← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: المكذِّبين ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ سيؤمنُ بالقرآن. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أبدًا. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من يصرُّ على الكفرِ، وهو تهديدٌ له. ... ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يا محمدُ ﴿فَقُلْ﴾ تحذيرًا: ﴿لِي عَمَلِي﴾ أي: ثوابُ عملي في التبليغِ والإنذارِ والطاعةِ لله تعالى. ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أي: جزاؤه من الشِّرْكِ. ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يؤاخَذُ أحدٌ بذنب أحد، فمن حملَها على ظاهرِها، نسخَها بآيةِ السيفِ، ومن تأوَّلها بالجزاء، فثابتة؛ لأن الجزاءَ ثَمَّ يكونُ. ... ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ بظواهرِهم، وقلوبُهم لا تعي شيئًا مما تقولُه وتتلُوهُ من القرآن، ولهذا قالَ: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يريدُ: سمعَ القلبِ. ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ ظاهُره الاستفهامُ، ومعناه النفيُ.

стр. 1402

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ تعجُّبًا منكَ بأبصارِهم دونَ بصائرِهم، قيل: نزلت في المستهزئين. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ أي: عَمَى القلب ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ قرنَ عدمَ العقلِ بعدمِ السمعِ، وبعدمِ البصرِ عدمَ الإدراكِ تفضيلًا لحكمِ الباطنِ على الظاهرِ. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ لأنه في جميعِ أفعاله متفضلٌ وعادلٌ. ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمخالفةِ أمرِ خالقِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَكِنِ) مخفَّفًا (الناسُ) رفعًا، والباقون: بالتشديدِ والنصبِ (١). ... ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكرْ يومَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ وعيدٌ بالحشرِ وخزيِهم. قرأ

стр. 1403

حفصٌ عن عاصمٍ: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١). ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ يستقصرونَ مدةَ لبثِهم في قبورِهم. ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرفُ بعضهُم بعضًا عندَ خروجِهم من القبورِ. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: بالعرضِ على اللهِ. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ في علمِ اللهِ. ... ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذابِ. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ تعذيبِهم ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ في الآخرةِ. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ فيجزيهم به، و (ثم) بمعنى الواو، والمعنى: إن لم ترَ في أعدائك ما يسرُّكَ هنا، فستراه ثَمَّ. ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ منَ الأممِ الماضيةِ ﴿رَّسُولٌ﴾ يُبعثُ إليهم.

стр. 1404

﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فكذَّبوه ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُعذبون بغيرِ حُجَّةٍ تلزمُهم. ... ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: المشركينَ استهزاءً: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بقيامِ الساعةِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ خطابٌ منهم للنبيِّ ﷺ والمؤمنينَ. ... ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ لا أقدرُ لها على شيءٍ. ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: دفعَ ضرٍّ، ولا جلبَ نفعٍ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أنْ أملكَهُ. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مدةٌ معلومةٌ ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ وقتُ فناءِ أعمارِهم. ﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فلا تستعجلوا، فَسَيحينُ وقتكم، واختلافُ القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافِهم فيهما من ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ في سورة [النساء: ٥]. ***

стр. 1405

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا﴾ ليلًا ﴿أَوْ نَهَارًا﴾ حينَ اشتغالِكم بطلبِ معاشِكم. ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ استفهامٌ معناهُ التهويلُ (١)؛ أي: ما أعظمَ ما تستعجلونَ بهِ! وستندمون على الاستعجالِ وتعرفونَ خطأَهُ. ... ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ يعني: إن أتاكُم عذابُه ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي: باللهِ حينَ لا ينفعُكم الإيمانُ ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون؟ استفهامُ توبيخٍ. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استهزاءً. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (آلاَنَ) بفتحِ اللامِ من غيرِ همزٍ، والباقونَ: بإسكانِ اللامِ وهمزةٍ بعدَها، وأجمعوا على مدِّ (آلان) لأنها همزةُ استفهامٍ دخلت على همزةِ الوصلِ لتفرِّقَ بينَ الاستفهامِ والخبرِ، وأجمعوا على عدمِ تحقيقِها لكونها همزةَ وصلٍ، وهمزةُ الوصلِ لا تثبتُ إلا ابتداءً، وأجمعوا على تليينها، واختلفوا في كيفيته، فقال كثيرٌ منهم: تبُدل ألفًا خالصةً، وقال آخرون: تسُهَّلَ بينَ بينَ، وكذا الحكمُ في (آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) وفي: (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ) (٢).

стр. 1406

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالشركِ توبيخًا لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ المؤلمَ على الدَّوام ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا. ... ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ يَستخبرونَكَ. ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ العذابُ أو البعثُ، استفهام استهزاءٍ. ﴿قُلْ إِي﴾ أي: نعم ﴿وَرَبِّي﴾ توكيدٌ للقسم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (وَرَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ لا شكَّ فيه ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتينَ من العذابِ. ... ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أشركَتْ.

