← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الآخرة، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١)، ولم يختلفوا فيما كانَ من الرجوعِ إلى الدنيا؛ كقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]؛ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤]، ونحوِ ذلك أنه بفتح أوله وكسر ثالثه. • ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ لكي تعتبروا وتستدلوا. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد إليها؛ لأنه خلق الأرض أولًا، ثم عمدَ إلى خلقِ السماء. ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: خلقهنَّ مستوياتٍ لا فُطورَ فيها ولا صَدْعَ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ وخلفٌ؛ (اسْتَوَى) (فَسَوَّاهُنَّ) بالإمالةِ (٢)، ووقفَ يعقوبُ (فَسَوَّاهُنَّهْ) بزيادة هاء السكت. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفُ،

стр. 142

ووَرْشٌ، ويعقوبُ: (وَهُوَ، وَهِيَ، فَهُوَ، فَهِيَ، لَهُوَ، لَهِيَ) بتحريكِ الهاءِ حيثُ وقعَ (١)، ووقفَ يعقوبُ على جميعِها بزيادةِ هاءِ السكتِ (٢). • ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ أي: واذكرْ إذْ قال ربُّك. و (إذْ) و (إِذا) حرفا توقيتٍ، إلا (إذ) للماضي، و (إذا) للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضعَ الأخرى. قرأ أبو عمرٍو (قَال رَّبُّكَ) بإدغام اللام في الراء. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ جمع مَلَكَ. قيل: مشتقٌّ من المُلْك، وهو الشدَّةُ والقوةُ، والمرادُ: الملائكةُ الذين كانوا في الأرض، وذلك أن الله خلق السماءَ والأرضَ، وخلقَ الملائكةَ والجانَّ، وأسكنَ الملائكةَ السماءَ، وأسكنَ الجانَّ الأرضَ، فعبدوا دهرًا طويلًا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسدُ والبغيُ، فأفسدوا، واقتتلوا، فبعث الله إليهم جُندًا من الملائكة يقال لهم: الجنُّ، وهم خُزَّانُ الجِنان، اشتقَّ لهم اسمٌ من الجنة، رأسهم إبليسُ، وكانَ رئيسَهُم، ومن أشدِّهم وأكثرِهم علمًا، فهبطوا إلى الأرضِ، وطردوا الجانَّ إلى شعوبِ الجبال وبطونِ الأوديةِ وجزائرِ البحورِ، وسكنوا الأرضَ، وخَفَّفَ الله عنهُم العبادةَ، وأعطى اللهُ إبليسَ ملكَ الأرضِ وملكَ سماءِ

стр. 143

الدنيا، وخزانةَ الجنة، وكان يعبدُ الله تارةً في الأرض، وتارةً في السماء، وتارةً في الجنة، فدخلَهُ العُجْب، وقال في نفسِه: ما أعطاني اللهُ هذا الملكَ إلا لأني أكرمُ الملائكةِ عليه، فقال الله له ولجنده: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾ أي: مُصَيِّرٌ. ﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: بدلًا منكم، وأرفعُكُم إليَّ، فكرهوا ذلكَ؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكة عبادةً، والمرادُ بالخليفة هاهنا: -آدم ﵇؛ لأنه خليفةُ الله في الحُكْم بينَ عبادِه بالحقِّ، ومَنْ قامَ مقامَه بعدَه من ذريته، والخليفةُ: من استُخلِفَ مكانَ مَنْ كان قبلَه، مأخوذ من أنه خَلَفٌ لغيره، يقومُ مقامَهُ في الأمر الذي أُسند إليه فيه؛ كما قيل: أبو بكرٍ خليفةُ رسول الله ﷺ . قرأ الكسائي (خليفة) بإمالةِ الفاء حيثُ وقف على هاء التأنيث (١). ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي، والمراد: ذريَّتُه. ﴿وَيَسْفِكُ﴾ أي: ويصبُّ. ﴿الدِّمَاءَ﴾ بغيرِ حقٍّ؛ أي: كما فعلَ بنو الجانِّ، فقاسوا بالشاهدِ على الغائبِ، وإلَّا فَهُم ما كانوا يعلمون الغيبَ. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نقول: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ. والتسبيحُ: تبعيدُ اللهِ من السوء. قرأ أبو عمرٍو: (وَنَحْن نُّسَبِّحُ) بإدغامِ النون في النون. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي: نثني عليك بالقُدُّوس والطهارة عما لا يليقُ بجلالك. قرأ أبو عمرٍو: (وَنُقَدِّسُ لَك قَّالَ) بإدغام الكاف في القاف،

стр. 144

وكذلك: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، و ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] حيثُ تحرَّكَ ما قبلَها، فلو سكن ما قبلَ الكاف، لم يدغمْها نحو: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ﴾ (١) [الإسراء: ١٩]، و ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥]، وشبهه. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من المصلحة فيه. قرأ المدنيان، وابنُ كثير، وأبو عمرٍو (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون بإسكانها، وأبو عمرٍو: (أَعْلَم مَّا) بإدغام الميم في الميم (٢). • ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلِقَ من أديمِ الأرضِ، وهو وَجْهُها، مشتَقٌّ من الأُدْمَةِ: السُّمْرَة، وكنيتهُ: أبو البَشَر، عاش تسعَ مئةٍ وثلاثين سنةً باتفاقٍ، وقبرُه في مغارةٍ بينَ بيتِ المقدسِ ومسجدِ إبراهيمَ الخليلِ، رِجْلاهُ عند الصخرة، ورأسهُ عند مسجدِ إبراهيم، وفي ذلك خلاف كثير.

стр. 145

﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ لما خلقه الله علمه أسماءَ الأشياء، وذلك أن الملائكة قالوا لما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ليخلقْ ربُّنا ما يشاءُ، فلن يخلقَ خَلْقًا أكرمَ عليه منَّا، وإن كانَ، فنحنُ أعلمُ منه؛ لأنا خُلقنا قبلَه، ورأينا ما لم يَرَهُ، فأظهرَ اللهُ فضلَه بالعلمِ، وفيه دليلٌ على أن الأنبياءَ أفضلُ من الملائكة، وإن كانوا رسلًا كما ذهبَ إليه أهل السنة. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ أي: عرض المسمَّيات؛ لأن عرض الأسماء لا يصحُّ، والعرضُ: إظهارُكَ الشيءَ، وأن تمرَّ به عَرْضًا؛ لتعرفَ حالَه، وإنما قال: عَرَضَهم، ولم يقل: عَرَضَها؛ لأن المسمَّياتِ إذا جَمَحَتْ من يعقلُ ومن لايعقلُ، يكنى عنها بلفظ مَنْ يعقلُ؛ كما يكنى عن الذكورِ والإناثِ بلفظ الذكور. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني، أمر تعجيز. ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنِّي لا أخلقُ خلقًا إلا كنتم أفضلَ وأعلمَ منه. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ورَوْح: ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بتحقيق الهمزتين، وأبو عمرٍو بإسقاطِ الهمزةِ الأولى، وتحقيق الثانية، وقرأ قالون، والبزي: بتسهيل الأُولى بينَ بينَ، مع تحقيق الثانية، وأبو جعفرٍ ورويسٌ: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، واختلف عن قنبل وورش، فروي عن الأول جعلُ الهمزةِ الثانيةِ بينَ بينَ، وروي عنه إسقاطُ الهمزة الأولى، وهو الذي عليه الجمهورُ من أصحابه، وروي عن الثاني إبدالُ الهمزةِ الثانيةِ ياءً مكسورةً، وروي عنه تسهيلُها بينَ بينَ (١).

