← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ثمّ تَوَعَّدهم بعذابِ الدنيا فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ أي: وكيف لا يُعَذَّبون. ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: عن الطّواف؛ لأنّهم كانوا يقولون: نحنُ أولياءُ البيتِ، فنصدُّ من نشاءُ، ونترك من نشاءُ، فنزل: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: أولياءَ البيت ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾ أي: ليس أولياءَ البيتِ. ﴿إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ الذين يتقونَ الشركَ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾ أنْ لا ولايةَ لهم عليه. * * * ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: دعاؤهم، أو ما يسمونه صلاة. ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ إِلَّا صفيرًا بالأفواه، وهو أن يشبكَ الأصابعَ وينفخَ فيها. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقًا بإحدى اليدين على الأخرى، وكان ﷺ إذا صلَّى، صَفَّروا وصفَّقوا عن يمينه وشماله؛ ليخلِطوا عليه قراءتَه، ويرون أنّهم يصلُّون أيضًا. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ يعني: القتلَ والأسرَ يومَ بدرٍ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ اعتقادًا وعملًا.

стр. 1227

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: ليصرفوا عن دين الله، نزلَتْ في المطعِمين يومَ بدرٍ، وكانوا اثني عشرَ رجلًا من قريش، وهم أبو جهلِ بنُ هشام، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةَ بنِ عبدِ شمس، ونبيهٌ ومنبهٌ ابنا الحجاج، وأبو البختريِّ بنُ هشام، والنضرُ بنُ الحارثِ، وحكيمُ بنُ حزام، وأُبيُّ بنُ خلف، وزمعةُ بنُ الأسود، والحارثُ بنُ عامرِ بنِ نوفلٍ، والعباسُ بنُ عبدِ المطلب، وكان يطعم كلُّ واحد منهم كلّ يومٍ عشر جُزُر (١). ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ﴾ عاقبةُ النفقةِ على حربِ رسولِ الله ﷺ ببدرٍ يومَ القيامةِ. ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: يتحَسَّرون على ذلك. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ ولا يظفرون. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم. ﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ لأنّ منهم من أسلمَ. * * *

стр. 1228

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿لِيَمِيزَ﴾ ليبينَ ﴿اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ الكافرَ ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ المؤمن، قرأ يعقوبُ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لِيُمَيِّزَ) بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء الثّانية، والباقون: بفتح الأولى وكسر الميم وإسكان الثّانية (١). ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ أى: فوقَ بعضٍ. ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ فيجمَعَه متراكبًا، ومنه السحاب المركومُ، وهو المجتمعُ الكثيفُ. ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ كلَّه. ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين أنفقوا أموالهم. ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لأنّهم خسروا أنفسَهم وأموالَهم. * * * ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن الكفر. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم قبلَ الإسلام.

стр. 1229

﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إليه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بأن يَهْلِكوا إذا لم يُؤْمنوا، و (سُنَّتُ) رُسمت بالتاء في خمسةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ (١). * * * ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أي: جميعُ الأديان ﴿لِلَّهِ﴾ خالصًا لا شريكَ له. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفرِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازي كلًّا بعمله. قرأ رُويسٌ عن يعقوبَ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢). * * * ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمانِ، وعادوا إلى قتالِ أهلِه. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ حافظُكم وناصرُكم عليهم.

стр. 1230

﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لا يضيعُ من تولاه. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ولا يُغْلَب من ينصرُه. * * * ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ أخذْتُم من مالِ حربي قهرًا بقتال. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ممَّا يقعُ عليه اسمُ الشيء، حتّى الخيط. ﴿فَأَنَّ﴾ فتحًا خبرُ مبتدأ؛ أي: فالحكم أن ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وأُضيفَ المالُ إلى اسمِ اللهِ تشريفًا، ليسَ المرادُ منه أن سهمًا من الغنيمة لله مفردًا، فإن الدنيا والآخرة كلَّها لله . ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ قسمٌ، والمراد: أقاربه ﷺ بنو هاشم، وبنو المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، قال ﷺ : "أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، مَا فَارَقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ" (١). ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمعُ يتيمٍ، وهو صغيرٌ فقيرٌ مسلمٌ لا أبَ له.

стр. 1231

﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم أهلُ الفاقةِ من المسلمينَ. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافرُ البعيدُ عن مالِه، فكأنّه قال: فإن للهِ خمسَهُ يُصرفُ إلى هؤلاء الأَخَصِّينَ به. ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليه (واعلموا)؛ أي: إنَّ كنتم آمنتم بالله، فاعلموا أنّه جُعل الخمسُ لهؤلاء، فسلموه إليهم، واقنعوا بالأخماسِ الأربعةِ الباقية، فإن العلّمَ العمليَّ إذا أُمر به، فالمراد به العملُ، وليس المراد منه العلمَ المجردَ. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ أي: وبما أنزلنا ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﷺ من الآياتِ والملائكةِ والنصرِ. ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يومَ بدرٍ، فإنّه فرقَ فيه بين الحقِّ والباطل. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفارُ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من نصرِ القليل على الكثيرِ. واتفق الأئمةُ على أن الغنيمةَ تقسَمُ خمسةَ أخماس، أربعةُ أخماسٍ منها لمن قاتلَ عليها على ما يأتي بيانُه، واختلفوا في الخمس الباقي فيمن يقسم؟ فقال أبو حنيفة: يقسمُ على ثلاثةِ أسهمٍ: سهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناء السبيل، يدخلُ فقراءُ ذوي القربى فيهم دونَ أغنيائهم، فأمّا سهمُ النبيِّ ﷺ ، فهو خمسُ اللهِ ورسوله، وقد سقطَ بموتِ النبيِّ ﷺ ، كما سقط الصَّفِيُّ المختَصُّ به، وهو ما كانَ يختارُ قبلَ القسمةِ؛ كجاريةٍ وعبدٍ وثوبٍ وسيفٍ ونحوِه، وسهمُ ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمنِه ﵇ بالنصرة، وبعدَه فلا سهمَ لهم، وإنّما يستحقونه بالفقر خاصةً، ويستوي فيه ذكرُهم وأنثاهم، وقال مالك: هذا الخمسُ لا يستحَقُّ بالتعيينِ