стр. 1407

﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ جميعًا. ﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ بَذَلَتْهُ في مقابلةِ نَجاتها. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أَخْفَوها عن أتباعِهم خوفًا من ملامَتِهم، وقيل: معناه: أظهروها؛ لأنه ليسَ بيومِ تصبُّرٍ. ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وهذا: قبلَ الإحراقِ بالنار، فإذا وقعوا فيها، ألهتهم عن التَّصَنُعِ. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الرؤساءِ والسِّفْلَةِ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ليسَ تكريرًا؛ لأن الأولَ قضاء بينَ الأنبياءِ ومكذِّبيهم، والثاني مجازاةُ المشركينَ على الشركِ. ... ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فلا مانعَ يمنعُه من إنفاذِ ما وعدَهُ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ. ... ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾ قرأ يعقوبُ: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون؛ بضمِّ التاءِ وفتحِ الجيم (١).

стр. 1408

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كتابٌ فيهِ بيانُ ما يجبُ لكم وعليكم. ﴿وَشِفَاءٌ﴾ دواءٌ ﴿لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ من العقائدِ الفاسدةِ ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالةِ ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خَصَّهم؛ لأنهم المنتفعونَ بالإيمان. ... ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ القرآنِ ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الإسلامِ ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قرأ رويسٌ عن يعقوبَ: (فَلْتَفْرَحُوا) بالخطابِ للمؤمنين، والباقون: بالغيب؛ أي: ليفرحِ المؤمنون (١). ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من حُطامِ الدنيا. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامر، ورويسٌ عن يعقوبَ: (تَجْمَعُونَ) بالخطاب على معنى: فلتفرحوا أيها المؤمنون، فهو خيرٌ مما تجمعون أيها المخاطَبون، وقرأ الباقون: بالغيب (٢)؛ أي: خير مما يجمعُه الكفار، وقيل: الخطابُ في (تجمعونَ) للكافرين.

стр. 1409

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لكفارِ مكَّةَ: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ أي: خلقَ من زروعٍ وضروعٍ. ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ هو ما حَرَّموا من الأنعامِ؛ كالبَحيرَةِ، والسائبةِ، والوصيلةِ، والحامِ. ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في هذا التحريمِ والتحليلِ؟ وتقدَّمَ قريبًا الكلامُ في همزةِ الاستفهامِ في قوله تعالى: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ). ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ تتكذبون بنسبةِ ذلكَ إليه. ... ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: وأيُّ شيءٍ ظَنُّهم يُصْنَعُ بهم يومَ القيامةِ؟ أيحسبون أَلَّا يجاوَزوا عليهِ؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بإمهالِهم وقبولِ توبتِهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أَنْعُمَهُ عليهم. ... ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾.

стр. 1410

[٦١] ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمدُ ﴿فِي شَأْنٍ﴾ أمرٍ، وأصلُه الهمزُ بمعنى القَصْدِ، شَأَنْتُ شَأْنَهُ: قَصَدْتُهُ. ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ﴾ من اللهِ ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ نزلَ، ثم خاطبَه وأُمَّتَهُ فقال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ وأُضمِرَ ﷺ قبلَ الذكر تفضيلًا له، ثم جُمع معَ أمته تفضيلًا لهم. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ مُطَّلعينَ. ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تخوضون في العملِ. ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ قرأ الكسائيُّ: بكسر الزايِ، والباقون: بالضمِّ (١)، ومعناهما: يغيب ﴿عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ﴾ أي: وزنِ ثقلِ ﴿ذَرَّةٍ﴾ وهي النملةُ الحميراءُ الصغيرةُ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: في الوجودِ، وتقديمُ الأرضِ؛ لأنَّ الكلامَ في حالِ أهلِها. ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: من الذرَّةِ ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ قرأ يعقوبُ، وحمزةُ، وخلفٌ: (وَلاَ أَصْغَرُ) (وَلاَ أَكْبَرُ) برفعِ الراءِ فيهما عطفًا على موضعِ (مِنْ) ومعمولها؛ لأنَّ موضعَه رفعٌ بـ (يعزبُ)، وقرأ الباقون: بالنصبِ عطفًا على الذَّرةِ في الكسرِ، وجعلِ الفتحِ بدلَ الكسرِ لامتناعِ الصرفِ (٢).

стр. 1411

﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللوحُ المحفوظ. ... ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ هم الذين والَوْهُ بالطاعةِ والعبادةِ، وتَوَلَّاهم بالكرامةِ. ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرةِ، وإلَّا فهم أشدُّ خوفًا وحزنًا في الدنيا من غيرِهم. ورُويَ عن النبي ﷺ أنه سُئِلَ: مَنْ أولياءُ الله؟ فقال: "الَّذِينَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ ذَكَرْتَ اللهَ" (١). قالَ ابنُ عطيةَ ﵀: وهذا وصفٌ لازمٌ للمتقين؛ لأنهم يَخْشَعونَ وَيَتَخَشَّعونَ (٢). ... ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ هذهِ صفةُ أولياءِ الله تعالى. ...

