ووسوسةٌ، وقرأ الباقون: (طَائِفٌ) بألفٍ بعدَ الطاءِ وهمزةٍ مكسورةٍ بعدَه (١)، وهو ما يطوفُ حولَ الشيء.
﴿الشَّيْطَانِ﴾ المعنى: إنَّ المتقين إذا وسوسَ لهم (٢) الشيطانُ.
﴿تَذَكَّرُوا﴾ ذكروا اللهَ، واستعاذوا به.
﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون﴾ مواقعَ خطئِهم، فيستغفرون.
* * *
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾
[٢٠٢] ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: إخوانُ الشّياطينِ من المشركينَ.
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ المعنى: وإخوانُ المشركينَ من الشّياطينِ يزيدونهم.
﴿فِي الْغَيِّ﴾ وهو الضلالُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (يُمِدُّونَهُمْ) بضمِّ الياء وكسرِ الميمِ، من الإمدادِ، وقرأ الباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الميم، وهو من المدِّ (٣)، ومعناهما واحد، وهو الزيادةُ.
﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا يُمسكون عن إغوائِهم.
* * *
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾.
стр. 1196
[٢٠٣] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ﴾ يعني: إذا لم تأتِ المشركينَ.
﴿بِآيَةٍ﴾ من القرآنِ.
﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ هلَّا افتعلْتَها من نفسِك؛ أي: يطلبونَ أن تكذبَ لهم.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لستُ بمختلقٍ للآيات.
﴿هَذَا﴾ أي: القرآنُ ﴿بَصَائِرُ﴾ حججٌ ودلائلُ.
﴿مِنْ رَبِّكُم﴾ تقودُكم إلى الحقِّ.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ والهدى: الرشدُ، والرّحمةُ: النعمةُ.
* * *
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ .
[٢٠٤] ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (قُرِيَ) بفتح الياء بغيرِ همز، وقرأ ابنُ كثيرٍ: (القُرْانُ) بنقل حركة الهمزِ إلى الساكنِ قبلَها وهو الراءُ.
﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ للقرآن.
﴿وَأَنْصِتُوا﴾ أصغوا.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال ابن عباسٍ، وأبو هريرةَ، وجماعةٌ من المفسرين: "نزلتْ في الصّلاةِ خاصَّةً حين كانوا يقرؤون خلفَه ﵇" (١)، وقيلَ
стр. 1197
غيرُ ذلك، وعامةُ العلماءِ على استحبابِ الإنصاتِ للقراءةِ خارجَ الصّلاة.
واختلفَ الأئمةُ في القراءةِ خلفَ الإمام، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ: لا تجبُ القراءةُ على المأمومِ بحالٍ في صلاةِ جهرٍ ولا سِرٍّ، ويُستحبُّ له عندَ مالكٍ أن يقرأ في صلاةِ السرِّ الفاتحةَ، وقالَ أحمد: يُسَنُّ، وخالفَهما أبو حنيفةَ، واستدلُوا بالآيةِ على عدمِ الوجوبِ، وقال الشّافعيُّ: تجبُ على المأمومِ قراءةُ الفاتحةِ فيما أسرَّ به الإمامُ وما جهرَ، واستدلَّ بقولِه ﵇: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا" (١).
* * *
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ .
[٢٠٥] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ عامٌّ في الأذكارِ من القراءة والدعاءِ وغيرِهما ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَة﴾ مستكينًا إليَّ متخوِّفًا مِنِّي.
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْل﴾ دونَ رفعِ الصوتِ والصياح فيه.
﴿بِالْغُدُوِّ﴾ البُكَرِ ﴿وَالْآصَالِ﴾ العَشِيّاتِ، جَمْعُ أَصْلٍ، وهو ما بينَ العصرِ والمغربِ.
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذكرِ الله تعالى.
стр. 1198
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ .
[٢٠٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يعني: الملائكةَ.
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ ويُنَزِّهونهَ.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يخصُّونه بالعبادةِ، وهو تعريضٌ بمن عداهم من المكلَّفينَ، ولذلك شُرِعَ السجودُ لقراءته، وعن النبيِّ ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ! أُمِرَ هَذَا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ" (١).
واتفق الأئمةُ على أن هذا موضعُ سجودٍ للقارئ.