стр. 1232

بشخصٍ دونَ شخصٍ، ولكنِ النظرُ فيه للإمام يصرفُه فيما (١) يرى، وعلى من يرَى من المسلمين، ويعطي القرابةَ من الخمسِ ومن الفيءِ والخراجِ والجزيةِ بالاجتهاد، وقال الشّافعيّ وأحمدُ: يُقسمُ الخمسُ على خمسةِ أسهمٍ: سهمٌ كان لرسول الله ﷺ ، وحكمُه باقٍ، فيصرَفُ بعده لمصالح المسلمين؛ كالثغورِ وأرزاقِ القضاةِ والعلماء، يقدَّمُ الأهمُّ فالأهمُّ. والثاني لبني هاشمٍ والمطلبِ، يشتركُ فيه الغنيُّ والفقيرُ، ويفضَّلُ الذكرُ على الأنثى كالإرث، والثالثُ لليتامى، والرّابعُ للمساكين، والخامسُ لأبناء السبيل، ويقسم أربعةُ أخماس الغنيمةِ بينَ الغانمين الذين شهدوا الوقعةَ بنيةِ القتال. واختلفوا في قسمه، فقال أبو حنيفةَ، للفارسِ سهمان، وللراجل سهمٌ، وقال الثلاثةُ وأبو يوسفَ ومحمدٌ: للفارسِ ثلاثةُ أسهمٍ، وللراجلِ سهمٌ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ والشّافعيُّ: لا يُسهَمُ لأكثر من فرسٍ واحدٍ، وقال أحمدُ وأبو يوسفَ: يُسْهَمُ لفرسينِ، ولا يُسهم لغيرِ الخيل بالاتفاق، واختار الخرقيُّ من أصحابِ أحمدَ: أنَّ من غزا علي بعير لا يقدرُ غيره، قُسمَ له ولبعيرِه سهمان. واختلفوا في السَّلَبِ، فقال أبو حنيفة: هو غنيمةٌ للكلِّ إِلَّا أن يجعلَه الإمامُ للقاتل، فينقطع حقُّ الباقين عنه بالتنفيل، وقال مالك: إذا نفله ذلك الإمام بضرب من الاجتهاد، فيكونُ له من الخمسِ دونَ جملةِ الغنيمة، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: السَّلَبُ حقُّ القاتلِ يستحقُّه من رأسِ الغنيمةِ، سواءٌ قاله الإمامٌ أو لم يقلْه، فتخرجُ الأسلابُ من الغنيمةِ، ومنها الدابةُ وآلتها (٢)،

стр. 1233

وقال الشّافعيّ: والنفقةُ، خلافًا لأحمدَ، ويُعطَى السلبُ للقاتل إذا قتلَه حالةَ الحربِ منهمكًا عليه، ثمّ يُخَمَّسُ بعدَ ذلك. واختلفوا في النَّفَلِ، وهو الزيادةُ على السهمِ للمصلحةِ، من أين يعطى؟ فقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: النفلُ مواهبُ الإمامِ من الخمسِ على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة أخماسٍ نفلٌ، وقال الشّافعيُّ: النفلُ من خمسِ الخمسِ المرصَدِ للمصالح، وقال أحمدُ: يخرج الخمس، ثمّ ينفلُ الإمامُ من الأربعةِ أخماسٍ، ثمّ يقسمُ الباقيَ بينَ النَّاس. واختلفوا في حكم الأرضين المغنومةِ، فقال أبو حنيفةَ: الإمامُ بالخيارِ، إن شاءَ قسمها بينَ الغانمين، وإن شاء أَقرَّ أهلَها عليها، ووضعَ عليهم وعلى أراضيهم الخراجَ، وإن شاءَ صرفَ أهلَها عنها، وأقرَّ غيرَهم فيها، وضربَ عليه الخراجَ، وقال مالك: حكمُها كالفيء تصيرُ وقفًا لمصالحِ المسلمينِ بنفسِ الظهور عليها، وقال الشافعي: حكمُها حكمُ المنقول على ما تقدَّمَ من التخميسِ والقسمةِ بينَ الغانمين، وقال أحمدُ: يُخير الإمامُ بين قسمِها كالمنقول، وبينَ وقفِها للمسلمين، ويضربُ عليها خراجًا يؤخَذُ ممّن هي في يدِه من مسلمٍ وذميٍّ، ويلزُمه فعلُ الأصلحِ. واختلفوا في مصرِفِ الفيءِ، وهو ما أُخذ من مالِ كافرٍ بحقٍّ بلا قتالٍ، كالجزيةِ والخراجِ، وما تركوه فزعًا، ومالُ من ماتَ منهم ولا وارثَ له، ولو مرتدًا، فقال الشّافعيُّ: يخمَّسُ كالغنيمةِ، والأربعةُ أخماسٍ للمقاتلةِ الذين أُثبتت أسماؤهم في ديوانِ الجهاد، ويصرَفُ بعضه في إصلاح الثغورِ والسلاحِ، وقال الثلاثةُ: لا يخمَّسُ، وجميعُه لمصالح المسلمين.

стр. 1234

﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ (يوم الفرقان)، أي: إذ أنتم نُزولٌ يا معشرَ المسلمين. ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بشاطئ الوادي الأدنى؛ أي: الأقربِ إلى جهةِ المدينةِ، و (الدنيا) تأنيثُ الأدنى. ﴿وَهُمْ﴾ يعني: المشركينَ. ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ البُعْدَى عن المدينة ممّا يلي مكةَ، تأنيثُ الأقصى. قراْ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: بالمدِّ في الحرفينِ بكسرِ العين، والباقون: بضمِّها، وهما لغتانِ كالكُسوةِ والكِسوةِ (١). ﴿وَالرَّكْبُ﴾ هم الذين كانوا مع العير: أبو سفيانَ وأصحابُه. ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ بالساحلِ على ثلاثة أميالٍ من بدرٍ. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أنتم وأهلُ مكةَ على موعدٍ تلتقونَ فيه للقتال. ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لأنّهم خرجوا في طلبِ العير، فصادفوا النَّفْيرَ من غيرِ ميعادٍ؛ لأنّ الكفارَ خرجوا ليذُبُّوا عنها.

стр. 1235

﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَكُمْ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ من نصرِ أوليائِه، وقهرِ أعدائِه. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ أي: ليموتَ مَنْ ماتَ. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن حُجَّةٍ قامتْ عليه. ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ ويعيشَ من عاشَ. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن حجَّةٍ واضحةٍ شاهدَها؛ فكان وقعةَ بدرٍ من الآياتِ الواضحة، وقيل: المرادُ بالهلاكِ والحياةِ: الكفرُ والإيمانُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وخلفٌ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (مَنْ حَيِيَ) بياءين الأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلِف عن قنبل راوى ابن كثيرٍ، والباقون: بواحدة مفتوحة مشددة (١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ لدعائِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتِكم. * * * ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿إِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ﴾ في نومِك؛ لأنه ﷺ رآهم في نومه ﴿قَلِيلًا﴾ ليقدموا عليهم.

