Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
النعمةُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ أَعْلَمُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١) .
...
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) ﴾ .
[٩٧] ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ مذنبين. قرأ أبو جعفرٍ: (خَاطِينَ) بإسكانِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (٢) .
...
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) ﴾ .
[٩٨] ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أَخَّرَهُم لوقتِ السَّحَر؛ لأنه أَرْجى للإجابةِ، وهو الوقتُ الذي يقولُ الله: "هَلْ مِن دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ " (٣) . قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٤) ، ورُوي أن يعقوبَ استقبل القبلةَ قائِمًا يدعو، وقامَ يوسفُ خلفَهُ يُؤَمِّنُ، وقاموا خلفَهُ أَذِلَّةً خاشعينَ حتى نزلَ جبريلُ وقال: الحواشي
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٢).(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧) و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٢).(٣) رواه البخاري(١٠٩٤) ، كتاب: أبواب التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل، ومسلم(٧٥٨) ، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، عن أبي هريرة ﵁.(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٢).стр. 1577
إِنَّ اللهَ قَدْ أجابَ دعوتَكَ في ولدِكَ، وعقدَ مواثيقَهم بعدَكَ على النبوَّةِ.
...
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) ﴾ .
[٩٩] وكان يوسفُ قد أرسلَ بمئتي راحلةٍ إلى أهلِه وجهازٍ ليرتحلوا إليهِ، وكانوا اثنين وسبعينَ إنسانًا لما دخلوا مصرَ ما بينَ ذكرٍ وأنثى، وكانوا لما خرجوا منها هاربينَ من فرعونَ ستَّ مئةِ ألفٍ وخمسَ مئةٍ وبضعةً وسبعين رجلًا سوى الذريَّةِ والهَرْمَى، وكانت الذريةُ والهرمَى ألفَ ألفٍ ومئتي ألفٍ، ولما دنا يعقوبُ وأهلُه من مصرَ، خرجَ يوسفُ والملكُ الأكبرُ في أربعةِ آلافٍ من الجندِ وعظماءِ المصريينَ يتلَقَّونهم، وكان يعقوبُ يمشي وهو يتوكأُ على يهوذا، فلما رأى الخيلَ، قالَ ليهوذا: هذا فرعونُ مصرَ؟ قال: هذا ابنُك، فلما دنا كلُّ واحدٍ منهُما من صاحبِه، فذهبَ يوسفُ يبدؤُهُ بالسلام، فقال جبريلُ: لا حتى يبدأَ يعقوبُ بالسلامِ، فقال يعقوبُ: السلامُ عليكَ يا مُذْهِبَ الأحزانِ، وتعانَقا، وبَكَيا، فقال يوسفُ: يا أبتِ! بكيتَ حتى ذهبَ بصرُكَ، ألم تعلمْ أنَّ القيامةَ تجمعُنا؟ قالَ: بلى يا بنيَّ، ولكن خشيتُ أن تسلَبَ دينَكَ فَيُحالَ بيني وبينَك.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أباه وخالتَه لَيَّا، وكانتْ أُمُّه راحيلُ قد ماتت، والعربُ تسمِّي العمَّ أبًا، والخالةَ أمًّا.
﴿وَقَالَ﴾ لهم لما قاربَ البلدَ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ استثناءٌ متعلِّقٌ بالدخول الموصوفِ بالأمنِ؛ كأنه قال: اِسْلَموا وَأْمَنوا في دخولكم إنْ شاءَ الله.
стр. 1578
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) ﴾ .
[١٠٠] فلما عاد إلى مصر، جلسَ على سريره، وجمع الناسَ، وإخوتُه حولَه ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ معه ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو سريرُ الملك. قرأ ابنُ كثيرٍ: (أَبَوَيْهِي) وشبهَهُ بياءٍ يصلُها بهاءِ الكنايةِ في الوصلِ حيثُ وقعَ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ إخوتُه وأبواه ﴿سُجَّدًا﴾ كذلكَ كانت تحيتُهم، فنُهينا عنه في شريعةِ الإسلام.
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وكانَ بينهما نحوُ خمسينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. قرأ الكسائيُّ: (رُؤْيَايَ) بالإمالةِ (١) ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صِدْقًا.
