﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إليه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بأن يَهْلِكوا إذا لم يُؤْمنوا، و (سُنَّتُ) رُسمت بالتاء في خمسةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ (١).
* * *
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أي: جميعُ الأديان ﴿لِلَّهِ﴾ خالصًا لا شريكَ له.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفرِ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازي كلًّا بعمله. قرأ رُويسٌ عن يعقوبَ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢).
* * *
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمانِ، وعادوا إلى قتالِ أهلِه.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ حافظُكم وناصرُكم عليهم.
стр. 1230
﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لا يضيعُ من تولاه.
﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ولا يُغْلَب من ينصرُه.
* * *
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ أخذْتُم من مالِ حربي قهرًا بقتال.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ممَّا يقعُ عليه اسمُ الشيء، حتّى الخيط.
﴿فَأَنَّ﴾ فتحًا خبرُ مبتدأ؛ أي: فالحكم أن ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وأُضيفَ المالُ إلى اسمِ اللهِ تشريفًا، ليسَ المرادُ منه أن سهمًا من الغنيمة لله مفردًا، فإن الدنيا والآخرة كلَّها لله .
﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ قسمٌ، والمراد: أقاربه ﷺ بنو هاشم، وبنو المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، قال ﷺ : "أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، مَا فَارَقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ" (١).
﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمعُ يتيمٍ، وهو صغيرٌ فقيرٌ مسلمٌ لا أبَ له.
стр. 1231
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم أهلُ الفاقةِ من المسلمينَ.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافرُ البعيدُ عن مالِه، فكأنّه قال: فإن للهِ خمسَهُ يُصرفُ إلى هؤلاء الأَخَصِّينَ به.
﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليه (واعلموا)؛ أي: إنَّ كنتم آمنتم بالله، فاعلموا أنّه جُعل الخمسُ لهؤلاء، فسلموه إليهم، واقنعوا بالأخماسِ الأربعةِ الباقية، فإن العلّمَ العمليَّ إذا أُمر به، فالمراد به العملُ، وليس المراد منه العلمَ المجردَ.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ أي: وبما أنزلنا ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﷺ من الآياتِ والملائكةِ والنصرِ.
﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يومَ بدرٍ، فإنّه فرقَ فيه بين الحقِّ والباطل.
﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفارُ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من نصرِ القليل على الكثيرِ.
واتفق الأئمةُ على أن الغنيمةَ تقسَمُ خمسةَ أخماس، أربعةُ أخماسٍ منها لمن قاتلَ عليها على ما يأتي بيانُه، واختلفوا في الخمس الباقي فيمن يقسم؟ فقال أبو حنيفة: يقسمُ على ثلاثةِ أسهمٍ: سهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناء السبيل، يدخلُ فقراءُ ذوي القربى فيهم دونَ أغنيائهم، فأمّا سهمُ النبيِّ ﷺ ، فهو خمسُ اللهِ ورسوله، وقد سقطَ بموتِ النبيِّ ﷺ ، كما سقط الصَّفِيُّ المختَصُّ به، وهو ما كانَ يختارُ قبلَ القسمةِ؛ كجاريةٍ وعبدٍ وثوبٍ وسيفٍ ونحوِه، وسهمُ ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمنِه ﵇ بالنصرة، وبعدَه فلا سهمَ لهم، وإنّما يستحقونه بالفقر خاصةً، ويستوي فيه ذكرُهم وأنثاهم، وقال مالك: هذا الخمسُ لا يستحَقُّ بالتعيينِ
стр. 1232
بشخصٍ دونَ شخصٍ، ولكنِ النظرُ فيه للإمام يصرفُه فيما (١) يرى، وعلى من يرَى من المسلمين، ويعطي القرابةَ من الخمسِ ومن الفيءِ والخراجِ والجزيةِ بالاجتهاد، وقال الشّافعيّ وأحمدُ: يُقسمُ الخمسُ على خمسةِ أسهمٍ: سهمٌ كان لرسول الله ﷺ ، وحكمُه باقٍ، فيصرَفُ بعده لمصالح المسلمين؛ كالثغورِ وأرزاقِ القضاةِ والعلماء، يقدَّمُ الأهمُّ فالأهمُّ. والثاني لبني هاشمٍ والمطلبِ، يشتركُ فيه الغنيُّ والفقيرُ، ويفضَّلُ الذكرُ على الأنثى كالإرث، والثالثُ لليتامى، والرّابعُ للمساكين، والخامسُ لأبناء السبيل، ويقسم أربعةُ أخماس الغنيمةِ بينَ الغانمين الذين شهدوا الوقعةَ بنيةِ القتال.
