← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

والنساءِ؟! قالَ: "أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟! إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي" (١)، وتخلَّفَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ المنافقُ، ومن تبعَه منْ أهلِ النفاقِ، وتخلَّفَ ثلاثةٌ من الصحابة (٢)، وهم: كعبٌ ومرارةُ وهلالٌ، ولم يكن لهم عذرٌ، ثم رجعَ النبيُّ ﷺ إلى المدينة بعدَ أن قامَ بتبوكَ بضعَ عشرةَ ليلةً لم يجاوزْها، وكانَ إذا قدمَ من سفرٍ، بدأَ بالمسجدِ، فركعَ فيه ركعتينِ، ثم جلس للناسِ، فلما فعلَ ذلكَ، جاءه المخلَّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبلَ منهم رسولُ الله ﷺ علانيتَهم، وبايعَهم واستغفرَ لهم، ووَكَل سرائرَهم إلى الله، ثم جاءه كعبٌ، وكانَ تقدَّمَهُ مرارةُ وهلالٌ، فسألَهم عن سببِ تخلُّفِهم، فاعترفوا أن لا عذرَ لهم، فأمرَهُم بالمضيِّ حتى يقضيَ الله فيهم، ونهى النبيُّ ﷺ المسلمينَ عن كلامِهم من بينِ مَنْ تخلَّف عنهُ، فاجتنبَهم الناسُ، فلبثوا على ذلك خمسينَ ليلةً، قال كعبٌ: فبينا أنا أسير في سوقِ المدينة، إذا نبطيٌّ من أنباطِ الشامِ ممَّنْ قدمَ بالطعامِ يبيعُه بالمدينةِ يقولُ: مَنْ يدلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ؟ فطفقَ الناسُ يُشيرونَ له إليَّ، حتى إذا جاءني، دفعَ إليَّ كتابًا من ملكِ غَسَّانَ، فإذا فيه: أَمَّا بعدُ: فإنه قد بلغَني أن صاحبكَ قد جفاكَ وأقصاكَ، ولستَ بدارِ هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحقْ بنا نُواسِكَ، فقلتُ: هذا أيضًا من البلاءِ والشرِّ، فسجرتُ التنورَ وأحرقْتُه، ولما مضت أربعونَ من الخمسين، أمرَهم

стр. 1367

النبيُّ ﷺ باعتزالِ نسائِهم، وجاءت امرأةُ هلالٍ رسولَ اللهِ ﷺ تستأذنُه في خدمتِه، فأذنَ لها من غيرِ أن يَقْرَبَها، فلما كملَتْ لهم خمسونَ ليلةً من حين نَهى رسولُ الله ﷺ عن كلامِهم، آذَنَ رسولُ اللهِ ﷺ بتوبةِ اللهِ عليهم، وذهبَ الناسُ يبشرونهم، وجاء كعبٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فسلَّمَ عليه، فقال لهُ وهو يبرُق وجهُه من السرورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرٍ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ"، قالَ: أمنْ عندِكَ يا رسولَ الله، أمْ من عندِ الله؟ قالَ: "لاَ بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ"، وأنزل الله على رسوله ﵇: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ (١) أي: برَحْبِها وسَعَتِها. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: قلوبُهم من فرطِ الوحشةِ والغمِّ. قرأ حمزة: (ضَاقَتْ) بالإمالة (٢). ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا. ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ من سَخَطِهِ ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾ إلا إلى الاستغفارِه. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ليدوموا على التوبةِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾ لمن تاب ﴿الرَّحِيمُ﴾ متفضلٌ عليهم بالنعم. * * *

стр. 1368

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ . [١١٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما لا يرضاهُ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الذين صَدَقوا في إيمانهم، وصدقوا اللهَ نيةً وقولًا وعملًا، قال كعبٌ: "فو اللهِ! ما أنعمَ اللهُ عليَّ نعمةً قَطُّ بعدَ إذ هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي لرسولِ الله ﷺ ألَّا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ فإنَّ اللهَ قالَ للذين كذَبوا حينَ أنزلَ الوحيَ شَرَّ ما قالَ لأحدٍ، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. * * * ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ . [١٢٠] ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نهيٌ عُبِّرَ عنه بصيغةِ النفيِ للتأكيدِ. ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ﷺ إذا غَزا ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يصونوا أنفسَهم عَمَّا يصيبُ نفسَه.