стр. 1236

﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (أَرَاكَهُمْ) بالإمالة، واختلِفَ عن ورشٍ (١). ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ جَبُنْتُم ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: اختلفتم في أمرِ حربِهم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ من الفشلِ والتنازعِ. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يعلمُ ما سيكون فيها، وما تغيرَ من أحوالها. * * * ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ أي: يبصِّرُكُم إياهم. ﴿إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ أي: وقتَ اللقاءِ. ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ حال؛ لتقدموا عليهم. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ليقدموا عليكم. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائنًا من إعزازِ الإسلامِ وأهلِه (٢)، وإذلالِ الشركِ وحزبِه. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ،

стр. 1237

ويعقوبُ: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ جماعةً محاربين. قرأ أبو جعفر: (فِيَةً) بفتح الياء من غير همزٍ (٢) ﴿فَاثْبُتُوا﴾ لقتالِهم. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وادعوه بالنصرِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لكي تظفروا بمرادِكم. * * * ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا﴾ باختلافِ الآراء. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (وَلَا تنازَعُوا) بالمدِّ وتشديدِ التاء (٣).

стр. 1238

﴿فَتَفْشَلُوا﴾ تَجْبُنوا وَتَضْعُفوا. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ دولتُكم، والريحُ هنا كنايةٌ عن نفاذِ الأمرِ، تقول العربُ: هَبَّتْ ريحُ فلانٍ: إذا أقبلَ أمرُه على ما يريد. ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ﷺ : "لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" (١). * * * ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ هم النفيرُ، خرجوا لنصرِ العيرِ، وكانت قد نجتْ مع أبي سفيانَ عن طريقِ الساحلِ، فلم يرجِعوا. ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ لِيُثْنوا عليهم بالشجاعةِ والسماحةِ؛ لأنّهم قالوا: لا نرجع حتّى نشربَ الخمورَ، وننحرَ الجزورَ، وتعزفَ علينا القَيْناتُ، وتسمعَ بنا العربُ، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فوافَوا بدرًا، فَسُقُوا كؤوسَ المنايا مكانَ الخمْرِ، وناحت عليهم النوائحُ مكانَ القَيْنَاتِ، فنهى الله سبحانَه عن التشبُّهِ بهم في الخيلاءِ، وأمرَ بإخلاصِ النيةِ.

стр. 1239

قرأ أبو جعفرٍ: (وَرَيَاءِ النَّاسِ) بفتحِ الياءِ بغيرِ همزٍ (١). ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ لمن بقيَ من الكفارِ، ونفوذ القدرِ فيمن مضى بالقتل. * * * ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ بأن شَجَّعهم على لقاءِ المسلمين، لأنّ إبليسَ جاءهم في صورة سُراقةَ بنِ مالكٍ الكِنانيِّ، وهو سيدٌ من ساداتهم. قرأ أبو عمرٍو، وهشامٌ، والكسائيُّ، وخلادٌ: (وَإِذ زيَّنَ) وشبهَه بإدغامِ الذالِ في الزاي، والباقون: بالإفراد (٢). ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ أي: مُجيرٌ. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ التقى الجمعان، ورأى الملائكةَ. ﴿نَكَصَ﴾ رجعَ القَهْقَرى. ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ على قَفاه هاربًا، فلزمَهُ الحارثُ بنُ هشام وقالَ: أتخذلُنا؟ فضربَ صدرَه وانهزمَ.

стр. 1240

﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جوارِكم. ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ رأى الملائكةَ وجبريلَ يقودُ فرسَ النبيِّ ﷺ به. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ أن يُهلكني ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قيل: انقطعَ الكلامُ عند قوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾، ثمّ يقول الله (١): ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قرأ الكوفيونَ، وابن عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي أَرَى) (إِنِّي أَخَافُ) بإسكان: الياء فيهما، والباقون: بفتحها (٢). * * * ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ في المدينةِ ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعنون (٣): المؤمنينَ. ﴿دِينُهُمْ﴾ أي: توهَّموا أن يُنْصروا بسببِ ديِنهم، فخرجوا وهم ثلاثُ مئةٍ وبضعةَ عشرَ إلى زهاءِ ألفٍ. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ جوابٌ لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يذلُّ من استجاره ﴿حَكِيمٌ﴾ يفعلُ بحكمتِه ما يستبعدُه العقلُ.

стр. 1241

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمدُ ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ببدرٍ. قرأ ابنُ عامرٍ: (تَتَوَفَّى) بالتاء على التأنيث، والباقون: بالياء على التذكير (١). ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ظهورَهم بالسِّياطِ عندَ الموت. ﴿وَذُوقُوا﴾ أي: وتقول لهم الملائكة: ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وهذا مقدمةٌ لعذابِ النارِ؛ أي: لو رأيتَ ذلكَ، لرأيتَ أمرًا عظيمًا. * * * ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿ذَلِكَ﴾ الضربُ والعذابُ. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي بسببِ ما كَسَبتم من الكفر. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ظَلَّامٌ للتكثيرِ لأجلِ العبيدِ. * * * ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿كَدَأْبِ﴾ أي: دأبُ هؤلاء ﴿آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ تفسيرًا لدأبِهم.

стр. 1242

﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كما أخذَ هؤلاء ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يغلبُه في دفعِه شيءٌ. * * * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما حلَّ بهم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: بسببِ أن الله. ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ مُبدلًا إياها بالنقمةِ. ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يبدلوا ما بهم من الحالِ إلى حالٍ أسوأَ؛ كالتلبُّسِ بالمعاصي أو الكفرِ الّذي يوجبُ عقابَهم، فإذا فعلوا ذلك، غَيَّرَ اللهُ نعمتَه عليهم بنقمتِهِ منهم، كما أنعمَ على قريشٍ بمحمدٍ ﷺ ، فكفروا، فغير الله تلكَ النعمةَ بأن نقلَها إلى غيرهم من الأنصارِ، وأحلَّ بهم عقوبتَه. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لما يقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يفعلون. * * * ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: كصُنْعِهم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفارِ الأممِ. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكنا بعضَهم بالرجفة، وبعضَهم بالخسف، وبعضَهم بالمسخ، وبعضَهم بالريح، وبعضَهم بالغرق، فكذلك أهلَكْنا كفارَ بدرٍ بالسيفِ لما كذَّبوا بآياتِ ربهم.