стр. 146

[٣٢] ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملائكة إقرارًا بالعجز. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لكَ. ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ معناه: أنك أجلُّ من أن نحيطَ بشيء من علمِك. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بخلقك. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمرك. والحكيمُ له معنيان: أحدُهما: الحاكم، وهو القاضي العدلُ، والثاني: المحكِمُ لأمره كيلا يتطرَّقَ إليه الفسادُ، وأصلُ الحكمةِ في اللغة: المنعُ، وهي تمنعُ صاحبَها من الباطل، ومنها حَكَمَةُ الدابَّة؛ لأنها تمنعُها من الاعوجاج. فلما ظهرَ عجزُهم: • ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿قَالَ﴾ الله سبحانه: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ أخبرهم. ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فسمَّى آدمُ كلَّ شيء باسمه، وذكرَ الحكمةَ التي لأجلها خُلق. ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ﴾ الله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا ملائكتي:

стр. 147

﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ تقدم مذاهبُ (١) القراء في فتح الياء وإسكانها من (إنِّي) في الحرف المتقدم قريبًا. ﴿غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما كان منها، وما يكون؛ لأنه قد قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: تظهرون، يعني قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تُسِرُّون، يعني قولهم: لن يخلقَ اللهُ ربُّنا خَلْقًا أكرمَ عليه منا. ... ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ مذهب العرب أن الرئيسَ يخبرُ عن نفسِه بضمير الجمع. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قرأ أبو جعفر: (لِلْمَلائِكَةُ) بضمِّ التاءِ حالةَ الوصلِ إتباعًا، ورُويَ عنهُ إشمامُ كسرتها الضمَّ، والوجهان صحيحان عنه، ووجهُ الإشمام أنه أشارَ إلى الضمِّ تنبيهًا على أن الهمزةَ المحذوفةَ التي هي همزةُ الوصلِ مضمومةٌ حالةَ الابتداءِ، ووجهُ الضمِّ أنهم استثقلوا الانتقالَ من الكسرةِ إلى الضمة إجراءً للكسرةِ اللازمةِ مجرى العارضة، وعللها أبو البقاءِ أنه نوى الوقفَ على التاء، فسكنها، ثم حَرَّكها بالضمِّ إتباعًا لضمةِ الجيم،

стр. 148

وهذا من إجراء الوصل مجرى الوقف، وقد اعترضَ جماعةٌ على أبي جعفر في قراءته لذلك، فردَّ ابنُ الجزريِّ اعتراضَهُ، وانتصرَ لأبي جعفرٍ، وصوَّبَ قراءته، وقال: إنه لم ينفردْ بهذه القراءة، بل قرأ بها غيرُه من السَّلَف. وقرأ الباقون: بإخلاصِ كسرةِ التاءِ (١). وهذا الخطابُ مع جميع الملائكة على الصحيح، والأصحُّ أن السجودَ كانَ لآدمَ على الحقيقة، وتضمَّنَ معنى الطاعة لله تعالى لامتثالِ أمرِه، وكانَ ذلكَ سجودَ تعظيمٍ وتحيَّةٍ، لا سجودَ عبادةٍ، ولم يكن فيه وضعُ الوجهِ على الأرض، إنما كانَ الانحناء، فلما جاء الإسلامُ أبطلَ ذلك. والسجودُ في الأصل: تذلُّلٌ مع تَطامُنٍ. ﴿فَسَجَدُوا﴾ يعني: الملائكة. ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ وكان اسمُه عزازيل بالسريانية، وبالعربية: الحارثُ، فلما عصى، غُير اسمه وصورتُه، فقيل: إبليسُ؛ لأنه أبلسَ؛ أي: يئس من رحمة الله، والأصحُّ أنه كانَ من الملائكة لا من الجنِّ، وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]، أي: من الملائكةِ الذين هم خَزَنة الجنة. ﴿أَبَى﴾ امتنع فلم يسجد. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي: تكبر عن السجود لآدم. ﴿وَكَانَ﴾ أي: وصار.

стр. 149

﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال أكثر المفسرين: وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبتْ لهم الشقاوة. ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وهي جنةُ الخلد في السماء السابعة، وذلك أن آدمَ لم يكنْ له في الجنةِ مَنْ يجالسُه، فنام نومةً، فخلقَ اللهُ زوجتَهُ حَوَّاءَ من قصيراهُ من شقِّه الأيسر، وسُمِّيت حواءَ؛ لأنها خُلقَتْ من حَيٍّ، خلقها الله تعالى من غير أن أحسَّ بها آدمُ، ولا وجدَ لها ألمًا، ولو وجد لها ألمًا، لما عطفَ رجلٌ على امرأة قَطُّ، فلما استيقظَ من نومه، رآها جالسةً عندَ رأسِه كأحسنِ ما خلقَ الله، فقال لها: مَنْ أنتِ؟ فقالتْ زوجتُكَ، خلقني الله لكَ؛ لتسكنَ إليَّ، وأسكنَ إليكَ (١). ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ واسعًا كثيرًا. ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ كيف شئتما، ومتى شئتما، وأين شئتما. قرأ أبو عمرٍو: (حَيْث شِّيتُمَا) بإدغام الثاء في الشين، وإبدال الهمز (٢) بياء ساكنة (٣)، وافقه على الإبدال أبو جعفرٍ وورشٌ. ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ يعني: للأكل، واختُلِف في الشجرة، فقيل:

стр. 150

هي السنبلة، وقيل: العنب، وقيل: التين، وقيل: شجرة الكافور، وقيل: شجرة العلم، وفيها من كلِّ شيء. قال ابنُ عطية: وإنما الصوابُ أن يُعتقَدَ أن الله نهى آدمَ عن شجرة، فخالفَ هو إليها، وعصى في الأكل منها، قال: وفي حظرِه تعالى على آدمَ ما يدلُّ على أن سكناه في الجنة لا يدومُ؛ لأن المُخَلَّد لا يُحظر عليه شيءٌ، ولا يؤمرُ ولا يُنهى (١). ﴿فَتَكُونَا﴾ أي: فتصيرا. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: الضارِّينَ بأنفسِكما بالمعصيةِ. وأصلُ الظلم: وضعُ الشيء في غيرِ موضعه. ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ يعني: استزلَّ آدمَ وحواءَ؛ أي: دعاهما إلى الزلَّة. قرأ حمزةُ (فَأَزَالَهُمَا) بألفٍ مخففًا؛ أي: نَحَّاهما عن الجنة. وقرأ الباقون: بغير ألف مشدَّدًا على المعنى الأول (٢). ﴿الشَّيْطَانُ﴾ تقدم تفسيره في الاستعاذة. ﴿عَنْهَا﴾ أي: عن الجنة.