وأمّا عددُ سجداتِ القرآنِ، فهي خمسَ عشرةَ سجدةً، أولُها خاتمةُ الأعرافِ، وآخرُها خاتمةُ العَلَق، منها خمسُ سجداتٍ مختلَفٌ فيها، وهي ثانيةُ الحجِّ عندَ الشّافعيِّ وأحمدَ هي من عزائمِ السجودِ، خلافًا لأبي حنيفةَ ومالكٍ، وسجدةُ ﴿صَ﴾ عند أبي حنيفةَ ومالكٍ خِلافًا للشافعيِّ وأحمدَ؛ فإنها عندَهما سجدةُ شكر تُستحبُّ في غيرِ الصّلاةِ، فلو سجد بها فيها عالمًا عمدًا، بطلَتْ صلاتُه عندهما، وسجداتُ المفصَّل، وهي: النجمُ، والانشقاقُ، والعلّقُ عندَ الثّلاثة، خلافًا لمالكٍ، والعشرُ الباقيةُ متفقٌ عليها، وهي آخرُ الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والأُولى في الحجِّ، والفرقان، والنمل، والم تنزيل، وحم السجدة، ومحلُّها في حم
стр. 1199
عند مالكٍ عندَ (١) قوله: ﴿إياه تعبدون﴾، وعند الثّلاثة عند قوله: ﴿لا يسئمون﴾.
وسجودُ التلاوةِ كالصلاةِ يُشترطُ له (٢) الطهارةُ، واستقبالُ القبلةِ بالاتفاقِ، ولا يُسجد له في وقتِ نهيٍ عند الثّلاثة، خلافًا للشافعيِّ.
واختلفوا في حكم سجودِ التلاوة، فقال أبو حنيفةَ: هو واجبٌ على التالي والسامع، سواء قصدَ السماعَ أو لم يقصدْ، فإذا أرادَ السجودَ، كَبَّرَ وسجدَ بلا رفعِ يدٍ، ثمّ كبر ورفعَ، ولا تشهُّدَ عليه ولا سلامَ، ومن تلاها في الصّلاة فلم يسجدها، سقطتْ عنه، ولو تلاها فيها، إن شاءَ ركعَ، وإن شاءَ سجدها، ثمّ قام فقرأ، وهو الأفضلُ.
وقالَ مالكٌ: هو فضيلةٌ للقارئ وقاصدِ الاستماعِ إنَّ كانَ القارئُ يصلُح للإمامة، ويكبرُ لخفضِهِ ورفعِه، وليس له تسليمٌ، وتُكره قراءتُها في صلاةِ الفرضِ جهرًا أو سِرًّا، ويسجدُ في صلاةِ النفلِ مطلقًا.
وقال الشّافعيُّ: هو سنةٌ للقارئ والمستمعِ والسامع، فإن قرأ في الصّلاة، سجدَ الإمامُ والمنفردُ لقراءتِهِ فقطْ، والمأمومُ لِسجدةِ إمامِه، فإن سجدَ إمامُه، فتخلف أو انعكس، بطلَتْ صلاتُه، ولا تُكره قراءتها في جهريَّةٍ ولا سرية، وإذا سجدَ خارجَ الصّلاة، نوى، وكبرَ للإحرام رافعًا يديه، ثمّ للهُوِيِّ بلا رفعٍ، وسجدَ كسجدةِ الصّلاة، ورفع مكبرًا، وسلَّم من غير تشهُّد، والاختيارُ تركُ القيامِ له، وإن سجدَ في الصّلاةِ، كبر للهُوِيِّ والرفع، ولا يرفعُ يديه، ولا يجلسُ للاستراحة.
стр. 1200
وقال أحمدُ: هو سنةٌ للقارئ والمستمع دونَ السامعِ، ويعتبر أن يكونَ القارئُ يصلُحُ إمامًا، فلا يسجدُ قدامَ إمامِه، ولا عن يسارِه مع خلوِّ يمينه، ولا رجلٌ بتلاوةِ امرأةٍ وخنثى، وسجودُه عن قيامٍ أفضلُ، ويكبر إذا سجدَ وإذا رفع، والسلامُ ركنٌ وتجزئُ واحدة بلا تشهُّدٍ، وإن سجدَ إمامٌ في صلاةِ جهر أو خارجَها، سُنَّ رفعُ يديهِ كالمنفردِ مطلقًا، ويلزمُ المأمومَ متابعتُه في صلاة الجهرِ، فلو تركَه عمدًا، بَطَلَتْ صلاتُه، وإذا قامَ المصلِّي من سجودِ التلاوةِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ القراءةِ والركوعِ بدونها، ويُكره للإمام قراءةُ سجدةٍ في صلاةِ سرٍّ، والسجودُ لها، فإن فعلَ، فالمأمومُ مخيرٌ بين اتِّباعِه وتركِه.
