التفسير:
[١] ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مبتدأ وخبرٌ، كأنه يخبر أن الله هو المستحقُّ للحمدِ، وهو بمعنى الأمرِ؛ أي: احمدوه، والحمدُ: هو الثناءُ الكاملُ، وهو أعمُّ من الشكر؛ لأن الشكرَ إنما يكون على فعلٍ جميلٍ يُسْدَى إلى الشاكر، والحمدُ المجرَّدُ هو ثناء بصفاتِ المحمود من غير أن يُسْدِيَ شيئًا، واللام في (لله) للاستحقاق، كما يقال: الدارُ لزيدٍ، وهو اسم خاصٌّ لله ، وتقدم تفسيرُه مستوفىً في البسملة، واتفق القراء على تغليظ اللام من اسمِ الله تعالى إذا كان بعدَ فتحةٍ أو ضمةٍ نحو: (شَهِدَ الله) و (رُسُلُ اللهِ)، فإن كان قبلَها كسرةٌ، فلا خلافَ في ترقيقها، نحو (بسمِ اللهِ) و (الحمدُ للهِ)، فإن فُصل هذا الاسمُ مما قبله، وابتُدِئَ به، فتحت همزةُ الوصل، وغُلِّظت اللامُ من أجل الفتحة.
﴿رَبِّ﴾ أي: مالك، كما يقال لمالكِ الدار: ربُّ الدار، ويقالُ لربِّ الشيء إذا ملكَه، ويكونُ بمعنى التربية والإصلاح؛ فالله سبحانَهُ مالكُ العالَمين ومُرَبِّيهم، ولا يقال للمخلوق: هو الربُّ، معرفًا، إنما يقال: ربُّ كذا، مضافًا؛ لأن الألف واللام للتعميم، وهو لا يملك الكل.
стр. 107
﴿الْعَالَمِينَ﴾ أصنافِ الخلائق، فكلُّ موجودٍ سوى الله يقال لجملته: عالَمٌ، واشتقاقه من العَلَم، وهو العلامةُ، سُمُّوا به، لظهور أثر الصنعةِ فيهم، وعَلَمُهم وجودُ الصانعِ -جلَّت قدرتُه-.
...
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ .
[٣] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تقدم تفسيرُهما في البسملة.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ .
[٤] ﴿مَالِكِ﴾ قرأ عاصم والكسائيُّ ويعقوبُ وخلفٌ (مَالِكِ) بألف بعد الميم، والمعنى أن الله تعالى يملك ذلكَ اليومَ أن يأتيَ به كما يملكُ سائرَ الأيام، لكن خصَّصه بالذكر؛ لعظمهِ في جمعه وحوادثه. وقرأ الباقون (مَلِكِ) بغيرِ ألفٍ (١). المعنى: أنه ملكُ الملوكِ في ذلك اليوم، لا مُلْكَ لغيره. وقرأ أبو عمرو (الرَحِيم مَّلِكِ) بإدغام الميم في الميم (٢)، وكذلك يدغم كلَّ حرفين، سواءٌ كانا مثلين، أم جنسين، أم متقاربين، إذا لم ينون الأول نحو: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]، أو يشدّد نحو: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، أو تاء متكلم نحو: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، أو مخاطَبٍ نحو:
стр. 108
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ [يونس: ٩٩]، وشبهِه، وسيُذْكَر كلُّ شيءٍ في محلِّه إن شاءَ الله تعالى.
واختلف الآخذون بوجه الإدغام فيما إذا كان الأول مجزومًا، وذلك في قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ﴾ [آل عمران: ٨ ٥] ، و ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩]، و ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٢٨]، وكذلك اختلفوا في ﴿آلَ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وفي الواو إذا وقع قبلها ضمة، نحو: ﴿هُوَ وَالَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، و ﴿هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ١٨]، واتَّفقوا على إظهارِ ﴿يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] من أجل الإخفاء قبلُ. ومعنى المثلين: ما اتفقا مخرجًا وصفة، نحو: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤]، و ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، وشبهِه. والجنسين: ما اتفقا مخرجًا، واختلفا صفةً، نحو: ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿أَثْقَلَتْ دَعَوَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وشبهه. والمتقاربين: ما تقاربا مخرجًا أو صفةً، نحو: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، و ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ [النور: ٤٥]، وشبهه.
﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: الجزاء، ومنه قولُهم: كما تدينُ تُدان.
...
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
[٥] ﴿إِيَّاكَ﴾ كلمة ضمير خُصَّت بالإضافة إلى المضمر، وتستعمل مقدَّمًا على الفعل، فيقالُ: إياكَ أعني، ولا تُستعمل مؤخَّرًا، ولا منفصلًا، فيقالُ: ما عنيتُ إلا إياك، وتقديمُها اهتمامًا، وشأنُ العرب تقديمُ الأهم.
﴿نَعْبُدُ﴾ أي: نوحِّدك ونُطيعك خاضعين، والعبادةُ: الطاعةُ مع التذلُّل والخضوع، وسُمِّي العبدُ عبدًا؛ لذلَّته وانقياده.
﴿وَإِيَّاكَ﴾ كرَّرها تأكيدًا للاختصاص.
стр. 109
﴿نَسْتَعِينُ﴾ نطلبُ منك المعونة على عبادتك، وعلى جميع أمورنا، تلخيصه: نخصُّك بالعبادة وطلب المعونة، وهذا كله تبًرٍّ من الأصنام.
...
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿اهْدِنَا﴾ أي: أرشدنا، وهذا الدعاءُ من المؤمنين -مع كونهم على الهداية- بمعنى التثبيت، وبمعنى طلب مزيد الهداية.
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الطريقَ الواضحَ، وهو الإسلام، أو القرآن.
قرأ قنبلٌ عن ابن كثير، ورويسٌ عن يعقوبَ (السِّرَاطَ) حيثُ وقعَ، وكيف أتى: بالسين، وهو أصلُ اللفظة، وأشمَّ الصادَ الزايَ حيث وقعَ: خلفٌ عن حمزة، وافقه في (الصَّرَاطَ) هنا خاصة: خلَّادٌ عن حمزة (١)، وكلُّها لغات صحيحة، والاختيارُ الصادُ عندَ أكثرِ القراء؛ لموافقة المصحف.
...
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ الذين مَنَنْتَ.
