي ٣/ ٢٤٠، والبغوي (٨٧٩) من طرق عن سفيان (يعني ابن عيينة) بهذا الإسناد». كذا قال الشيخ، وسفيان الذي في الإسناد الذي يخرجه هو الثوري، وليس ابن عيينة، وسفيان عند الدارمي، والبيهقي، هو الثوري كذلك. وروى هذا الحديث أيضا إمام آخر، عن عبدالله بن إدريس، عن سهيل، فقال بعض الباحثين في تخريجه: «وأخرجه الطيالسي (٢٤٠٦)، وابن حبان (٢٤٧٨)، من طريق أبي عوانة، وعبدالرزاق (٥٥٢٩)، والدارمي (١٥٧٥)، ومسلم (٨٨١)، وابن خزيمة (١٨٧٤)، والبيهقي ٣/ ٢٤٠، من طريق سفيان الثوري، والحميدي (٩٧٦)، والترمذي (٥٢٣)، والنسائي في «الكبرى»

стр. 56

(٤٩٦)، وابن خزيمة (١٨٧٣) و (١٨٧٤)، والطحاوي ١/ ٣٣٦، وابن حبان (٢٤٨٠)، والبغوي (٨٧٩)، من طريق سفيان بن عيينة … »، ثم ذكر بقية الرواة عن سهيل. كذا خرجه الباحث، ورواية عبدالرزاق هي عن ابن عيينة، وليست عن الثوري، وهو مصرح به في إسناد عبدالرزاق، ورواية النسائي، وابن حبان، هي عن الثوري، وليست عن ابن عيينة. رابعا: يستخدم كثير من الأئمة في مصنفاتهم حين تكثر الأسانيد للحديث الواحد طريقة التحويل، وذلك من أجل الاختصار، وممن يكثر من هذا الإمام مسلم، وابن خزيمة، والدارقطني، وغيرهم، ويفعله أيضا البخاري، وأبو داود، وغيرهما، وخلاصة هذه الطريقة أن طرق الحديث الواحد في كثير من الأحيان تجتمع في راو واحد، يكون مدارها، إما نسبيا، أو مطلقا، ثم يتحد السند بعده، فبدلا من تكرار ذكره مع كل طريق يسوق المصنف الطرق أولا إلى هذا الراوي، ويستخدم بعد كل طريق علامة التحويل (ح)، فإذا فرغ من سوق الطرق إلى هذا الراوي قال: كلهم، أو جميعا عن فلان، وربما جمعوها على صحابي الحديث إن كان هو المدار. مثال ذلك -وهو مثال مختصر- قول مسلم: حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا جرير، ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة - كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبغض

стр. 57

الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (١). فقوله: (كلاهما) يعني جريرا، وأبا أسامة، فهما جميعا يرويانه عن الأعمش، وكان الأصل أن يقول مسلم: حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال … ، ثم يسوق المتن، ثم يسوق الإسناد الآخر كاملا ومتنه، لكن هذا فيه إطالة، فعدل مسلم إلى طريقة التحويل. وليس لطريقة التحويل هذه ضابط معين، فهم يتفننون في تطبيقها (٢)، فمثلا ربما كرر مسلم ذكر الأعمش في الإسنادين، عوضا عن قوله: (كلاهما)، كما في هذا المثال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، ح، وحدثنا منجاب بن الحارث التميمي -واللفظ له- أخبرنا ابن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث … (٣). ومعنى هذا أن الإسناد الأول -وهو إسناد أبي معاوية، ووكيع- هو عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث … الخ. وربما ذكره مرة وتركه أخرى، كما في الحديث رقم (٦٦١)، والحديث رقم (٧١٢)، وربما لم يذكر (كلاهما) أو ما يقوم مقامها، ولا يكرر المدار أيضا، كما في الإسناد الثاني من الحديث رقم (٤٣٢)، والإسناد الثالث من الحديث رقم (٤٣٦)، وكما في الحديث رقم (٢٩٩٨) عند أبي داود.