стр. 1412

﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هي الرؤيا الصالحةُ يراها الإنسانُ، أو تُرى له ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنةِ والرضوانِ. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لا خُلْفَ لمواعدِهِ، والتبديلُ: تغييرُ الشيءِ عن حالِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ التبشير ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ... ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ . [٦٥] ثم خاطبَ نبيَّه ﷺ فقالَ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محمدُ. ﴿قَولُهُمْ﴾ تكذيبُهم؛ يعني: المشركين، تم الكلامُ هاهنا، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ﴾ القدرةَ ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يُعِزُّ مَنْ يشاء، فهو يقهرُهم وينصرُكَ عليهم. ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالِهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأعمالِهم. ... ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الملائكة

стр. 1413

والثَّقَلَين، يحكمُ بما (١) يريدُ، ويفعلُ ما يشاءُ سبحانَه. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: ما يتبعون شركاءَ على الحقيقةِ، فإنَّ شركةَ اللهِ في الربوبيةِ مُحالٌ. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: ظنَّهم أنَّ آلهتَهم تُقَرِّبُهم إلى الله تعالى. واختلافُ القراء في الهمزتينِ من (شُرَكَاءَ إِنْ) كاختلافِهم فيهما من (شُهَدَاءَ إِذْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ١٣٣]. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يكذِبون. ... ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: مع أزواجِكم وأولادِكم لزوالِ التعبِ، والسكونُ: الهُدوُّ عن اضطرابٍ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يُبْصَرُ فيه مطالبُ الأرزاقِ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تدبُّر واعتبارٍ. ... ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿قَالُوا﴾ يعني: المشركينَ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ هو قولُهم: الملائكةُ بناتُ الله.

стр. 1414

﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ عن الولدِ ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقِه. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عَبيدًا ومُلْكًا ﴿إِنْ﴾ أي: ما ﴿عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجةٍ ﴿بِهَذَا﴾ القولِ، ثم نفى عنهم الحجةَ بقوله: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ توبيخٌ على اختلاقِهم، وفيه دليلٌ على أنَّ كلَّ قولٍ لا برهانَ عليه فهو جهالةٌ. ... ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ باتخاذِ الولدِ وإضافةِ الشريكِ إليه. ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ لا يفوزونَ، وتمَّ الكلامُ. ... ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: افتراؤهم متاعٌ في الدنيا؛ أي: بُلْغَة يسيرةٌ بنيلِ رئاستِهم ولذتِهم، ثم تزولُ. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بالموتِ. ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسببِ كفرهم. ***

стр. 1415

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿وَاتْلُ﴾ أي: اقرأ يا محمدُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على أهلِ مكةَ ﴿نَبَأَ﴾ خبرَ ﴿نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم ولدُ قابيلَ بنِ آدمَ. ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ عَظُمَ وشَقَّ ﴿عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ طولُ مَكْثي بينَكم. ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ تحذيري ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بأدلَّتِهِ، فعزمُتم على قتلي وطَرْدي. ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وَثِقْتُ به ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ قراءة العامةِ: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بالقطعِ وكسرِ الميم؛ أي: أَحكِموه. ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: آلهتكَمُ، ونُصِبَ (شُرَكاءَكُمْ) بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: وادعوا شركاءكم فاستعينوا، بها وقرأ رويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (فَاجْمَعُوا) بوصلِ الهمزةِ وفتحِ الميمِ، من الجمعِ، ووردَتْ عن نافعٍ (١)، وقرأ يعقوبُ: (وَشُرَكَاؤُكُمْ) بالرفع (٢)؛ أي: فَأَجمِعوا أمرَكم أنتم وشركاؤُكم. ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ في قصدي بالهلاكِ ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ خَفِيًّا، بل جاهِروني به ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أَمْضُوا ما في أنفسكم.

стр. 1416

﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ لا تُؤَخِّرونِ. أثبتَ يعقوبُ الياءَ في (تُنْظِروُني). تلخيصُه: اقصدوا هَلاكي بكلِّ طريقٍ سريعًا، فلا خوفَ عندي؛ لوثوقي باللهِ. ... ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتُم عن تذكيري ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ على ذلكَ. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْلٍ فتنفروا عَنِّي. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ لا تعلُّقَ له بكُم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ (أَجْرِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الذين لا يأخذونَ الأجرَ على التعليم. ... ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ استَمُّروا على تكذيبه ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ وكانوا ثمانين ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ سُكَّانَ الأرض خَلَفًا عن الهالكينَ.

стр. 1417

﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بالطُّوفان ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ آخرَ أمرِ الذين أنذرَهم الرسلُ فلم يؤمنوا. ... ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعدِ نوحٍ. ﴿رُسُلًا﴾ كإبراهيمَ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ، وغيِرهم. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ كلُّ رسولٍ إلى قومِه. ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدَّلالاتِ الواضحاتِ. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ فما كانَ إيمانُهم إلا ممتنعًا؛ لشدَّةِ شكيمتِهم في الكفر، وتصميمِهم عليه. ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يريدُ: أنهم كانوا قبل بعثةِ الرسلِ أهلَ جاهليةٍ مكذِّبينَ بالحقِّ، فما وقعَ فصلٌ بين حالتَيْهم بعدَ بعثةِ الرسلِ وقبلَها، كأنْ لم يُبْعَثْ إليهم أحدٌ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلكَ الطَّبْعِ المحكَمِ ﴿نَطْبَعُ﴾ نختِمُ ﴿عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ بخذلانهم، وفي ذلكَ دليلٌ على أن الأفعالَ واقعةٌ بقدرةِ اللهِ تعالى. ... ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: بعدَ الرُّسُلِ ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ

стр. 1418

وَمَلَئِهِ﴾ يعني: أشرافَ قومِه ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التسعِ. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتِّبَاعِها ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: مشركين. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾ . [٧٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾ يعني: فرعونَ وقومَه ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ وعرفوه؛ لتظاهرِ المعجزات ﴿قَالُوا﴾ من فرطِ تمرِّدِهم ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر. ... ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ تقديرُ الكلام: أتقولونَ للحقِّ لما جاءكم: إنه سحرٌ؟ ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟ فحذفَ السحرَ الأولَ اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ المعنى: أيكونُ سِحْرًا وقد أفلحَ مَنْ جاءَ به؟! ... ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿قَالُوا﴾ فرعونُ وقومُه لموسى ﵇: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ تَصْرِفَنا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادةِ الأصنامِ. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ الملكُ في أرضِ مصرَ. قرأ أبو بكرٍ عن

стр. 1419

عاصمٍ: (وَيَكُونَ) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (١). ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ مصدِّقين. قرأ أبو عمرٍو: (وَنَحْن لكُمَا) بإدغام النون في اللام (٢). ... ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ حاذقٍ فيه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (سَحَّارِ) على وزن فَعَّالٍ بتشديدِ الحاءِ وألفٍ بعدَها، وأمالَ فتحةَ الحاءِ الدوريُّ عن الكسائيِّ، وقرأ الباقون: (سَاحِرٍ) على وزن فاعِلٍ والألفِ قبلَ الحاء (٣). ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي: اطْرَحوا على الأرضِ ما معَكُم من حبالِكم وعِصِيِّكم، وتقلَّمَ ذكرُ القصةِ في الأعراف. ...

стр. 1420

﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ . [٨١] ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ﴾ أي: الذي جئتم ﴿بِهِ السِّحْرُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (آلسِّحْرُ) بالمدِّ على الاستفهام، تقديرُه: أيُّ شيءٍ جئتُم به، أَهُوَ السِّحْرُ؟ ويجوز لكل منهما تسهيلُ الهمزةِ الثانيةِ بينَ بينَ وإبدالُها ألفًا خالصةً كما تقدَّم في قوله: (آلاَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)، ولا يجوزُ الفصلُ فيه بالألفِ، كما لا يجوز في (آلاَنَ)، وقرأ الباقون: (بِهِ السِّحْرُ) بهمزةِ وصلٍ على الخبر، فتسقطُ وصلًا، وتُحذف بالصلةِ في الهاءِ قبلَها؛ لالتقاءِ الساكِنينِ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيمْحَقُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا يُقَوِّيهِ. ... ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ يُثَبِّتُهُ ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأوامِره ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ذلكَ. ... ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ . [٨٣] ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ لم يصدِّقْهُ.

стр. 1421

﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: أولادٌ من أولادِ قومِه بني إسرائيلَ. ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي: ملأ الذريَّةِ؛ فإن ملأَ الذرية كانوا من قومِ فرعونَ، وقيلَ: الضميرُ لفرعونَ، وجمعَهُ لأنه كانَ عظيمًا في نفسه، فخوطِبَ بالجمعِ. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يُعَذِّبَهم، ولم يقل: يَفْتِنوهُم؛ لأنه أخبرَ عن فرعونَ، وكانَ قومُه على مثلِ ما كانَ عليهِ ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ غالبٌ قاهرٌ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الكبرِ حتى ادَّعى الربوبيةَ. رُويَ عن يعقوبَ الوقفُ بالياءِ على (لَعَالِي). ... ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمؤمني قومِه. ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ثِقُوا به. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مخلِصينَ له. ... ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ لأنهم كانوا مؤمنينَ مخلصينَ. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ موضعَ فتنةٍ؛ أي: عذابٍ بعدَ توبَتِنا.

стр. 1422

﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تُظْهِرْهُم علينا، فيظُنُّوا أنا لم نكنْ على الحقِّ، فيزدادوا طُغيانًا. ... ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ من كَيْدِهِم. ... ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ﴾ اتَّخِذا. ﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ تسكنونَ فيها. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ مساجدَ متوجِّهَةً نحوَ الكعبة، وكان موسى يصلِّي إليها؛ لأنَّ فرعون كانَ قد أمرَ بني إسرائيلَ بتخريبِ بِيَعِهِم، وألَّا يظاهروا بعبادتِهم، فأُمروا باتخاذِ مساجدَ في بيوتهم يصلُّون فيها سِرًّا. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أَتِمُّوها ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا موسى ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بخيرَيِ الدنيا والآخرةِ. ... ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً﴾ كلَّ ما يتزيَّنُ به من متاعِ الدنيا.