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أنعمَ عليَّ ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقلْ: من الجبِّ؛ تكرمًا لئلَّا يستحييَ إخوتهُ، ومن تمامِ الصفحِ ألَّا يذكرَ ما تقدَّمَ من الذنب. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (بِيَ إِذْ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢) . الحواشي
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٣).(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٣).стр. 1579
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ الباديةِ؛ لأنهم كانوا أصحابَ ماشيةٍ وعَمَدٍ، وهي الخيامُ، ينتقلون في الماءِ والمرعى.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ أفسدَ ﴿الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ بوسوستِهِ، وأصلُ النزغِ: نَخْسُ الرائِضِ الدابةَ لتتحرَّكَ.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيفُ التدبير له، واللطيفُ: الذي يوصلُ الإحسانَ إلى غيرهِ بالرفقِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوجوهِ المصالحِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعل. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (إخْوَتِيَ) بفتح الياء، والباقونَ: بإسكانها (١) ، واختلافُهم في الهمزتينِ من (يَشَاءُ إِنَّهُ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ) في سورةِ البقرةِ.
وأقامَ يعقوبُ بمصرَ عندَ يوسفَ أربعًا وعشرينَ سنةً، ثم ماتَ، فلما حضرَتْهُ الوفاةُ أَوْصى بحملِه ودفنِه عندَ أبيهِ إسحاقَ بمغارةِ حَبْرونَ عندَ قبرِ إبراهيمَ ﵇، وتقدم ذكرُ ذلكَ في سورةِ البقرةِ.
قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: لما ماتَ يعقوبُ، نقلَه يوسفُ في تابوتٍ من ساج إلى بيت المقدسِ، فوافقَ يومَ موتِ أخيه عيصٍ، فدُفِنا في قبرٍ واحدٍ، وكانا وُلدا في بطنٍ واحدٍ، وكان عمرُهما مئةً وسبعةً وأربعينَ سنة (٢) .
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٤).(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥٨٩).стр. 1580
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ﴾ .
[١٠١] فلما جمعَ اللهُ تعالى ليوسفَ شملَه، علمَ أن نعيمَ الدُّنيا لا يدومُ، فسألَ اللهَ حُسْنَ العاقبةِ فقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ يعني: ملكَ مصرَ، والملكُ اتِّساعُ المقدورِ لمن له السياسةُ والتدبيرُ.
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبيرِ الرؤيا، و (مِنْ) للتبعيضِ؛ لأنه لم يؤتَ كُلَّ الملكِ ولا كُلَّ التأويلِ.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدِعَهما، وانتصابُ (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ) على النداءِ.
﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ أي: متولِّي أمري ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْني إليك ﴿مُسْلِمًا﴾ مخِلصًا ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من آبائي النبيينَ.
واختلفوا في مدةِ غَيبةِ يوسفَ عن أبيهِ، فقيل: اثنتانِ وعشرونَ سنةً، وقيل: أربعونَ، وقيل: ثمانون، ولما ماتَ الملكُ الأكبرُ، وهو الريانُ بنُ الوليدِ المتقدِّمُ ذكرهُ، خلفَه ابنهُ دريموش، ويسميهِ أهلُ الأثر: دارمَ بنَ الريان، وهو الفرعونُ الرابعُ عندَهم، فخالفَ سنةَ أبيه، وكانَ يوسفُ خليفته، فيقبلُ منه بعضًا، ويخالفُ في البعضِ، فماتَ يوسفُ في أيامِه وله مئةٌ وعشرونَ سنةً، فَكُفِّنَ وحُمل في تابوب من رخام، ودُفِنَ في الجانبِ الغربيِّ من بحرِ النيلِ، فأخصبَ ونقص الشرقيُّ، فَحُوِّلَ إليه، فأخصبَ ونقصَ الغربيُّ، فاتفقوا على أن يجعلوهُ في الشرقيِّ عامًا، وفي الغربيِّ
стр. 1581
عامًا، ثم حدثَ لهم من الرأيِ أن يجعلوا لهُ حِلَقًا وثاقًا، وشدُّوا التابوتَ في وسطِ النيلِ فأخصبَ الجانبانِ كلاهُما، ولم يزلْ ثَمَّ حتى كانَ زمنُ موسى ﵇ وفرعون، فلما سارَ موسى ببني إسرائيل من مصرَ أخرجَهُ وهو في التابوت، وحمله على عجلٍ من حديدٍ، ودفنَه بحبرونَ في البقيعِ خلفَ الحيزِ السليمانيِّ حذاءَ قبرِ أبيه يعقوبَ، وجوارَ جَدَّيه إبراهيمَ وإسحاقَ ﵈، وتقدم ذكرُ ذلك ملخَّصًا في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الآية: ٥٠]، ونزلَ عليه جبريلُ أربعَ مراتٍ، وبينهَ وبينَ موسى أربعُ مئةِ سنةٍ، وقيلَ غيرُ ذلكَ.