стр. 58

وكما أسلفت فليس لهذه الطريقة ضابط معين، وقد يدعونها في موضع يصلح لتطبيقها، وذلك بحسب النشاط والفتور، كما أنهم ربما احتاجوا إلى تحويل داخل تحويل، فتتداخل الطرق، كما فعل مسلم في الحديث رقم (٣١٩). ولا شك أن التحويل فيه اختصار للأسانيد، لكنه غير خال من إشكالات، إذ ربما سقط على المؤلف اسم راو، كما في قول البخاري: «حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، ح، وقال الليث: حدثني عبدالرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب أخبره، أن أبا هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال … » الحديث» (١). قال أبو مسعود الدمشقي: «هكذا في كتاب البخاري، أردف حديث الليث، عن عبدالرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، على حديث شعيب، ولم يقل في حديث شعيب عمن، وإنما يرويه شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وكذلك رواه البخاري، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، في كتاب الصيام (٢)، ولم يقل: عن سعيد بن المسيب». قال الجياني بعد أن نقل عن أبي مسعود ما تقدم: «وهذا تنبيه حسن جدا، ويمكن أن يكون البخاري اكتفى بما ذكره في كتاب الصيام، لكن هذا النظم فيه إلباس» (٣).

стр. 59

وكذلك في قول مسلم: «حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، ح، وحدثنا أبو كريب، وإسحاق الحنظلي، عن محمد بن بشر، عن مسعر، ح، وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعر - كلهم عن سعد بن إبراهيم, عن عبدالله بن شداد … » (١). قال أبو مسعود الدمشقي: «هكذا رواه مسلم: حدثنا أبو بكر، حدثنا وكيع، وأسقط منه سفيان، فتوهم الناس أنه: وكيع، عن مسعر، وإنما رواه أبو بكر في «المسند»، وفي (المغازي)، وفي غير موضع (يعني من «مصنفه») عن وكيع، عن سفيان، عن سعد» (٢). وقد يقع التحويل ممن فوق المؤلف، كما في الحديث الذي رواه مسلم، قال: «حدثنا زهير بن حرب، حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، أخبرني وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس، ح، وحدثني الزهري، عن علي بن عبدالله بن عباس، عن ابن عباس، ح، وحدثني محمد بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس … » (٣). فالقائل: وحدثني الزهري … ، وحدثني محمد بن علي … ، هو هشام بن عروة (٤).

стр. 60

وربما وقع في مثل هذا إشكال أيضا، مثال ذلك ما رواه مسلم، قال: «حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، ح، وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر … » (١). فالقائل: وحدثني هو معاوية بن صالح، كما هو الراجح، وقد قيل إنه ربيعة بن يزيد (٢). والمقصود هنا أن الباحث حين يريد نقل هذه الطرق إلى الرسم التوضيحي يجب عليه أن يتمعن فيها جيدا، وفي توزيعها عند المؤلف، ويقع الطلاب والباحثون المبتدئون كثيرا في الخطأ في التعامل مع الطرق حين استخدام المصنفين لهذه الطريقة، لا سيما مع تشعب الأسانيد وكثرة التحويل، فقد ساق ابن خزيمة طرق حديث عائشة في (فرك المني) فيما يقرب من صفحة ونصف (٣)، بل ربما وقع في الخطأ -والحالة هذه- صاحب الخبرة في التعامل مع الأسانيد، فقد رأيت أئمة وباحثين كبارا وقعوا في مثل هذا. ومن الأمثلة على التداخل في الأسانيد ومظنة الوقوع في الخطأ: الإسناد الثاني من الحديث رقم (٧٤٩) عند مسلم.