واختلفوا في سجودِ الشكرِ عندَ تجدُّد النعمِ واندفاعِ النِّقَم، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يُكره، فيقتصر على الحمدِ والشكرِ باللسانِ، وخالفَ أبو يوسفَ ومحمدٌ أبا حنيفةَ، فقالا: هي قُرْبَةٌ يثاب عليها، وقال الشّافعيُّ وأحمدُ: يُسَنُّ، وحكمُه عندَهما كسجودِ التلاوة، لكنه لا يُفعل في الصّلاة، واللهُ أعلم.
* * *
لنفسِها، وقالتْ: نحن أَوْلى بالمغانم، وساءَتْ أخلاقُهم في ذلكَ، فأنزلَ اللهُ تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (١) الغنائِمِ، واحدُها نَفَلٌ بتحريكِ الفاءِ، وهو الزيادةُ؛ لأنّها عَطِيَّةٌ من اللهِ لهذهِ الأمةِ.
﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أمرُها له، فيقسِمُها الرسولُ على ما يأمرُه اللهُ به، فقسمَها رسولُ الله ﷺ بينَهم على السَّواء.
واختلفوا فيما إذا قالَ الإمامُ: من فعلَ كذا، فله كذا، ومن جاء بكذا، فله كذا، فقال أبو حنيفةَ: يجوزُ ذلكَ قبلَ إحرازِ الغنيمةِ، وقبلَ أن تضعَ الحربُ أوزارَها؛ لما فيه من التحريضِ على القتال، واستدلَّ بما قال ﵇ يوم بدرٍ، وأمّا بعدَ الإحرازِ، يُنَفَّلُ من الخمس.
وقال مالكٌ: يُكره؛ لئلَّا يشوبَ قصدَ المجاهدين إرادةُ الدنيا؛ فإن شَرَطَه، كانَ من الخمس، لا من أصلِ الغنيمةِ.
وقال الشّافعيُّ: يجوزُ، ويكون من المصالحِ المرصَدَةِ ببيتِ المال. وقال أحمد: يجوزُ ما لم يجاوزْ ثلثَ الغنيمةِ بعدَ الخمس.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تختلفوا بسببِ حُطام الدنيا ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحالَ الّتي بينكم بتركِ الاختلافِ.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيه (٢) ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كاملي الإيمان.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ أي: كما أمرَكَ بالخروجِ.
﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ أي: من المدينةِ إلى بدرٍ إخراجًا.
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالوحي خبرٌ مبتدؤُه محذوفٌ، تقديرُه: هذهِ الحالُ في كراهتِهم إياها كحالِ إخراجِكَ للحربِ على كراهتهم له.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ أي: أخرجَكَ في حالِ كراهتهم، وذلك أن عيرَ قريشٍ أقبلتْ من الشامِ مع أبي سفيانَ، ومعها أربعون راكبًا، فأعلمَ جبريلُ النبيَّ ﷺ بها، فأعلمَ أصحابه، فَسُرُّوا وأحبوا الخروجَ إليها لكثرةِ المالِ وقلةِ الرجال، فأُعْلِمَتْ قريشٌ بذلك، فخرج أبو جهل ومعه مقاتِلَةُ مكةَ ذابًّا عنها، وهم النَّفْيرُ، فعلم أبو سفيانَ ذلك، فأخذ بها طريق الساحل فنجت، فقيل لأبي جهلٍ: ارجعْ بالناس، فقد نجتِ العيرُ، فأبى، وسارَ بمن معه إلى بدرٍ، فشاورَ ﷺ أصحابَهُ في لقاء العيرِ أو النَّفْيرِ، فقال أبو بكرٍ فأحسنَ، وقال عمرُ فأحسنَ، وقال المقدادُ بن عمرو: "امضِ بنا يا رسولَ الله، فنحن معكَ، واللهِ ما نقولُ لكَ كما قالتْ بنو إسرائيل لموسى: اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون، ولكنِ اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتِلا إِنَّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرتَ بنا إلى بَرْكِ الغِماد؛ يعني: مدينة الحبشة، لجالَدْنا معكَ من دونِه حتّى تبلُغَه"، فدعا له ﷺ ، ثمّ قال: "أَشِيرُوا عَلَيَّ" يريدُ: الأنصار، فقال سعدُ بنُ معاذٍ: "لَكأنَّكَ تريدُنا يا رسول الله؟ فقال: "أَجَلْ"، فقال: امضِ يا رسول الله لما أردْتَ، والذي بعثَكَ بالحق! لو استعرضْتَ بنا هذا البحرَ فَخُضته لَخُضناهُ
стр. 1205
معكَ، ما تخلَّفَ منا واحدٌ، وما نكرهُ أن تَلْقَى بنا عَدُوَّنا، وإنا لَصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللِّقاء"، فَسُرَّ ﷺ بذلك، ثمّ قال: "سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ؛ فَإنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، واللهِ لَكَأَنِّي الآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ" (١).