стр. 1369

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ﴾ في سفرِهِم ﴿ظَمَأٌ﴾ عطشٌ. ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ تعبٌ ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعةٌ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ يدوسونَ موضِعًا. ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ يُغْضِبُهم. قرأ أبو جعفرٍ: (يَطُونَ) بإسكان الواو (مَوْطِيًا) بنصب الياء بغير همز فيهما وشبهِه حيثُ وقع (١). ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أَسْرًا وقتلًا وهزيمةً. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ إلا استوجبوا به الثوابَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانِهم. * * * ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ . [١٢١] ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ تمرة ونحوها ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ كنفقةِ عثمانَ في جيشِ العسرةِ. ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في مسيرِهم في الغزوِ في الذهابِ والمجيءِ. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلكَ. ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لام قسم تأكيد، تقديُره: واللهِ لَيَجْزِيَنَّهُمُ اللهُ،

стр. 1370

فحذفتِ النونُ استخفافًا، وكسرت اللامُ وكانت مفتوحة، فأشبهت في اللفظ لامَ (كي) فنصبوا ما (١) كلامِ (كي). * * * ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ . [١٢٢] ولما أنزل الله عيوبَ المنافقين في غزوةِ تبوكَ، كان النبيُّ ﷺ يبعثُ السرايا، فكان المسلمون ينفرون إلى الغزِو ويتركون النبي ﷺ وحدَه، فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٢) نفيٌ بمعنى النهيِ. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أي: فحينَ لم يكنْ نفيرٌ للكافةِ، فهلَّا نفرَ من كلِّ فرقةٍ بعضُها، ويبقى مع النبيِّ جماعة. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي: الباقونَ مع رسولِ الله ﷺ . ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ النافرينَ ويعلِّموهم القرآنَ. ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ وفيه دليلٌ على أن التفقُّهَ والتذكيرَ من فروضِ الكفايةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ولا يعملون بخلافِه. قال ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" (٣).

стр. 1371

وقال ﷺ : "فَضلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ" (١) وقالَ ﷺ : "فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ" (٢). * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ وهو عامٌّ في قتالِ الأقربِ فالأقربِ. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ شِدَّةً عليهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالنصرِ. * * * ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ . [١٢٤] ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ أي: المنافقينَ ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ بعضُهم لبعضٍ ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ يقينًا وتصديقًا. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بزيادةِ العلمِ الحاصلِ.

стр. 1372

﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون؛ لأنه سببٌ لزيادةِ كمالِهم. * * * ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ . [١٢٥] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكٌّ ونفاقٌ. ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ كُفْرًا إلى كفرِهم، فعندَ نزوِل كلِّ سورةٍ ينكرونها، فيزدادُ كفرُهم. ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ واستحكمَ ذلكَ فيهم حتى ماتوا عليه. * * * ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ . [١٢٦] ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ قرأ حمزةُ، ويعقوبُ: (تَرَوْنَ) بالتاء والخطاب للمؤمنين، والباقون: بالغيب على خبر المنافقين (١). ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يُبْتَلَون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالمرضِ وغيرِه. ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقِهم ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظون. * * *

стр. 1373

﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ . [١٢٧] ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها عيبُ المنافقين ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ عندَ تعريضِ النبيِّ ﷺ بنفاقهم يريدونَ الهربَ يقولونَ: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ من المؤمنين إنْ قمتُم من المسجد. ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن مكانِهم خارجين ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الهدى، وهو يحتملُ الإخبارَ والدعاءَ، ذلك: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسببِ أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوءِ فهمِهم، والفقهُ لغةً: الفهمُ، وهو إدراكُ معنى الكلامِ، وشرعًا: معرفةُ الأحكامِ الشرعيةِ المتعلقةِ بأفعالِ العبادِ. قالَ ابنُ عباسٍ ﵄: "لا تقولوا إذا صليتُم: انصرفْنا من الصلاةِ، فإنَّ قومًا انصرفوا، فصرفَ اللهُ قلوبهم، ولكنْ قولوا: قد قَضَينا الصلاةَ" (١). * * * ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ . [١٢٨] عن أُبيٍّ ﵁ أن آخرَ ما نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسِكم عربيٌّ مثلُكم نسبًا وصهرًا وحسبًا، ليس في آبائِه من لَدُنْ آدمَ سِفاحٌ، كلُّهم نكاحٌ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ،

стр. 1374

والكسائيُّ، وخلفٌ وهشام: (لَقَد جاءَكُمْ) بإدغامِ الدالِ في الجيم، والباقونَ: بالإظهار (١)، وتقدَّم في سورة البقرة. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ شديدٌ عليه عَنَتكم؛ أي: مَشَقَّتكُم. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ حتى لا يخرجَ أحدٌ منكم عن اتباعِه. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومعنى رؤوف: مبالغٌ في الشفقةِ (٢)، وتقدم اختلافُ القراءِ في رؤوف عندَ قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. * * * ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ . [١٢٩] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرَضوا عن الإيمانِ. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ كافيَّ وناصرِي. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدْتُ، فلا أرجو غَيرَه. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وخُصَّ العرشُ بالذكرِ إذْ هو أعظمُ المخلوقاتِ، فيدخلُ فيه ما دونَهُ إذا ذكره، وهاتان الآيتان لم توجدا حينَ جمعِ المصاحفِ إلا في حفظِ خزيمةَ بن ثابتٍ، فلمَّا جاءَ بهما، تَذَكَّرَهما كثيرٌ من الصحابةِ، وقد كانَ زيدٌ يعرفُهما، ولذلكَ قالَ: "فقدتُ آيتينِ من