стр. 61

خامسا: ويشبه ما تقدم في الفقر السابقة وهو أدق منه: عطف الأسانيد بعضها على بعض، وهو نوع من التحويل، لكن دون استخدام أداة التحويل (ح)، فيكتفى بواو العطف، ويقوم بالعطف مصنف الكتاب، أو أحد الرواة فوقه. ومن أمثلة ذلك قول أحمد: «حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر، وعبدالرزاق، قال: أخبرنا معمر، أخبرنا الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله ﷺ جالسا في نفر من أصحابه … » الحديث» (١). فقوله: وعبدالرزاق، معطوف على قوله: حدثنا محمد بن جعفر، فأحمد يروي الحديث عن محمد بن جعفر، وعبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري. وقال أحمد أيضا: «حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، وابن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس قال: «سأل أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نرد عليهم؟ قال: فقولوا: وعليكم»، وحجاج مثله، قال شعبة: لم أسأل قتادة عن هذا الحديث، هل سمعته من أنس؟ » (٢). فهذا الحديث يرويه أحمد عن ثلاثة من شيوخه، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، وهم: يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر، وحجاج بن محمد المصيصي، والنقل الأخير عن شعبة هو من رواية حجاج فقط.

стр. 62

ورواه أحمد مرة أخرى عن الثلاثة جميعا فساقه سياقة أخرى بالعطف أيضا، قال: «حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، والحجاج قال: حدثني شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، وحدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثنا قتادة، عن أنس -والمعنى واحد-: «أن أصحاب النبي ﷺ … »، وقال حجاج: قال شعبة: لم أسأل قتادة عن هذا الحديث، هل سمعه من أنس؟ » (١). وقال أحمد أيضا: «حدثنا سفيان، قال: سمعت إبراهيم بن ميسرة، وحدثنا محمد بن المنكدر، سمعتهما يقولان: سمعنا أنسا يقول: «صليت مع النبي ﷺ بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين»، » (٢). فسفيان بن عيينة يرويه عن إبراهيم بن ميسرة، ومحمد بن المنكدر، عن أنس. وروى أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ أخرها حتى ذهب من الليل ما شاء الله … » (٣). فسفيان يرويه عن عمرو بن دينار، عن عطاء، ويرويه أيضا عن ابن جريج، عن عطاء.

стр. 63

وقال ابن جرير: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، ومنصور، عن أبي الضحى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، قالا: «محمد هو المنذر، وهو الهاد»، » (١). فقوله: ومنصور … ، معطوف على قوله: عن السدي … ، فسفيان الثوري يرويه عن السدي، عن عكرمة، ويرويه عن منصور، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح. وعطف الأسانيد بعضها على بعض بالواو لا يخلو من إشكالات أيضا، فقد لا يكون في السياق الذي أمام الباحث إسناد معطوف عليه أصلا، كما في قول البخاري: «حدثنا محمد بن عبدالرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبدالله بن وهب، قال: وأخبرني ابن جريج، أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس … »، فذكر الحديث في صلاة العيد وخطبتها (٢). قال ابن حجر في كلامه على هذا الحديث: «وقول ابن وهب: وأخبرني ابن جريج، معطوف على شيء محذوف» (٣). ورأيت في «صحيح مسلم» مواضع يقع فيها العطف على إسناد لم يذكره مسلم، قد نقله كما هو معطوفا، أو تكون الواو مقحمة، ينظر مثلا: حديث (٣٧٩)، وحديث (٥١٥) -الإسناد الثاني منه-، وحينئذ فالعطف لا اعتبار له.

стр. 64

ولا شك أن بيان سبب العطف أولى، كما في رواية الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: وأخبرني عطاء بن يزيد الليثي، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث … » الحديث، قال سفيان: «كان الزهري حدثنا قبله حديث أنس، ثم أتبعه هذا، فقال: وأخبرني عطاء بن يزيد» (١). ومن الإشكالات أيضا صفة الإسناد الأول بعد الملتقى، وكذلك تحديد المعطوف عليه، وسقوط أداة العطف، أو زوغان البصر عنها، أو استبدالها بعن. فرواية سفيان السابقة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، يحتمل فيها أن تكون رواية عمرو، عن عطاء، هي أيضا عن ابن عباس، ويحتمل أن تكون عن عمرو، عن عطاء مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وهذا هو الراجح (٢). ومن ذلك ما رواه سفيان بن عيينة أيضا، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن عباد بن تميم، عن عمه: «أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى يسمع