стр. 1243

﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ يعنى: الأولينَ والآخِرينَ. * * * ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصرُّوا على الكفر. ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلا يُتَوَقَّعُ منهم إيمان. * * * ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من الذين كفروا، وهم بنو قريظةَ: كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابُه؛ أي: أخذتَ منهم العهدَ. ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ عاهدوا فيها؛ لأنّهم عاهدوه ﷺ ألَّا يُعينوا عليه، فأعانوا المشركينَ بالسلاح على قتالِه، وقالوا: نَسينا وأخطأنا، ثمّ عاهدوا ثانيةً، فأعانوا الكفارَ يومَ الخندق، وسارَ ابن الأشرفِ إلى مكةَ، فعاهدَ الكفارَ. ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ اللهَ. * * * ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ تظفرن بهم. ﴿فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ المعنى: افعلْ بهم فِعْلًا من القتل

стр. 1244

ونحوِه يفرِّق به مَنْ وراءهم من أعدائِك؛ لأنك أذا نكلتَ بهؤلاء، تفرَّق الأعداءُ، ولم يقدموا عليك. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعظون فلا يحاربونكَ. * * * ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ بنقضِ عهدٍ. ﴿فَانْبِذْ﴾: اطرحْ عهدهم. ﴿إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: بحيث تستوون أنت وهم في العلم بنقضِه، لئلا تُتَّهَم بخيانة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ قالَ ﷺ : "مَنْ كَانَ بَينَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَشُدَّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُها، أَوْ يُنْبَذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ" (١). * * * ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: فاتوا، الخطابُ للنبيِّ ﷺ في الذين انهزموا من المشركين ببدر. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَحْسَبَنَّ) بالغيبِ وفتحِ السين؛ أي لا يحسبنَّ الذين

стр. 1245

كفروا أنفسَهم سابقينَ فائتينَ من عذابنا، وقرأ الباقون: بالخطابِ (١) على المعنى الأوّل. ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ لا يجدون طالبَهم عاجزًا عن إدراكِهم. قرأ ابنُ عامرٍ: (أَنَّهُمْ) بفتح الألف؛ بمعنى: لأنّهم، أي: لا يحسبن عليهم النجاة؛ لأنّهم لا ينجون، والباقون: بكسر الألفِ على الابتداء (٢). * * * ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ أي: اتخذوا أيها المؤمنون لنِاقِضي العهد. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ كل ما يُتَقَوَّى به من آلةِ الحربِ. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ أي: اقتناؤها وربطُها في الثغورِ للغزوِ (٣). ﴿تُرْهِبُونَ﴾ تُخيفونَ ﴿بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ كفارَ مكةَ. قرأ رُويسٌ

стр. 1246

عن يعقوبَ: (تُرَهِّبُونَ) بفتح الراء وتشديد الهاء، من رَهَّبَ، والباقون: بإسكان الراء وتخفيف الهاء، من أَرْهَبَ (١). ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من غيرهم من الكفرةِ، قيل: هم المنافقون، وقيل: هم اليهودُ، وقيل: الفرسُ ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تعرفون أعيانَهم و ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أجرُه. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ أُجورِكم. * * * ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ مالُوا للصلح. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بكسر (السِّلْم)، والباقون: بالفتح، وهما لغتاِن بمعنًى واحد (٢). ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي: إن صالحوا، فصالحهم، وتأنيثُ الضمير، لأنَّ السلمَ بمعنى المسالمةِ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ به. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالِك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالك.

стр. 1247

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يكيدوك بالمصالحةِ. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيكَ من خدعهم. ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ﴾ قَوَاكَ. ﴿بِنَصْرِهِ﴾ إياكَ بالملائكةِ. ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الأنصارِ. * * * ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿وَأَلَّفَ﴾ جمعَ ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بينَ الأوسِ والخزرجِ، معَ ما كان بين الفريقين من العداوةِ، فألَّفَ الله تعالى قلوبَهم على الإسلام، ورَدَّهم متحابين في الله، وهذا من معجزاته ﷺ . ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بقدرتِه البالغةِ ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القدرةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فَعَّالٌ لما يريدُ. * * * ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كافيكَ. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ أي: وحسبُ منِ اتَّبَعَكَ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلتْ في البيداءِ في غزوةِ بدرٍ.

стр. 1248

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حُثَّهم. ﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾ أبلغَ حَثٍّ. ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رجلًا ﴿صَابِرُونَ﴾ محتسبون. ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من عدوِّهم ويَقْهَروهم. ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة محتسبة. قرأ الكوفيون، والبصريان: (يَكُنْ) بالياءِ على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (١). ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ دينَ الله، ولا ثبَاتَكُمْ، لفظُهُ شرطٌ، ومعناهُ أمرٌ؛ أي: ليقاتلِ العشرونَ منكم مئتين، والمئةُ ألفًا. * * * ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ . [٦٦] وكان هذا يومَ بدرٍ، فرضَ اللهُ على الرجلِ الواحدِ من المؤمنين قتال عشرةٍ: عن الكافرين، فثقلَتْ على المؤمنين، فخفَّفَ الله عنهم، فنزل:

стр. 1249

﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًاَ﴾ ضعفَ البدن. قرأ أبو جعفرٍ: (ضُعَفَاءَ) بفتح العين والمدِّ وبالهمزةِ مفتوحة نصبًا، وعاصمٌ، وحمزةُ، وخلفٌ: (ضَعْفًا) بفتح الضاد وإسكان العين، والباقون: بضمِّ الضاد وإسكان العين، وكلُّهم بالتنوينِ من غيرِ مدٍّ ولا همزٍ سوى أبي جعفرٍ (١). ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من الكفار. وقرأ الكوفيون: (يَكُنْ) بالياء، والباقون: بالتاء على التأنيث (٢). ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾ بالنصرِ والمعونةِ فردَّ من العشرةِ إلى الاثنين، فلا يجوزُ للواحدِ الفرارُ من اثنين إِلَّا متحرِّفًا لقتال، أو متحَيِّزًا إلى فئةٍ، كما تقدَّم ذكرُ الحكمِ فيه عقبَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. * * * ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (تَكُونَ) بالتاء مؤنثًا؛ لتأنيثِ الجماعة، وأبو جعفرٍ وحدَه قرأ: (أُسَارَى) بضم الهمزة وبألف بعد السين، والباقون: بالياء مذكرًا لتذكير

стр. 1250

الجمع، و (أَسْرَى) كأبي عمرٍو، ويعقوبَ: بفتح الهمزة وإسكان السين من غير ألف بعدَها (١)، وأمالَ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (أَسْرَى)، واختلِفَ عن ورشٍ (٢). ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يبالغَ في قتلِ المشركينَ وأسرِهم حتّى يُذلَّ الكفرُ ويُعَزَّ الإسلامُ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ حُطامَها بأخذِكم الفداءَ. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يريدُ لكم ثوابَها. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغْلِبُ أولياءه على أعدائِه. ﴿حَكِيمٌ﴾ يعلمُ ما يليقُ بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخانِ، ومنعَ عن الفداء حين كانت الشوكةُ للمشركين، وخَيَّرَ بينه وبين المنِّ لما تحولتِ الحالُ، وصارت الغلبةُ للمؤمنين. روي أنّه ﵊ أتي يومَ بدرٍ بسبعين أسيرًا، فيهم العباسُ، وعقيلُ بنُ أبي طالب، فاستشارهم فيهم، فقال أبو بكر ﵁: "قومُكَ وأهلكَ، استَبْقِهم لعلَّ اللهَ يتوبُ عليهم، وخذْ منهم فديةً تقَوِّي بها أصحابَكَ"، فقال عمرَ ﵁: "اضربْ أعناقَهم؛ فإنهم أئمةُ الكفر، وإن الله أغناكَ عن الفداء، فمكنِّي من فلان، نسيبٍ له، ومكِّنْ عليًّا وحمزةَ من أَخَويهما فلنضربْ أعناقَهم"، فلم يهوَ ذلك النبيُّ ﷺ وقال:

стр. 1251

"إِنَّ اللهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَإنَّ اللهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبراهِيمَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فَخَيَّرَ أَصْحَابَه، فأخذوا الفداءَ، وكانَ الفداءُ لكلِّ أسيرٍ أربعينَ أوقيةً، والأوقيةُ أربعونَ درهمًا، ولم يكنْ من المؤمنين أحدٌ ممّن حضرَ إِلَّا أحبَّ الغنائمَ إِلَّا عمرَ بنَ الخطابِ، فإنّه أشارَ بقتلِ الأسرى، وسعدُ بنُ معاذٍ قال: "يا نَبِيَّ اللهِ كانَ الإثخانُ في القتلِ أَحَبَّ إليَّ من استبقاءِ الرجالِ"، فنزلتِ الآية (١). * * * ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ . [٦٨] فدخلَ عمرُ ﵁ على رسولِ الله ﷺ ، فإذا هو وأبو بكرٍ ﵁ يبكيان، فقال: يا رسولَ الله! أخبرني، فإنْ أجد بكاءً بكيتُ، وإلَّا تباكَيْتُ، فقال: أَبْكِي عَلَى أَصْحَابِكَ فِي أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، وَلَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ شَجَرَةٍ قَريبَةٍ منهُ (٢). ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: حكمٌ سبقَ في اللوحِ المحفوظِ أنه لا يؤاخذُ على خطأٍ.

стр. 1252

﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * * * ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ . [٦٩] رُوي أنّه ﷺ قال: "لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ، مَا نَجَا مِنهُ غَيرُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ" (١) فلما نزلت هذه الآية، أمسكوا عما أخذوه من الفدية، فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ من الفدية؛ فإنها من جملة الغنائم. ﴿حَلَالًا﴾ أي: أكلًا حلالًا، وفائدتُه إزاحةُ ما وقعَ في نفوسهم منه بسببِ تلكَ المعاتبةِ، ولذلك وصفَه بقولِه: ﴿طَيِّبًا﴾ قال ﷺ : "أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي" (٢). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مِخالفتِه. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما صدرَ منكم ﴿رَحِيمٌ﴾ بتوبتِه عليكم. * * * ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ؛ (الأُسَارَى) بضمِّ الهمزةِ وفتح السين وبعدَها ألفٌ على وزنِ فُعالى، وقرأ الباقون: (الأَسْرَى) بفتحِ الهمزة وإسكانِ السين من غيرِ ألفٍ بعدَها على وزن فَعْلَى (٣)، وهم على أصولِهم في الإمالة كما تقدَّمَ

стр. 1253

قريبًا (١) أي: قلْ للأسارى الذين ملكتَهم وأخذْتَ منهم الفداء: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ خلوصَ إيمان. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداءِ بأن يُضَعِّفَه لكم في الدنيا، ويثيبَكم عليه في الأخرى. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ رُوي أنّها نزلَتْ في العباس ﵁، كلَّفَه رسولُ الله ﷺ أن يفديَ نفسَه وابني أَخَويه عقيلَ بنَ أبي طالب ونوفلَ بنَ الحارث، فقال: يا محمدُ! تركتَني أَتَكَفَّفُ قريشًا ما بقيتُ، فقال: فَأَيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ وَقْتَ خُرُوجِكَ، وَقُلْتَ لَهَا: إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ لِي حَدَثٌ، فَهُوَ لَكِ وَلِعَبْدِ اللهِ وَعُبَيْدِ اللهِ وَالْفَضلِ وَقُثَمَ" فقال: وما يدريكَ؟ فقال: "أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي تَعَالَى"، فقال: فأشهدُ أنَّك صادقٌ، وأَنْ لا إلهَ إِلَّا الله، وأنكَ رسولُه، واللهِ! لم يطلعْ عليه أحدٌ إِلا اللهُ، ولقد دفعتُه إليها في سوادِ اللّيلِ، قال العباسُ: فأبدلني الله منها عشرينَ عبدًا كلُّهم تاجرٌ يضربُ بمالٍ كثير، وأدناهُم يضربُ بعشرينَ ألفَ درهمٍ مكانَ العشرينَ أوقيةً، وأعطاني زمزمَ، وما أحبُّ أن لي بها جميعَ أموال أهلِ مكةَ، وأنا أنتظرُ المغفرة من ربي (٢). * * * ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ أي: الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾ نقضَ ما عاهدوكَ.

стр. 1254

﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِك بكفرِهم. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ببدرٍ قتلًا وأسرًا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: فإنْ عادوا، فسيمكِنُكَ منهم. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ . [٧٢] ونزلَ في المهاجرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ أي: هَجَروا قومَهم وديارَهم ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ونزلَ في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ رسول الله ﷺ والمهاجرين معه؛ أي: أسكنوهم منازلَهم. ﴿وَنَصَرُوا﴾ أي: ونصروهم على أعدائِهم. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ دونَ قراباتهم من الكفارِ في الدينِ والحلفِ والنُّصرةِ والميراثِ، وكان المهاجرون والأنصارُ يتوارثونَ بالهجرة حتّى كان فتحُ مكةَ، وانقطعتِ الهجرةُ، نُسِخَ بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ أي: لا توارثَ بينَهم حتّى يُهاجروا إليكم. قرأ حمزةٌ: ﴿وِلَايَتِهِمْ﴾ بكسر

стр. 1255

الواو، والباقون: بالفتح (١)، ومعناهما واحد؛ كالدَّلالة والدِّلالة، وقيل: بالفتح معناهُ: النصرُ، وبالكسر: الإمارة. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: المؤمنون الذين لم يُهاجروا. ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فواجبٌ عليكم أن تنصروهم على المشركين. ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهدٌ، فلا تنصروهم عليهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * * * ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الموارثةِ والنُّصرةِ، فلا توالوهم أنتم. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي: إن لم تفعلوا ما أُمرتم به من النصرة على الكفار والتواصلِ. ﴿تَكُنْ﴾ تحصُلْ ﴿فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ بقوةِ الكفرِ. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بضعفِ الإسلام. * * * ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾.