* * *
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ وذلكَ أنّهم قالوا لرسول الله ﷺ : ما خرجْنا إِلَّا للعير، هَلَّا قلتَ لنا فنستعدَّ للقتال.
﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ لهم أنّهم يُنصرون بإعلامِ اللهِ ورسوله.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ أي: حينَ يُدْعون إلى القتال.
﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يشاهِدونَ أسبابَه، وقيلَ: هؤلاءِ المشركونَ جادلوه في الحقِّ كأنما يُساقون إلى الموت حينَ يُدْعون إلى الإسلامِ؛ لكراهتهم إياه.
* * *
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾.
стр. 1206
[٧] ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: واذكر إذ يعدكم الله.
﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ العيرَ أو النَّفْيرَ ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ أي: إحداهما.
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ يعني: العيرَ الّتي ليسَ فيها قتال، والشوكةُ: شدةُ البأس.
﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ وكان أبو سفيانَ مع العير، وأبو جهل مع النَّفْير. قرأ أبو عمرٍو: (الشَّوْكَة تكُونُ) بإدغامِ التاءِ في التاء (١).
﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يظهرُه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمرِه إياكم بالقتال.
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: إنّما تَوَدُّون لقاءَ العير، والله يودُّ لقاءَ النَّفْير؛ ليعزَّ الإسلامَ، ويستأصلَ الكفَّارَ بالهلاك.
* * *
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ليثبتَ الإسلامَ ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ يمحقَ الكفر.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون.
* * *
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ أي: اذكر إذ تستغيثون ﴿رَبَّكُمْ﴾ واستغاثَتُهم
стр. 1207
أنّهم لما علموا أَنْ لا محيصَ من القتال، أخذوا يقولون: أَيْ رَبّ! انصرْنا على عدوِّكَ، أغثنا يا غياثَ المستغيثين.
وعن عمرَ ﵁: لما نظرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المشركينَ وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُ مئةٍ وبضعةَ عشرَ، دخل العريشَ هو وأبو بكرٍ، واستقبلَ القبلةَ، ومدَّ يديه يدعو: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ" وما زالَ كذلكَ حتّى سقطَ رداؤُه عن منكبيه، فأخذه أبو بكرٍ فألقاه على مَنْكِبيه، ثمّ التزمه من ورائه وقال: "يا نبيَّ الله! كفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ؛ فإنه سينجزُ لكَ ما وعدكَ" (١).
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ مُعينكم.
﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (مُرْدَفِينَ) بفتح الدال؛ أي: أردفَ الله المسلمين، وجاء بهم مَدَدًا، وقرأ الباقون: بكسر الدال؛ أي: متتابعين بعضُهم في إثرِ بعض (٢).
وروي أنّه نزلَ جبريلُ في خمس مئةٍ، وميكائيلُ في خمس مئةٍ في صورة الرجالِ على خيلٍ بُلْقٍ عليهم ثيابٌ بِيض، وعلى رؤوسهم عمائمُ بيضٌ قد أَرْخَوا أطرافَها بين أكتافِهم (٣).
стр. 1208
وعن ابنِ عبّاس ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال يوم بدر: "هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ" (١).
وقالَ ابنُ عباسٍ: "كانتْ سيما الملائكةِ يومَ بدرٍ عمائمُ بيضٌ، ويومَ حُنينٍ عمائمُ حمر، ولم تقاتل الملائكةُ في يوم سوى يومِ بدرٍ، وكانوا يكونون فيما سواه عَدَدًا ومَدَدًا" (٢).
وتقدم في سورةِ آلِ عمران أنَّ جبريلَ كان يومَ بدرٍ بعمامةٍ صفراءَ على مثالِ عمامةِ الزبيرِ بن العوَّام.
* * *
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: الإمدادَ بالملائكة.
﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ أي: بشارة لكم بالنصر.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فيزولَ ما بها من الوَجَل.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وإمددُ الملائكةِ وكثرةُ العدد لا تأثيرَ لها، فلا تحسبوا النصرَ منها.
* * *
стр. 1209
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ .
[١١] ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (يَغْشاكُمُ) بفتح الياء فعلًا.
﴿النُّعَاسَ﴾ فاعلُه، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (يُغْشِيكُمُ) بضم الياء وكسر الشين خفيفةً (النعاسَ) نصبٌ، وقرأ الباقون: بضم الياء وكسر الشين مشدَّدًا و (النعاسَ) نصبٌ، وهو مفعول، والفاعلُ مضمَرٌ يرجع إلى الله تعالى (١).