وعن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جَاءَنِي الدَّاعِي، لأَجَبْتُ" (١) .
وسُئِلَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قالَ: أَتْقَاهُمْ لله، قَالُوا: ليسَ عن هذا نسألُكَ، قالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ بْنِ نَبِيِّ اللهِ بْنِ نَبِيِّ اللهِ بْنِ خَلِيلِ اللهِ" (٢) .
فهؤلاءِ الأنبياءُ الأربعةُ وهم: إبراهيمُ الخليلُ، وولدهُ إسحاقُ، وولدهُ يعقوبُ، وولدهُ يوسفُ، قبورُهم في محلٍّ واحدٍ، وعليهِم من الوقارِ الحواشي
(١) رواه الترمذي(٣١١٦) ، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة يوسف، وقال: حسن، والنسائي في "السنن الكبرى"(١١٢٥٤) ، والحاكم في "المستدرك"(٣٣٢٥) ، وغيرهم عن أبي هريرة ﵁.(٢) رواه البخاري(٣١٧٥) ، كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، ومسلم(٢٣٧٨) ، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل يوسف ﵇، عن أبي هريرة ﵁.стр. 1582
والجلالةِ ما لا يَكادُ يُوصَفُ، صَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِم أجمعينَ. ووُلدَ ليوسفَ من امرأةِ العزيزِ ولدانِ: أفراييمُ والدُ رحمةَ زوجةِ أيوبَ، وميشا.
...
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) ﴾ .
[١٠٢] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من نبأ يوسفَ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ لأنك لم تحضرْهُ، ولا قرأتَهُ في كتابٍ، وقد أُخْبِرْتَ بهِ، كما جرى.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا﴾ أَحْكَموا ﴿أَمْرَهُمْ﴾ على كيدِ يوسفَ.
﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بهِ. والإجماعُ لغةً: العزمُ والاتفاقُ، واصطلاحًا: اتفاقُ مجتهدِي الأُمَّةِ في عصرٍ على أمرٍ ولو فِعْلًا بعدَ النبيِّ ﷺ ، وهو حُجَّةٌ قاطعةٌ بالاتفاقِ، ولا يختصُّ الإجماعُ بالصحابةِ بالاتفاقِ.
...
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) ﴾ .
[١٠٣] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يا محمدُ ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانِهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ إنما يؤمن مَنْ شاءَ الله.
...
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) ﴾ .
[١٠٤] ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ على إرشادِكَ إياهم ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْلٍ.
﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: القرآنَ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عامَّةً.
***
стр. 1583
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) ﴾ .
[١٠٥] ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ تقدَّمَ اختلافُ القراء في (وَكَأَيِّنْ) في سورةِ آلِ عمران عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [الآية: ١٤٦]؛ أي: وكَمْ ﴿مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الآياتِ الدالةِ على الوحدانيةِ.
﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ يُشاهدونَها ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَّعِظونَ بها.
...
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ﴾ .
[١٠٦] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ بعبادتِهم الوثنَ.
عن ابنِ عباسٍ أَنَّه قال: "نزلَتْ في تلبيةِ المشركينَ من العربِ، كانوا يقولونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هَوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ" (١) .
...
﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) ﴾ .
[١٠٧] ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ﴾ نِقْمَة تتغَشَّاهُمْ.
﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ يعني: الصواعقَ. الحواشي
(١) انظر: "صحيح مسلم" (٢/ ٨٤٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٣) ,و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥٩٣).стр. 1584
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأةً ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمجيءِ القيامةِ.
...
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) ﴾ .
[١٠٨] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ طريقي؛ يعني: الدعوةَ إلى التوحيدِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (سَبِيِليَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١) .
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ يقينٍ ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: ومَنْ آمنَ بي أيضًا يدعو إلى اللهِ.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهًا له ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ورُويَ أن هذهِ الآية ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخرِها كانَتْ مرقومةً على رايةِ يوسفَ ﵇.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) ﴾ .
[١٠٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمدُ ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ وليسوا بملائكةٍ الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٦).стр. 1585
﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (نُوحِي) بالنون، وكسرِ الحاءِ، والباقون: بالياء وفتحِ الحاءِ (١) .
﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الأمصارِ، قالَ الحسنُ: لَمْ يبعثِ اللهُ نبيًّا من البدوِ، ولا منَ الجنِّ، ولا من النساءِ؛ لجفائِهِم وقسوتِهم وجهلِهم (٢) .
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: هؤلاءِ المشركينَ ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ آخِرُ أمرِ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأممِ المكذِّبَةِ فيعتبروا.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ حَضٌّ على الآخرةِ والاستعدادِ لها، والاتقاءِ للموبقاتِ فيها، ثُمَّ وَبَّخهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيؤمنون. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (تَعْقِلُونَ) بالخطابِ، والباقونَ: بالغيب.
...
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) ﴾ .
[١١٠] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (حَتَّى) مُتعَلِّقَةٌ بمحذوفٍ دلَّ عليهِ الكلامُ؛ كأنه قيل: وما أرسلْنا من قبلِكَ إلا رجالًا، فتراخَى نصرُهم، حتى إذا استيأسوا عن النَّصْرِ.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرأ نافع، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٧).(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥).стр. 1586
وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (كُذِّبُوا) بالتشديدِ، يعني: الرسلَ ظَنُّوا أنَّ الأممَ قد كَذَّبوهم تكذيبًا لا يُرْجى بعدَهُ إيمانهم، وظَنُّوا بمعنى: أيقنوا، وقرأ الباقون: (كُذِبُوا) بالتخفيف (١) ، معناه: ظنَّ الأممُ أن الرسلَ كَذبوا في وعيدِ العذابِ.
﴿جَاءَهُمْ﴾ يعني: الرسلَ ﴿نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصِمٌ، ويعقوبُ: (فَنُجِّيَ) بنونٍ واحدةٍ وتشديدِ الجيم وفتحِ الياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وقد أجمعتِ المصاحفُ على كتابتِه بنونٍ واحدة، وقرأ الباقون: بنونينِ، الثانيةُ ساكنةٌ مخفاةٌ عندَ الجيمِ، وتخفيفِ الجيمِ وإسكانِ الياءِ (٢) ؛ أي: نحنُ نُنْجِي مَنْ نشاءُ عندَ نزولِ العذابِ، وهم المؤمنون.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾ عذابُنا ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: المشركينَ.
...
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) ﴾ .
[١١١] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي: في خبرِ يوسفَ وإخوتِه. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٧)، وأنكرت عائشة رضي عنها قراءة التخفيف كما ذكر البغوي ذلك عنها.(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٨).стр. 1587
﴿عِبْرَةٌ﴾ أي: اعتبارٌ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لذوي العقولِ.
﴿مَا كَانَ﴾ أي: القرآنُ ﴿حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ يُخْتَلَقُ.
﴿وَلَكِنْ﴾ كانَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتبِ المنزلةِ ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَحتاجُ إليه العبدُ ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالِ ﴿وَرَحْمَةً﴾ نعمةً.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدّقونَ به، والله أعلم.
стр. 1588
سورة الرعد
مكية إلا قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ االآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية، وقيل: مدنية إلا قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآيتين نزلتا بمكة، وآيها ثلاث وأربعون آية، وحروفها ثلاثة آلاف وخمس مئة وستة أحرف، وكلمها ثمان مئة وخمس وخمسون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) ﴾ .