стр. 1256

[٧٤] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الكاملون في الإيمان حَقَّقوا إيمانَهم بتعجيلِ مقتضاهُ؛ من الهجرةِ والجهادِ وبذلِ المالِ ونصرةِ الحقِّ. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ لا تبعةَ ولا مِنَّةَ فيه، وهو طعامُ الجنة، وكُرِّرَتْ هذه الآيةُ؛ لأنّ بعضَهم هاجرَ قبلَ الحُدَيبية، وبعضهم بعدَها، وبعضهم ذو هجرتين: هجرةٍ إلى الحبشة، وهجرةٍ إلى المدينة، فالآية الأولى لأصحابِ الهجرة الأولى، والثّانية للثانية. * * * ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ أي: بعد السابقينَ إلى الهجرةِ الأولى. ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم، لطفَ تعالى باللاحقين، فجعلَهم من السابقين. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ اللوحِ المحفوظِ، فنسخَ التوارثَ بالهجرة، وردَّ الميراثَ إلى أولي الأرحامِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ صفة مناسبة لنفوذِ هذه الأحكام. واختلف الأئمةُ في توريثِ ذوي الأرحام ممّن لا سهمَ له في القرآن، وهم كلُّ ذي قرابة ليسَ بذي فرضٍ ولا عَصَبَةٍ، وهم أحدَ عشر صنفًا: أولادُ البناتِ الذكورُ منهم والإناث، وولدُ الأخواتِ، وبناتُ الإخوة، وبناتُ الأعمام، وبنو الإخوة من الأم، والعماتُ، والأخوالُ، والخالاتُ، والجدُّ

стр. 1257

أبو الأم، والجدةُ أمُّ أبي الأمِّ، ومن أدلى بهم، فذهب مالك والشّافعيُّ أنّهم لا يُوَرَّثون، وبيتُ المال أولى منهم. وذهب أبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى أنّهم يورَّثون، استدلالًا بالآية الشريفة، وبقوله ﷺ : "الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ" (١)، ويقدَّمُ الردُّ عليهم، فإن كان للميتِ (٢) ذو فرضٍ لم يستغرقِ المالَ، وفضلَتْ منه فضلةٌ، ولم يكنْ عصبةٌ، فالفاضلُ مردودٌ عليهم على قدرِ سِهامهم؛ للآية الشريفة، ولقوله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَارِثِ" (٣)، ولا يُرَدُّ على الزوجِ والزوجةِ؛ لأنّهما ليسا من أولي الأرحام، وإذا لم يكنْ للميتِ عصبةٌ، ولا ذو فرضٍ من أهلِ الردِّ، فالميراثُ لذوي الأرحامِ ممّن ذُكر من الأصناف. واختلفَ مورِّثاهم في كيفيةِ توريثهم، فقال أبو حنيفةَ: يورَّثون على ترتيب العصباتِ، الأقربُ فالأقرب؛ كمن له بنتُ بنتِ بنتٍ (٤) وأَبُ أمٍّ، فهو أولى؛ لأنّه أقربُ، وإن كانَ أبَ أبِ أُمٍّ، وعمةٌ؛ أو خالةٌ، فهي أولى؛ لأنّها أقربُ، ونحو ذلك، فإن استووا في القربِ والإدلاءِ، فإن اتفقتِ الآباءُ والأمهاتُ، فالمال بينَهما على السواء إنَّ كانوا ذكورًا أو إناثًا، وإن كانوا

стр. 1258

مختلطين، فللذكر مثلُ حظِّ الأنثيين، مثالُه: بنتُ بنتِ ابنٍ، وبنتُ بنتِ ابنٍ، المالُ بينَهما على السواء، وكذلك ابنُ بنتِ بنتٍ، وابنُ بنتِ بنتٍ، وإن كانَ بنتَ بنتِ بنتٍ وابنَ بنتِ بنتٍ، المالُ بينهما أثلاثًا، وإن اختلفَ الأمهاتُ والآباءُ، فعندَ أبي يوسف، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ رحمهما الله: العبرةُ لأبدانِهم لا لأصولهم؛ لأنّ ذوي الأرحام إنّما يورَّثون بالقرابة كالعصبات، وكلُّ واحدٍ مستبدٌّ بنفسِه في أصلِ الاستحقاقِ، فتعتبر الأبدانُ كالعصبات، وعندَ محمدٍ، وهو أشهرُ روايتين عن أبي حنيفة: العبرةُ لأصولهم، فيقسَمُ المالُ على أصولهم، ويعتبرُ الأصلُ الواحدُ متعددًا بتعدُّدِ أولاده، ثمّ يُعْطَى لكلِّ فرعٍ ميراثُ أصلِه، ويَجعلُ كلَّ أنثى تُدْلي إلى الميِّت بذكرٍ ذكرًا، وكلَّ ذكرٍ يدلي إلى الميِّتِ بأنثى أنثى، سواء كانَ إدلاؤهما بأبٍ واحدٍ أو بأكثر، أو بأمٍّ واحدةٍ أو بأكثرَ، ثمّ يقسمُ سهامَ كلِّ فريقٍ بينَهم بالسويةِ إِن اتفقتْ صفاتُهم، وإذا اختلفَتْ، فللذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين؛ لأنّ الفروعَ إنّما تستحقُّ الميراثَ بواسطةِ الأصولِ، فيجب أن تكونَ العبرةُ للأصولِ. وقال أحمد: يُوَرَّثون بالتنزيل، وهو أن يُجعل كُلُّ شخصٍ بمنزلةِ مَنْ أدلى به، فتجعلُ ولدَ البناتِ والأخواتِ كأمهاتهم، وبناتِ الإخوةِ والأعمامِ وأولادَ الإخوة من الأمِّ كآبائِهم، والأخوالَ والخالاتِ وآباءَ الأمِّ كالأمِّ، والعماتِ والعمَّ من الأمِّ كالأب، ثمّ تجعلُ نصيبَ كلِّ وارثٍ لمن أدلى به، فإن أدلى جماعةٌ بواحدٍ، واستوتْ منازلُهم منه، فإن كانَ أبوهم واحدًا، وأُمُّهم واحدةً، فنصيبُه بينَهم بالسويَّة، ذكرُهم وأنثاهم سواء، لأنّهم يورَّثون بالرَّحِمِ المجرَّدِ، فاستوى ذكورُهم وإناثهم؛ كولدِ الأمِّ، وإذا كانَ ابنٌ وبنتُ أختٍ وبنتُ أختٍ أُخرى، فلبنتِ الأختِ وحدَها النصفُ، وللأخرى وأخيها النصفُ بينَهما، وإن اختلفتْ منازلُهم من المدلي بهِ، جعلته كالميِّتِ،