стр. 1375

آخرِ سورة التوبةِ" (١)، ولو لم يعرفْهما، لم يدرِ هل فقدَ شيئًا أم لا، فإنما أُثبتتِ الآيتانِ بالإجماعِ لا بخزيمةَ وحدَه. ورويَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عاشَ بعدَ نزولها خمسةً وثلاثين يومًا، والله أعلمُ. * * *

стр. 1376

سُوْرَةُ يُونسَ مكيةٌ إلا ثلاثَ آياتٍ من قولهِ ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾، وآيُها مئةٌ وتسعُ آياتٍ، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وخمسُ مئةٍ وسبعة وستونَ حرفًا، وكلمُها ألفٌ وثمانُ مئةٍ واثنتانِ وثلاثونَ كلمةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ . [١] ﴿الر﴾ قالَ ابنُ عباسٍ والضحَّاكُ: معناهُ: أنا اللهُ أَرى (١)، وتقدَّم الكلامُ في حروفِ الهجاءِ أولَ سورةِ البقرةِ. قرأ أبو جعفرٍ بتقطيعِ الحروفِ على أصلِه، وأمالَ الراءَ هنا وفي سورةِ هودٍ ويوسفَ والرعدِ وإبراهيمَ والحِجْرِ، أبو عمرٍو، وابن عامر، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ورواها الأزرقُ عن ورشٍ بينَ اللفظينِ، والباقون: بالفتح (٢). ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الكتبِ المتقدمة؛ أي إنها في القرآنِ معنى ﴿آيَاتُ

стр. 1377

الْكِتَابِ﴾ القرآنِ ﴿الْحَكِيمِ﴾ المحكمِ بالحلالِ والحرامِ والحدودِ والأحكامِ. * * * ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾ . [٢] لما بعثَ الله محمدًا ﷺ ، أنكر المشركون نبوتَهُ، وتعجَّبوا من ذلك، وقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكونَ رسولهُ بشرًا، فنزل: ﴿أَكَانَ﴾ (١) استفهامٌ إنكاريٌّ ﴿لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ العَجَبُ: حالةٌ تعتري الإنسانَ من رؤيةِ شيء على خلافِ العادة، و (عجبًا) خبرُ كانَ، واسمها: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ المعنى: أَعَجِبَ أهلُ مكةَ من إيحائِنا؟ ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أَعْلِمْهم مع التخويفِ. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ عملٌ صالحٌ قدَّموه. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وأُضيفَ القدمُ إلى كذا في الأصل، والصواب: عملًا صالحًا الصدقِ وهو نعتُه؛ كقولهم: مسجدُ الجامعِ، و (حب الَحصِيدِ)، قالَ أبو عبيدةَ: كل سابقٍ من خيرٍ أو شَرٍّ فهو عندَ العربِ (قَدَمٌ) يقال: لفلانٍ قدمٌ في الإسلامِ (٢). ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ،

стр. 1378

والكسائيُّ، وخلفٌ: (لَسَاحِرٌ) بألفٍ بعد السين، وكسرِ الحاء، والمراد: النبيُّ ﷺ ، وقرأ الباقون: بكسر السين وإسكانِ الحاء من غيرِ ألف، والمراد: القرآن (١). * * * ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ . [٣] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ التي هي أصولُ الممكنات. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كيفٍ، تقدَّمَ الكلامُ فيه في سورةِ الأعرافِ. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضي أمرَ الخلائق برزقِهم في الدنيا، وحسابِهم في الأخرى. ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ﴾ يشفعُ لأحدٍ. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ردَّ على من زعمَ أن الآلهةَ تشفعُ لهم عندَ اللهِ، وإثباتُ الشفاعةِ لمن أذنَ له. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الموصوفُ بتلك الصفاتِ ﴿رَبُّكُمْ﴾ لا شريكَ له. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وَحِّدُوه.

стр. 1379

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تتَّعِظون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَذَكَّرُونَ) بتخفيف الذال حيثُ وقعَ، والباقون بالتشديدِ (١). * * * ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ . [٤] ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى غيره ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ صدقًا، لا خلفَ فيه، نُصِبَ على المصدر؛ أي: وَعْدًا حقًّا. ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يخلقُه ابتداءً. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ مَيْتًا ثم حَيًّا للجزاء. قرأ أبو جعفرٍ: (أَنَّه) بالفتح على معنى لأنه، والباقون: بكسر الألفِ على الاستئناف (٢). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ماءٍ حارٍّ قد بلغَ نهايةَ الحرِّ. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسببِ كفرِهم. * * *