стр. 1423

﴿وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وأنواعًا من المالِ. ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزة، والكسائيُّ، وخلفٌ، (لِيُضلُّوا) بضمِّ الياء، أي: لِيُضلُّوا غيَرهم، والباقون: بفتحها (١)، أي: ليضِلُّوا في أنفسهم، واللامُ في (لِيُضلُّوا) لامُ العاقبة، يعني: فَيُضِلُّوا، ويكون عاقبةُ أمرهم الضَّلال، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، وقيلَ: هي لامُ (كي)؛ أي: آتيتَهم كي تَفتِنهم فَيَضِلُّوا ويُضلُّوا، كقوله: ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٦، ١٧]، قال القرطبيُّ: وأصحُّ ما قيلَ فيها، وهو قولُ الخليلِ وسيبويهِ: أنها لامُ العاقبةِ والصَّيرورةِ (٢). ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ أذهِبْ آثارها بالهلاك ﴿وَاشْدُدْ﴾ واختِمْ. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ لِئَلَّا يدخُلَها الإيمانُ، وأصلُ الشدِّ: الاستيثاقُ، وإنما دعا عليهم بعدَ الإنذارِ؛ لعلمِهِ أن لا سبيلَ إلى إيمانِهم. ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ معناهُ: اللهمَّ فلا يؤمنوا. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وهو الغرقُ. ... ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ . [٨٩] ﴿قَالَ﴾ الله لموسى وهارون ﵉:

стр. 1424

﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ إِنَّما نُسبَتْ إليهما، والدعاءُ كانَ منْ موسى؛ لأنه رُوِيَ أنَّ موسى كانَ يدعو، وهارونُ يؤمِّنُ، والتأمينُ دعاءٌ وفي بعضِ القصصِ: كانَ بينَ دعاءِ موسى وإجابتهِ أربعونَ سنةً. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ على الرسالةِ، وامضيا لأمري. ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَمْرَ الله تعالى. قرأ العامةُ: (تَتَّبِعانِّ) بتشديدِ التاءِ الثانيةِ وفتحِها وكسرِ الباءِ وتشديدِ النونِ في موضعِ جزمٍ على النهيِ، والنونُ للتوكيد، وحركت لالتقاءِ الساكنينِ، واختيرَ لها الكسرُ؛ لأنها أشبهتْ نونَ الرجلانِ، ويقال في الواحدِ: لا تتَّبِعَنَّ بفتحِ النون، وقرأ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ بتشديدِ التاءِ مع تخفيفِ النونِ، فتكون (لا) نافيةً، فيصيرُ اللفظُ لفظَ الخبر، ومعناهُ النهيُ؛ كقوله: (لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ) على قراءةِ مَنْ رفعَ، ورُوي عن ابنِ ذكوانَ أيضًا وجهٌ آخرُ بتخفيفِ التاءِ الثانية ساكنةً، وفتحِ الباءِ مع تشديدِ النونِ من تَبِعَ (١)، المعنى: لا تسلكْ طريقَ مَنْ لا يعلمُ حقيقةَ وعدي ووعيدي. ... ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ . [٩٠] ﴿وَجَاوَزْنَا﴾ عَبَرْنا ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ حتى الشطِّ حافِظينَ

стр. 1425

لهم ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ ظُلْمًا واعتداءً، وكانَ البحرُ قدِ انفلقَ لموسى وقومِه، فلما وصلَ فرعونُ بجنودِه إلى البحر، هابوا دخولَه، فتقدَّمَهم جبريلُ في صورةِ هامانَ على فرسٍ وَدِيقٍ؛ أَيْ: شَهِيٍّ، وهي التي في فَرْجِها بَلَلٌ وخاضَ البحرَ، فاقتحمتِ الخيولُ، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ مستوفىً في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، فلما دخلَ آخرُهم، وهمَّ أَوَّلُهم أَنْ يخرجَ، انطبقَ عليهِم الماءُ. ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أي: قارَبَه، وكانَ هذا في يومِ عاشوراءَ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (إِنَّهُ) بكسرِ الألفِ على الاستئنافِ بدلًا من (آمَنْتُ)، والباقون: بالفتحِ على حذفِ الباء التي هي صلةُ الإيمان (١)؟ أي: بأنه. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وكرر معنى الإيمان ثلاثَ مراتٍ حرصًا على القَبول، فلم يُقْبَلْ؛ لأنه فَرَّطَ، ولم يكنْ وقتَ قَبولٍ. ... ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ . [٩١] فعندَ ذلكَ دَسَّ جِبْريلُ ﵇ في فيهِ مِنْ حَمَإِ البحرِ، وقال: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنُ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الضالِّينَ

стр. 1426

المضلِّينَ؟! وتقدَّمَ الكلامُ في (آلآن)، ومذاهبُ القراءِ فيهِ عندَ قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ [يونس: ٥١]. ... ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ . [٩٢] فلما أخبرَ موسى قومَه بهلاكِ فرعونَ وقومِه، قالتْ بنو إسرائيلَ: ما ماتَ فرعونُ، فأمرَ اللهُ البحرَ، فألقى فرعونَ على الساحل أحمرَ قصيرًا كأنه ثورٌ، فتيقَّنَ بنو إسرائيلَ موتَهُ، فمن ذلكَ الوقتِ لا يقبلُ الماءُ مَيْتًا أبدًا، فذلكَ قولُه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ نلقيكَ على نَجْوَةٍ من الأرضِ؛ أي: مرتفعٍ منها. قرأ يعقوبُ: (نُنْجِيكَ) مخفَّفًا، والباقون: مشدَّدًا (١). ﴿بِبَدَنِكَ﴾ وحدَكَ. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ بعدَكَ ﴿آيَةً﴾ علامةً تظهرُ لهم بها عبوديتُكَ من ربوبيتِكَ، لأنكَ لو كنتَ رَبًّا، لما غرقْتَ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها. ... ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾ . [٩٣] ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾ أنزلْنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ منزلَ كرامةٍ، وهي