стр. 65

صوتا، أو يجد ريحا»، وفي بعض رواياته: عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم … (١). وكذا رواه محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، إلا أنه رواه بلفظ: «لا وضوء إلا فيما وجدت الريح، أو سمعت الصوت»، دون قصة (٢). فرواية سعيد بن المسيب يحتمل أن تكون مرسلة، ويحتمل أن تكون من روايته عن عبدالله بن زيد، عن النبي ﷺ ، كرواية عباد بن تميم (٣). وروى مسلم قال: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، وحميد، عن أنس … » (٤). قال أبو علي الجياني: «ظاهر هذا الإسناد أن شعبة يرويه عن قتادة، وحميد، عن أنس، وباطنه أن أبا خالد الأحمر يرويه عن حميد، عن أنس، وعن شعبة، عن قتادة، عن أنس» (٥)، ثم روى بإسناده إلى أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، وشعبة، عن قتادة، عن أنس … (٦).

стр. 66

قال النووي تعقيبا على إسناد ابن أبي شيبة هذا: «فيه أيضا إيهام، فإن ظاهره أن حميدا يرويه عن قتادة، وليس المراد كذلك، بل المراد أن حميدا يرويه عن أنس كما سبق» (١). وقال مسلم أيضا: «حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، قال: ويحيى بن يمان حدثنا، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «إن كنا آل محمد ﷺ لنمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء»، » (٢). فالقائل: ويحيى بن يمان حدثنا، هو عمرو الناقد، نبه عليه الجياني، وذكر أنه وقع في بعض نسخ «صحيح مسلم»: حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا عبدة، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن هشام، قال الجياني: «وهذا وهم، ليس يروي عبدة، عن يحيى بن يمان» (٣). وقال الزيلعي في تخريجه لحديث: «ثم روى -يعني البيهقي- من حديث

стр. 67

عبدالله بن الأجلح: حدثنا أبي، عن يزيد الفقير، عن أبيه قال: سمعت الفضل بن فضالة، يحدث أبي، عن أبي حرب بن الأسود الديلي، عن أبيه -دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه-» (١). كذا ساقه الزيلعي مطولا، والصواب أنهما إسنادان، فعبدالله بن الأجلح يرويه عن أبيه، عن يزيد الفقير، عن أبيه، ويرويه عبدالله بن الأجلح أيضا عن الفضل بن فضالة، عن أبي حرب بن الأسود، عن أبيه (٢)، فلعل الواو سقطت من نسخة الزيلعي، أو ند بصره عنها. وروى الإسماعيلي من طريق عمار بن رجاء، عن أبي داود، عن شعبة، وحماد، عن عاصم، وشعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال عمر: «أيكم يحفظ ما قال النبي ﷺ في الفتنة … » الحديث (٣). مَرَّ أحد الباحثين بهذا الإسناد، ففسر حمادا بأنه حماد بن أبي سليمان، وأن في الإسناد حينئذ تحريفا، وتقديما وتأخيرا، والصواب: عن أبي داود، عن شعبة، عن حماد، وعاصم، والأعمش، واستدل على ذلك برواية الترمذي (٢٢٥٨)، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الأعمش، وحماد، وعاصم بن بهدلة، عن أبي وائل. كذا قال، والإسناد عند الإسماعيلي مستقيم، وحماد في الإسناد هو حماد