واختلفوا في قسمه، فقال أبو حنيفةَ، للفارسِ سهمان، وللراجل سهمٌ، وقال الثلاثةُ وأبو يوسفَ ومحمدٌ: للفارسِ ثلاثةُ أسهمٍ، وللراجلِ سهمٌ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ والشّافعيُّ: لا يُسهَمُ لأكثر من فرسٍ واحدٍ، وقال أحمدُ وأبو يوسفَ: يُسْهَمُ لفرسينِ، ولا يُسهم لغيرِ الخيل بالاتفاق، واختار الخرقيُّ من أصحابِ أحمدَ: أنَّ من غزا علي بعير لا يقدرُ غيره، قُسمَ له ولبعيرِه سهمان.
واختلفوا في السَّلَبِ، فقال أبو حنيفة: هو غنيمةٌ للكلِّ إِلَّا أن يجعلَه الإمامُ للقاتل، فينقطع حقُّ الباقين عنه بالتنفيل، وقال مالك: إذا نفله ذلك الإمام بضرب من الاجتهاد، فيكونُ له من الخمسِ دونَ جملةِ الغنيمة، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: السَّلَبُ حقُّ القاتلِ يستحقُّه من رأسِ الغنيمةِ، سواءٌ قاله الإمامٌ أو لم يقلْه، فتخرجُ الأسلابُ من الغنيمةِ، ومنها الدابةُ وآلتها (٢)،
стр. 1233
وقال الشّافعيّ: والنفقةُ، خلافًا لأحمدَ، ويُعطَى السلبُ للقاتل إذا قتلَه حالةَ الحربِ منهمكًا عليه، ثمّ يُخَمَّسُ بعدَ ذلك.
واختلفوا في النَّفَلِ، وهو الزيادةُ على السهمِ للمصلحةِ، من أين يعطى؟ فقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: النفلُ مواهبُ الإمامِ من الخمسِ على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة أخماسٍ نفلٌ، وقال الشّافعيُّ: النفلُ من خمسِ الخمسِ المرصَدِ للمصالح، وقال أحمدُ: يخرج الخمس، ثمّ ينفلُ الإمامُ من الأربعةِ أخماسٍ، ثمّ يقسمُ الباقيَ بينَ النَّاس.
واختلفوا في حكم الأرضين المغنومةِ، فقال أبو حنيفةَ: الإمامُ بالخيارِ، إن شاءَ قسمها بينَ الغانمين، وإن شاء أَقرَّ أهلَها عليها، ووضعَ عليهم وعلى أراضيهم الخراجَ، وإن شاءَ صرفَ أهلَها عنها، وأقرَّ غيرَهم فيها، وضربَ عليه الخراجَ، وقال مالك: حكمُها كالفيء تصيرُ وقفًا لمصالحِ المسلمينِ بنفسِ الظهور عليها، وقال الشافعي: حكمُها حكمُ المنقول على ما تقدَّمَ من التخميسِ والقسمةِ بينَ الغانمين، وقال أحمدُ: يُخير الإمامُ بين قسمِها كالمنقول، وبينَ وقفِها للمسلمين، ويضربُ عليها خراجًا يؤخَذُ ممّن هي في يدِه من مسلمٍ وذميٍّ، ويلزُمه فعلُ الأصلحِ.
واختلفوا في مصرِفِ الفيءِ، وهو ما أُخذ من مالِ كافرٍ بحقٍّ بلا قتالٍ، كالجزيةِ والخراجِ، وما تركوه فزعًا، ومالُ من ماتَ منهم ولا وارثَ له، ولو مرتدًا، فقال الشّافعيُّ: يخمَّسُ كالغنيمةِ، والأربعةُ أخماسٍ للمقاتلةِ الذين أُثبتت أسماؤهم في ديوانِ الجهاد، ويصرَفُ بعضه في إصلاح الثغورِ والسلاحِ، وقال الثلاثةُ: لا يخمَّسُ، وجميعُه لمصالح المسلمين.
стр. 1234
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ (يوم الفرقان)، أي: إذ أنتم نُزولٌ يا معشرَ المسلمين.
﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بشاطئ الوادي الأدنى؛ أي: الأقربِ إلى جهةِ المدينةِ، و (الدنيا) تأنيثُ الأدنى.
﴿وَهُمْ﴾ يعني: المشركينَ.
﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ البُعْدَى عن المدينة ممّا يلي مكةَ، تأنيثُ الأقصى.
قراْ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: بالمدِّ في الحرفينِ بكسرِ العين، والباقون: بضمِّها، وهما لغتانِ كالكُسوةِ والكِسوةِ (١).
﴿وَالرَّكْبُ﴾ هم الذين كانوا مع العير: أبو سفيانَ وأصحابُه.
﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ بالساحلِ على ثلاثة أميالٍ من بدرٍ.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أنتم وأهلُ مكةَ على موعدٍ تلتقونَ فيه للقتال.
﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لأنّهم خرجوا في طلبِ العير، فصادفوا النَّفْيرَ من غيرِ ميعادٍ؛ لأنّ الكفارَ خرجوا ليذُبُّوا عنها.
стр. 1235
﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَكُمْ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ من نصرِ أوليائِه، وقهرِ أعدائِه.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ أي: ليموتَ مَنْ ماتَ.
﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن حُجَّةٍ قامتْ عليه.
﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ ويعيشَ من عاشَ.
﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن حجَّةٍ واضحةٍ شاهدَها؛ فكان وقعةَ بدرٍ من الآياتِ الواضحة، وقيل: المرادُ بالهلاكِ والحياةِ: الكفرُ والإيمانُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وخلفٌ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (مَنْ حَيِيَ) بياءين الأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلِف عن قنبل راوى ابن كثيرٍ، والباقون: بواحدة مفتوحة مشددة (١).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ لدعائِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتِكم.
* * *
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿إِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ﴾ في نومِك؛ لأنه ﷺ رآهم في نومه ﴿قَلِيلًا﴾ ليقدموا عليهم.
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًاَ﴾ ضعفَ البدن. قرأ أبو جعفرٍ: (ضُعَفَاءَ) بفتح العين والمدِّ وبالهمزةِ مفتوحة نصبًا، وعاصمٌ، وحمزةُ، وخلفٌ: (ضَعْفًا) بفتح الضاد وإسكان العين، والباقون: بضمِّ الضاد وإسكان العين، وكلُّهم بالتنوينِ من غيرِ مدٍّ ولا همزٍ سوى أبي جعفرٍ (١).
﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من الكفار. وقرأ الكوفيون: (يَكُنْ) بالياء، والباقون: بالتاء على التأنيث (٢).
﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾ بالنصرِ والمعونةِ فردَّ من العشرةِ إلى الاثنين، فلا يجوزُ للواحدِ الفرارُ من اثنين إِلَّا متحرِّفًا لقتال، أو متحَيِّزًا إلى فئةٍ، كما تقدَّم ذكرُ الحكمِ فيه عقبَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥].
* * *
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (تَكُونَ) بالتاء مؤنثًا؛ لتأنيثِ الجماعة، وأبو جعفرٍ وحدَه قرأ: (أُسَارَى) بضم الهمزة وبألف بعد السين، والباقون: بالياء مذكرًا لتذكير
стр. 1250
الجمع، و (أَسْرَى) كأبي عمرٍو، ويعقوبَ: بفتح الهمزة وإسكان السين من غير ألف بعدَها (١)، وأمالَ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (أَسْرَى)، واختلِفَ عن ورشٍ (٢).
﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يبالغَ في قتلِ المشركينَ وأسرِهم حتّى يُذلَّ الكفرُ ويُعَزَّ الإسلامُ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ حُطامَها بأخذِكم الفداءَ.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يريدُ لكم ثوابَها.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغْلِبُ أولياءه على أعدائِه.
﴿حَكِيمٌ﴾ يعلمُ ما يليقُ بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخانِ، ومنعَ عن الفداء حين كانت الشوكةُ للمشركين، وخَيَّرَ بينه وبين المنِّ لما تحولتِ الحالُ، وصارت الغلبةُ للمؤمنين.