стр. 110
﴿عَلَيْهِمْ﴾ عليهم بالهداية والتوفيق، وهم كلُّ من ثبته اللهُ على الإيمان من النبيين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين. قرأ حمزةُ ويعقوبُ (عَلَيْهُمْ) بضم الهاء حيث وقع، والباقون بكسرها، ومنهم: ابنُ كثير، وأبو جعفرٍ، وقالونُ بخلاف عنه (عَلَيْهِمُ) بضم الميم وصلتها بواوٍ حالةَ الوصل، والباقون بإسكان الميم في الحالين (١)، فمن ضمَّ الهاءَ، ردَّها إلى الأصل؛ لأنها مضمومة عند الانفراد، ومن كسرَ لأجلِ الياءِ الساكنةِ، والياءُ أختُ الكسرة.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: غيرِ صراط الذين غضبتَ عليهم، وهم اليهودُ، والغضبُ من الله تغييرُ النعمة، وغضبُ الله لا يلحقُ عُصاةَ المؤمنين، إنما يلحق الكافرين.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أي: وغيرِ الضالين عن الهدى، وهم النصارى، والضلالُ: الذهابُ عن الصواب في الدين؛ لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب، فقال: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، وحكم على النصارى بالضلالة، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧].
ويسن للقارئ أن يقولَ بعد فراغه من قراءة الفاتحة: آمين مفصولًا عنها
стр. 111
بسكتة، وهو مخفَّف، ويجوز ممدودًا ومقصورًا، ومعناه: اللهمَّ اسمعْ واستجبْ.
روى أبو هريرةَ وغيرُه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قالَ الإمامُ: ولا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمين، فإنَّ الملائكةَ تقولُ في السماءِ: آمين، فمن وافقَ قولُه قولَ الملائكة، غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبِه" (١).
وليس التأمينُ من القرآن بالاتفاق، بدليل أنه لم يثبت بالمصاحف.
واختلف الأئمةُ في الجهر به في الصلاة الجهرية، فعند أبي حنيفة: يخفيه الإمامُ والمأموم، وعند مالك: لا يؤمِّنُ الإمام في الجهرية، وهو الأفضل عنده، وروي عنه: يؤمِّن ويُسِرُّ كالمأمومِ والمنفردِ، وعندَ الشافعيِّ وأحمدَ: يجهرُ به الإمامُ والمأموم، والله أعلم.
...
стр. 112
سُوْرَةُ البَقَرَة
مدنيةٌ، وآيها مئتان وثمانون وستُ آيات، وحروفُها خمسةٌ وعشرون ألفَ حرفٍ وخمسُ مئةِ حرف، وكلمُها ستةُ آلاف ومئةٌ وإحدى وعشرون كلمةً.
ويقال لسورة البقرة: فُسْطاطُ القرآن، وذلك (١) لعظمِها وبهائها، وما تضمنت من الأحكام والمواعظ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١)﴾.
[١] ﴿الم (١)﴾ اختلف في سائر حروف الهجاء من فواتح السور، فقيل: هي من المتشابِه الذي انفرد الله بعلمه، وهي سرُّ القرآن، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن نؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت، وقال الجمهور من العلماء: بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتُلتمس الفوائدُ التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا فيها، فقيل: هي اسم الله الأعظم، وقيل: أسماءٌ أقسم الله بها، وقال ابن عباس ﵄: معنى (الم):
стр. 113
أنا الله أعلم، ومحل ذلك من الإعراب: أن (الم): ابتداء، و (ذلك) خبره، و (الكتاب) صلةُ خبرهِ؛ كقولك: زيدٌ ذلكَ الرجلُ لا تشكَّ (١) فيه. قرأ أبو جعفر بتقطيع الحروف، يسكت على (٢) كل حرف سكتة يسيرةً في جميع أحرف الهجاء من فواتح السور، ويلزم من سكته إظهارُ المدغَم منها، والمخفى وقطعُ همزة الوصل بعدها.
...
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.
[٢] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا.
﴿الْكِتَابُ﴾ هو القرآن؛ لأن الله سبحانه كان قد وعد نبيَّه ﷺ أن يُنزل عليه كتابًا لا يمحوه الماء، فلما أنزل القرآن، قال: هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك بإنزاله، و (هذا) للتقريب، و (ذلك) للتبعيد، وأصل الكَتْبِ الضمُّ والجمع، فسمي الكتابُ كتابًا لأنه جمعُ حرف إلى حرف.
﴿لَا رَيْبَ﴾ أي: لا شك.
﴿فِيهِ﴾ أنه من عند الله تعالى، وأنه الحقُّ والصدق. قرأ حمزة: (لا ريب) بالمد بحيث لا يبلغ الإشباع، وكذلك ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] ﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] ﴿لَا خَيْرَ﴾ [النساء: ١١٤] ﴿لَا ضَيْرَ﴾ (٣) [الشعراء: ٥٠]، وابنُ كثير يصلُ هاء الكناية الساكن قبلها بياء في الوصل إن كانت مكسورة، وبواو إن كانت مضمومة نحو (فيهي هُدًى)
стр. 114
و (شروهو بثمن) ونحوه حيث وقع (١). وقرأ أبو عمرو: (فيه هدى) بإدغام الهاء في الهاء (٢).
﴿هُدًى﴾ أي: هو رشد وبيان لأهل التقوى، والهدى: ما يهتدي به الإنسان.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: للمؤمنين وهم من يتقي الشرك والكبائر والفواحش، وهو مأخوذ من الاتقاء، وأصله الحجزُ بين شيئين، والوقايةُ: فرط الصيانة، وتخصيصُ المتقين بالذكر تشريف (٣) لهم.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون، وحقيقة الإيمان: لغةً: التصديق بما غاب، وشرعًا: عند أبي حنيفة: تصديقٌ بالقلب، وعمل باللسان، وعندَ الثلاثة: عَقدٌ بالجنان، ونطقٌ باللسان، وعملٌ بالأركان، فدخلَ كلُّ الطاعات، ويأتي ذكرُ الخلاف في زيادته ونقصانه، والاستثناء فيه في سورة
стр. 115
الفتح إن شاء الله تعالى. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ عن نافع، وأبو جعفرٍ: (يومنون) حيث وقع بواو ساكنة بغير همز، والآخرون يهمزونه (١).