стр. 68

بن سلمة، وليس حماد بن أبي سليمان، فأبو داود فيه يرويه عن شعبة، وحماد بن سلمة، عن عاصم، وعن شعبة وحده عن الأعمش، وأما ما في الترمذي فيرويه أبو داود عن شعبة وحده عن شيوخه الثلاثة، ومن بينهم حماد بن أبي سليمان (١). وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، وعن عبدالكريم، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة مرسلا في هدي التطوع, مختصرا (٢). مَرّ بعض الباحثين بهذا الإسناد، واستظهروا أن الصواب فيه: عن عطاء، عن عبدالكريم، بدون واو، وبنوا عليه أن سقطا قد وقع فيما أخرجه ابن قانع من طريق عبيدالله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن عبدالكريم، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة (٣)، فرجحوا سقوط عطاء من الإسناد. والذي يظهر أنهما إسنادان، فابن أبي ليلى يرويه عن عطاء بن أبي رباح، مرسلا، ويرويه عن عبدالكريم بن أبي المخارق، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة مرسلا (٤).

стр. 69

والخلاصة مما تقدم أن على الباحث أن يدقق جيدا في الأسانيد التي يقع فيها عطف، ليتأكد من الإسناد وصفته، ويدقق كذلك في الأسانيد التي يرتاب فيها أن يكون فيها عطف سقطت أداته. سادسا: يقع الاختلاف كثيرا بين الرواة إما في إسناد حديث أو في متنه، فإذا أراد المصنف أن يبين ويفصل رواية هذا من رواية هذا فعل ذلك وهو يسوق الإسناد، فيضع في وسط الإسناد ما يعرف بالجملة المعترضة، وربما أخر بيان ذلك في ختام الرواية، وهذا كثير جدا، فليزم الباحث التدقيق في سياق المؤلف للإسناد، والتأني في قراءته، والحرص على أن لا يفوته شيء ذكره المؤلف لاحقا. ومن أمثلة ذلك قول أحمد: «حدثنا أبو معاوية، ووكيع -المعنى-، قالا: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، قال وكيع: سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس، عن ابن عباس، قال: مر النبي ﷺ بقبرين … » (١). فقوله: «حدثنا أبو معاوية، ووكيع -المعنى-»، هذا قول أحمد، ومراده أن الروايتين بمعنى واحد، رواية أبي معاوية ورواية وكيع، وهي كلمة تتردد كثيرا في المصادر، عند أحمد، وأبي داود، وغيرهما, وربما غلط فيها بعض الباحثين، فظنها نسبة للراوي. وقوله: «قال وكيع: سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس، عن ابن عباس»، هذه الجملة لو أخذناها على ظاهرها لكان وكيع يروي عن مجاهد، وهو لم يدرك

стр. 70

مجاهدا، فغرض أحمد أن يبين صيغة رواية الأعمش، عن مجاهد، في رواية وكيع، وفي رواية أبي معاوية، ففي رواية وكيع يقول الأعمش: سمعت مجاهدا، وفي رواية أبي معاوية ليس فيه التصريح بالتحديث، فأراد أحمد بهذا بيان أن الأعمش صرح بالتحديث في رواية وكيع، وإنما فعل هذا أحمد لغرض مهم، ذلك أن الأعمش مدلس، خاصة عن مجاهد (١)، وتصريحه بالتحديث ينفي ذلك. وقال أحمد أيضا: «حدثنا يزيد، أخبرنا سفيان الثوري، وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه -قال حماد في حديثه: عن أبي سعيد الخدري، لم يجز سفيان أباه- قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام»، » (٢). والمقصود من هذا البيان أن رواية الثوري لم يذكر فيها أبا سعيد، فجعله عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، مرسلا، وأما رواية حماد بن سلمة ففيها ذكر أبي سعيد. وروى أحمد، عن يحيى بن سعيد، حدثنا حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر،