стр. 151

﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم، وذلك أن إبليسَ أرادَ أن يدخلَ الجنةَ ليوسوسَ لآدمَ وحواءَ، فمنعَتْهُ الخزنَةُ، فأتى الحيَّةَ، وكانت صديقًا لإبليسَ، وكانتْ من أحسنِ الدوابِّ، لها أربعُ قوائمَ كقوائمِ البعيرِ، وكانتْ من خُزَّانِ الجنة، فسألها إبليسُ أن تُدخلَه في فَمِها، فأدخلَتْه، فمرَّتْ به على الخزنَةِ وهم لا يعلمون، فلما دخل الجنةَ، وقفَ بينَ يدَيْ آدمَ وحواءَ، وهما لا يعلمان أنه إبليسُ، فبكى وناحَ نياحة أحزنهما، وهو أولُ مَنْ ناحَ، فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة، فوقع ذلك في أنفسهما، واغتمَّا، ومضى إبليسُ، ثم أتاهما فقال: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾؟ [طه: ١٢٠] فأبى أن يقبل منه، فقاسَمَهما بالله إنَّه لهما لمن الناصحين، فاغترَّا، وما ظَنَّا أن أحدًا يحلفُ بالله كاذبًا، فبادرتْ حواءُ إلى أكلِ الشجرةِ، ثم ناولتْ آدمَ حتى أكلها، فلما أكلا منها، فُتَّتْ عنهما ثيابُهما، وبدَتْ سوءاتهما، وأُخرجا من الجنة (١)، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ أي: انزلوا إلى الأرض، يعني: آدم وحواء وإبليس والحية، والهبوطُ: الانحطاطُ من عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، فهبطَ آدمُ بِسَرَنْديبَ من أرضِ الهندِ على جبل يقال له: نَوْد، وحواء بجدة، وإبليس بأيلةَ، والحيةُ بأصفهان. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أراد: العداوة التي بين ذرية آدم والحية، وبين المؤمنين من ذرية آدم وإبليس. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ موضعُ قرار.

стр. 152

﴿وَمَتَاعٌ﴾ بُلْغَةٌ ومُسْتَمْتَع. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ آخرِ أعمارِكم، فكلُّ إنسانٍ له مكانٌ في الأرضِ يستقرُّ فيه مدَّةَ حياتِه وبعدَ مماته. ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿فَتَلَقَّى﴾ التلقِّي: هو قبولٌ عن فِطْنَةٍ وفَهْم؛ أي: قَبِلَ وأخذَ. ﴿آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ هي ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقيل غير ذلك. قرأ أبو عمرٍو، ورُويسٌ: (آدَم مِّن ربِّهِ) بإدغام الميم في الميم (١)، وقرأ ابنُ كثير: بنصبِ (آدَمَ) مفعولًا، ورفعِ (كَلِمَاتٌ) على أنها استقبلته وبلَغَتْهُ، والباقون برفعِ (آدَمُ)، ونصبِ (كَلِمَاتٍ) بكسر التاءِ مفعولًا (٢)، قال ابن عباس: "بكى آدمُ وحَوَّاءُ على ما فاتَهُما من نعيمِ الجنةِ مئتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا، ولم يقربْ آدمُ حواءَ مئةَ سنة" (٣). ورُوي أن آدم لما هبط إلى الأرض، مكثَ

стр. 153

ثلاثَ مئة سنة لا يرفعُ رأسه حياءً من الله تعالى. ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فتجاوز عنه. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ المتفضل بقبولِ توبةِ عبادِه. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بخلقه. قرأ أبو عمرٍو (إنَّه هُّو) بإدغام الهاء في الهاء (١). ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ يعني: هؤلاءِ الأربعةَ قيل: الهبوطُ الأولُ من الجنة إلى السماء الدنيا، والهبوطُ الثاني إلى الأرض، وكان هبوطُهم وقتَ العصر. وبينَ هبوطِ آدمَ والهجرةِ الشريفة الإسلامية ستةُ آلافِ سنةٍ، ومئتان، وستَّ عشرةَ سنة، وبين المؤرخين في ذلك خلافٌ. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي: فإن يأتِكُم يا ذريةَ آدم، فـ (إنْ) شرطٌ ضُمَّتْ (٢) إليها (ما) تأكيدًا للفعل، وأُدغمت (إنْ) فيها وقلَّما وقعَ فعلُ الشرطِ بعدَ إمّا إلا مؤكدًا بـ"ما" والنون، فـ"ما" تؤكِّدُ أولَ الفعل، والنونُ تؤكِّدُ آخرَه. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (يَاتِيَنَّكُمْ) بالإبدال بغير همز، والباقون بالهمز. ﴿مِنِّي هُدًى﴾ رشدٌ برسولٍ أبعثُه إليكم، وكتابٍ أنزله عليكم.

стр. 154

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ (هُدَايَ) بالإمالة (١). ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ قرأ يعقوب: (فَلاَ خَوْفَ) بفتحِ الفاءِ وعدم التنوين حيثُ وقَع، والباقون: بالرفع والتنوين (٢). ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلُهم. وتقدَّم (٣) مذهبُ حمزةَ ويعقوبَ في ضمِّ الهاء من (عليهُم)، ومذهبُ ابنِ كثيرٍ وأبي جعفرٍ وقالون في صلةِ ميمِ الجمع بواو في اللفظ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خَلَّفوا. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جحدوا. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرآنِ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يومَ القيامة.

стр. 155

﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يا أولادَ يعقوبَ! ومعنى إسرائيل: [عبدُ الله، فإسرا: عبد، وإيل: هو الله. وقيل: هو صفوة الله. قرأ أبو جعفرٍ: (إسْرَايلَ)] (١) بتسهيل الهمزة حيث وقع (٢). ﴿اذْكُرُوا﴾ احفظوا، والذكرُ يكونُ بالقلب، ويكونُ باللسان. ﴿نِعْمَتِيَ﴾ أي: نعمي، لفظُها واحد، ومعناها جَمْعٌ. ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على أجدادِكم وأسلافِكم، وهي النعم التي خُصَّت بها بنو إسرائيل؛ من فلقِ البحرِ، وإِنجائهم من فرعون، وإغراقه، وتظليلِ الغمامِ عليهم في التيه، وإنزالِ المنِّ والسَّلْوى، وإنزالِ التوراةِ، في نعمٍ كثيرةٍ لا تحصى. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بامتثالِ أمري، وقيل: بعثِ محمدٍ والإيمانِ به. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بالقبول والثواب. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: فخافونِ في نقض العهد. قرأ يعقوبُ: (فَارْهَبُونِي) بإثباتِ الياء، والباقونَ: بحذفها (٣).