﴿بِالْغَيْبِ﴾ هو مصدر، وضع موضع الاسم، فقيل للغائب: غَيب، كما قيل للعادل: عَدل، والغيبُ ما كان مُغَيَّبًا عن العيون؛ المعنى: يؤمنون بما غَاب عنهم مما أخبر الله عنه.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي: يديمونها، ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهيئاتها، والمراد بها الصلوات الخمس. والصلاة في اللغة: الدعاء. قرأ ورش عن نافع (الصَّلاَةَ) بتغليظ اللام حيث وقع (٢).
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي: أعطيناهم، والرزقُ: اسم لكل ما يُنتفَع به، حتى الولدُ والعبدُ، وأصله في اللغة الحظُّ والنصيب. قرأ ابن كثيرٍ، وأبو جعفر، وقالونُ بخلافٍ عنه: (رزقناهمو) بواو بعد الميم.
﴿يُنْفِقُونَ﴾ يُخرجون عن أيديهم ما فيها في طاعة الله، وأصل الإنفاق: الإخراجُ عن اليد والملك، فهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب.
стр. 116
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني: القرآن.
﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء ﵈. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر: بقصر المد المنفصل حيث وقع (١)، واختلف عن قالون، وورش، وأبي عمرو، ويعقوبَ، وهشامٍ، وحفص، فروي عنهم القصرُ، والباقون يطولونه، وأما المتصل، فاتفق جمهورُ القراء على مده قدرًا واحدًا مشبَعًا من غير إفحاش، وذهب آخرون إلى تفاضل مراتبه، فأطولُهم مدًّا في نوعي المتصل والمنفصل: ورشٌ وحمزةُ، ودونهما: عاصمٌ، ودونه: ابنُ عامرٍ، والكسائيُّ وخلفٌ لنفسه، ودونهم: قالونُ، والدُّوريُّ عن أبي عمرو، ويعقوبُ، وأقلُّهم مدًّا: ابنُ كثير وأبو جعفرٍ، والتفاوتُ بينهم لا يكاد ينضبط، والمدُّ: هو زيادة المطِّ في حروف المدِّ، وهي الألفُ مطلقًا، والواو الساكنة المضمومُ ما قبلَها، والياءُ الساكنةُ المكسورُ ما قبلها، فالمتصلُ أن تكون الهمزة مع حرف المد في كلمة واحدة؛ نحو: (أُولَئِكَ) و (شاءَ الله)، وشبهِه، والمنفصلُ أن تكونَ الهمزةُ أولَ كلمةٍ وحرفُ المد آخرَ كلمةٍ أخرى، نحو: (بمِا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)، و (يا أيُّها)، و (قَالُوا آمَنَا)، ونحو ذلك، والقَصْرُ: هو تركُ تلكَ الزيادة، وهذه الآيةُ في المؤمنين من أهل الكتاب.
﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: وبالدار الآخرة، وسميتا بالآخرة؛
стр. 117
لتأخرها عن الدار الأولى؛ كما سميت الدنيا دنيا لدنوِّها من الخلق الأول. قرأ ورشٌ عن نافعِ: (وبالآخرة) بنقل حركة الهمز إلى الساكن قبله، وترقيق الراء حيث وقع (١)، وحمزةُ يسكت في لام التعريف حيث أتت، نحو (الأَرْض) و (الآخِرَة) سكتةً من دون تنفُّس، وإذا وقف له النقل بخلاف عنه (٢)، ويسكت رُويس على ذلك دونَ سكتِهِ. وقرأ الكسائي (وبالآخرة) بالإمالة حيث وقف على هاء التأنيث (٣)، وقيل للكسائي: إنك تُميل ما قبل هاء التأنيث، فقال: هذا طباع العربية.
﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان، وهو العلمُ الحاصلُ، وهو طُمأنينة القلب على حقيقة الشيء.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: أهلُ هذه الصفة، و (أولاءِ) كلمةٌ معناها الكنايةُ عن جماعة نحو: هم، والكافُ للخطاب كما في حرف ذلك.
﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على رشد وبيان وبصيرة.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون والفائزون، فازوا بالجنة،
стр. 118
ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء؛ أي: الباقون في النعيم، وأصل الفلاح: القطعُ والشقُّ، ومنه سمي الزرَّاع فلاحًا؛ لأنه يشق الأرض، فهم المقطوعُ لهم بالخير في الدنيا والآخرة. روي عن يعقوبَ الوقفُ بالهاء على النون المفتوحة نحو (العالمينَ)، و (الذينَ)، و (يؤمنونَ) (١)، و (ينفقونَ)، و (المفلحونَ)، وشبهِه، حيث وقع (٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي العرب، أو اليهود، والكفر: هو الجحود، وأصلُه، من الستر، ومنه سمي الليل كافرًا؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسمي الزرَّاع كافرًا؛ لأنه يستر الحبَّ بالتراب، والكافرُ يستر الحقَّ بجحوده، والكفرُ على أربعة أنواع: كفرُ إنكار، وهو ألا يعرف الله أصلًا، ولا يعترف به، وكفر جحود، وهو: أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه؛ كإبليس، وكفر عناد: أن يعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين به؛ كأبي طالب، وكفر نفاق، وهو: أن يقر باللسان، ولا يعتقد بالقلب.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: متساوٍ عندهم، وقد تقدم في الفاتحة مذهبُ يعقوبَ في ضمِّ هاء (عَلَيْهُم)، وكذلك يضم كل هاء وقعت بعد ياء ساكنة، نحو: (إليهُم)، و (لديهُم) و (عليهُما)، و (إليهُما)، و (فيهُما)، و (عليهُن)،
стр. 119
و (إليهُن)، و (فيهُن)، و (أبيهُم)، و (صياصيهُم)، و (بجنتيهُم)، و (ترميهُم)، و (ما نريهُم)، و (بين أيديهُم)، وشبه ذلك، وافقه حمزة في (عليهُم) و (إليهُم)، و (لديهُم) فقط، وتقدم (١) مذهبُ ابن كثير وأبو جعفرٍ وقالونُ في صلة ميم الجمع بواو في اللفظ حيث وقع، وافق ورشٌ على الصلة عند همز القطع لمن وصل الميم في نحو (عليهمو) (أأنذرتهمو أم لم)، وشبهه حيث وقع.
﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ أعلمتهم محذِّرًا، والإنذارُ: إعلامٌ مع تخويف وتحذير. قرأ أبو عمرٍو وابنُ كثير وأبو جعفرٍ وقالونُ عن نافعٍ، ورُويس عن يعقوبَ (ءأنذرتهم) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والألف، وأبو عمرو وقالونُ وأبو جعفرٍ يفصلون بين الهمزتين بألف، وورشٌ يبدلها ألفًا خالصةً، ورُوي عنه التسهيل بينَ بينَ. وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن ذكوان، ورَوْح بتحقيق الهمزتين (٢)، من غير فصل بينهما كل القرآن. واختلف عن هشام في الفصل مع تحقيق الهمزتين، واختلف عنه أيضًا في تسهيل الثانية بينَ بينَ وتحقيقها، وزعم بعضُهم أن من قلبَ الهمزة الثانية ألفًا على أحد الوجهين لورش لاحنٌ؛ لجمعه بين ساكنين على غير حدِّه. قال الكواشيُّ: وفي زعمه نظرٌ، ثم بَيَّنَ وجهَ القراءة بذلك، وجوازَ الجمع
стр. 120
بينَ ساكنين، وملخَّصه أنه يجوز الجمعُ بين ساكنين مطلقًا إذا صحَّ نقلُه، وقد صحَّ، ومتى اجتمعت همزتان في كلمةٍ الثانيةُ ساكنةٌ، والأولى متحركةٌ بأية حركة كانت، فأجمع القراء أن الأولى محققة، والثانية مسهلة تُبدل واوًا إذا انضم ما قبلها، وألفًا إذا انفتح، وياء إذا انكسر؛ كآدمَ وأُوتي وإيمان.
﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ المعنى: إن الذين كفروا مستوٍ لديهم إنذارُك وعدمُه، والألف في قوله (ءأنذرتهم) ألفُ التسوية؛ لأنها ليست كالاستفهام، بل المستفهِم والمستفهَم مستويان في علم ذلك، وهذه الآية في أقوام حَقَّتْ عليهم كلمةُ الشقاوة في سابق علم الله.
ثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ .
[٧] ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أي: طبع الله.
﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا تعي خيرًا، ولا تفهمه، وحقيقة الختم: الاستيثاقُ من الشيء، ومنه الختمُ على الباب.
﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ أي: على موضع (١) سمعهم، فلا يسمعون الحقَّ، ولا ينتفعون به، وأراد: على أسماعهم؛ كما قال: على قلوبهم.
﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ وهذا ابتداء كلام.
﴿غِشَاوَةٌ﴾ أي: غطاء، فلا يرون الحق. قرأ أبو عمرو، وورش عن
стр. 121
نافع، والدوريُّ عن الكسائي (أبصارهم) و (ديارهم) وشبهه بالإمالة حيث وقع (١)، والباقون بالفتح، فالفتح بلغة أهل الحجاز، والإمالة لغةُ عامةِ أهلِ نجدٍ من تميم وأسدٍ وقيسٍ، والفتحُ عبارةٌ عن فتح القارئ لفيه بلفظِ الحرف، وهو فيما بعده ألف أظهر، والإمالة: أن ينحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: في الآخرة، والعذابُ: كلُّ ما يُعَنَّى به الإنسان ويشقُّ عليه. قرأ حمزة برواية خلف (غِشَاوَة وَّلَهُمْ) بإدغام التنوين بغير غنة (٢).
• ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ نزلت في المنافقين: عبدِ الله بنِ أُبيِّ ابن سلولَ، وسلولُ أُمُّهُ، وبها يُعرف، وحارثِ بنِ عمرٍو، وعمر بنِ زيدٍ، ومُعَتِّبِ بنِ قُشير، وجَدِّ بنِ قيسٍ، وأصحابِهم؛ حيثُ أظهروا كلمةَ الإسلام ليسلَموا من النبيِّ وأصحابه، واعتقدوا خلافَها، وأكثرُهم من اليهود (٣). والناسُ: جمعُ إنسان سمي به؛ لأنه عُهِد إليه فنسيَ كما قال
стр. 122
تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]. قرأ أبو عمرٍو والكسائيُّ (وَمِنَ النَّاسِ) بالإمالة حيث وقعَ هذا الاسمُ مجرورًا في جميع القرآن (١). وقرأ خلفٌ عن حمزة، والدوريُّ عن الكسائي (مَن يقُول) بإدغام النون بغير غنة.
﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: بيوم القيامة، قال الله تعالى:
﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نظرًا إلى معناها؛ لأن (مَنْ) لفظٌ مفردٌ للعقلاء يعمُّ الواحدَ والجمعَ، والذَّكَرَ والأُنثى.
• ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: يخالفون الله، أصل الخَدْع في اللغة: الإخفاءُ، ومنه المَخْدَعُ للبيت الذي يُخفى فيه المتاعُ، فالمخادعُ هو الذي يُظهر خلافَ ما يُضمر، والخدعُ من الله تعالى في قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: يُظهر لهم، ويُعَجِّل لهم من النعيم في الدنيا خلافَ ما يُغَيِّبُ عنهم من عذابِ الآخرة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم: آمنَّا، وهم غير مؤمنين.
﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ قرأ ابن كثيرٍ، ونافعٌ، وأبو عمرٍو: (وَمَا يُخَادِعُونَ)
стр. 123
بالألف مع ضمِّ الياء وفتح الخاء وكسر الدال، على موافقة الكلمة الأولى.
وقرأ الباقون: (وَمَا يَخْدَعُونَ) بغير ألف مع فتح الياء والدال وإسكان الخاء (١).
﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأنّ خدعَهم أنفسَهم لا يعدُوهم. وقالَ بعضُ أهلِ اللغةِ: يقالُ: خادَعَ: إذا لم يبلُغْ مُرادَهُ، وخَدَعَ: إذا بلغَ مرادَه، فلما لم ينفذْ خداعهم فيما قصدوه، كان مخادعةً، فلما وقع ضررُ فعلِهم على أنفسهم، كان في حقِّ أنفسِهم خِداعًا، وتفسيره: فلا ينفُذُ خداعهم فيمن قصدوه، فكأنهم خدعوا أنفسَهم؛ كما يقال: فلانٌ سخرَ بفلانٍ، وما سخرَ إلا بنفسِه، والنفسُ: ذاتُ الشيء وحقيقتُه.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ الشعور: علمُ حِسّ؛ أي: لا يعلمون أنهم يخدعونَ أنفسَهم، وأنَّ وبالَ خداعِهم يعودُ عليهم.
• ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكٌّ ونِفاق، والمرضُ في اللغة: العلَّة،
стр. 124
سمي الشكُّ في الدين مرضًا؛ لأنه يُضعف الدينَ؛ كالمرضِ يضعفُ البدنَ.
﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أي: أمدَّهم اللهُ بمرضٍ آخرَ تنميةً لمرضهم؛ لأن الآياتِ كانت تنزل تترًا آيةً بعدَ آيةٍ، فكلما (١) نزلتْ آية، فكفروا بها، ازدادوا شكًّا ونفاقًا. قرأ حمزةُ، وابنُ ذكوان: (فَزَادَهُمْ) بالإمالة، والباقون بالفتح (٢).
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي: بتكذيبهم اللهَ ورسولَه في السرِّ. قرأ أهل الكوفة: (يَكْذِبُونَ) بفتح الياء والتخفيف؛ أي: بكذبهم إذ قالوا: آمنا، وهم غير مؤمنين، والكذبُ: إخبارٌ بما لم يقع. وقرأ الباقون: بضم الياء والتشديد على المعنى الأول (٣).
стр. 125
• ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ .
[١١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: قال المؤمنون للمنافقين أو لليهود. قرأ الكسائيُّ، وهشامٌ، ورويسٌ: (قِيلَ، وغَيِضَ، وَجِيَء، وَحِيَل، وَسِيَق، وَسِيَء، وَسِيَئتْ) بإشمامِ الضمِّ كسر أوائِلهِنَّ، وافقهم ابنُ ذكوان في (حِيلَ، وَسِيَء، وَسِيَئتْ)، ووافقهم المدنيان في (سِيَء وَسِيَئتْ) فقط. وقرأ الباقون بإخلاصِ الكسرِ (١).
﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفرِ وتعويقِ الناس عن الإيمان بمحمدٍ ﷺ والقرآنِ، والفسادُ: خروجُ الشيءِ عن حالِ الاستقامة.
﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يقولون هذا القول كذِبًا؛ كقولهم: آمنا وهم كاذبون.
• ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿أَلَا﴾ كلمة تنبيه يُنَبَّهُ بها المخاطَبُ.
﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ أنفسَهم بالكفر، والناسَ بالتعويقِ عن الإيمان.
стр. 126
﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يعلمون أنهم مفسدون؛ لأنهم يظنون أنَّ الذي هم عليه من إبطانِ الكفرِ حقٌّ صلاحٌ.
• ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: المنافقين واليهود:
﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ عبدُ الله بنُ سلام وغيرُه من مؤمني أهل الكتاب.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ أي: الجهَّال، وهذا القولُ كانوا يُظهرونه فيما بينهم، لا عندَ المؤمنين، فأخبرَ الله نبيَّهُ والمؤمنينَ بذلك، وقال رَدًّا عليهم:
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يدرون أنهم كذلك، والسفيهُ: خفيفُ العقل، رقيقُ الحِلْم، من قولهم: ثوبٌ سفيهٌ؛ أي: رقيق. قرأ الكوفيون وابنُ عامرٍ، وروح: (السُّفَهَاءُ أَلاَ) بتحقيق الهمزتين، والباقونَ: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية، وهي أن تُبدل واوًا محضةً، وما ذكر من تسهيلِ إحدى (١) الهمزتين إنما هو في حالة الوصل، فإذا وقفتَ على الكلمة الأولى، أو (٢) بدأتَ بالثانية، حَقَّقْتَ الهمزَ (٣) في ذلك لجميع القراء (٤).
لهم بابٌ من الجنة، فإذا انتهوا إليه، سُدَّ عنهم، ورُدُّوا إلى النار.
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يُطيلُ مدةَ غَيِّهم، والمدُّ والإمدادُ واحدٌ، وأصلُه الزيادةُ، إلا أن المدَّ أكثرُ ما يأتي في الشرِّ، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]، والإمدادُ في الخير، قال الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦].
﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ أي: ضَلالتِهم، والطُّغيانُ: الغلوُّ في الكفرِ. قرأ الدوريُّ عنِ الكسائيِّ (طغيانهم وآذانهم) بالإمالة حيثُ وقعَ (١)، وأمالَ حمزةُ والكسائيُّ وخلَفٌ جميعَ ما رُسِمَ بالياء من الأسماء، نحو: (الهُدَى، وَالهَوَى، والعَمَى)، وما أشبهَ ذلكَ (٢)، والأفعالِ نحو: (أَتَى، وَأَبَى، وَسَعَى)، وما أشبهَ ذلكَ، وافقهم (٣) أبو عمرٍو على ما كان فيه راءٌ بعدها ألفٌ ممالة بأيِّ وزنٍ كان، نحو: (ذِكْرَى، وَبُشْرَى، وَأَسْرَى)، وما أشبهَ ذلك، واختلِفَ في ذلك كلِّه عن ابنِ ذكوانَ، واختلِفَ عن وَرْشٍ فيما فيه راءٌ، فرُويَ عنه الإمالةُ بينَ بينَ، ورُوي عنه الفتحُ (٤)، والوجهانِ صحيحانِ عنه. وقرأ الباقون بالفتح.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: حائرون متردِّدون (٥).
واتَّقى ما يخافُ، فبينا هو كذلك إذْ طُفئت نارُه، فبقيَ في ظلمة خائفًا متحيِّرًا، فكذلك المنافقونَ بإظهارِ كلمةِ الإيمان أمِنُوا على أموالهم وأولادِهم، وناكَحُوا المؤمنينَ، ووارثوهم، وقاسموهم الغنائمَ، فذلك نورُهم، فإذا ماتوا، عادوا إلى الظلمة والخوف.
• ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿صُمٌّ﴾ أي: هم صمٌّ عن الحق، لا يقبلونه، وإذا لم يقبلوا، كأنهم لم يسمعوا.
﴿بُكْمٌ﴾ خُرْس عن الحقِّ لا يقولونه.
﴿عُمْيٌ﴾ أي: لا بصائرَ لهم، ومَنْ لا بصيرةَ له كمنْ لا بَصرَ له.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ عن الضلالة إلى الحق.
• ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: كأصحابِ صَيِّبٍ؛ فهذا مثلٌ آخرُ ضربَهُ الله تعالى للمنافقين، معناه: إن شئتَ مَثِّلْهم بالمستوقِدِ، وإن شئتَ بأهلِ الصَّيِّبِ (أو) بمعنى الواو، يريد: وكصيِّبٍ من السماء. والصيِّبُ: المطرُ، وكلُّ ما نزلَ من الأعلى إلى الأسفلِ، فهو صيّبٌ؛ أي: نزلَ من السماء؛ أي: من السحاب.
﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة.