﴿أَمَنَةً﴾ أمنًا ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الله، قال عبدُ الله بنُ مسعود: "النعاسُ في الحرب أمنةٌ من الله، وفي الصّلاةِ وسوسةٌ من الشيطان" (٢).
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الأحداث والجنابة، وذلك أن المسلمين نزلوا يومَ بدر على كثيبٍ أعفرَ تسوخُ فيه الأقدام، وسبقَهم المشركون إلى ماءِ (٣) بدر، وأصبح المسلمون وقد أجنبَ بعضُهم، وأحدثَ بعضُهم، وعطشوا، فوسوس إليهم الشيطانُ وقال: لو كنتم على الحقِّ، ما كنتم كذا، والمشركون على ماء بدر، فجاء المطرُ فارتووا هم وركابُهم، وتطهروا من الأحداث.
стр. 1210
﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوستَهُ، وسَمَّى الوسواسَ رجزًا، لأنّه سببُ الرجزِ، وهو العذابُ.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يشدَّ عليها بالصبرِ واليقين.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ﴾ أي: بالماء ﴿الْأَقْدَام﴾ لئلا تسوخَ في الرمل؛ فإنّه لَبَّدَ الأرضَ.
* * *
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ الذين أمدَّ بهم المؤمنين.
﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بالعونِ والنصرِ.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقتالِكم معهم، وبشارتِكم لهم بالنصر، فكان الملَكُ يمشي بين الصفين في صورةِ الرجلِ يقول للمؤمنين: أَبْشِروا بالنصر؛ فإن الله ناصرُكم.
﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: الخوفَ من أوليائي. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (الرُّعُبَ) بضم العين، والباقون: بالإسكان (١).
стр. 1211
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي: الرؤوس؛ لأنّها فوق الأعناق.
﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ هي المفاصلُ والأطرافُ، قال ابنُ الأنباري: ما كانت الملائكةُ تعلم (١) كيفَ تقتلُ الآدميين، فعلَّمهم اللهُ تعالى.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ .
[١٣] فلما التقى الصفان، انهزم المشركون، وقُتل منهم سبعون، وأُسر منهم سبعون، منهم العباسُ ﵁.
﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأٌ، وخبرُه:
﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: جادلوه وجانبوا دينَهُ، والكافُ لخطابِ النَّبيِّ ﷺ أي: ذلكَ العذابُ الواقعُ بهم بسببِ مشاقَّتِهم اللهَ ورسولَه.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والمشاقَّةُ: المخالفةُ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وعيدٌ بما أعدَّ لهم في الآخرة بعدَ ما حاق بهم في الدنيا.
* * *
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿ذَلِكُمْ﴾ خطابٌ للكفارِ على سبيل الالتفات؛ أي: ذلكم العقابُ.
стр. 1212
﴿فَذُوقُوهُ﴾ عاجلًا.
﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: واعلموا أن للكافرين آجِلًا في المعادِ.
﴿عَذَابَ النَّارِ﴾.
عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قيلَ لرسولِ ﷺ حينَ فرغَ من بدرٍ: عليكَ بالعيرِ ليس دونَها شيء، فناداهم العباسُ وهو أسير (١) في وَثاقه: لا يصلحُ، فقال رسول الله: "لمه؟ " قال: لأنّ الله وعدَك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدَك (٢)، فكره بعضُهم قوله.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ والتزاحُفُ: تقارُبُ القوم إلى القوم في القتال ببطء، والمعنى: إذا لقيتُم الكافرين وهم في غايةِ الكثرة.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: لا تولُّوهم ظهورَكم مُنْهزمينَ.
* * *
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾.
стр. 1213
[١٦] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ظهرَه.
﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ بأنْ يريَهم الفَرَّةَ وهو يريدُ الكَرَّةَ.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ منضَمًّا إلى جماعة يريدون العودَ إلى القتال؛ أي: من انهزمَ إِلَّا على هذه النية.
﴿فَقَدْ بَاءَ﴾ رجعَ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مُقامُه.
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هذا إذا لم يزدِ العدوُّ على الضَّعْفِ؛ لقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية [٦٦].
واختلفوا في حكم الآية، فقال قومٌ: هو خاصٌّ بأهلِ بدر، واحتجوا بقوله: (يَوْمَئِذٍ)، قالوا: وهو إشارة إلى يومِ بدرٍ، وأنّه نُسخ حكمُ الآيةِ بآيةِ الضعيف، وبقي الفرارُ من الزحفِ ليسَ كبيرةً، وقد فرَّ النّاسُ يومَ أحد، فعفا الله عنهم، وقال يومَ حنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يعنِّفْ على ذلك، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ، وقال آخرون: حكمُ الآية باقٍ إلى يوم القيامة، فلا يجوزُ الفرارُ إِلَّا إذا زادَ الكفارُ على ضعفِ المسلمينِ، وليس في الآية نسخٌ، والدّليل عليه أنّها نزلت بعدَ القتالِ وانقضاءِ الحرب، وذهابِ اليوم بما فيه، وأمّا يومَ أحد، فإنّما فر النَّاس من أكثرَ من ضعفِهم، ومع ذلك عُنِّفوا، وأمّا يومَ حنين، فكذلك، وإلى هذا ذهب مالكٌ والشّافعيُّ وأحمدُ.