стр. 156

﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿مُصَدِّقًا﴾ موافقًا. ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني: التوراةَ، في التوحيدِ والنبوَّةِ والأخبارِ، ونعتِ النبيِّ ﷺ . نزلتْ في كعبِ بنِ الأشرفِ وأصحابِه من علماءِ اليهود ورؤسائهم. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي: بالقرآنِ، يريد: أهلَ الكتاب؛ لأن قريشًا كفروا قبلَ اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أولَ مَنْ كفر بالقرآن، فتتابعكم اليهودُ على ذلك، فتبوؤوا بآثامكم وآثامهم. قرأ حمزة: (ولا تَكُونُوا) بالمدِّ بحيثُ لا يبلغُ الإشباعَ. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ أي: ولا تستبدلوا. ﴿بِآيَاتِي﴾ بالقرآنِ والإيمانِ بمحمدٍ ﷺ . ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: عَرَضًا يسيرًا من الدنيا، وذلك أن رؤساءَ اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكلُ يُصيبونها من سَفَلَتِهم وجُهَّالهم، يأخذون منهم (١) كلَّ عامٍ شيئًا معلومًا من زَرْعِهم وضُروعِهم ونُقودهم، فخافوا إن هُمْ بَيَّنوا صفةَ محمد ﷺ ، وتابعوه، أن تفوتهم تلكَ المآكلُ، فغيَّروا نعتَهُ، وكتموا اسمَهُ، واختاروا الدنيا على الآخرة. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أي: فاخْشَونِ، والوقاية لغةً: حفظُ الشيءِ مما يؤذيه،

стр. 157

وشرعًا: حفظُ النفس عَمَّا يُؤْثمها. قرأ يعقوبُ: (فَاتَّقُوني) بإثباتِ الياء كما تقدَّم في قوله تعالى: (فارهبونِ) (١). ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ أي: لا (٢) تَخْلِطوا. ﴿الْحَقَّ﴾ الذي أُنزل عليكم من صفةِ محمدٍ ﷺ . ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الذي تكتبونه بأيديكم من غير تغيير صفته. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ أي: لا تكتموه يعني: محمدًا ﷺ . ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه نبيٌّ مرسَلٌ. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أديموا الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودِها. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأَدُّوا زكاةَ أموالكم المفروضةَ، مأخوذٌ من زكا الزرعُ: إذا نما وكثر. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صَلُّوا مع المصلينَ محمدٍ وأصحابِه، وذُكر بلفظِ الركوع؛ لأن الركوعَ ركنٌ من أركان الصلاة، وكذا السجودُ

стр. 158

بالاتفاق، وصلاةُ اليهودِ لم يكن فيها ركوعٌ، فكأنه قال: صلُّوا صلاةً ذاتَ رُكوعٍ، وأصلُ الركوعِ: الانحناءُ. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ بالطاعة. نزلت في علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقولُ لقريبِهِ وحليفِه منَ المسلمين إذا سألَهُ عن أمرِ محمدٍ: اثبُتْ على دينه؛ فإن أمرَهُ حقٌّ، وقولَه صدقٌ (١). ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ أي: وتتركون. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ فلا تتبعونه. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ تقرؤون التوراةَ فيها نعتُه وصفتُه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه حَقٌّ، فتتبعونه، والعقلُ يمنعُ صاحبَه من الكفر والجحود. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ أي: اطلبوا في قضاء حوائجكم المعونة. ﴿بِالصَّبْرِ﴾ أراد: حبسَ النفس عن المعاصي. ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ أي: وبالصلاة على نَيْل الرضوان وحَطِّ الذنوب.

стр. 159

﴿وَإِنَّهَا﴾ ولم يقل: وإنهما ردَّ الكنايةَ إلى كلِّ واحدٍ منهما؛ أي: وإنَّ كلَّ خَصْلَةٍ منهما. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: ثقيلة. ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يعني: المؤمنين المتواضعين، وأصلُ الخشوع: السكون. ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يستيقِنون، والظنُّ من الأضداد، يكونُ شَكًّا ويَقينًا؛ كالرجاء يكونُ أمنًا وخوفًا. ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو﴾ معاينوا. ﴿رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة، وهو رؤيةُ الله تعالى، ويأتي الكلام على رؤيته سبحانه في الآخرة في سورة الأنعام. ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فيجزيهم بأعمالهم. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ أي: ميزتكم؛ أي: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: عالَمَيْ زمانِكم، وذلك التفضيلُ وإن كانَ في حقِّ الآباء، ولكن يحصل به الشرفُ للأبناء.

стр. 160

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَاتَّقُوا﴾ واخشوا. ﴿يَوْمًا﴾ أي: عذاب يومٍ. ﴿لَا تَجْزِي﴾ أي: تقضي. ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: حقًّا لزمَها. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ (تُقْبَلُ) بالتاء؛ لتأنيث الشفاعة، وقرأ الباقون: بالياء (١)؛ لأن الشفيع والشفاعة بمعنى واحد؛ أي: لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة. ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ أي: من المشفوع لها. ﴿عَدْلٌ﴾ وأي: فداء، سُمِّي به، لأنه مثلُ العدلِ، والعدلُ: المِثْلُ. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يُمنعون من عذاب الله.

стр. 161

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ يعني: أسلافَكم وأجدادَكم، عَدَّها مِنَّةً عليهم؛ لأنهم نَجَو بنجاتهم. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قومِه وأتباعِه وأهلِ دينه، وهو الوليدُ بنُ مُصْعَبِ بنِ الريَّانِ، وكانَ من القِبْطِ من العمالقةِ، وكان قصيرًا طويلَ اللحية، أشهلَ العينين، صغيرَ العينِ اليسرى، أعرجَ، وكان شجاعًا ساحرًا كاهنًا كاتبًا حكيمًا، متصرفًا في كلِّ فنٍّ، واسمُه عندَ القِبْطِ ظُلْما، وعُمِّر أكثرَ من أربعِ مئةِ سنةٍ، وفرعونُ عَلَمٌ لمن ملكَ مصر. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم. ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أَشَدَّهُ وأَسْوأَهُ، وذلك أنَّ فرعونَ جعلَ بني إسرائيل خَدَمًا وخَوَلًا، وصَنَّفَهم في الأعمال، فصنفٌ يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكنْ منهم في عمل، وضعَ عليه الجزية. ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ أصل الذبح: الشقُّ، والتشديدُ للتكثير. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يتركونَهُنَّ (١) أَحياءً، وذلكَ أن فرعونَ رأى في منامِه كأن نارًا أقبلتْ من بيتِ المقدسِ، وأحاطَتْ بمصرَ، وأحرقَتْ كلَّ قبطيٍّ بها، ولم تتعرضْ لبني إسرائيل، فهالَهُ ذلكَ، وسألَ الكَهَنَةَ عن رؤياه، فقالوا: سيولَد في بني إسرائيل غلامٌ يكونُ على يده هلاكُكَ، فأمر فرعونُ بقتل كلِّ غلامٍ يولَد في بني إسرائيل، ووكل بالقوابِل، فكنَّ يفعلْنَ ذلك.

стр. 162

قيل: إنه قتلَ في طلب موسى اثني عشرَ ألفَ صبيٍّ، وقيل: تسعين ألفَ وليدٍ. وأسرعَ الموتُ في مشيخةِ بني إسرائيلَ، فدخل رؤوسُ القبطِ على فرعونَ، وقالوا: إنَّ الموتَ وقعَ في بني إسرائيل، فتذبح صغارُهم، ويموت كبارُهم، فيوشك أن يقعَ العملُ علينا، فأمرَ فرعونُ أن يُذبحوا سنة، ويُتركوا سنة، فوُلِدَ هارونُ في السنة التي لا يُذْبحون فيها، ووُلِدَ موسى في السنة التي يُذْبحون فيها (١). قرأ أبو عمرٍو (ويستحيون نساءكم) بإدغام النون في النون. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ اختبار. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قيل: البلاء: المحنة؛ أي: في سومهم إياكم سوءَ العذاب محنةٌ عظيمة، وقيل: البلاء: النعمة؛ أي: وفي إنجائي إياكم منهم نعمةٌ عظيمة، والبلاء يكون بمعنى النعمة، وبمعنى الشدة، والله تعالى قد يختبرُ على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر. ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ معناه: فرقنا البحرَ بدخولكم إياه، والفَرْقُ: الفصلُ؛ أي: اذكروا أيضًا مِنَّتي عليكم بأنْ جعلتُ لكمُ البحرَ أفراقًا؛ أي: اثني عشر فِرْقًا، و (بكم) للباء وجهان: أحدهما: لكم، والباء قد تجيء بمعنى اللام، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦٢]؛