روي أنّه ﵊ أتي يومَ بدرٍ بسبعين أسيرًا، فيهم العباسُ، وعقيلُ بنُ أبي طالب، فاستشارهم فيهم، فقال أبو بكر ﵁: "قومُكَ وأهلكَ، استَبْقِهم لعلَّ اللهَ يتوبُ عليهم، وخذْ منهم فديةً تقَوِّي بها أصحابَكَ"، فقال عمرَ ﵁: "اضربْ أعناقَهم؛ فإنهم أئمةُ الكفر، وإن الله أغناكَ عن الفداء، فمكنِّي من فلان، نسيبٍ له، ومكِّنْ عليًّا وحمزةَ من أَخَويهما فلنضربْ أعناقَهم"، فلم يهوَ ذلك النبيُّ ﷺ وقال:
الواو، والباقون: بالفتح (١)، ومعناهما واحد؛ كالدَّلالة والدِّلالة، وقيل: بالفتح معناهُ: النصرُ، وبالكسر: الإمارة.
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: المؤمنون الذين لم يُهاجروا.
﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فواجبٌ عليكم أن تنصروهم على المشركين.
﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهدٌ، فلا تنصروهم عليهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
* * *
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ .
[٧٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الموارثةِ والنُّصرةِ، فلا توالوهم أنتم.
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي: إن لم تفعلوا ما أُمرتم به من النصرة على الكفار والتواصلِ.
﴿تَكُنْ﴾ تحصُلْ ﴿فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ بقوةِ الكفرِ.
﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بضعفِ الإسلام.
* * *
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾.
стр. 1256
[٧٤] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الكاملون في الإيمان حَقَّقوا إيمانَهم بتعجيلِ مقتضاهُ؛ من الهجرةِ والجهادِ وبذلِ المالِ ونصرةِ الحقِّ.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ لا تبعةَ ولا مِنَّةَ فيه، وهو طعامُ الجنة، وكُرِّرَتْ هذه الآيةُ؛ لأنّ بعضَهم هاجرَ قبلَ الحُدَيبية، وبعضهم بعدَها، وبعضهم ذو هجرتين: هجرةٍ إلى الحبشة، وهجرةٍ إلى المدينة، فالآية الأولى لأصحابِ الهجرة الأولى، والثّانية للثانية.
* * *
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ .
[٧٥] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ أي: بعد السابقينَ إلى الهجرةِ الأولى.
﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم، لطفَ تعالى باللاحقين، فجعلَهم من السابقين.
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ اللوحِ المحفوظِ، فنسخَ التوارثَ بالهجرة، وردَّ الميراثَ إلى أولي الأرحامِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ صفة مناسبة لنفوذِ هذه الأحكام.
واختلف الأئمةُ في توريثِ ذوي الأرحام ممّن لا سهمَ له في القرآن، وهم كلُّ ذي قرابة ليسَ بذي فرضٍ ولا عَصَبَةٍ، وهم أحدَ عشر صنفًا: أولادُ البناتِ الذكورُ منهم والإناث، وولدُ الأخواتِ، وبناتُ الإخوة، وبناتُ الأعمام، وبنو الإخوة من الأم، والعماتُ، والأخوالُ، والخالاتُ، والجدُّ
стр. 1257
أبو الأم، والجدةُ أمُّ أبي الأمِّ، ومن أدلى بهم، فذهب مالك والشّافعيُّ أنّهم لا يُوَرَّثون، وبيتُ المال أولى منهم.