* * *
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ .
[١٧] ولما التقى الجمعان ببدر، أخذ ﷺ كَفًّا من حصباءِ الوادي معه
стр. 1214
ترابٌ، وألقاه في وجوه القوم وقال: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ"، فلم يبقَ منهم أحدٌ إِلَّا دخل عينيه ومَنْخِرَيه منه شيءٌ، فانهزموا (١)، وتمكَّن المسلمون منهم قتلًا وأَسْرًا، فلما رجعوا، قال بعضُهم: قتلتُ فعلتُ، فنزلَ تأديبًا:
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ (٢) بقوَّتكم؛ لضعفِكم عنهم.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بنصرِه إياكم.
﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ يا محمدُ رميًا توصلُه إلى أعينِهم، ولم تقدرْ عيه.
﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ أتيتَ بصورةِ الرميِ.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: بلغَ التراب أعينَهم، إذ ليس في وُسع أحدٍ من البشر أن يرميَ كفًّا من الحصى إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عينٌ إِلَّا ويصيبُها منه شيء. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَكِنِ) في الحرفين خفيفةَ النون (اللهُ) رفعٌ، والباقون: (وَلَكِنَّ) مشددةَ النون (اللهَ) نصبٌ (٣)، ومعنى (لكن) نفيُ الخبرِ الماضي وإثباتُ المستقبل، وقرأ ورشٌ عن نافعٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وخلفٌ: (رَمَى) بالإمالة (٤).
﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ اللهُ ﴿الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: لينعمَ عليهم نعمةً
﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ يستَلِبَكُم النّاسُ بسرعة؛ لأنّهم كانوا جميعًا عدوًا لكم.
﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينةِ ﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾ قَوَّاكم.
﴿بِنَصْرِهِ﴾ إياكم بالأنصارِ وبملائكتِه يومَ بدرٍ.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الغنائمِ؛ لأنّها لم تحلَّ لأحدٍ قبلَكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمَ.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ نزلت في أبي لُبابةَ هارونَ بنِ عبدِ المنذرِ الأنصاريِّ من بني عوفِ بنِ مالكٍ، رُوي: أنَّ رسولَ الله ﷺ حاصرَ يهودَ بني قريظةَ خمسًا وعشرينَ ليلةً، فسألوا: الصلحَ كما صالحَ إخوانَهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشّام، فأبى وقالَ لهم: تنزلون على حكمي، فأَبَوا، فقال: على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ، فرضُوا به، وقالوا: أرسلْ إلينا أبا لبابةَ، وكان مناصِحًا لهم؛ لأنّ عيالَه ومالَه كانت عندَهم، فبعثَه إليهم، فقالوا: ما تَرَى هل ننزلُ على حكمِ محمدٍ؟ فأشارَ أبو لبابةَ إلى حلقِه أنّه الذبحُ، قالَ أبو لبابة: فما زالتْ قدمايَ حتّى علمتُ أني خُنتُ اللهَ ورسولَه، فنزلَتْ، فَشدَّ نفسَهُ على ساريةٍ في المسجد، وقال: واللهِ لا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتّى أموتَ، أو يتوبَ الله عليَّ، فمكثَ سبعةَ أيّام حتّى خَرَّ مغشِيًّا عليه، ثمّ تابَ الله عليه، فقيلَ له: قد تيبَ عليك، فَحُلَّ نفسَكَ، فقال: واللهِ لا أحُلُّها حتّى يكونَ
стр. 1221
رسولُ الله ﷺ هو الّذي يحلُّني، فجاءه فحلَّه بيده، فقال: إنَّ من تمامِ توبتي أن أهجرَ دارَ قومي الّتي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلعَ من مالي، فقال ﷺ : "يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ"، وسيأتي ذكرُ القصةِ في سورةِ الأحزابِ إن شاء الله تعالى، وأصلُ الخون: النقصُ، كما أن أصلَ الوفاء: التمامُ، واستعمالُه في ضدِّ الأمانة؛ لتضمُّنِه إياه.
﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ أي: ولا تخونوا أماناتِكم فيما بينكم.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قبحَ الخيانة.