стр. 163

أي: لأن الله، والثاني: أي: بدخولِكم، فتكون الباءُ على حقيقتها. وسُمِّي البحرُ بحرًا؛ لاستبحاره؛ أي: اتساعِه وانبساطِه، ومنه قيلَ للفرس؛ بحرٌ، إذا اتَّسَعَ في جَرْيه، وذلك أنه لما دنا هلاكُ فرعونَ، أمر الله تعالى موسى أن يسريَ ببني إسرائيل من مصرَ ليلًا، فأمر موسى قومَهُ أن يُسْرِجوا في بيوتهم إلى الصُّبح، وأخرجَ الله كُلَّ ولدِ زِنًا في القبطِ من بني إسرائيل إليهم، وكلَّ ولدِ زِنًا في بني إسرائيل من القِبْطِ إلى القبطِ، حتى رجعَ كُلٌّ إلى أبيه، وألقى الله الموتَ على القبط، فمات كلُّ بِكْرٍ لهم من شابٍّ وشابة، فاشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا، وخرج موسى في ستِّ مئةِ ألفٍ وعشرينَ ألفَ مقاتلٍ، لا يعدُّونَ ابنَ العشرينَ لصغره، ولا ابنَ الستين لكبره، وكانوا يومَ دخلوا مصرَ مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانًا ما بينَ رجلٍ وامرأة، فلما أرادوا السيرَ، ضُرب عليهم التيهُ، فلم يَدْروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخةَ بني إسرائيل، وسألهم عن ذلك، فقالوا: إن يوسف ﵇ لما حضره الموتُ، أخذ على إخوته عهدًا ألا يَخْرجوا من مصر حتى يُخْرجوه معه، فلذلك استدَّ عليهم الطريقُ، فسألهم عن موضع قبره، فلم يعلموا، فقام موسى ينادي: أنشد اللهَ كُلَّ من يعلمُ أينَ موضعُ قبر يوسفَ إلا أخبرني به، ومن لم (١) يعلم به، فَصُمَّتْ أُذناه عن قولي، فكان يمرُّ بين رجلين ينادي، فلا يسمعان صوته حتى سمعَتْهُ عجوزٌ لهم، فقالت: أرأيتكَ إن دللتُكَ على قبره، أتعطيني كلَّ ما سألتُكَ؟ فأبى عليها وقال: حتى أستأذِنَ رَبِّي، فأمره الله بإيتاء سؤلها، فقالت: إني عجوزٌ كبيرةٌ لا أستطيعُ المشيَ، فاحملْني وأخرجْني من مصَر، هذا في الدنيا، وأما في

стр. 164

الآخرةِ فأسألك ألَّا تنزل غرفةً من الجنة إلا نزلتُها معكَ، قال: نعم، قالتْ: إنه في جوفِ الماء في النيل، فادعُ اللهَ حتي يحسرَ عنه الماء، فدعا الله، فحسر عنه الماء، ودعا الله أن يؤخر طلوعَ الفجرِ إلى أن يفرغ من أمر يوسفَ، فحفر موسى ذلك الموضعَ، واستخرجه من صندوق من مَرْمَرٍ، وحمله حتى دفنه بحبرون (١) بجوارِ قبرِ أبيه يعقوب، ففتح لهم الطريقُ، فساروا وموسى على ساقَتِهِمْ وهارونُ على مقدِّمَتِهم، وندر بهم فرعونُ، فجمعَ قومَه، وأمرَهم ألَّا يخرجوا في طلبِ بني إسرائيلَ حتى يصيحَ الديكُ، فلم يَصِحِ الديكُ تلكَ الليلة، فخرج فرعونُ في طلب بني إسرائيلَ وعلى مقدمته هامانُ في ألفِ ألفٍ وسبعِ مئةِ ألفٍ، وكان فيهم سبعون ألفًا من دُهْم الخيل، سوى سائِر الشِّيآتِ، وكان فرعونُ يكون في الدُّهم، فسار بنو إسرائيلَ حتى وصلوا إلى البحر، والماء في غاية الزيادة، ونظروا فإذا هم بفرعونَ حين أشرقتِ الشمسُ، فبقُوا متحيِّرين، وقالوا: يا موسى! كيف نصنعُ؟ وأينَ ما وعدتَنا؟ هذا فرعونُ خلفَنا، إن أدركَنا قتلَنا، والبحرُ أمامَنا، إنْ دخلناه غرقنْا، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، فأوحى الله تعالى إليه أَنِ اضربْ بعصاكَ البحر، فضربَهُ فلم يُطِعْه، فأوحى الله إليه أنْ كَنِّهِ؛ أي: كلِّمْهُ بالكُنية، فضربهُ وقالَ: انفلِقْ يا (٢) أبا خالدٍ بإذن الله ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وظهر فيه اثنا عشَر طريقًا، لكل سِبْطٍ طريقٌ، وارتفعَ الماءُ بينَ كلِّ طريقينِ كالجبلِ، وأرسلَ اللهُ الريحَ والشمسَ

стр. 165

على قَعْرِ البحرِ حَتَّى صارَ يَبَسًا، فخاضَتْ بنو إسرائيلَ البحرَ، كلُّ سبطٍ في طريقٍ، وعن جانبيهم الماءُ كالجبلِ الضَّخم، ولا يرى بعضُهم بعضًا، فخافوا، وقالَ كلُّ سبطٍ قد قُتل إخوانُنا، فأوحى الله تعالى إلى جبالِ الماءِ أنْ يتشبَّكنَ، فصارَ الماءُ شبكاتٍ كالطَّاقاتِ يرى بعضُهم بعضًا، ويسمعُ بعضُهُم كلامَ بعضٍ حتى عبروا البحر سالمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ (١). ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من آلِ فرعونَ ومن الغرقِ. ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: فرعونَ وجيوشَه، وذلك أنَّ فرعونَ لما وصل إلى البحر، فرآه منفلِقًا، قالَ لقومِه: انظُروا إلى البحرِ انفلقَ من هَيْبَتي حتى أُدْرِكَ عَبيدي الذين أَبَقُوا، ادخُلوا البحرَ، فهاب قومُه أن يدخلوه، وقالوا له: إن كنتَ ربًّا، فادخلِ البحرَ كما دخلَ موسى، وكانَ فرعونُ على حصانٍ أَدْهَمَ، ولم يكنْ في خيلِ فرعونَ فرسٌ أُنثى، فجاء جبريلُ في صورة هامانَ على أُنثى وَدِيقٍ؛ أي: شَهِيٍّ، وهي التي في فرجِها بَلَلٌ، فتقدَّمَهُ وخاضَ البحرَ، فلما شمَّ أدهمُ فرعونَ ريحَها، اقتحمَ البحرَ في أثرِها، ولم يملكْ فرعونُ من أمره شيئًا، وهو لا يرى فرسَ جبريلَ، واقتحمتِ الخيولُ خلفَه في البحر، وجاء ميكائيلُ على فرسٍ خلفَ القوم يشحذُهم ويسوقُهم حتى لا يشذَّ رجلٌ منهم، ويقولُ لهم: الحقوا بأصحابِكم، حتى خاضوا كلُّهم البحرَ، وخرجَ جبريلُ من البحر، وهمَّ أولُهم بالخروج، أمرَ اللهُ البحرَ أن يأخذَهم، فالتَطَمَ عليهم، وغَرَّقَهم أجمعينَ، وكان بينَ طرفي البحرِ أربعةُ فراسخَ، وهو بحر قُلْزُم طرف من بحر فارس، والقُلْزُمُ -بضم القاف