стр. 1259

وقسمتَ نصيبَه بينَهم على ذلكَ، ويسقطُ البعيدُ بالقريب إن كانا من جهة واحدة؛ كخالةٍ وأمِّ أبي أمٍّ، أو ابنِ خالٍ، فالميراثُ للخالِة؛ لأنّها تلقى الأمَّ بأولِ درجةٍ، وإن كانا من جهتين، نزلتَ البعيدَ حتّى يلحقَ بوارثه، سواءٌ سقط به القريبُ، أو لم يسقطْ؛ كبنتِ بنتِ بنتٍ، وبنتِ أخٍ لأخٍ، المالُ لبنتِ بنتِ البنتِ بالفرضِ والردِّ. واتفقَ الأربعةُ على أنَّ من ماتَ ولا وارثَ له من ذوي فرضٍ ولا تعصيبٍ ولا رحمٍ، فإن مالَه لبيتِ مالِ المسلمين. ثمّ اختلفوا في صرفِ التركةِ إلى بيتِ المال، فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ: تصرَفُ إِرثًا، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: ليسَ بيتُ المالِ وارثًا، وإنما يحفظُ المالَ الضائعَ وغيرَهُ، فهو جهةٌ ومصلحةٌ، واللهُ أعلمُ. * * *

стр. 1260

سُوْرَةُ التَّوْبَة مدنية وآيها مئة وتسع وعشرون آية، وحروفُها عشرة آلافٍ وثمانُ مئةٍ وسبعة وثمانون حرفًا، وكلمُها ألفان وأربع مئة وسبع وتسعون كلمة. قال سعيدُ بنُ جبير: قلت لابنِ عباسٍ ﵂: "سورةُ التوبةِ؟ فقالَ: تلكَ الفاضِحَةُ، ما زالتْ تنزلُ: ومنهم، ومنهم، حتّى خَشينا ألَّا تدعَ أحدًا" (١). وعن حذيفة ﵁ قال: "إنكم تُسمون هذهِ السورةَ سورةَ التوبَةِ، وإِنَّها سورةُ العذابِ، واللهِ ما تركَتْ أحدًا إِلَّا نالَت منه" (٢). أهلُ المدينةِ يسمونها: التوبةَ، وأهلُ مكةَ يسمونها: الفاضحةَ، وسميت التوبةَ؛ لأنّ فيها التوبةَ على المؤمنين، والفاضحةَ؛ لأنها تفضحُ المنافقين، ومن أسمائها: المخزيةُ؛ لأنّها تخزيهم، والمقشقشةُ؛ لأنّها تقشقش من النفاق؛ أي: تبرئ منه، والمبعثرةُ، لأنّها تبعثرُ أسرارَ المنافقين،

стр. 1261

والمشرِّدَةُ، لأنّها تشرِّدُ بهم، والمثيرةُ؛ لأنّها تبحثُ عن حالِ المنافقينَ وتُثيرها، والحافرةُ؛ لأنّها حفرتْ على قلوبهم، والمنكِّلَةُ؛ لأنّها تنكِّلُ بهم (١)، والمُدَمْدِمَةُ؛ لأنّها تدمدمُ عليهم، وسورةُ العذابِ؛ لتضمُّنها معناه. واختلِفَ في سقوطِ البسملةِ من أولها، فقيل: كان من شأن العربِ في زمنِ الجاهلية إذا كانَ بينَهم وبينَ قومٍ عهدٌ، فإذا أرادوا نقضَه، كتبوا إليهم كتابًا لم يكتبوا فيه البسملةَ، فلما نزلَتْ براءةُ بنقضِ العهدِ الّذي كانَ بينَ النبيِّ ﷺ والمشركين، بعثَ بها النبيُّ علَيَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁، فقرأها عليهم في الموسم، ولم يتسهَّلْ في ذلكَ على ما جرتْ عادتُهم في نقضِ العهدِ من تركِ البسملة. وقال ابنُ عباسٍ لعثمان ﵁: ما حملَكُم على أَنْ عمدتُم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، فقرنتم بينَهما، ولم تكتبوا بينَهما سطرَ: بسم الله الرّحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال: عثمان ﵁: إِن رسولَ الله ﷺ كان إذا نزلَ عليه الشيءُ، يدعو بعضَ من يكتبُ عندَه، فيقول: "ضَعُوا هَذِهِ الآيةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فيها كَذَا وَكَذَا"، وكانت الأنفال ممّا نزلَ بالمدينة، وبراءةُ من آخرِ ما نزلَ، وكانت قصَّتُها شبيهةً بقصتها، وقُبضَ رسولُ الله ﷺ ولم يبين لنا أنّها منها، فظننتُ أنّها منها، فمن ثَمَّ قرنتُ بينَهما، ولم أكتبْ بينهما سطر: بسم الله الرّحمن الرحيم (٢).

стр. 1262

وكانتا تدعيان: القَرينين، قال ابنُ العربيِّ: هذا دليلٌ على أن القياسَ أصل في الدِّين، ألَّا ترى إلى عثمانَ وأعيانِ الصَّحابةِ ﵃ كيفَ نَحَوْا إلى قياسِ الشبهِ عندَ عدمِ النصِّ ورأوا أن قصةَ براءةَ شبيهةٌ بقصةِ الأنفالِ، فألحقوها بها؟ فإذا كانَ الله قد بَيَّنَ القياسَ في تأليفِ القرآن، فما ظَنُّكَ بسائرِ الأحكام (١)؟ وقيل: سورةُ الأنفالِ وبراءةَ سورةٌ واحدةٌ، كلتاهما نزلتْ في القتال، تعدان السابعةَ من الطوال، وهي سبعٌ، وما بعدَها المئون؛ لأنّهما معًا مئتان وأربعُ آيات، فهما بمنزلة إحدى الطِّوال. وقد اختلفَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ لما كتبوا المصحفَ في خلافةِ عثمانَ، فقالَ بعضهُم: الأنفالُ وبراءةُ سورةٌ واحدةٌ، وقالَ بعضهم: هما سورتان، فتركَتْ بينهما فُرْجَةٌ لقولِ من قالَ: هما سورتان، وتركت بسم الله لقولِ مَنْ قالَ هما سورةٌ واحدةٌ، فرضيَ الفريقانِ معًا. وسُئل عليٌّ ﵁ عن تركِه البسملةَ في براءةَ، فقالَ: "بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيمِ أمانٌ، وبراءةُ نزلَتْ بالسيفِ ليسَ فيها أمانٌ" (٢). قال القرطبيّ: والصحيحُ أن التسميةَ لم تكتبْ لأنَّ جبريلَ ﵇ ما نزلَ بها في هذهِ السورةِ (٣). وتقدَّمَ ذكرُ اختلافِ العلماءِ والقراءِ مستوفًى