* * *
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنهم سببُ الوقوع في الإثم والعقابِ، قيل: هذا في أبي لبابة أيضًا؛ لأنّ أموالَه وأولاده كانوا في بني قريظة، فقالَ ما قالَ خوفًا عليهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لمن آثر رضا الله عليهم.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعتِه.
﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فتحًا ونصرًا وتفرقًا بين الحقِّ والباطلِ.
﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يمحو ما سلَفَ من ذنوبِكم.
стр. 1222
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالتجاوز والعفوِ عنكم.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ تنبيهٌ على أن ما وعده لهم على التقوى تفضلٌ منه وإحسانٌ، وأنّه ليس ممّا يوجبُ تَقَوِّيَهُمْ عليه؛ كالسيدِ إذا وعدَ عبدَه إنعامًا على عمل.
* * *
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تذكارٌ لما مكرَ قريشٌ به حين كان بمكةَ؛ ليشكرَ نعمةَ الله في خلاصِه من مكرِهم، واستيلائِه عليهم، والمعنى: واذكرْ إذ يمكرون بكَ، وكان ذلك المكرُ أن أكابرَ قريش اجتمعوا في دارِ الندوة بمكةَ مشاورين في الفتك برسول الله ﷺ بعد إسلامِ الأنصار، فاعترضهم إبليسُ في صورة شيخٍ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخٌ من نَجْدٍ، سمعتُ باجتماعِكم، فأردت أن أحضرَ معكم، ولن تعدموا مني رأيًا ونصحًا، فقالوا: ادخلْ، فدخلَ، فقال أبو البختريِّ: أرى أن تُوثقوه وتحبسوه في بيتٍ وتسدُّوا عليه غيرَ كَوَّةٍ تكونُ منها طعامه وشرابه حتّى يهلكَ، فقال عدوُّ اللهِ إبليسُ: بئسَ الرأيُ ذلكم، يأتيكم من يخليه من أيديكم، وقال هشامُ بنُ عمرٍو من بني عامرِ بنِ لؤيٍّ: أرى أن تُخرجوه من بين أظهُرِكم، فقال عدوُّ الله إبليسُ: بئسَ الرأيُ ذلكم، يذهبُ إلى قوم فيستميلُ قلوبهم، ويسير بهم إليكم، ويخرجُكم من بلادكم، وقال أبو جهلٍ: أرى أن تأخذوا من كلِّ بطنٍ من قريش شابًّا، فَيُعْطى سيفًا صارمًا، فيضربوه ضربةَ رجلٍ واحدٍ حتّى يُقتل، فإذا تفرَّقَ دمُه في القبائل،
стр. 1223
لم يقوَ بنو هاشم على حربهم، فيرضون بالعقلِ، فقال عدوُّ اللهِ إبليسُ: صدقَ هذا الفتى، وهو أجودُكم رأيًا، القولُ ما قال، لا أرى غيرَه، فتفرقوا على رأي أبي جهل، وأنّهم يأتونه ليلًا، فأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ وأخبره بذلك، وأمره ألَّا يبيتَ في مضجعِه، فأمر ﷺ عليًّا أن يبيتَ مكانه، وقال له: "تَسَبَّح بِبُرْدِي؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ مِنْهُمْ أَمْرٌ تَكْرَهُهُ"، وباتوا مترصِّدين في خروجِه، ثم خرج ﷺ فأخذ قبضةً من ترابٍ، فأخذَ اللهُ أبصارَهم عنه، وجعلَ ينثرُ الترابَ على رؤوسِهم وهو يقرأُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أغلالًا﴾ إلى قولِه ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٨ - ٩] ومضى إلى الغارِ من ثورٍ، وهو جبلٌ بمكة هو وأبو بكر، وخلفَ عليًّا بمكة حتّى يؤدِّيَ عنه الودائعَ الّتي قبلَها، وكانت توضَعُ عنده لصدقِه وأمانتِه، فلما أصبح المشركون لم يروه، ورأوا عليًّا في مكانِه، فقالوا: أينَ صاحبُكَ؟ قال: لا أدري، فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الغارَ، رأوا على بابه نسجَ العنكبوتِ، فقالوا: لو دخلَه لم يكن نسجُ العنكبوتِ على بابه، فمكث فيه ثلاثًا، ثمّ قدمَ المدينةَ، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١).
﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليحبسوك في بيت ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بسيوفِهم ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكةَ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ يجازيهم جزاءَ مكرِهم.
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأنّ مكرَهُ حَقٌّ.
* * *
стр. 1224
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا﴾ يعني: النضرُ بنُ الحارثِ.
﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ لأنّه كان يختلفُ تاجرًا إلى الحيرةِ وفارس والروم، ويسمعُ أخبار رستم وإسفنديار، وأحاديثَ العجم، ويتحدث بها، ويمرُّ باليهود والنصارى، فيراهم يقرؤون التوراة والإنجيل ويركعون ويسجدون، فجاء مكةَ فوجد محمدًا ﷺ يصلِّي ويقرأ القرآن، ويذكر في قراءته أخبارَ القرون الماضيةِ، فقال النضرُ: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ (١) ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أخبارُ الأممِ الماضية وما سَطَروا في كتبِهم، والأساطيرُ جمعُ أسطورة، وهي المكتوبةُ.
* * *
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا﴾ أي: ما جاء به محمدٌ.
﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ نزلت في النَّضْرِ حينَ قال: لو شئتُ، لقلتُ مثلَ هذا، إنَّ هذا إِلَّا ما سطرَ الأولون في كتبِهم، فقال له النّبيّ ﷺ : "وَيْلَكَ! إِنَّهُ كَلَامُ اللهِ"، فقال استهزاء: اللهمَّ إنَّ كان هذا هو الحقَّ من عندِك.
﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ عقوبةً على إنكاره، يقال في
стр. 1225
العذاب: أَمْطَرَتْ، وللرحمة: مَطَرَتْ.
﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سِواهُ، فقُتل يومَ بدرٍ صبرًا. واختلافُ القراء في الهمزتين من قوله: (مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا) كاختلافِهم فيها (مِنْ خِطْبَةِ النساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ) في سورة البقرة.
* * *
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: المشركينَ عذابَ استئصالٍ، جوابُ سؤالِهم نزولَ الحجارةِ أو العذابِ الأليم.
﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ لأنَّ العذابَ إذا نزلَ، عَمَّ، ولهذا كان العذابُ إذا نزلَ بقومٍ يؤمرُ نبيُّهم بالخروجِ بالمؤمنين منهم من بينِهم، واللامُ في (لِيُعَذِّبَهُمْ) لتأكيدِ النَّفْي؛ أي: لولا وجودُك بين ظَهْرانَيْهم، لَعُذِّبوا.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وفيهم من سبقَ له من اللهِ أنّه يصيرُ من أتباعِ محمدٍ ﷺ مثلَ أبي سفيانَ، وصفوانَ بنِ أميةَ وعكرمةَ بنِ أبي جهلٍ، وغيرِهم، وقيلَ غيرُ ذلكَ، قال ﷺ : "أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتِي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفَارَ" (١).
* * *
стр. 1226
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ثمّ تَوَعَّدهم بعذابِ الدنيا فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ أي: وكيف لا يُعَذَّبون.
﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: عن الطّواف؛ لأنّهم كانوا
يقولون: نحنُ أولياءُ البيتِ، فنصدُّ من نشاءُ، ونترك من نشاءُ، فنزل: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: أولياءَ البيت ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾ أي: ليس أولياءَ البيتِ.
﴿إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ الذين يتقونَ الشركَ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾ أنْ لا ولايةَ لهم عليه.
* * *
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: دعاؤهم، أو ما يسمونه صلاة.
﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ إِلَّا صفيرًا بالأفواه، وهو أن يشبكَ الأصابعَ وينفخَ فيها.
﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقًا بإحدى اليدين على الأخرى، وكان ﷺ إذا صلَّى، صَفَّروا وصفَّقوا عن يمينه وشماله؛ ليخلِطوا عليه قراءتَه، ويرون أنّهم يصلُّون أيضًا.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ يعني: القتلَ والأسرَ يومَ بدرٍ.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ اعتقادًا وعملًا.
стр. 1227
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
أي: ليصرفوا عن دين الله، نزلَتْ في المطعِمين يومَ بدرٍ، وكانوا اثني عشرَ رجلًا من قريش، وهم أبو جهلِ بنُ هشام، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةَ بنِ عبدِ شمس، ونبيهٌ ومنبهٌ ابنا الحجاج، وأبو البختريِّ بنُ هشام، والنضرُ بنُ الحارثِ، وحكيمُ بنُ حزام، وأُبيُّ بنُ خلف، وزمعةُ بنُ الأسود، والحارثُ بنُ عامرِ بنِ نوفلٍ، والعباسُ بنُ عبدِ المطلب، وكان يطعم كلُّ واحد منهم كلّ يومٍ عشر جُزُر (١).
﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ﴾ عاقبةُ النفقةِ على حربِ رسولِ الله ﷺ ببدرٍ يومَ القيامةِ.
﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: يتحَسَّرون على ذلك.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ ولا يظفرون.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ لأنّ منهم من أسلمَ.
* * *