стр. 166

وسكون اللام وضمِّ الزاي وميم-: بُلَيدةٌ كانت على ساحل البحر من جهةِ مصرَ، وبينها وبين مصرَ نحوُ ثلاثةِ أيام، وقد خَرِبَت، ويعرف اليوم موضُعها بالسُّوَيس تجاه عجرود، منزلٍ ينزلُه الحاجُّ المتوجِّه من مصرَ إلى مكة، وبالقربِ منها غرقَ فرعونُ، وذلك بمرأى من بني إسرائيل (١)، فذلك قوله . ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى مصارعهم. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. [٥١] ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (وَعَدْنَا) بقصِر الألفِ من الوعدِ، والباقون: (وَاعَدْنَا) بألفٍ (٢)، منَ المواعدة. ﴿مُوسَى﴾ اسم عبري عُرِّب، سُمِّي به لأنَّ تابوتَه وُجد بينَ الماءِ والشجر، والماءُ في لغتِهم مو، والشجرُ شا، ثم قلبتِ الشينُ المعجمةُ سينًا في العربية. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (مُوسَى) بالإمالة

стр. 167

حيث وقعَ (١)، وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهر بنِ قاهث بنِ لاوي بنِ يعقوبَ بنِ إِسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ ﵈، عاش موسى مئةً وعشرين سنةً، ومات في سابعِ آذارَ لمضيِّ ألفٍ وستِّ مئةٍ وستٍّ وعشرينَ سنةً من الطوفان، وبينَ وفاتِه والهجرةِ الشريفةِ الإسلامية ألفان، وثلاثُ مئةٍ، وثمانٍ وأربعون سنةً، وقبرُه شرقيّ بيتِ المقدس، بينهما مرحلة. ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ أي: انقضاءها. قرأ الكسائيُّ (لَيْلَةً) بإمالة اللام حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيثِ، وقُرن بالليلِ دونَ النهار؛ لأن شهورَ العرب وُضِعَتْ على سيرِ القمر، وذلك أن بني إسرائيل لما أَمِنوا من عدوِّهم، ودخلوا مصرَ، لم يكن لهم كتابٌ ولا شريعةٌ ينتهون إليها، فوعدَ الله موسى أن يُنزل عليهِ التوراةَ، فقال موسى: إني ذاهبٌ لميقات ربي آتيكُم بكتابٍ فيه بيانُ ما تأتونَ به وما تَذَرون، وواعدَهم أربعين ليلةً: ثلاثينَ من ذي القعدة، وعشرًا من ذي الحجَّة، وقيل: ذو الحجة، وعشرٌ من المحرَّم، واستخلفَ عليهم أخاه هارون، فلما أتى الوعدُ، جاء جبريل ﵇ على فرس يقال له: فرسُ الحياة، لا تُصيب شيئًا إلا حَيِيَ؛ ليذهبَ بموسى إلى ربه، فلما رآه السامريُّ، وكان رجلًا صائغًا من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها: سامُرَّة، واسمه مِيْخَا -بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الخاء المعجمة وبعدها ألف-، وكان منافقًا، أظهرَ الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقرَ، فلما رأى جبريلَ على تلكَ الفرس، ورأى موضعَ قدمِ الفرس يخضَرُّ في الحال، قال: إن لهذا شأنًا، وأخذ قبضةً من تربةِ حافرِ فرسِ

стр. 168

جبريلَ. قال عِكْرمة: ألقي في رُوعِهِ أنه إذا أُلقي في شيءٍ، غيَّرهُ، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حُلِيًّا كثيرةً من قوم فرعون؛ حين أرادوا الخروج من مصرَ بعلَّة عرسٍ لهم، فأهلكَ الله فرعونَ، وبقيت تلك الحليُّ لهم في أيدي بني إسرائيل، فلما فصل موسى، قال السامري لبني إسرائيل: إن الحليَّ التي استعرتموها من قومِ فرعونَ غنيمةٌ لا تَحِلُّ لكم، فاحفِروا حفرةً وادفنوها فيها حتى يرجعَ موسى، فيرى فيها رأيه، فلما اجتمعتِ الحليُّ صاغها السامريُّ عِجْلًا في ثلاثة أيام، ثم ألقى فيها القبضةَ التي أخذها من ترابِ فرسِ جبريلَ، فخرج عجلًا من ذهبٍ مُرَصَّعًا بالجواهر كأحسنِ ما يكونُ، وخار خَوْرَةً، فقال السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]، أي: فتركه هاهنا، وخرج يطلبه، وكان بنو إسرئيل قد اختلفوا الوعد، فعدوا اليومَ مع الليلة يومين، فلما مضى عشرون يومًا، ولم يرجعْ موسى، وقعوا في الفتنة، وعبدوا العجلَ كلُّهم إلا هارونَ مع اثني عشرَ ألفَ رجل (١)، فذلك قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ إلهًا. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد ذهابه إلى الطور. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ، ورويسٌ: (اتَّخَذْتم) حيث وقع بإظهار الذال، والباقون بإدغامها. ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ضارُّون لأنفسِكم بالمعصيةِ، واضعونَ العبادةَ في غير موضعها.

стр. 169

﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا﴾ محونا. ﴿عَنْكُمْ﴾ ذنوبَكُم. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ من بعد عبادتكم العجلَ لمَّا تبتم. قرأ أبو عمرٍو: (مِنْ بَعْد ذَّلِكَ) بإدغام الدال في الذال (١)، وشبهه حيث وقع. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكي تشكروا، وشكرُ كلِّ نعمةٍ أَلَّا يُعصى اللهُ بعدَ تلك النعمة (٢). ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراةَ. ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ هو التوراةُ أيضًا، ذكرَها باسمينِ، وكرَّر المعنى لاختلافِ اللفظ، ولأنه زاد في معنى التفرقة بينَ الحقِّ والباطل، ولفظة الكتابِ لا تُعطي ذلك. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بالتوراةِ.

стр. 170

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الذين عبدوا العجل: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي (١): أضَرَرْتم (٢). ﴿أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ إلهًا، قالوا: فما نصنعُ؟ قال: ﴿فَتُوبُوا﴾ أي: فارجعوا. ﴿إلَى بَارِئِكُمْ﴾ خالِقِكم. قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ: (بارِيكُم) بإمالة الألف في الموضعين، واخْتُلِفَ عن أبي عمرو في اختلاس كسرة الهمزة، وإسكانها من (باريكم) في الحرفين، فقرأ الدوريُّ عنه بالاختلاس، وقرأ السوسيُّ بالإسكان، وقرأ الباقونَ بإشباع الحركة (٣). قالوا: كيف نتوب؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: ليقتلِ البريءُ منكم المجرمَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: القتلُ.