وذهب أبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى أنّهم يورَّثون، استدلالًا بالآية الشريفة، وبقوله ﷺ : "الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ" (١)، ويقدَّمُ الردُّ عليهم، فإن كان للميتِ (٢) ذو فرضٍ لم يستغرقِ المالَ، وفضلَتْ منه فضلةٌ، ولم يكنْ عصبةٌ، فالفاضلُ مردودٌ عليهم على قدرِ سِهامهم؛ للآية الشريفة، ولقوله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَارِثِ" (٣)، ولا يُرَدُّ على الزوجِ والزوجةِ؛ لأنّهما ليسا من أولي الأرحام، وإذا لم يكنْ للميتِ عصبةٌ، ولا ذو فرضٍ من أهلِ الردِّ، فالميراثُ لذوي الأرحامِ ممّن ذُكر من الأصناف. واختلفَ مورِّثاهم في كيفيةِ توريثهم، فقال أبو حنيفةَ: يورَّثون على ترتيب العصباتِ، الأقربُ فالأقرب؛ كمن له بنتُ بنتِ بنتٍ (٤) وأَبُ أمٍّ، فهو أولى؛ لأنّه أقربُ، وإن كانَ أبَ أبِ أُمٍّ، وعمةٌ؛ أو خالةٌ، فهي أولى؛ لأنّها أقربُ، ونحو ذلك، فإن استووا في القربِ والإدلاءِ، فإن اتفقتِ الآباءُ والأمهاتُ، فالمال بينَهما على السواء إنَّ كانوا ذكورًا أو إناثًا، وإن كانوا
стр. 1258
مختلطين، فللذكر مثلُ حظِّ الأنثيين، مثالُه: بنتُ بنتِ ابنٍ، وبنتُ بنتِ ابنٍ، المالُ بينَهما على السواء، وكذلك ابنُ بنتِ بنتٍ، وابنُ بنتِ بنتٍ، وإن كانَ بنتَ بنتِ بنتٍ وابنَ بنتِ بنتٍ، المالُ بينهما أثلاثًا، وإن اختلفَ الأمهاتُ والآباءُ، فعندَ أبي يوسف، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ رحمهما الله: العبرةُ لأبدانِهم لا لأصولهم؛ لأنّ ذوي الأرحام إنّما يورَّثون بالقرابة كالعصبات، وكلُّ واحدٍ مستبدٌّ بنفسِه في أصلِ الاستحقاقِ، فتعتبر الأبدانُ كالعصبات، وعندَ محمدٍ، وهو أشهرُ روايتين عن أبي حنيفة: العبرةُ لأصولهم، فيقسَمُ المالُ على أصولهم، ويعتبرُ الأصلُ الواحدُ متعددًا بتعدُّدِ أولاده، ثمّ يُعْطَى لكلِّ فرعٍ ميراثُ أصلِه، ويَجعلُ كلَّ أنثى تُدْلي إلى الميِّت بذكرٍ ذكرًا، وكلَّ ذكرٍ يدلي إلى الميِّتِ بأنثى أنثى، سواء كانَ إدلاؤهما بأبٍ واحدٍ أو بأكثر، أو بأمٍّ واحدةٍ أو بأكثرَ، ثمّ يقسمُ سهامَ كلِّ فريقٍ بينَهم بالسويةِ إِن اتفقتْ صفاتُهم، وإذا اختلفَتْ، فللذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين؛ لأنّ الفروعَ إنّما تستحقُّ الميراثَ بواسطةِ الأصولِ، فيجب أن تكونَ العبرةُ للأصولِ.
وقال أحمد: يُوَرَّثون بالتنزيل، وهو أن يُجعل كُلُّ شخصٍ بمنزلةِ مَنْ أدلى به، فتجعلُ ولدَ البناتِ والأخواتِ كأمهاتهم، وبناتِ الإخوةِ والأعمامِ وأولادَ الإخوة من الأمِّ كآبائِهم، والأخوالَ والخالاتِ وآباءَ الأمِّ كالأمِّ، والعماتِ والعمَّ من الأمِّ كالأب، ثمّ تجعلُ نصيبَ كلِّ وارثٍ لمن أدلى به، فإن أدلى جماعةٌ بواحدٍ، واستوتْ منازلُهم منه، فإن كانَ أبوهم واحدًا، وأُمُّهم واحدةً، فنصيبُه بينَهم بالسويَّة، ذكرُهم وأنثاهم سواء، لأنّهم يورَّثون بالرَّحِمِ المجرَّدِ، فاستوى ذكورُهم وإناثهم؛ كولدِ الأمِّ، وإذا كانَ ابنٌ وبنتُ أختٍ وبنتُ أختٍ أُخرى، فلبنتِ الأختِ وحدَها النصفُ، وللأخرى وأخيها النصفُ بينَهما، وإن اختلفتْ منازلُهم من المدلي بهِ، جعلته كالميِّتِ،
стр. 1259
وقسمتَ نصيبَه بينَهم على ذلكَ، ويسقطُ البعيدُ بالقريب إن كانا من جهة واحدة؛ كخالةٍ وأمِّ أبي أمٍّ، أو ابنِ خالٍ، فالميراثُ للخالِة؛ لأنّها تلقى الأمَّ بأولِ درجةٍ، وإن كانا من جهتين، نزلتَ البعيدَ حتّى يلحقَ بوارثه، سواءٌ سقط به القريبُ، أو لم يسقطْ؛ كبنتِ بنتِ بنتٍ، وبنتِ أخٍ لأخٍ، المالُ لبنتِ بنتِ البنتِ بالفرضِ والردِّ.