стр. 1380

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ . [٥] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ بالنهارِ، وقرأ قنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ (ضِيئَاءً) بهمزتين بينَهما ألفٌ، والباقون بياء مفتوحة بعدَ الضاد (١). ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ بالليل؛ أي: خلق الشمسَ ذاتَ ضياءٍ، والقمرَ ذا نورٍ، والضياءُ أقوى من النورِ. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي: القمرَ، قدَّرَ سيرَه. ﴿مَنَازِلَ﴾ لأن بالقمرِ يُعرف انقضاءُ الشهورِ والسنين، لا بالشمس، ومنازلُ القمرِ ثمانيةٌ وعشرونَ منزلًا، وأسماؤها: الشُّرُطَيْن، والبُطَين، والثُّرَيَّا، والدَّبَران، والهَقْعَة، والهَنْعَة، والذِّراع، والنَّثْرَة، والطَّرْف، والجَبْهَة، والزَّبْرَة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسَّماك، والغَفْر، والزَّبانى، والإكليل، والقلب، والشَّولة، والنَّعائم، والبَلْدَة، وسعدُ الذّابح، وسعدُ بَلَع، وسعدُ السعود، وسعدُ الأخبية، وفرعُ الدلو المقدَّم، وفرع الدلو المؤخَّر، وبطنُ الحوتِ ويسمَّى الرشاء، وهذه المنازلُ مقسومةٌ على البروجِ، وهي اثنا عشرَ برجًا: الحملُ، والثورُ، والجوزاءُ، والسرطانُ، والأسدُ، والسنبلةُ، والميزانُ، والعقربُ، والقوسُ، والجديُ، والدلوُ،

стр. 1381

ويسمى: الدالي، والحوتُ فكلُّ برجٍ منزلانِ وثلثٌ، ينزلُ القمرُ كلَّ ليلةٍ منزِلًا منها، ويستترُ ليلتين إنْ كانَ الشهرُ ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين، فليلةً واحدةً، فيكونُ انقضاءُ السنةِ مع انقضائِها. ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ بذلك ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ حسابَ الأشهرِ والأيامِ. ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ المذكورَ. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحكمةِ البالغةِ، ولم يخلقْه عبثًا. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ (يُفَصِّلُ) بالياء؛ لقولهِ (ما خَلَقَ الله)، وقرأ الباقون: بالنون على التعظيم (١). * * * ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ . [٦] ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من أنواع الكائنات ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ لأن المتقيَن هم المنتفعونَ بالتفكُّر في خلقِ الله تعالى. * * *

стр. 1382

﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ . [٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ لا يتوقعونه لإنكارهم البعثَ. ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فاختاروها. ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ سكنوا إليها سكونَ مَنْ لا يُزعَجُ. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا﴾ أدِلَّتِنا ﴿غَافِلُونَ﴾ لا يتفكرون فيها. * * * ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ . [٨] ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفرِ والتكذيبِ. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ . [٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ أي: يسدِّدُهم بسبب إيمانِهم إلى سلوكِ سبيلٍ يؤدِّي إلى الجنة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ أي: بينَ أيديهم ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. * * * ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي: دعاؤهم؛ لأن (اللَّهُمَّ) دعاءٌ. ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ عمَّا لا يليق بعظمتِك وجلالِك.

стр. 1383

﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ أي: يُحَيِّي بعضهم بعضًا بالسلام. ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ بعدَ التسبيحِ. ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يريدُ: يفتحون كلامهم بالتسبيح، ويختمونه بالتحميد. * * * ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾ . [١١] ولما استعجلَ المشركون العذابَ، نزل: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ أي: تعجيلًا مثلَ استعجالِهم. ﴿بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (لَقَضَى) بفتح القاف والضاد وقلب الياء ألفًا (أَجَلَهُمْ) نصب، المعنى: لأماتهم الله، وقرأ الباقون: بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء (أَجَلُهُمْ) بالرفع مجهولًا (١)؛ أي: وعجَّلنا لهم ما دَعَوا به من الشر كما نعجِّلُ لهم ما طلبوا من الخير، لهلكوا، تلخيصُه: لا يفعلُ إلا ما يريد. ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ لا يخافون البعث. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إمهالًا لهم واستِدْراجًا. * * *

стр. 1384

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾ الشدَّةُ ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ أي: على جنبِه. ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ المعنى: دعانا في جميعِ حالاتِه، لأن الإنسانَ لا بدَّ لهُ من اضطجاعٍ أو قيامٍ أو قعودٍ. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ دفعْنا ﴿عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ مَضَى ونسيَ ما كانَ فيه من البلاءِ. ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ واستمرَّ على طريقتِه الأولى قبلَ أن يمسَّه الضرُّ. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الدعاءِ عندَ البلاء، وتركِ الشكرِ عندَ الرخاء. * * * ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يا أهلَ مكةَ. ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ بالتكذيبِ. ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالشواهدِ الدالَّةِ على صدقِهم. قرأ أبو عمرٍو: (رُسْلُهُمْ) بإسكان السين، وكذلك (رُسْلُنا) حيثُ وقعَ، والباقون: بضم السين (١).