стр. 131
﴿وَرَعْدٌ﴾ اسم مَلَكٍ، وهو الذي يُسمع صوتُه من السحاب، وهو الذي يسوقُهُ.
﴿وَبَرْقٌ﴾ لمعانُ سوطٍ من نورٍ يزجُرُ به الملكُ السّحاب.
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي الموتُ، وكلُّ عذابٍ مُهْلِكٍ. وعن رسولِ اللهِ ﷺ : أنه كانَ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ والصواعقِ قالَ: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، وَلا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنا قَبْلَ ذَلِكَ" (١).
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي: مخافةَ الهلاكِ.
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ عالمٌ بهم، لا يفوتونه. وأصلُ (٢) الإحاطةِ: الإحداقُ بالشيءِ من جميعِ جهاتهِ، ومنه الحائط. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ، والدوريُّ عن الكسائي ورويس: (بالكافرين) بالإمالةِ حيثُ وقعَ في محلِّ النصبِ والخفضِ (٣).
• ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
стр. 132
[٢٠] ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ أي: يقربُ. يُقال: كادَ يفعلُ: إذا قَرُبَ ولم يفعلْ.
﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يختلِسُها، والخطفُ: استلابٌ بسرعةٍ.
﴿كُلَّمَا﴾ (كُلَّ) حرفُ جملةٍ ضُمَّ إلى (ما) الجزاء، فصار أداةً للتكرار، ومعناها: متى ما.
﴿أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: كلما أنارَ البرقُ لهم الطريقَ، ساروا في ضوئه.
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقومٍ كانوا في مَفازةٍ في ليلةٍ مظلمة، أصابهم مطرٌ فيه ظلماتٌ من صِفَتِها أنَّ الساريَ لا يمكنه المشيُ فيها، ورعدٌ من صفتِهِ أنه يضمُّ السامعون أصابعَهُم إلى آذانهم من هَوْلهِ، وبرقٌ من صفتِهِ أنْ يَقْرُبَ أنْ يخطَفَ أبصارهم ويُعميها من شدَّةِ توقُّده، فهذا مثلٌ ضربَهُ اللهُ للقرآنِ وصنيعِ الكافرينَ والمنافقينَ معه، فالمطرُ: القرآنُ؛ لأنه حياةُ الجَنَان، كالمطرِ حياة الأبدان، والظلماتُ: ما في القرآنِ من ذكرِ الكفرِ والشركِ، والرعدُ: ما خُوِّفوا به من الوعيد، وذكرِ النار، والبرقُ: ما فيه من الهدى والبيانِ والوعدِ وذكرِ الجنة، فالكافرون يسدُّون آذانَهم عندَ قراءةِ القرآن مخافةَ ميلِ القلبِ إليه؛ لأن الإيمانَ عندَهُم كفرٌ، والكفرُ موتٌ، وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ أي: القرآنُ يبهَرُ قلوبهم.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أمالَ حمزةُ (شَاءَ، وَجَاءَ، وَخَابَ، وَطَابَ، وَخَافَ، وَحَاقَ، وَضَاقَ، وَزَالَ، وَزَاغَ) حيثُ وقع، سوى (زَاغَتْ) وافقَهُ ابنُ ذكوانَ
стр. 133
وخَلَفٌ في (شَاَء، وَجَاءَ) حيثُ وقع (١).
﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي: بأسماعِهم وأبصارِهم الظاهرةِ كما ذهبَ بأسماعِهم وأبصارِهم الباطنةِ. قرأ أبو عمرو، ورويسٌ: (لذهب بسمعهم) بإدغامِ الباءِ في الباءِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: فاعلٌ لِما يشاء، ولا يُوصَفُ غيرُ الله تعالى بالقدير.
• ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: يا أَيُّها الناسُ خطابُ أهلِ مكَّةَ، ويا أَيُّها الذينَ آمنوا خطابُ أهلِ المدينة (٢)، وهو هاهنا عام إلا من حيثُ إنه لا يدخلُه (٣) الصغارُ والمجانين.
﴿اعْبُدُوا﴾ وَحِّدُوا.
﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الخَلْقُ: اختراعُ الشيءِ على غيرِ مثالٍ سبقَ. قرأ أبو عمرو: (خلقكم) بادغام القاف في الكاف، ورويَ عن يعقوبَ إدغامُ كُلِّ ما أدغمَه أبو عمرٍو من المِثْلَين، والمتقارِبَيْنِ (٤).
стр. 134
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: وخلقَ الذين من قبلِكُم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكي تنجو من العذاب. قال سيبويهِ: لعلَّ، وعَسَى حَرْفا تَرَجٍّ، وهما من اللهِ واجبان.
• ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ أي: صيَّرَ.
﴿لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ أي: بساطًا. قرأ أبو عمرٍو: (وَجَعَل لَّكُمْ) بإدغام اللام في اللام، ورُوي عن رُويسٍ موافقتُه على ذلك.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي: سقفًا محفوظًا مرفوعًا.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحاب.
﴿مَاءً﴾ وهو المطر.
﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ وأنواع النبات.
﴿رِزْقًا﴾ أي: طعامًا.
﴿لَكُمْ﴾ وعَلَفًا لدوابكم.
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أمثالًا تعبدونهم كعبادةِ الله.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه واحدٌ خالقُ هذهِ الأشياءِ.
стр. 135
• ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي: في شكٍّ. معناه: وإذْ كنتم؛ لأن الله علمَ أنَّهم شاكُّون.
﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ، يعنى: القرآن.
﴿فَأْتُوا﴾ أمرُ تعجيزٍ.
﴿بِسُورَةٍ﴾ والسورةُ: قطعةٌ من القرآنِ معلومةُ الأولِ والآخِر.
﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: مثلِ القرآن، و (مِنْ) صِلَةٌ؛ كقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].
﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ جمعُ شاهدٍ؛ أي: واستعينوا بآلهتِكُم التي تعبدونها.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن محمدًا يقولُه من تِلْقاءِ نفسِه، فلمَّا تحدَّاهم، عَجَزوا، فقال:
• ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ فيما مضى.
﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: لن تقدروا عليه فيما بقي أبدًا، وإنما (١) قالَ ذلكَ؛
стр. 136
لبيان الإعجازِ؛ فإنَّ القرآنَ كانَ معجزةً للنبيِّ ﷺ ؛ حيثُ عجزوا عن الإتيان بمثله.
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ أي: فآمنوا، واتقوا بالإيمان النار.