стр. 171

﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ فلما أمرهم موسى بالقتل، قالوا: نصبرُ لأمر الله، فجلسوا بالأَفْنِيَة مُحْتَبين؛ أي: مُنْتَصبين رُكَبَهم، وقيل لهم: من حَلَّ حبوتَهُ، أو مَدَّ طَرْفَه إلى قاتله، أو اتَّقى بيدٍ أو رجلٍ، فهو ملعونٌ مردودةٌ توبتهُ، وأصلتَ القومُ عليهم الخناجرَ، فكان الرجلُ يرى ابنَه وأخاه وأباه وقريبَه وصديقَه وجارَه، فلم يمكِنْهم إلا المضيُّ لأمر الله، قالوا: يا موسى! كيف نفعل؟ فأرسل اللهُ عليهم ضبابةً وسحابةً سوداءَ لا يُبصر بعضُهم بعضًا، وكانوا يقتلونهم إلى المساء، فلما كثر القتلُ، دعا موسى وهارون، وبَكَيا وتضرَّعا، وقالا: يا ربّ! هلكتْ بنو إسرائيل البقيةَ البقيةَ، فكشف الله السحابةَ، وأَمرهم أن يَكُفُّوا عن القتل، فتكشَّفَتْ عن ألوفٍ من القتلى، فاشتدَّ ذلك على موسى، فأوحى الله إليه: أما يرضيكَ أن أُدخلَ القاتلَ والمقتولَ منهم الجنة؟ فكان من قُتل منهم شهيدًا، ومن بقي منهم مُكَفَّرًا عنه ذنوبُه (١)، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَابَ﴾ أي: إن فعلتم ذلك فقد تاب. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تجاوزَ عنكم. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ القابل للتوبة. ﴿الرَّحِيمُ﴾ قرأ أبو عمرٍو: (إنَّهْ هُّو) بإدغام الهاء في الهاء. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾.

стр. 172

[٥٥] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لأجل قولك. ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وذلك أن الله أمرَ موسى ﵇ أنْ يأتيَه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادةِ العجل، فاختار موسى سبعينَ رجلًا من قومِه من خيارِهم، وقال لهم: صوموا، وتَطَهَّروا، وطَهِّروا ثيابَكُم، ففعلوا، فخرج بهم موسى إلى طورِ سيناءَ لميقاتِ ربِّه، فقالوا لموسى: اطلبْ لنا نسمع كلامَ رَبِّنا، فقال: أفعلُ، فلما دنا موسى إلى طور سيناءَ من الجبل، وقع عليه عمودُ الغمام، وتغشى الجبلَ كلَّه، فدخلَ في الغمام، وقال للقوم: ادنو، فدنا القوم حتى دخلوا في الغمامِ، وخروا سُجَّدًا، وكان موسى إذا كلَّمه ربُّه، وقعَ على وجهه نورٌ ساطعٌ لا يستطيعُ أحدٌ من بني آدمَ أن ينظرَ إليه، فضُربَ دونَه الحجابُ، وسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، وأسمعَهُم اللهُ: إني أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا ذو بَكَّةَ؛ أي: صاحبُ مكةَ، أخرجتُكم من أرضِ مصرَ بيدٍ شديدةٍ، فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، فلما فرغَ موسى، وانكشفَ الغمامُ، أقبلَ إليهم، فقالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ معايَنَة (١)، وذلك أن العربَ تجعلُ العلمَ بالقلبِ رؤيةً، فقال: جهرةً؛ ليُعلم أنَّ المرادَ منه العيانُ. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ أي: الموتُ، وقيل: جاءت نارٌ من السماء فأحرقتهم. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضُكم إلى بعض حينَ أخذَكُم الموتُ، فلما هَلَكوا، جعل موسى يبكي ويتضرَّع ويقولُ: ماذا أقولُ لبني إسرائيل إذا

стр. 173

أتيتُهم، وقد أَهلكتَ خيارَهم، ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف:١٥٥]، فلم يزلْ يناشدُ ربَّه حتى أحياهم الله رجلًا بعدَ رجل بعد ما ماتوا يومًا وليلة، ينظرُ بعضهم إلى بعضٍ كيف يُحْيون، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ أحييناكم، والبعثُ: إثارةُ الشيءِ عن مَحَلِّه، يقال: بعثتُ البعيرَ، وبعثتُ النائمَ فانبعثَ. ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ قال قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقِهم (١)، ولو ماتوا بآجالهم، لم يبعثوا. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فِعَالي. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ في التيه يَقيكم حرَّ الشمسِ، والغَمامُ جمعُ غمامةٍ، من الغَمِّ، وأصلُه التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ، سُمِّي السحابُ غمامًا؛ لأنه يغطِّي وجهَ الشمس، وذلك أنه لم يكنْ لهم في التيه كِنٌّ يسترُهم، فشكَو إلى موسى ﵇، فأرسل الله غمامًا أبيضَ رقيقًا أطيبَ من غمام

стр. 174

المطر، وجعل لهم عمودًا من نور يضيء لهم الليلَ إذا لم يكنْ قمرٌ. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ أي: في التيه، والأكثرون على أن المنَّ هو التَّرَنْجَبينُ، وقيل: هو شيءٌ يتساقطُ على الشجر كالصَّمغ، حلوُ الطعم، فكان هذا المنُّ كل ليلةٍ يقعُ على أشجارهم مثلَ الثلج، لكلِّ إنسانٍ منهم صاعٌ، فقالوا: يا موسى! قَتَلَنَا هذا المنُّ بحلاوته، فادع لنا ربك أن يطعِمَنا اللَّحْمَ، فأنزل الله عليهمُ السَّلوى، وهو طائر يشبه السُّمَّانَ، فكان اللهُ يُنزل عليهم المنَّ والسلوى كلَّ صباحٍ من طلوع الفجر إلى طلوعِ الشمسِ، فيأخذُ كلُّ واحدٍ منهم ما يكفيه يومًا وليلة، وإذا كان يومُ الجمعة، أخذَ كلُّ واحد منهم ما يكفيه ليومين؛ لأنه لم يكنْ ينزلُ يومَ السبت. ﴿كُلُوا﴾ أي: وقلنا لهم: كلوا. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ أي: حلالات. ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ولا تَدَّخروا لغدٍ، ففعلوا، فقطع الله ذلك عنهم، ودَوَّدَ وفسدَ ما ادَّخروا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ وما بَخَسوا حقنا. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ باستيجابهم عذابي، وقطعِ مادة الرزقِ الذي كان ينزلُ عليهم بلا مُؤْنة في الدنيا، ولا حسابٍ في العقبى. ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾.