стр. 1427

الأرضُ المقدسةُ التي كتبَ اللهُ ميراثَها لإبراهيمَ وذريتِهِ. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالاتِ ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يعني: اليهودَ الذين كانوا في عهدِ النبيِّ ﷺ ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يعني: القرآنَ، فبعضٌ قال: هو هو، وبعض: ليسَ هو، وغيَّروا صفته معَ معرفتِهم صدقَهُ وصفتَهُ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا، فيثيبُ التائبَ، ويعاقبُ العاصِيَ. ... ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ . [٩٤] ثم قال خِطابًا للنَّبي ﷺ ، والمرادُ غيرُه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني: القرآنَ ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فيخبرونك أنك مكتوبٌ عندَهم في التوراة، وقيلَ غيرُ ذلكَ، والشكُّ في اللغةِ: أصلُه الضيقُ، فقال ﷺ في الجوابِ: "لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ أَحَداَّ، أَشْهَدُ أَنَّهُ الْحَقُّ" (١). قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلِ) بنقل حركةِ الهمزة إلى الساكن قبلَها، وهو السين، والباقون: بغير نقل (٢)، ثم استأنفَ الكلامَ فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا شَكَّ فيه، وهو القرآنُ. ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّين.

стр. 1428

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾ . [٩٥] ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ والخطابُ في هذه الآية كالتي قبلَها للنبيِّ ﷺ ، والمرادُ غيرُه. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ﴾ وَجَبَتْ. ﴿عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم يموتون كُفَّارًا، وهي: هؤلاءِ للنارِ ولا أُبالي. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (كَلِمَاتُ) بالألف على الجمعِ، والباقون: بغير ألفٍ على التوحيد (١) ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ... ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ . [٩٧] ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ سألوها، وأُنِّثَ فعلُ (كُلُّ) لإضافتِه إلى مؤنثٍ. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فحينئذٍ يؤمنون ولا ينفعُهم. ...

стр. 1429

﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا ﴿كَانَتْ﴾ المعنى: فلم تكنْ ﴿قَرْيَةٌ﴾ من القرى الهالكةِ ﴿آمَنَتْ﴾ عندَ معاينةِ العذابِ. ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ بأنْ تقبَّلَ اللهُ منها. ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ فإنّه نفعَهم إيمانُهم في ذلكَ الوقتِ، و (قومَ) نصبٌ على الاستثناءِ المنقطعِ، تقديرُه: ولكنَّ قومَ يونسَ. ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الذلِّ والهوانِ. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ إلى وقتِ انقضاءِ آجالِهم، وملخَّصُ القصةِ: أنَّ قومَ يونسَ كانوا بِنينَوى من أرضِ الموصِلِ، وكانوا يعبدون الأصنامَ، فأرسلَ الله إليهم يونسَ ﵇، فكذَّبوه، فقيل له: أخبرْهم أنَّ العذابَ مُصَبِّحُهم بعدَ ثلاثٍ، فأخبرَهم، فقالوا: هو رجلٌ لا يكذبُ، فارقُبوه، فإن أقامَ معكم، فلا عليكم، وإن ارتحلَ عنكم، فهو نزولُ العذابِ لا شكَّ، فلما جاءهم الميعادُ، تغشَّاهم العذابُ، فكانَ مرتفعًا على رؤوسهم قدرَ ميلٍ، رُوِيَ أنه غيمٌ أسودُ يدخنُ دخانًا شديدًا، وكان يونسُ قد خرجَ من بينِ أَظْهُرِهِمْ في جوفِ تلكَ الليلةِ، فلما رأوا ذلكَ، ولم يجدوا يونسَ، أيقنوا بالهلاكِ، فَلبِسوا المُسُوحَ، وبرزوا إلى الصعيدِ بأنفسِهم ونسائِهم وصبيانِهم ودوابِّهم، وفَرَّقوا بينَ كلِّ والدة وولدِها، فحنَّ بعضُهم إلى بعض، وعَجُّوا وتَضَرَّعوا، وتَرادُّوا المظالمَ، وأخلصوا التوبةَ والإيمانَ، فرحِمَهم اللهُ، وكشفَ عنهمُ العذابَ، وكانَ يومَ عاشوراءَ يومَ