стр. 1263

في حكم البسملةِ بينَ كلِّ سورتينِ سوى براءةَ عندَ الكلامِ في البسملة أولَ التفسير، ومُلَخَّصُه: أنَّ مذهبَ الشّافعيِّ ﵁ أن البسملةَ آيةٌ من الفاتحةِ ومن كلِّ سورةٍ سوى براءةَ، ومذهبُ أحمدَ وأبي حنيفةَ أنّها آيةٌ مستقلةٌ بينَ كلِّ سورتينِ سوى براءةَ، فيكره ابتداؤها بها، ومذهبُ مالكٍ أنّها ليستْ بآيةٍ من الفاتحة، ولا من غيرِها، وإنّما كُتبت للتيمُّن والتبرُّك بها معَ إجماعهم على أنّها بعضُ آيةٍ من سورةِ النمل، وأنَّ بعضَها آيةٌ من الفاتحة. وأمّا مذاهبُ (١) القراء فيها، فقد أجمعوا على حذفِها بينَ الأنفالِ وبراءةَ، وكذلكَ في الابتداءِ ببراءةَ، وأمّا الابتداءُ بالآي وسطَ براءة، ففيه خلافٌ، ويجوزُ بينَ الأنفالِ وبراءةَ كلّ من الوصلِ والسكتِ والوقفِ لجميعِ القراء إذا لم يقطعْ على آخرِ الأنفالِ، فالقطعُ: هو قطع القراءةِ رأسًا، فهو كالانتهاء، والوقفُ: هو قطعُ الصوتِ على الكلمةِ زمنًا يتنفَّس فيه عادةً بنيةِ استئنافِ القراءة، والسكتُ: هو قطعُ الصوتِ زمنًا دونَ زمنِ الوقفِ عادةً من غيرِ تنفُّسٍ، والله أعلمُ. * * * ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾. [١] قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خروجٌ من الشيءِ، ومفارقةٌ له بشدَّةٍ، والتقديرُ: هذِه براءةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ أيُّها المؤمنون. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمعنى: أن الله ورسوله قد برءا من العهد الّذي عاهدتم به المشركين، رُوي أنّه لما خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى تبوكَ، كان المنافقون يُرْجِفون الأراجيفَ، وجعلَ المشركونَ ينقُضون عهودًا كانت

стр. 1264

بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأمرَ اللهُ بنقضِ عهودِهم، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ هو الّذي عاهدَهم عامًا على ألَّا يُصَدَّ أحدٌ عن البيت الحرام، ونحو هذا من الموادَعات، وأصحابُه كلُّهم راضونَ بذلكَ، فكأنّهم عاهدوا، فَنُسِبَ العهدُ إليهم، وكذلك ما عقدَهُ أئمةُ الكفرِ على قومِهم منسوبٌ إِليهم يُؤاخذونَ به؛ إذ لا يمكنُ غيرُ ذلك؛ لأن تحصيلَ الرضا من الجميعِ متعذرٌ، فإذا عقدَ الإمامُ لما يرى من المصلحةِ أمرًا، لزمَ جميعَ الرعايا. * * * ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ . [٢] ﴿فَسِيحُوا﴾ رجع من الخبر إلى الخطاب؛ أي: قل لهم: سِيحُوا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أى: سيروا فيها آمنينَ. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ تأجيلٌ من اللهِ للمشركين، فمن كانتْ مدةُ عهدِهِ أقلَّ من أربعةِ أشهرٍ، رُفِعَ إليها، ومن كانت مدَّتُه أكثرَ منها، حُطَّ إليها، ومن كانت مدةُ عهدِه بغيرِ أجلٍ محدودٍ، حَدَّهُ بأربعةِ أشهرٍ، ثمّ هو حربٌ بعدَ ذلكَ للهِ ورسوله يُقتل حيث أُدْرِكَ، ويؤسرُ، إِلَّا أن يتوب، وابتداءُ هذا الأجل يومَ الحجِّ الأكبرِ، وانقضاؤه إلى عشرٍ من ربيعٍ الآخرِ، فأمّا من لم يكنْ له عهدٌ، فإنما أجلُه انسلاخُ المحرَّمِ، وذلك خمسون يومًا، وقيل: الأشهرُ الأربعةُ: شوالٌ وذو القعدةِ، وذو الحجَّةِ، والمحرَّمُ، والأول أصوبُ، وعليه الأكثرُ. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيّها الناكثون ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي﴾ أي: فائتي ﴿اللَّهَ﴾ بعدَ الأربعةِ أشهرٍ.

стр. 1265

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي﴾ مُذِلُّ ﴿الْكَافِرِينَ﴾ بالقتلِ في الدنيا، والعذابِ في الآخرةِ. * * * ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ . [٣] ونزلت براءةُ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ، وفيها فُتحت مكةُ، فلما كان سنةُ تسعٍ تجهَّزَ النبيُّ ﷺ ، فقيل له: إنَّ المشركينَ يطوفون بالبيتِ عُراةً فقالَ: "لَا أُرِيدُ أَنْ أَرَى ذَلِكَ"، فبعثَ أبا بكرٍ أميرًا على الموسمِ ليقيمَ للناسِ الحجَّ، وبعثَ معه بأربعينَ آيةً من صدرِ براءةَ ليقرأها على أهل الموسم، ثمّ بعثَ بعده عليًّا على ناقتِهِ العضْباءِ ليقرأ على النَّاس صدر براءة، وأمره أن يؤذن بمكةَ ومِنًى وعرفةَ: أن قد بَرِئَتْ ذمةُ اللهِ وذمةُ رسوله من كلِّ مشركٍ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريان، فرجعَ أبو بكر وقال: يا رسولَ الله! أنزلَ في شأني شيءٌ؛ قالَ: "لَا، وَلَكِنْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، أَمَا تَرْضَى أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ، وأَنَّكَ صاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ "، قال: بلى. فسار أبو بكرٍ أميرًا على الحاجِّ، وعليٌّ ليؤذِّنَ ببراءةَ، وكانَ من عادةِ العربِ في عقدِ العُهودِ ونقضِها ألَّا يتولَّى ذلكَ إِلَّا سيدُهم، أو رجلٌ من قومِه، أقربُهم إليه نَسَبًا، فلما كانَ قبلَ الترويةِ بيوم، خطبَ أبو بكرٍ الناسَ، وحدثهم عن مناسِكِهم، وأقام للناسِ الحجَّ، والعربُ في تلكَ السنةِ على منازِلهم الّتي كانوا عليها في الجاهليةِ من الحجِّ، حتّى إذا كانَ يومُ النَّحر، قام عليٌّ عندَ جمرةِ العقبةِ، وأَذَّنَ في النَّاس بما أُمر به من الآيات، وألَّا
следующие страницы →