стр. 71

فتلاحى رجلان، فرفعت، فقال: خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفعت، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»، ثم قال أحمد: حدثنا عبيدة، وقال: «التمسوها في التاسعة التي تبقى» (١). فعبيدة بن حميد يروي الحديث عن حميد، عن أنس، عن عبادة، واختصر أحمد الإسناد، فغرضه بيان اختلاف روايته عن رواية يحيى القطان في هذا القدر من الحديث. وقال ابن ماجه: «حدثنا جميل بن الحسن، حدثنا عبدالأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، ح، وحدثنا عبدالرحمن بن عمر، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا سعيد، وهشام بن أبي عبدالله، عن قتادة -وهذا حديث عبدالرحمن- عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبدالله، عن أبي موسى الأشعري: «أن رسول الله ﷺ خطبنا … » الحديث». فالحديث يرويه قتادة، عن يونس بن جبير، وقول ابن ماجه: «وهذا حديث عبدالرحمن» أراد به أن اللفظ الذي سيسوقه للحديث إسنادا ومتنا بعد قتادة هو رواية عبدالرحمن بن عمر، عن محمد بن أبي عدي، عن سعيد، وهشام، عن قتادة. سابعا: سيجد الباحث وهو يجمع طرق حديثه أن هناك نوعين من الأسانيد، الأول: الأسانيد المسندة، وهي التي يسوقها مؤلف المصدر بإسناده، ابتداء من شيخه، وهذه الأسانيد لا خفاء في ضرورة احتفاء الباحث بها وتقييده لها.

стр. 72

والثاني: الأسانيد المعلقة، وهي التي يحذف المؤلف بعض إسناده، وذلك من أول الإسناد، فيسقط شيخه، أو شيخه وشيخ شيخه، وقد يسقط أكثر من ذلك. والتعليق بدأ مبكرا، منذ عصر الرواية الأول، فالصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، وهو لم يسمعه، يكون قد علق الإسناد، وكذلك التابعي، وإذا قال تابع التابعي: قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ ، فهو أيضا تعليق، غير أن هذا كان عندهم داخلا في مسمى الإرسال، إذ كان الإرسال يشمل كل سقط في الإسناد. ومصطلح التعليق استخدم فيما بعد، أطلق على صنيع المصنفين، كالبخاري مثلا، فالأسانيد التي يحذف منها البخاري شيخه، أو يحذف معه شيخ شيخه -أو يزيد على ذلك- سموه تعليقا، وشمل ذلك ما حذف منه المصنف جميع الإسناد، كأن يقول: قال رسول الله ﷺ ، أو قالت عائشة، أو قال ابن عباس. والتعليق موجود في كثير من مصادر السنة، مثل «صحيح البخاري»، و «صحيح مسلم»، و «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، وغيرها، على تفاوت بينها في القلة والكثرة، فمثلا يكثر ذلك في «صحيح البخاري»، و «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، على حين أنه قليل جدا يعد على الأصابع في «صحيح مسلم». وهم يفعلون ذلك في الغالب للاختصار، فإذا ساق طريقا مسندا أو أكثر، قد يتبعه بروايات معلقة، يقصد بها شد ذلك الإسناد وتقويته، أو بيان تصريح بالتحديث، أو زيادة في اللفظ، أو مخالفة لبعض رواة الإسناد الذي ساقه، ولو ساق جميع ذلك مسندا لطال كتابه، وقد يعلق ابتداء، فلا يسوق طريقا مسندا

стр. 73

للحديث، كما يفعله البخاري في أحاديث يذكرها ليستدل بها، ليست على شرطه، أو ربما ليضعفها. وقد كثر هذا النوع من الأسانيد جدا في المصادر التي غرضها الأساس نقد المرويات، وليس روايتها وجمعها، مثل كتب السؤالات، وكتب العلل، مثل: «علل ابن المديني»، «وعلل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني»، و «مسند البزار»، وغيرها، وفي كثير منها يكون ما يعلقه المؤلف أكثر بكثير مما يسنده، والقارئ في «علل ابن أبي حاتم» -مثلا- يلحظ ذلك بسهولة. وهؤلاء أيضا دفعهم للتعليق قصد الاختصار، ولو ساق المؤلف جميع أسانيده مسندة لطال الكتاب جدا، فـ «علل الدارقطني» طبع في خمسة عشر مجلدا، ولو أسند الدارقطني جميع ما فيه لربما زاد على المئة مجلد، وهكذا يقال في «مسند البزار»، هو في عدة مجلدات، مع كونه يعلق أسانيد كثيرة جدا. ثم هذه الكتب ليس مقصودها الأول جمع المرويات، وإنما غرضها الأساس نقدها، وهذا يكفي فيه في الغالب ذكر الطريق من قبل السائل، أو من قبل المجيب، أو المؤلف. وإذا كان الأمر كذلك في هذه الكتب مع تقدم عصرها فلا شك أن التعليق سيكثر جدا في الكتب التي ألفت بعد عصر الرواية، مثل كتب التخريج، وكتب الشروح، وغيرها. والطرق المعلقة لها قواعدها الخاصة بها فيما يتعلق بالاستفادة منها في النظر