стр. 1430

الجمعةِ، وسيأتي ذكرُ قصةِ يونسَ بأبسطَ من هذا في سورةِ الأنبياءِ إن شاء الله تعالى. ... ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ . [٩٩] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وهو دليل على القدريَّةِ في أنَّ الله تعالى لم يشأْ إيمانَهم، وأن من شاءَ إيمانَه يؤمنُ لا محالةَ. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابنُ عباس: "كانَ النبيُّ ﷺ حريصًا على إيمانِ جميعِ الناسِ، فأخبرَه تعالى أَنْ لا يؤمنُ إلَّا من سبقَتْ له السعادةُ في الذكرِ الأولِ، ولا يضلُّ إلا من سبقَتْ له الشقاوةُ (١) في الذكرِ الأولِ" (٢). ... ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ . [١٠٠] ﴿وَمَا كَانَ﴾ أي: وما ينبغي. ﴿لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بعلمِه وتوفيقِه. ﴿وَيَجْعَلُ﴾ اللهُ ﴿الرِّجْسَ﴾ العذابَ. قراءة العامةِ: (وَيَجْعَلُ) بالياء،

стр. 1431

وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَنَجْعَلُ) بالنونِ على التعظيم (١) ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَمْرَ اللهِ ونهيَهُ. ... ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ . [١٠١] ﴿قُلِ﴾ للمشركينَ الذين يسألونَكَ عن الآياتِ: ﴿انْظُرُوا﴾ أي: بالتفكر. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (قُلِ انْظُرُوا) بكسرِ اللام في الوصل، والباقون: بضمِّها (٢) ﴿مَاذَا﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الدلالاتِ الدالَّةِ على الوحدانيةِ، و (ما) استفهامية. ﴿وَمَا﴾ للنفي؛ أي: ولنْ ﴿تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ الرسلُ. ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ السابق علمُه تعالى بموتهم كافرين. ... ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ . [١٠٢] ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ يعني: مشركي مكةَ ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من مكذبي الأمم؛ أي: مثلَ وقائِعهم.

стр. 1432

﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لذلكَ. ... ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ . [١٠٣] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ قرأ يعقوبُ (نُنجِي) بإسكانِ النون الثانية والتخفيف، والباقون: بفتح النون والتشديد (١) ﴿رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معهم عندَ نزولِ العذابِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ كما أَنْجيناهم ﴿حَقًّا﴾ واجِبًا ﴿عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ الكسائيُّ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (نُنْجِ المُؤْمِنِينَ) بالتخفيف، والباقونَ: بالتشديد، ووقفَ يعقوبُ (نُنْجِي) بإثباتِ الياء (٢)، ونجَّى وأَنْجى بمعنى واحدٍ. ... ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾ . [١٠٤] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: أهلَ مكةَ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ وصِحَّتِه.

стр. 1433

﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الأصنامُ. ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يُميتكم، وخُصَّ التوفّي بالذكرِ للتهديدِ. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بآياتِ الله. ... ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾ . [١٠٥] ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ عطفٌ على (أن أكون) ﴿وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: استقمْ إليهِ ﴿حَنِيفًا﴾ قَيِّمًا بهِ مائلًا عن كلِّ دينٍ. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: قيلَ لي: لا تشركْ. ... ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ . [١٠٦] ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ لا تعبدْ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إنْ أطعته. ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إنْ عصيتَهُ. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فعبدْتَ غيرَ اللهِ ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الضارِّينَ بأنفسِهم. ... ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ . [١٠٧] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ يُصِبْكَ بهِ ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ يَرفعُهُ ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانَه. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ﴾ فلا مانعَ ﴿لِفَضْلِهِ﴾ الذي أرادَكَ بهِ.

стр. 1434

﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بالخيرِ والضرِّ. ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ عبادهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائِه. ... ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ . [١٠٨] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رسولُه والقرآنُ, فلم يبقَ لكم حجة ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اختارَ الهدى. ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: لخلاصِ نفسِه؛ لأن نفعَه لها. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بالكفِر ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: وبالُ ذلكَ على نفسِه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: حفيظٌ أحفظُ أعمالَكُم، إنْ عليَّ إلَّا البلاغُ. ... ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾ . [١٠٩] قالَ ابنُ عباسٍ: "نسخَتْها آيةُ القتالِ والتي بعدَها" (١)، وهي: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بالنصرةِ أو بالأمرِ بالقتلِ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنه لا يحكمُ إلا بالحقِّ، والله أعلمُ. ...

стр. 1435

سورة هود ﵇ مَكِّيَّةٌ إلا قولَه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، آيها مئةٌ وثلاثٌ وعشرونَ، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وخمسُ مئةٍ وسبعةٌ وستونَ كسورةِ يونسَ، وكَلِمُها ألفٌ وتسعُ مئةٍ وخمسَ عشرةَ كلمةً. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ . [١] ﴿الر﴾ تقدَّمَ الكلامُ عليهِ، ومذاهبُ القراءِ فيه في أولِ سورةِ يونس (١). ﴿كِتَابٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا كتابٌ، وهو القرآنُ. ﴿أُحْكِمَتْ﴾ نُظِمَتْ ﴿آيَاتُهُ﴾ نَظْمًا مُحْكَمًا لا يلحقُها تناقضٌ ولا خللٌ، وقال ابنُ عباسٍ: أَيْ: لم يُنْسَخْ بكتابٍ كما نُسِخَتِ الكتبُ والشرائعُ بهِ (٢). ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بُيِّنَتْ بالأحكامِ ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عندِه.