стр. 1385

﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عطفٌ على (ظَلَمُوا) ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أهلكناهم بكفرهم ﴿نَجْزِي﴾ نُهْلِكُ ﴿الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرينَ بتكذيبِهم محمدًا ﷺ . * * * ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ﴾ أي: خلفًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ خطابٌ للذين بُعث إليهم ﷺ ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعدِ المهلَكينَ. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فنعامِلَكم على مقتضى أعمالِكم. * * * ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ . [١٥] ولما كانَ القرآنُ ينزلُ بذمِّ الأصنامِ وعابديها، قالوا للنبيِّ ﷺ : إن كنتَ تريدُ أن نؤمنَ بكَ، فأتِ بقرآنٍ غير هذا لا تُذَمُّ فيه آلهتُنا، فنزل: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ (١) يعني: المشركين.

стр. 1386

﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ بكتابٍ آخرَ ليسَ فيه ما نكرهُ من معايبِ آلهتنا. قرأ ابن كثيرٍ (بِقُرَانٍ) و (القُرَان) كيفَ أَتى بالنَّقل (١). ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ غَيِّرْهُ فاجعلَ مكانَ آيةِ رحمةٍ آيةَ عذابٍ، وبالعكس. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمدُ: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي لي ولا يجوزُ. ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أي: من عندِها. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ فيما آمُركم به، وأَنهاكُم عنه. ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بالتبديلِ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يومُ القيامة. قرأ الكوفيونَ، وابنُ عامر، ويعقوبُ: (لي أَن) (نَفْسِي إِنْ) (إِنيِّ أَخَافُ) بإسكانِ الياءِ في الثلاثةِ، ووافقَهم ابنُ كثيرٍ في (نَفْسِي)، والباقونَ، وهم نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ: بالفتح، وافقَهم ابنُ كثيرٍ في (لِيَ) و (إِنيِّ) (٢). * * * ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لو شاءَ، ما أنزلَ القرآنَ عليَّ.

стр. 1387

﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ بروايةِ قنبلٍ: (ولأَدْرَاكُمْ) بالقصرِ على الإيجاب؛ أي: ولأَعْلَمَكم به على لسان غيري، ولكنَّه مَنَّ عليَّ بالرسالة، وقرأ الباقون: بإثباتِ الألفِ على أنها (لا) النافية (١)؛ أي: ولا أعلمَكم به على لساني، ولترَكَكم على كفْركم، المعنى: إن الأمرَ بمشيئةِ اللهِ لا بمشيئتي حتى أجعله على نحوِ ما تشتهونه، وقرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وورشٌ عن نافعٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (أَدْرَاكُمْ) (أَدْرَاكَ) بالإمالة حيثُ وقعَ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ راوي ابنِ عامرٍ. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ ظرفٌ، أي: مقدارَ عمر، وهو أربعونَ سنةً. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ نزولِ القرآن، لا أتلوه، ولا أعلمُه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه ليسَ من قِبَلي. ولبثَ النبيُّ ﷺ فيهم قبلَ الوحي أربعين سنةً، ثم أُوحِيَ إليه، فأقام بعدَ الوحيِ ثلاثَ عشرةَ سنةً، ثم هاجرَ فأقامَ بالمدينة عشرَ سنينَ، وتُوفِّيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، وكانتْ وفاتُه يومَ الاثنينِ، وفُرِغَ من جهازِه يومَ الثلاثاء، ودُفن في ليلةِ الأربعاءِ في شهرِ ربيعٍ الأولِ سنةَ إحدى عشرةَ من الهجرةِ الشريفةِ، وكان مرضُه ثلاثَ عشرةَ ليلةً ﷺ . * * *

стр. 1388

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعمَ أنَّ له شريكًا أَو ولدًا. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بنبوةِ محمدٍ ﷺ . ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لا يَنْجو المشركون. * * * ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾ إنْ عَصَوه. ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عَبَدوه؛ يعني: الأصنامَ؛ فإنها جمادٌ لا تقدرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ﴾ الأوثانُ ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشفعُ لنا فيما يهمُّنا من أمورِ الدنيا والآخرةِ إن يكنْ بعثٌ. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ أتخبرونه ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ أي: أتخبرونَ الله أنَّ له شريكًا أو عندَهُ شفيعًا بغيرِ إذنِه، وفيه تقريعٌ وتَهَكُّم بهم، واللهُ لا يعلمُ لنفسِه شريكًا ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ثم نَزَّهَ نفسَه وقَدَّسَها عن الشركِ فقال:

стр. 1389

﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تُشْرِكُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (١). * * * ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دينِ الإسلامِ. ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ تفرَّقوا أديانًا مختلفةً. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنه لا يقضي بينَهم دونَ القيامةِ. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بإهلاكِ المبطِلِ وإبقاء المحِقِّ. * * * ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: أهلَ مكةَ ﴿لَوْلَا﴾ هلَّا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ من الآيات التي نقترحُها. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ هو المحيطُ بعلمِه. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزولهَا ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لِما يفعلُ اللهُ بِكُمْ.