واتفقَ الأربعةُ على أنَّ من ماتَ ولا وارثَ له من ذوي فرضٍ ولا تعصيبٍ ولا رحمٍ، فإن مالَه لبيتِ مالِ المسلمين.
ثمّ اختلفوا في صرفِ التركةِ إلى بيتِ المال، فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ: تصرَفُ إِرثًا، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: ليسَ بيتُ المالِ وارثًا، وإنما يحفظُ المالَ الضائعَ وغيرَهُ، فهو جهةٌ ومصلحةٌ، واللهُ أعلمُ.
* * *
стр. 1260
سُوْرَةُ التَّوْبَة
مدنية وآيها مئة وتسع وعشرون آية، وحروفُها عشرة آلافٍ وثمانُ مئةٍ وسبعة وثمانون حرفًا، وكلمُها ألفان وأربع مئة وسبع وتسعون كلمة.
قال سعيدُ بنُ جبير: قلت لابنِ عباسٍ ﵂: "سورةُ التوبةِ؟ فقالَ: تلكَ الفاضِحَةُ، ما زالتْ تنزلُ: ومنهم، ومنهم، حتّى خَشينا ألَّا تدعَ أحدًا" (١).
وعن حذيفة ﵁ قال: "إنكم تُسمون هذهِ السورةَ سورةَ التوبَةِ، وإِنَّها سورةُ العذابِ، واللهِ ما تركَتْ أحدًا إِلَّا نالَت منه" (٢).
أهلُ المدينةِ يسمونها: التوبةَ، وأهلُ مكةَ يسمونها: الفاضحةَ، وسميت التوبةَ؛ لأنّ فيها التوبةَ على المؤمنين، والفاضحةَ؛ لأنها تفضحُ المنافقين، ومن أسمائها: المخزيةُ؛ لأنّها تخزيهم، والمقشقشةُ؛ لأنّها تقشقش من النفاق؛ أي: تبرئ منه، والمبعثرةُ، لأنّها تبعثرُ أسرارَ المنافقين،
стр. 1261
والمشرِّدَةُ، لأنّها تشرِّدُ بهم، والمثيرةُ؛ لأنّها تبحثُ عن حالِ المنافقينَ وتُثيرها، والحافرةُ؛ لأنّها حفرتْ على قلوبهم، والمنكِّلَةُ؛ لأنّها تنكِّلُ بهم (١)، والمُدَمْدِمَةُ؛ لأنّها تدمدمُ عليهم، وسورةُ العذابِ؛ لتضمُّنها معناه.
واختلِفَ في سقوطِ البسملةِ من أولها، فقيل: كان من شأن العربِ في زمنِ الجاهلية إذا كانَ بينَهم وبينَ قومٍ عهدٌ، فإذا أرادوا نقضَه، كتبوا إليهم كتابًا لم يكتبوا فيه البسملةَ، فلما نزلَتْ براءةُ بنقضِ العهدِ الّذي كانَ بينَ النبيِّ ﷺ والمشركين، بعثَ بها النبيُّ علَيَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁، فقرأها عليهم في الموسم، ولم يتسهَّلْ في ذلكَ على ما جرتْ عادتُهم في نقضِ العهدِ من تركِ البسملة.
وقال ابنُ عباسٍ لعثمان ﵁: ما حملَكُم على أَنْ عمدتُم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، فقرنتم بينَهما، ولم تكتبوا بينَهما سطرَ: بسم الله الرّحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال: عثمان ﵁: إِن رسولَ الله ﷺ كان إذا نزلَ عليه الشيءُ، يدعو بعضَ من يكتبُ عندَه، فيقول: "ضَعُوا هَذِهِ الآيةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فيها كَذَا وَكَذَا"، وكانت الأنفال ممّا نزلَ بالمدينة، وبراءةُ من آخرِ ما نزلَ، وكانت قصَّتُها شبيهةً بقصتها، وقُبضَ رسولُ الله ﷺ ولم يبين لنا أنّها منها، فظننتُ أنّها منها، فمن ثَمَّ قرنتُ بينَهما، ولم أكتبْ بينهما سطر: بسم الله الرّحمن الرحيم (٢).