стр. 74

في حال الحديث، وفيما يثبته الباحث منها في التخريج، وكيفية صياغته، وسيأتي هذا كله في أماكنه من هذا الكتاب. والذي يهمنا هنا ما يتعلق بمرحلة جمع الطرق، فالمطلوب من الباحث أن يحتفي بالطرق المعلقة كاحتفائه بالطرق المسندة، ويقيدها أثناء جمعه للطرق، بالغة ما بلغت، والحاجة إليها قد تكون في بعض الأحاديث أشد من أسانيد للحديث وجدها الباحث مسندة. والباحث إذا وصل إلى مكان الحديث في المصدر ووجده قد ساق إسناده ولم يعلقه لا يكتفي بتقييد إسناده، وعليه أن يقرأ ما قبله وما بعده، خشية أن يكون المؤلف أضاف شيئا من الطرق لم يسندها، وإذا كان الباحث مستعجلا ربما فاته شيء منها. ومن جهة ثانية، فتعليق الطرق يختلف عند المؤلفين والنقاد بصفة عامة عن ذكرها مسندة، إذ يحرصون على اختصارها ما أمكن، ولهذا فالمطلوب من الباحث حين يريد جمعها أن يتمعن فيها جيدا قبل إثباتها في رسمه التوضيحي، ولا يثبتها فيه حتى يتضح له مسار هذه الطرق. فالمؤلف أو الناقد وهو يذكر الرواة عن المدار ربما زاد في بعض الرواة عن المدار بذكر من دونه أيضا، وذلك في سياق واحد، بغرض بيان حال الإسناد قبله، أو لكونه قد روي عنه رواية أخرى، فيريد الناقد بيان من روى هذه عنه, ومن روى هذه.

стр. 75

وممن يفعل هذا كثيرا الدارقطني في «علله»، لكونه يسوق طرقا كثيرة، واختلافات عالية ونازلة، وسوقه للأسانيد في الغالب لا غموض فيه، كما في قوله وقد سئل عن حديث زيد بن يثيع، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ : «إن تستخلفوا أبا بكر تجدوه زاهدا في الدنيا … » الحديث، قال: «هو حديث يرويه زيد بن يثيع، واختلف عنه، فرواه أبو إسحاق، واختلف عن أبي إسحاق أيضا، فقال يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل -من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه-، وفضيل بن مرزوق، وجميل الخياط: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي … ، وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، لم يذكر عليا … » (١). فذكر في هذا النص روايتين عن إسرائيل، الأولى من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه، وهي الموصولة بذكر علي، والثانية المرسلة، ولم يذكر الدارقطني من رواها عن إسرائيل، ولعل ذلك لكونها هي المشهورة عن إسرائيل. وربما كان في السياق شيء من الغموض، فيحتاج الباحث إلى حسن التعامل مع النص حينئذ، وذلك بالاستعانة بطبقات الرواة، ومصادر التخريج. مثال ذلك أن الليث بن سعد روى عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: «قالوا لرسول الله ﷺ : أصحاب الحمر؟ قال: لم ينزل علي في الحمر شيء، إلا هذه الآية الفاذة … » الحديث.
следующие страницы →