стр. 1390

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ كفارَ مكةَ ﴿رَحْمَةً﴾ راحةً. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ شدَّةٍ. ﴿مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ بالطعنِ عليها، والاحتيالِ في دفعها. قرأ أبو عمرٍو: (مِنْ بَعْد ضَّرَّاءَ) بإدغام الدالِ في الضادِ (١). ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي: مجازاةً ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ الحفظةَ. ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ قرأ روحٌ عن يعقوبَ: (يَمْكُرُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (٢). * * * ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ يحمِلُكم ﴿فِي الْبَرِّ﴾ على الظهورِ ﴿وَالْبَحْرِ﴾ على السفنِ. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (يَنْشُرُكُمْ) بفتح الياء ونون ساكنة

стр. 1391

بعدَها وشين معجمة مضمومة، من النَّشْرِ، وكذلك هي في مصاحفِ أهلِ الشامِ وغيرِها، وقرأ الباقون: بضمِّ الياء وسين مهملة مفتوحة بعدها ياءٌ مكسورة مشدَّدة من التسيير، وكذلك هي في مصاحفهم (١). ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السفنِ، الواحدُ والجمعُ سواءٌ ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ أي: السفنُ بالناس ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لينةِ الهبوبِ ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلكَ الريحِ. ﴿جَاءَتْهَا﴾ أي: السفنَ ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ شديدةُ الهبوبِ. ﴿وَجَاءَهُمُ﴾ يعني: ركبانَ السفينةِ ﴿الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ وهو حركةُ الماءِ واختلاطُه. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أُهْلِكوا، جعلَ إحاطةَ العدوِّ بالحيِّ مثلًا في الهلاكِ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ دونَ أوثانهم يقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ الشدَّةِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لكَ بالإيمان. * * * ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ إجابةً لدعائِهم ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ﴾ يُفْسِدون.

стр. 1392

﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مبطِلين فيه. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: وَبالُه راجعٌ عليكم، ثم ابتدأ فقال: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قراءة العامة: (مَتَاعُ) بالرفع خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: هذا متاعٌ، المعنى: إنما بغيُكم على أمثالِكم، منفعةُ الحياةِ الدنيا لا بقاءَ لها، وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ (مَتَاعَ) بالنصب (١)؛ أي: تتمتعون متاعَ الحياةِ الدنيا في فنائِها وزوالِها. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالجزاءِ عليه. * * * ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في زوالِها. ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي: التفَّ واشتبكَ بسببه حتَّى خالطَ بعضُه بعضًا؛ أي: نبتَ بالماءِ من كلِّ لون. ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من الحبوبِ والثمارِ ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾ من الحشيشِ. ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ زِينَتَها بالنباتِ ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ بالزهرِ.

стр. 1393

﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ متمكِّنونَ من منفعتِها ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ قضاؤنا ﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ شَبيهًا بما يُحْصَدُ من الزرعِ. ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: كأنْ لم تعمرْ بالزمانِ الماضي، والمغاني: المنازلُ. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فإنهم هم المنتفعون بها. * * * ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ الجنةِ لسلامتِهم فيها. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو الإسلامُ، وتقدَّم اختلافُ القراء في حكم الهمزتين من كلمتين في قوله: (يَشَاءُ إِلىَ صراطٍ مستقيمٍ) في سورة البقرة [الآية: ١١٥]. * * * ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العملَ في الدنيا ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنةُ. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ النظرُ إلى وجهِ الله الكريمِ. ﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾ يغشى ﴿وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ غبارٌ، جمعُ قَتَرَةٍ ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ هوانٌ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دائمونَ. * * *

стр. 1394

﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾ [ يونس: ٢٧]. [٢٧] ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ مبتدأ، خبرُه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أي: لهم مثلُها. ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع. ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ أُلْبِسَتْ. ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ حالٌ، العاملُ فيها (أُغشيت). قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (قِطْعًا) بإسكان الطاء؛ أي: جزءًا واحدًا، والباقون: بالفتح، جمع قِطْعة (١) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الفريقين ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾ أي: اثبتوا مكانَكم ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ أي: آلهَتكم، لا تبرحوا حتى نرى ما يُفعل بكم. ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ فَرَّقنا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بعدَ اجتماعِهم في الموقفِ، وقطعنا ما كانَ

стр. 1395

بينهم من التواصُلِ في الدنيا، وذلك حينَ تبرَّأَ كلُّ معبودٍ من دون الله ممن عبدَه. ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ يعني: الأصنامَ. ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بطِلبتنا، فيقولون: بلى، كنا نعبدُكم، فتقولُ الأصنامُ: ... ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ﴾ إيانا. ﴿لَغَافِلِينَ﴾ ما كنا نسمعُ ولا نبصرُ ولا نعقلُ. ... ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ . [٣٠] قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلكَ اليومِ ﴿تَبْلُو﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (تَتْلُو) بتاءين، من التلاوة؛ أي: تقرأُ كلُّ نفسٍ صَحيفتَها، وقرأ الباقون: بالتاء والباء (١)، من البلوى؛ أي: تختبرُ، ومعناه: ظهورُ أثرِ العملِ.