﴿الَّتِي وَقُودُهَا﴾ أي: حَطَبُها.
﴿النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ يعني: حجارةَ الكبريت؛ لأنها أكثرُ التهابًا، وقيل: الأصنام، وقرنَ الناسَ بالحجارةِ؛ لأنهم نحتوها، واتَّخذوها أربابًا من دون الله. وقيل: من النار نوعٌ لا يَتَّقد إلا بالناسِ والحجارة كاتقادِ هذه النار بالحطب.
﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيئت.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ فبعدَ ذكرِ وعيدِ الكافرين ذكرَ وعدَ المؤمنين تطييبًا لقلوبهم مخاطبًا رسولَه ﷺ فقال:
• ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والبشارةُ: كلُّ خبرِ صدقٍ تتغير به بشرةُ الوجهِ، ويُستعمل في الخيرِ والشرِّ، وفي الخيرِ أغلبُ.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الفعلاتِ الصالحةَ، يعني: المؤمنينَ من أهل الطاعة.
﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ جمع جَنَّة، والجنةُ: البستان الذي فيه أشجارٌ مثمرةٌ،
стр. 137
سميت به؛ لاجتنانها وتستُّرِها بالأشجار.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارِها ومساكنِها.
﴿الْأَنْهَارُ﴾ أي: المياه في الأنهار؛ لأن النهر لا يجري، والأنهارُ جمعُ نهر، سمي به لسعتِه وضيائه، ومنه النَّهارُ.
﴿كُلَّمَا﴾ يعني: متى ما.
﴿رُزِقُوا﴾ أُطْعِموا.
﴿مِنْهَا﴾ أي: من الجنة.
﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ أي ثمرة، و (مِنْ) صلة.
﴿رِزْقًا﴾ طعامًا.
﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ و (قَبْلُ) رُفِعَ على الغاية، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، فإذا رُزِقوا ثمرةً بعدَ أخرى، ظنوا أنها الأُولى.
﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ أي: بالرزق.
﴿مُتَشَابِهًا﴾ في الألوان، مختلفًا في الطعوم.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا﴾ أي: في الجنات.
﴿أَزْوَاجٌ﴾ نساء وجوارٍ من الحورِ العِينِ.
﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من الأقذار.
﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دائمون، لا يموتون، ولا يخرجون.
стр. 138
• ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ الحياءُ: تغيُّرٌ وانكسارٌ يلحقُ الشخصَ خوفًا مما يُعابُ به، واشتقاقُه من الحياة؛ فإنه انكسار يعتري القوى الحيوانيةَ، ويردُّها عن أفعالها، والله سبحانه منزَّهٌ عن ذلك. وسببُ نزولِها: أن الله تعالى لما ضربَ المثلَ بالذُّبابِ والعنكبوتِ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]، قالتِ اليهودُ ما أرادَ اللهُ بذكرِ هذهِ الأشياءِ الخسيسةِ؟ فأنزلَ اللهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ (١) أي: لا يتركُ تركَ مَنْ يستحيي (أنْ يضربَ مثلًا) يذكر شَبَهًا (ما بعوضةً) (ما) صلة؛ أي: مثلًا بالبعوضة، و (بعوضةً) نصبٌ بدلٌ عن المثل. والبعوضُ: صغارُ البقِّ، سميت بعوضةً كأنها بعضُ البقِّ، (فَمَا فَوْقَها) يعني: الذبابَ والعنكبوتَ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد والقرآن.
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ يعني المثلَ هو (٢).
стр. 139
﴿الْحَقُّ﴾ والصدق.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ثم أجابهم فقال:
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ من الكفار، لأنهم كانوا يكذبونه، فيزدادون ضلالًا.
﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ أي: بهذا المثل.
﴿كَثِيرًا﴾ من المؤمنين، فيصدقونه. والإضلالُ: هو الصَّرْفُ عن الحقِّ بالباطل.
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ لأن الكافرين. والفسقُ: الخروجُ عن أمر الله. ثم وصفهم فقال:
• ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ أي: يخالفون ويتركون. وأصلُ النقضِ الكسر.
﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ أمرَ اللهِ الذي عهدَ إليهم يومَ الميثاق بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ توكيدِه. والميثاقُ: العهدُ المؤكَّدُ.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يعني: الإيمانَ بمحمدٍ وبجميعِ الرسلِ ﵈؛ لأنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، وقالَ المؤمنون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
стр. 140
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، وتعويقِ الناسِ عن الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ ، والقرآن.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المغبونون. ثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب:
• ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ بعدَ نصبِ الدلائل ووضوحِ البراهين.
ثم ذكرَ الدلائلَ فقالَ:
﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحامِ والدنيا. قرأ الكسائيُّ: (فَأَحْيَاكُمْ، أَحْيَا، أَحْيَاهَا، فَأَحْيَا، وَأَحْيَا) بالإمالةِ حيثُ وقعَ، وافقه حمزةُ في (وَأَحْيَا) حيثُ وقع (١).
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاءِ آجالِكم.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعثِ.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تُرَدُّون في الآخرةِ، فَيَجزيكم بأعمالِكم. قرأ يعقوبُ: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم حيثُ وقع إذا كانَ من رجوع
стр. 141
الآخرة، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١)، ولم يختلفوا فيما كانَ من الرجوعِ إلى الدنيا؛ كقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]؛ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤]، ونحوِ ذلك أنه بفتح أوله وكسر ثالثه.
• ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ لكي تعتبروا وتستدلوا.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد إليها؛ لأنه خلق الأرض أولًا، ثم عمدَ إلى خلقِ السماء.
﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: خلقهنَّ مستوياتٍ لا فُطورَ فيها ولا صَدْعَ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ وخلفٌ؛ (اسْتَوَى) (فَسَوَّاهُنَّ) بالإمالةِ (٢)، ووقفَ يعقوبُ (فَسَوَّاهُنَّهْ) بزيادة هاء السكت.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفُ،
стр. 142
ووَرْشٌ، ويعقوبُ: (وَهُوَ، وَهِيَ، فَهُوَ، فَهِيَ، لَهُوَ، لَهِيَ) بتحريكِ الهاءِ حيثُ وقعَ (١)، ووقفَ يعقوبُ على جميعِها بزيادةِ هاءِ السكتِ (٢).
• ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ أي: واذكرْ إذْ قال ربُّك. و (إذْ) و (إِذا) حرفا توقيتٍ، إلا (إذ) للماضي، و (إذا) للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضعَ الأخرى. قرأ أبو عمرٍو (قَال رَّبُّكَ) بإدغام اللام في الراء.
﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ جمع مَلَكَ. قيل: مشتقٌّ من المُلْك، وهو الشدَّةُ والقوةُ، والمرادُ: الملائكةُ الذين كانوا في الأرض، وذلك أن الله خلق السماءَ والأرضَ، وخلقَ الملائكةَ والجانَّ، وأسكنَ الملائكةَ السماءَ، وأسكنَ الجانَّ الأرضَ، فعبدوا دهرًا طويلًا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسدُ والبغيُ، فأفسدوا، واقتتلوا، فبعث الله إليهم جُندًا من الملائكة يقال لهم: الجنُّ، وهم خُزَّانُ الجِنان، اشتقَّ لهم اسمٌ من الجنة، رأسهم إبليسُ، وكانَ رئيسَهُم، ومن أشدِّهم وأكثرِهم علمًا، فهبطوا إلى الأرضِ، وطردوا الجانَّ إلى شعوبِ الجبال وبطونِ الأوديةِ وجزائرِ البحورِ، وسكنوا الأرضَ، وخَفَّفَ الله عنهُم العبادةَ، وأعطى اللهُ إبليسَ ملكَ الأرضِ وملكَ سماءِ
стр. 143
الدنيا، وخزانةَ الجنة، وكان يعبدُ الله تارةً في الأرض، وتارةً في السماء، وتارةً في الجنة، فدخلَهُ العُجْب، وقال في نفسِه: ما أعطاني اللهُ هذا الملكَ إلا لأني أكرمُ الملائكةِ عليه، فقال الله له ولجنده:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾ أي: مُصَيِّرٌ.
﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: بدلًا منكم، وأرفعُكُم إليَّ، فكرهوا ذلكَ؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكة عبادةً، والمرادُ بالخليفة هاهنا: -آدم ﵇؛ لأنه خليفةُ الله في الحُكْم بينَ عبادِه بالحقِّ، ومَنْ قامَ مقامَه بعدَه من ذريته، والخليفةُ: من استُخلِفَ مكانَ مَنْ كان قبلَه، مأخوذ من أنه خَلَفٌ لغيره، يقومُ مقامَهُ في الأمر الذي أُسند إليه فيه؛ كما قيل: أبو بكرٍ خليفةُ رسول الله ﷺ . قرأ الكسائي (خليفة) بإمالةِ الفاء حيثُ وقف على هاء التأنيث (١).
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي، والمراد: ذريَّتُه.
﴿وَيَسْفِكُ﴾ أي: ويصبُّ.
﴿الدِّمَاءَ﴾ بغيرِ حقٍّ؛ أي: كما فعلَ بنو الجانِّ، فقاسوا بالشاهدِ على الغائبِ، وإلَّا فَهُم ما كانوا يعلمون الغيبَ.
﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نقول: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ. والتسبيحُ: تبعيدُ اللهِ من السوء. قرأ أبو عمرٍو: (وَنَحْن نُّسَبِّحُ) بإدغامِ النون في النون.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي: نثني عليك بالقُدُّوس والطهارة عما لا يليقُ بجلالك. قرأ أبو عمرٍو: (وَنُقَدِّسُ لَك قَّالَ) بإدغام الكاف في القاف،
стр. 144
وكذلك: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، و ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] حيثُ تحرَّكَ ما قبلَها، فلو سكن ما قبلَ الكاف، لم يدغمْها نحو: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ﴾ (١) [الإسراء: ١٩]، و ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥]، وشبهه.
﴿قَالَ﴾ الله تعالى:
﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من المصلحة فيه. قرأ المدنيان، وابنُ كثير، وأبو عمرٍو (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون بإسكانها، وأبو عمرٍو: (أَعْلَم مَّا) بإدغام الميم في الميم (٢).
• ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلِقَ من أديمِ الأرضِ، وهو وَجْهُها، مشتَقٌّ من الأُدْمَةِ: السُّمْرَة، وكنيتهُ: أبو البَشَر، عاش تسعَ مئةٍ وثلاثين سنةً باتفاقٍ، وقبرُه في مغارةٍ بينَ بيتِ المقدسِ ومسجدِ إبراهيمَ الخليلِ، رِجْلاهُ عند الصخرة، ورأسهُ عند مسجدِ إبراهيم، وفي ذلك خلاف كثير.
стр. 145
﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ لما خلقه الله علمه أسماءَ الأشياء، وذلك أن الملائكة قالوا لما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ليخلقْ ربُّنا ما يشاءُ، فلن يخلقَ خَلْقًا أكرمَ عليه منَّا، وإن كانَ، فنحنُ أعلمُ منه؛ لأنا خُلقنا قبلَه، ورأينا ما لم يَرَهُ، فأظهرَ اللهُ فضلَه بالعلمِ، وفيه دليلٌ على أن الأنبياءَ أفضلُ من الملائكة، وإن كانوا رسلًا كما ذهبَ إليه أهل السنة.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ أي: عرض المسمَّيات؛ لأن عرض الأسماء لا يصحُّ، والعرضُ: إظهارُكَ الشيءَ، وأن تمرَّ به عَرْضًا؛ لتعرفَ حالَه، وإنما قال: عَرَضَهم، ولم يقل: عَرَضَها؛ لأن المسمَّياتِ إذا جَمَحَتْ من يعقلُ ومن لايعقلُ، يكنى عنها بلفظ مَنْ يعقلُ؛ كما يكنى عن الذكورِ والإناثِ بلفظ الذكور.
﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني، أمر تعجيز.
﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنِّي لا أخلقُ خلقًا إلا كنتم أفضلَ وأعلمَ منه. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ورَوْح: ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بتحقيق الهمزتين، وأبو عمرٍو بإسقاطِ الهمزةِ الأولى، وتحقيق الثانية، وقرأ قالون، والبزي: بتسهيل الأُولى بينَ بينَ، مع تحقيق الثانية، وأبو جعفرٍ ورويسٌ: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، واختلف عن قنبل وورش، فروي عن الأول جعلُ الهمزةِ الثانيةِ بينَ بينَ، وروي عنه إسقاطُ الهمزة الأولى، وهو الذي عليه الجمهورُ من أصحابه، وروي عن الثاني إبدالُ الهمزةِ الثانيةِ ياءً مكسورةً، وروي عنه تسهيلُها بينَ بينَ (١).