стр. 1262
وكانتا تدعيان: القَرينين، قال ابنُ العربيِّ: هذا دليلٌ على أن القياسَ أصل في الدِّين، ألَّا ترى إلى عثمانَ وأعيانِ الصَّحابةِ ﵃ كيفَ نَحَوْا إلى قياسِ الشبهِ عندَ عدمِ النصِّ ورأوا أن قصةَ براءةَ شبيهةٌ بقصةِ الأنفالِ، فألحقوها بها؟ فإذا كانَ الله قد بَيَّنَ القياسَ في تأليفِ القرآن، فما ظَنُّكَ بسائرِ الأحكام (١)؟
وقيل: سورةُ الأنفالِ وبراءةَ سورةٌ واحدةٌ، كلتاهما نزلتْ في القتال، تعدان السابعةَ من الطوال، وهي سبعٌ، وما بعدَها المئون؛ لأنّهما معًا مئتان وأربعُ آيات، فهما بمنزلة إحدى الطِّوال. وقد اختلفَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ لما كتبوا المصحفَ في خلافةِ عثمانَ، فقالَ بعضهُم: الأنفالُ وبراءةُ سورةٌ واحدةٌ، وقالَ بعضهم: هما سورتان، فتركَتْ بينهما فُرْجَةٌ لقولِ من قالَ: هما سورتان، وتركت بسم الله لقولِ مَنْ قالَ هما سورةٌ واحدةٌ، فرضيَ الفريقانِ معًا.
وسُئل عليٌّ ﵁ عن تركِه البسملةَ في براءةَ، فقالَ: "بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيمِ أمانٌ، وبراءةُ نزلَتْ بالسيفِ ليسَ فيها أمانٌ" (٢).
قال القرطبيّ: والصحيحُ أن التسميةَ لم تكتبْ لأنَّ جبريلَ ﵇ ما نزلَ بها في هذهِ السورةِ (٣). وتقدَّمَ ذكرُ اختلافِ العلماءِ والقراءِ مستوفًى
стр. 1263
في حكم البسملةِ بينَ كلِّ سورتينِ سوى براءةَ عندَ الكلامِ في البسملة أولَ التفسير، ومُلَخَّصُه: أنَّ مذهبَ الشّافعيِّ ﵁ أن البسملةَ آيةٌ من الفاتحةِ ومن كلِّ سورةٍ سوى براءةَ، ومذهبُ أحمدَ وأبي حنيفةَ أنّها آيةٌ مستقلةٌ بينَ كلِّ سورتينِ سوى براءةَ، فيكره ابتداؤها بها، ومذهبُ مالكٍ أنّها ليستْ بآيةٍ من الفاتحة، ولا من غيرِها، وإنّما كُتبت للتيمُّن والتبرُّك بها معَ إجماعهم على أنّها بعضُ آيةٍ من سورةِ النمل، وأنَّ بعضَها آيةٌ من الفاتحة.
وأمّا مذاهبُ (١) القراء فيها، فقد أجمعوا على حذفِها بينَ الأنفالِ وبراءةَ، وكذلكَ في الابتداءِ ببراءةَ، وأمّا الابتداءُ بالآي وسطَ براءة، ففيه خلافٌ، ويجوزُ بينَ الأنفالِ وبراءةَ كلّ من الوصلِ والسكتِ والوقفِ لجميعِ القراء إذا لم يقطعْ على آخرِ الأنفالِ، فالقطعُ: هو قطع القراءةِ رأسًا، فهو كالانتهاء، والوقفُ: هو قطعُ الصوتِ على الكلمةِ زمنًا يتنفَّس فيه عادةً بنيةِ استئنافِ القراءة، والسكتُ: هو قطعُ الصوتِ زمنًا دونَ زمنِ الوقفِ عادةً من غيرِ تنفُّسٍ، والله أعلمُ.
* * *
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾.
[١] قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خروجٌ من الشيءِ، ومفارقةٌ له بشدَّةٍ، والتقديرُ: هذِه براءةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ أيُّها المؤمنون.
﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمعنى: أن الله ورسوله قد برءا من العهد الّذي عاهدتم به المشركين، رُوي أنّه لما خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى تبوكَ، كان المنافقون يُرْجِفون الأراجيفَ، وجعلَ المشركونَ ينقُضون عهودًا كانت
стр. 1264
بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأمرَ اللهُ بنقضِ عهودِهم، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ هو الّذي عاهدَهم عامًا على ألَّا يُصَدَّ أحدٌ عن البيت الحرام، ونحو هذا من الموادَعات، وأصحابُه كلُّهم راضونَ بذلكَ، فكأنّهم عاهدوا، فَنُسِبَ العهدُ إليهم، وكذلك ما عقدَهُ أئمةُ الكفرِ على قومِهم منسوبٌ إِليهم يُؤاخذونَ به؛ إذ لا يمكنُ غيرُ ذلك؛ لأن تحصيلَ الرضا من الجميعِ متعذرٌ، فإذا عقدَ الإمامُ لما يرى من المصلحةِ أمرًا، لزمَ جميعَ الرعايا.
* * *
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿فَسِيحُوا﴾ رجع من الخبر إلى الخطاب؛ أي: قل لهم: سِيحُوا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أى: سيروا فيها آمنينَ.
﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ تأجيلٌ من اللهِ للمشركين، فمن كانتْ مدةُ عهدِهِ أقلَّ من أربعةِ أشهرٍ، رُفِعَ إليها، ومن كانت مدَّتُه أكثرَ منها، حُطَّ إليها، ومن كانت مدةُ عهدِه بغيرِ أجلٍ محدودٍ، حَدَّهُ بأربعةِ أشهرٍ، ثمّ هو حربٌ بعدَ ذلكَ للهِ ورسوله يُقتل حيث أُدْرِكَ، ويؤسرُ، إِلَّا أن يتوب، وابتداءُ هذا الأجل يومَ الحجِّ الأكبرِ، وانقضاؤه إلى عشرٍ من ربيعٍ الآخرِ، فأمّا من لم يكنْ له عهدٌ، فإنما أجلُه انسلاخُ المحرَّمِ، وذلك خمسون يومًا، وقيل: الأشهرُ الأربعةُ: شوالٌ وذو القعدةِ، وذو الحجَّةِ، والمحرَّمُ، والأول أصوبُ، وعليه الأكثرُ.
﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيّها الناكثون ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي﴾ أي: فائتي ﴿اللَّهَ﴾ بعدَ الأربعةِ أشهرٍ.
стр. 1265
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي﴾ مُذِلُّ ﴿الْكَافِرِينَ﴾ بالقتلِ في الدنيا، والعذابِ في الآخرةِ.
* * *
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ .
[٣] ونزلت براءةُ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ، وفيها فُتحت مكةُ، فلما كان سنةُ تسعٍ تجهَّزَ النبيُّ ﷺ ، فقيل له: إنَّ المشركينَ يطوفون بالبيتِ عُراةً فقالَ: "لَا أُرِيدُ أَنْ أَرَى ذَلِكَ"، فبعثَ أبا بكرٍ أميرًا على الموسمِ ليقيمَ للناسِ الحجَّ، وبعثَ معه بأربعينَ آيةً من صدرِ براءةَ ليقرأها على أهل الموسم، ثمّ بعثَ بعده عليًّا على ناقتِهِ العضْباءِ ليقرأ على النَّاس صدر براءة، وأمره أن يؤذن بمكةَ ومِنًى وعرفةَ: أن قد بَرِئَتْ ذمةُ اللهِ وذمةُ رسوله من كلِّ مشركٍ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريان، فرجعَ أبو بكر وقال: يا رسولَ الله! أنزلَ في شأني شيءٌ؛ قالَ: "لَا، وَلَكِنْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، أَمَا تَرْضَى أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ، وأَنَّكَ صاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ "، قال: بلى. فسار أبو بكرٍ أميرًا على الحاجِّ، وعليٌّ ليؤذِّنَ ببراءةَ، وكانَ من عادةِ العربِ في عقدِ العُهودِ ونقضِها ألَّا يتولَّى ذلكَ إِلَّا سيدُهم، أو رجلٌ من قومِه، أقربُهم إليه نَسَبًا، فلما كانَ قبلَ الترويةِ بيوم، خطبَ أبو بكرٍ الناسَ، وحدثهم عن مناسِكِهم، وأقام للناسِ الحجَّ، والعربُ في تلكَ السنةِ على منازِلهم الّتي كانوا عليها في الجاهليةِ من الحجِّ، حتّى إذا كانَ يومُ النَّحر، قام عليٌّ عندَ جمرةِ العقبةِ، وأَذَّنَ في النَّاس بما أُمر به من الآيات، وألَّا