стр. 1396

﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ قَدَّمَتْ من العمل. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى حكمِه، فينفرد فيهم بالحكم. ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ ربِّهم حقيقةً، والمتولِّي جزاءَهم. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ضاعَ عنهم ما كانوا يدَّعون أنهم شركاءُ لله. ... ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بالمطرِ ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنباتِ. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ من يستطيعُ خَلْقَها. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الإنسانَ من النطفةِ، والمؤمنَ من الكافرِ. ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ عكسُه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (الْمَيِّتَ) بتشديد الياء، والباقون: بالتخفيف (١). ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقدِّرُه ويقضيه. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ هو الذي يفعلُ هذهِ الأشياءَ إذ لا يقدرون على العنادِ في ذلك. ﴿فَقُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقابَه فتسلمونَ.

стр. 1397

﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿فَذَلِكُمُ﴾ أي: الفعَّالُ لهذهِ الأشياءِ. ﴿اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الذي لا ريبَ في صحَّته. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ لا واسطةَ بينَهما. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ عن الحقِّ إلى الباطلِ. ... ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الحقِّ حَقَّتْ. ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: ثَبَتَتْ ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ تمرَّدوا في كفرِهم. ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: حقَّ عليهم انتفاءُ الإيمان. قرأ نافع، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (كَلِمَاتُ) بالألف على الجمع، والباقون: بغير ألفٍ على التوحيد (١). ... ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أي: معبودِيكم.

стр. 1398

﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ يُنْشِئُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ من بعدِ الموتِ، فإن أجابوك، وإلا ﴿قُلْ﴾ أنت: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ تُصْرَفون عن الهدى. ... ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي﴾ يرشدُ ﴿إِلَى الْحَقِّ﴾، فماذا قالوا: لا، ولا بدَّ لهم من ذلك. ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ يقالُ: هديتُه للحقِّ وإلى الحقِّ، واستُعمل هنا اللغتان. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ أي: يهتدي. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وأبو جعفرٍ كذلك، إلا أنه بإسكانِ الهاء، من اهتدى يهتدي، أدغموا التاء في الدال بعدَ نقلِ حركتِها مفتوحة إلى الهاء. وقرأ أبو عمرٍو، وقالونُ عن نافعٍ: باختلاسِ فتحة الهاء تخفيفًا، والتعليلُ فيه كالذي قبله، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال، من هدى يهدي غيرَه، وقرأ يعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، مبالغة؛ لأنه أدغم التاء في الدال، ولم يُلْقِ حركتَها على الهاء، فاجتمع ساكنان، فكسرت الهاء لالتقاء الساكنين، وروى أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بكسر الياء إتباعًا للهاء مع التشديد، والتعليلُ فيه كالذي قبله، ومعنى القراءات كلِّها واحدٌ.

стр. 1399

﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ المعنى: اللهُ الذي يهدي إلى الحقِّ أحقُّ بالاتباع، أم الصنم الذي لا يهتدي بنفسِه إلى مكانٍ ينتقل إليه (إِلَّا أَنْ يُهْدَى)؛ أي: يُنقل؟! ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بما يقتضي صريحُ العقلِ بطلانَه. ... ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ فيما يعتقدون ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ أي: تقليدَ آبائهم، والمرادُ بالأكثر: جميعُ من يقولُ ذلك. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يعملُ عملَه، المعنى: لا يقوم الظنُّ مقامَ التحقيق ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وعيدٌ على اتّبَاعِهم للظنِّ. ... ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: وما كانَ هذا القرآنُ افتراءً من الخلق. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: قبلَه من الكتبِ المتقدمةِ. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ أي: تبيينَ أحكامِهِ. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا شكَّ في نزولِه من قِبَلِ اللهِ تعالى. ***

стр. 1400

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: بل أيقولونَ اختلقَ محمد ﷺ القرآنَ، ومعنى الهمزةِ فيه الإنكارُ. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ شبهِ القرآنِ في الفصاحةِ والإعجازِ على وجه الافتراء؛ لأنكم عربٌ مثلي ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ من (١) تعبدون. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ليعينوكم على ذلكَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ محمدًا اختلقَهُ. ... ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ثم بَيَّنَ عجزَهم بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي: سارعوا إلى تكذيبِ القرآنِ قبلَ أن يتدبَّروه ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: ولم يأتهم حقيقةُ عاقبةِ التكذيبِ من نزولِ العذابِ بهم. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفارِ الأممِ الخاليةِ. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: آخرُ أمرِهم بالهلاكُ. وفي معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ من الأمثالِ الدائرةِ على ألسنِ الناس: مَنْ جَهِلَ شيئًا عاداهُ.