стр. 175

[٥٨] ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ لهم لما رجعوا من التيه: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ سميت القرية قريةً؛ لأنها تجمعُ أهلَها، ومنه: المِقْراةُ للحَوْض؛ لأنها تجمعُ الماء، والقريةُ: بيتُ المقدس، وقيل غيره. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ موسَّعًا عليكم. قرأ أبو عمرٍو (حَيْث شِّئْتُمْ) بإدغام الثاء في الشين، وقرأ أيضًا هو وأبو جعفرٍ وورشٌ: (شِيتُم) بياء ساكنة بغير همز. ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ يعني: بابًا من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب، وقيل: باب المسجد. ﴿سُجَّدًا﴾ أي: رُكَّعًا خُضَّعًا مُنْحَنين. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: حُطَّ عنا خطايانا، أُمروا بالاستغفار. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ من الغَفْر، وهو السَّتْر، فالمغفرةُ تسترُ الذنوب. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (يُغْفَرْ) بالياء آخر الحروف مضمومة، وابنُ عامر: (تُغفَرْ) بتاء مضمومة، واتفقوا على فتح الفاء، والباقون: بنون مفتوحة وكسر الفاء (١)، ورُوي عن أبي عَمْرٍو إدغامُ الراء في اللام من (نَغْفِر لَّكُمْ) (٢)، وروي عنه إظهارُها، والوجهان عنه صحيحان، وقرأ الكسائي:

стр. 176

(خَطَايَاكُمْ، وَخَطَايَانَا) بإمالةِ فتحةِ الياء حيث وقعَ (١). ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا من فضلنا. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿فَبَدَّل﴾ فغيَّر. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوَا﴾ أنفسَهم وقالوا: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا بلغتهم حِطَاءُ سمقاثًا استهزاءً؛ أي: حنطةً حمراءَ، وروي أنهم قالوا: حبَّة في شَعْرَة. قرأ أبو جعفر: (قَوْلًا غَيْرَ) بإخفاء التنوين عند الغين، وأبو عمرٍو (قِيل لَّهمْ) بإدغام اللام في اللام (٢)، وتقدَّم (٣) ضمُّ الهاء وصلةُ الميم من (عَلَيْهُم وإِلَيْهُمْ) ونحوِهما. ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ أي: عذابًا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ قيل: أرسلَ اللهُ عليهم طاعونًا، فهلك منهم في ساعةٍ واحدةٍ سبعون ألفًا.

стр. 177

﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى. ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ طلبَ السُّقيا. ﴿لِقَوْمِهِ﴾ وذلك أنهم عطشوا في التيه، فسألوا موسى أن يستسقيَ لهم، ففعلَ، فأوحى الله إليه كما قال: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ وكانت العصا من آسِ الجنة، طولُها عشرةُ أذرع على طولِ موسى، ولها شُعْبتان تتَّقِدان في الظلمة نورًا، واسمها عُلَيْق، حملها آدمُ من الجنة، فتوارثها الأنبياءُ حتى وصلت إلى شُعيب، فأعطاها موسى. وأما الحجرُ، فقال ابنُ عباس: كانَ حجرًا خَفيفًا مربَّعًا على قدرِ رأس الرجل، كان يضعُهُ في مِخْلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء، وضعَه وضربَه بعصاته، فإذا فرغوا، وأراد موسى حملَهُ، ضربه بعصاته، فيذهبُ الماء، وكان يسقي كلَّ يومٍ ستَّ مئةِ ألفٍ. وقال سعيد بن جبير: هو الحجرُ الذي وضحَ موسى ثوبَهُ عليه ليغتسلَ، ففرَّ بثوبه، ومرَّ به على ملأٍ من بني إسرائيل حينَ رَمَوْهُ بالأُدْرَةِ، فلما وقف، أتاه جبريلُ فقالَ: إن الله تعالى يقولُ لكَ: ارفعْ هَذَا الحجرَ؛ فإنَّ في فيه قدرةً، ولك فيه معجزةٌ، فرفعَهُ ووضعَهُ في مِخْلاته (١).

стр. 178

﴿فَاَنفَجَرَتْ﴾ أي: سالت. ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ على عدد الأسباط. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ لا يدخلُ سبطٌ على غيرِه في شربه. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: وقلنا لهم: كلوا من المنِّ والسلوى، واشربوا من الماء، فهذا كله: ﴿مِنْ رِزْقِ اللَّه﴾ الذي يأتيكم بلا مشقة. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ والعُثِيُّ (١): أشدُّ الفساد. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. [٦١] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وذلك أنهم كرهوا وسئموا من أكل المنِّ والسَّلوى، وإنما قال: طعام واحد، وهما اثنان؛ لأن العربَ تُعَبِّرُ عن الاثنين بلفظ الواحد، كما تعبِّرُ عن الواحدِ بلفظِ الاثنين؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرجُ من الصالح دونَ العذب.

стр. 179

﴿فَادْعُ لَنَا﴾ فاسأل لأجلنا. ﴿رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ والفوم: الخبز، أو الحنطة، وقيل: الثوم. ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أَخَسُّ وَأَرْدَأُ. ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أشرفُ وأفضلُ، وجعل الحنطةَ أدنى في القيمة، وإن كانَ هو خيرًا من المنِّ والسلوى، وأرادَ بهِ أسهلُ وجودًا على العادة. ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يعني: وإن أبيتُم إلا ذلكَ، فانزلوا مصرًا من الأمصار. ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ من نبات الأرض. ﴿وَضُرِبَتْ﴾ جُعِلَتْ. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ وأُلزموا. ﴿الذِّلَّةُ﴾ الذُّلُّ والهوَان بالجِزْية، وهو ضِدُّ العزِّ. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ الفقر، سُمِّيَ الفقيرُ مسكينًا؛ لأن الفقرَ أسكنَهُ وأقعدَهُ عن الحركةِ، فترى اليهودَ -وإن كانوا أغنياءَ- كأنَّهم فقراءُ، فلا يُرى في أهل المالِ أذلُّ وأحرصُ على المالِ من اليهود. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌّ: (عَلَيْهُمُ الذِّلَّةُ) و ﴿بِهِمُ الأَسبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وشبهَه: بضم الهاء والميم في الوصل حيث وقع، ووافقَهم يعقوبُ في (عَلَيْهُمُ الذِّلَّةُ) وشبهه، ونافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ يكسرون الهاء، ويضمون الميمَ، وأبو عمرو

стр. 180

يكسرهما، ووافقه يعقوبُ في ﴿بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وشبهه (١). ﴿وَبَاءُوا﴾ رجعوا. ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ولا يقال: باءَ إلا إذا رجعَ بشر. ﴿ذَلِكَ﴾ الغضب. ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بصفة محمدٍ ﷺ ، وآيةِ الرجم في التوراةِ، ويكفرون بالإنجيلِ والقرآنِ. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ كشعيا وزكريا ويحيى. قرأ نافعٌ (النَّبِيئينَ، وَالنَّبِيؤون، ونَبِيئُهُمْ، وَلأَنْبِئَاء، والنُّبُوءَة، والنَّبِيء) بالمدِّ والهمز حيث وقع، فيكون معناه المخبر من أنبأ ينبئُ؛ لأنه إنباءٌ عن الله، وخالفَه قالونُ في حرفين في الأحزاب يأتي ذكرُهما في محلِّهما -إن شاء الله تعالى-. وقرأ الباقون: بترك الهمز (٢)، وله وجهان: أحدهما: هو أيضًا من الإنباء، تُركتِ الهمزةُ فيه تخفيفًا؛ لكثرةِ الاستعمال، والثاني: هو بمعنى الرفع، مأخوذٌ من النَّبْوَةِ، وهو المكانُ المرتفع. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: بلا جرم. ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون أمري، ويرتكبون مَحارِمي.
следующие страницы →