стр. 1436

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ . [٢] ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أي: بألَّا لا تعبدوا ﴿إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الله ﴿نَذِيرٌ﴾ بالعذابِ ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالثوابِ. ... ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ وَحِّدُوهُ، عطفٌ على الأولِ. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من الكفر، أي: انسلِخوا منهُ، واندَموا على سالفِهِ. ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ يُعَيِّشْكُم في الدنيا ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾ عَيْشًا طيبًا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى المماتِ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ أي: في العملِ؛ أي: زيادةٍ في ﴿فَضْلَهُ﴾ أي: جزاءَ فضلِه. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولَّوا، فحُذفَتْ إحدى التاءين. وقرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ (وَإن تَّوَلَّوا) بتشديدِ التاء (١). ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ نافع، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ: (فَإِنِّيَ أَخَافُ) (إِنِّيَ أَخَافُ) حيثُ وقعَ بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (٢) ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يومُ القيامة.

стр. 1437

﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾ . [٤] ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ في ذلك اليومِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من ثوابٍ وعقابٍ، ولا ينفعُ من قضائِه واقيةٌ. ... ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ . [٥] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يخفونَ ما فيها من العداوةِ، نزلتْ في الأخنسِ بنِ شريقٍ، وكانَ رجلًا حلوَ الكلامِ والمنظرِ، يلقى رسولَ اللهِ ﷺ بما يحبُّ، وينطوي بقلبِه على ما يكرهُ (١). ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي: من الله، قال ابنُ عطية: هذا هو الأفصحُ الأجزلُ في المعنى، وقيل: يمكنُ أن يعودَ الضميرُ على محمدٍ ﷺ (٢). ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يَتَغَطَّونَ بها، و (حين) توقيتٌ للتغطَي لا للعلمِ ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أفواههم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وذواتُ الصدورِ: ما فيها. ... ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ليسَ دابةٌ، و (من) صِلَةٌ، والدابّةُ:

стр. 1438

كلُّ حيوانٍ يَدِبُّ على وجهِ الأرضِ ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أي: هو المتكفِّلُ به فَضْلًا لا وجوبًا. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ مكانها. ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيثُ كانتْ من قبلُ من صلبٍ أو رَحِم. ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مثبتٍ في اللوحِ المحفوظَ قبلَ خَلْقِها. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ والأرجحُ أنها من أيامِ الدنيا، وأجزأَ ذكرهُ السمواتِ والأرضَ عن ذكرِ ما فيها؛ إِذ كلُّ ذلكَ خُلِقَ في تلكَ الستةِ أيامٍ، وتقَّدمَ الكلامُ في ذلك في سورة الأعراف. ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قبلَ خلق السمواتِ والأرضِ، وكانَ ذلكَ الماءُ على مَتْنِ الريح، ثم بَيَّنَ علَّةَ الخلقِ فقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختَبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيُّها المؤمنون وأزهدُ في الدنيا وأتمُّ عقلًا. ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾ يا محمدُ ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعنون: القرآن. قرأ حمزةُ، والكسائُّي، وخلفٌ: (سَاحِرٌ) بفتح السين وألفٍ بعدَها وكسرِ الحاءِ، يعني: محمدًا ﷺ (١).

стр. 1439

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: أجلٍ محدودٍ، وأصلُ الأمةِ: الجماعةُ، فكأنه قال: إلى انقراضِ أمةٍ ومجيِء أخرى. ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ المعنى: أيُّ شيٍء يمنعُ العذابَ من النزولِ؟ يقولونه استهزاءً. ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كيومِ بدرٍ ﴿لَيْسَ﴾ العذابُ ﴿مَصْرُوفًا﴾ مدفوعًا ﴿عَنْهُمْ وَحَاقَ﴾ وأحاطَ ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: نزل بهم جزاءَ استهزائهم. ... ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ المرادُ: الجنسُ ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمةً. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ أَزَلْناها عنه ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شديدُ اليأس أنها لا تعودُ إليه ﴿كَفُورٌ﴾ أَنْعُمَ اللهِ عليه. ... ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾ صحةً وسَعَةً ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ﴾ شدةٍ. ﴿مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ﴾ الإنسانُ ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ﴾ المصائبُ ﴿عَنِّي﴾ ويتجَبَّرُ. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بطر.

стр. 1440

﴿فَخُورٌ﴾ والفرحُ: لذةٌ في القلبِ بنيلِ المشتهى، والفخرُ: هو التطاوُلُ على الناس بتعديدِ المناقبِ، وذلك منهيٌّ عنه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ (عَنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ . [١١] ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناءٌ متصلٌ على ما تقدَّمَ من أن (الإنسانَ) عامٌّ، ويرادُ به الجنسُ. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنةُ. ... ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي: تاركٌ تبليغَ ما يسوؤهم رجاءَ توبتِهم، وذلكَ أن كفارَ مكةَ لما قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥] ليس فيه سبُّ آلهتنا، هَمَّ النبيُّ ﷺ أن يدعَ سبَّ آلهتهم ظاهرًا، فأنزل اللهُ الآية (٢).
следующие страницы →