стр. 1401

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: المكذِّبين ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ سيؤمنُ بالقرآن. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أبدًا. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من يصرُّ على الكفرِ، وهو تهديدٌ له. ... ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يا محمدُ ﴿فَقُلْ﴾ تحذيرًا: ﴿لِي عَمَلِي﴾ أي: ثوابُ عملي في التبليغِ والإنذارِ والطاعةِ لله تعالى. ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أي: جزاؤه من الشِّرْكِ. ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يؤاخَذُ أحدٌ بذنب أحد، فمن حملَها على ظاهرِها، نسخَها بآيةِ السيفِ، ومن تأوَّلها بالجزاء، فثابتة؛ لأن الجزاءَ ثَمَّ يكونُ. ... ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ بظواهرِهم، وقلوبُهم لا تعي شيئًا مما تقولُه وتتلُوهُ من القرآن، ولهذا قالَ: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يريدُ: سمعَ القلبِ. ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ ظاهُره الاستفهامُ، ومعناه النفيُ.

стр. 1402

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ تعجُّبًا منكَ بأبصارِهم دونَ بصائرِهم، قيل: نزلت في المستهزئين. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ أي: عَمَى القلب ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ قرنَ عدمَ العقلِ بعدمِ السمعِ، وبعدمِ البصرِ عدمَ الإدراكِ تفضيلًا لحكمِ الباطنِ على الظاهرِ. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ لأنه في جميعِ أفعاله متفضلٌ وعادلٌ. ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمخالفةِ أمرِ خالقِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَكِنِ) مخفَّفًا (الناسُ) رفعًا، والباقون: بالتشديدِ والنصبِ (١). ... ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكرْ يومَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ وعيدٌ بالحشرِ وخزيِهم. قرأ

стр. 1403

حفصٌ عن عاصمٍ: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١). ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ يستقصرونَ مدةَ لبثِهم في قبورِهم. ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرفُ بعضهُم بعضًا عندَ خروجِهم من القبورِ. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: بالعرضِ على اللهِ. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ في علمِ اللهِ. ... ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذابِ. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ تعذيبِهم ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ في الآخرةِ. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ فيجزيهم به، و (ثم) بمعنى الواو، والمعنى: إن لم ترَ في أعدائك ما يسرُّكَ هنا، فستراه ثَمَّ. ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ منَ الأممِ الماضيةِ ﴿رَّسُولٌ﴾ يُبعثُ إليهم.

стр. 1404

﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فكذَّبوه ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُعذبون بغيرِ حُجَّةٍ تلزمُهم. ... ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: المشركينَ استهزاءً: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بقيامِ الساعةِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ خطابٌ منهم للنبيِّ ﷺ والمؤمنينَ. ... ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ لا أقدرُ لها على شيءٍ. ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: دفعَ ضرٍّ، ولا جلبَ نفعٍ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أنْ أملكَهُ. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مدةٌ معلومةٌ ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ وقتُ فناءِ أعمارِهم. ﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فلا تستعجلوا، فَسَيحينُ وقتكم، واختلافُ القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافِهم فيهما من ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ في سورة [النساء: ٥]. ***

стр. 1405

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا﴾ ليلًا ﴿أَوْ نَهَارًا﴾ حينَ اشتغالِكم بطلبِ معاشِكم. ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ استفهامٌ معناهُ التهويلُ (١)؛ أي: ما أعظمَ ما تستعجلونَ بهِ! وستندمون على الاستعجالِ وتعرفونَ خطأَهُ. ... ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ يعني: إن أتاكُم عذابُه ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي: باللهِ حينَ لا ينفعُكم الإيمانُ ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون؟ استفهامُ توبيخٍ. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استهزاءً. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (آلاَنَ) بفتحِ اللامِ من غيرِ همزٍ، والباقونَ: بإسكانِ اللامِ وهمزةٍ بعدَها، وأجمعوا على مدِّ (آلان) لأنها همزةُ استفهامٍ دخلت على همزةِ الوصلِ لتفرِّقَ بينَ الاستفهامِ والخبرِ، وأجمعوا على عدمِ تحقيقِها لكونها همزةَ وصلٍ، وهمزةُ الوصلِ لا تثبتُ إلا ابتداءً، وأجمعوا على تليينها، واختلفوا في كيفيته، فقال كثيرٌ منهم: تبُدل ألفًا خالصةً، وقال آخرون: تسُهَّلَ بينَ بينَ، وكذا الحكمُ في (آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) وفي: (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ) (٢).
следующие страницы →