[١] ﴿المر﴾ قال ابنُ عباسٍ: "معناهُ: أنا اللهُ أَعلمُ وأَرى" (١) وتقدَّمَ ذكرُ السَّكْتِ والإمالةِ في أولِ سورةِ يونسَ (٢) .
﴿تِلْكَ﴾ أي: أخبارُ الأممِ المتقدمةِ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتبِ المنزلةِ على الأنبياءِ قبلَكَ ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآنَ، مبتدأٌ، خبرُه ﴿الْحَقُّ﴾ فاعتصِمْ به. الحواشي
(١) تقدم تخريجه.(٢) في الآية(١) منها.стр. 1589
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني: مشركي مكةَ.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لعدمِ تأمُّلِهم فيه.
...
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) ﴾ .
[٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمعُ أَعْمِدَةٍ، وهي جمعُ عمودِ البيتِ، يعني: السَّواري ﴿تَرَوْنَهَا﴾ استشهادٌ برؤيتِهم لَها كذلكَ، والمرادُ: نفيُ العَمَدِ أصلًا، وهو الأصحُّ، فهي واقفةٌ كالقبَّةِ، والقدرةُ أعظمُ من ذلكَ.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كيفٍ، وتقدَّمَ الكلامُ عليه في سورةِ الأعرافِ.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذَلَّلَهما لمنافعِ خَلْقِه على ما يريدُه تعالى.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لوقتٍ معلومٍ، وهو انقضاءُ الدنيا.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ في خَلْقِه من غيرِ شريكٍ له فيه.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يُبين البراهينَ.
﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لكي تُصَدِّقوا وعدَه.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) ﴾ .
[٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بَسَطَها ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابِتَ، قالَ
стр. 1590
ابنُ عباس: "كانَ أبو قُبيسٍ أولَ جبلٍ وُضِعَ على الأرضِ" (١) ﴿وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا﴾ أي: خلقَ في الأرضِ حينَ بسطَها من كلِّ نوعٍ من الثمراتِ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: نوعين: حلوٌ، وحامضٌ، ونحوُهما.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يُلْبِسُهُ مكانَه، فيصيرُ الجوُّ مظلمًا بعدَ ما كان مضيئًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصم: ﴿نُغْشِي﴾ بالنون (٢) ، والباقون: بالياء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكورِ.
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها، والتفكُّرُ: تصرُّفُ القلبِ في معاني الأشياءِ.
...
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) ﴾ .
[٤] ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ متلاصقاتٌ مختلفاتٌ مع تلاصُقِها طيبةٌ إلى سبخةٍ، وكثيرةُ الريعِ إلى قليلهِ، ونحوُ ذلك.
﴿وَجَنَّاتٌ﴾ بساتينُ ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ﴾ هي النخلاتُ يجمعُهُنَّ أصلٌ واحدٌ، ومنهُ قولُ النبيِّ ﷺ في العباسِ: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (٣) . الحواشي
(١) رواه الحاكم في "المستدرك"(٣٨٨٩) .(٢) "بالنون" ساقطة من "ت".(٣) رواه مسلم(٩٨٣) ، كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها، عن أبي هريرة ﵁.стр. 1591
﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ النخلةُ المنفردةُ بأصلِها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ) بالرفعِ في الأربعةِ عطفًا على (جَنَّاتٌ) , وقرأها الباقونَ: بالخفضِ عطفًا على (أَعْنَابٍ) (١) .
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وهي متغايرةٌ في الألوانِ والطُعومِ. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (يُسْقَى) بالياءِ على التذكيرِ؛ أي: يُسْقَى المذكورُ، وقرأ الباقونَ: بالتاءِ على التأنيث؛ أي: تُسْقَى الجنةُ بما فيها، وأمالَ حمزةُ، والكسائيُّ القافَ (٢) .
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ في الثمرِ والطَّعْم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَيُفَضِّلُ) بالياء؛ لقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ﴾، وقرأ الباقون: بالنون على معنى: ونحن نفضِّلُ بعضَها على بعضٍ في الأُكُل (٣) ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ: (الأُكْلِ) بإسكانِ الكافِ، والباقون: بضمِّها (٤) ، والأُكْلَةُ بضمِّ الهمزةِ: اللقمةُ، وبكسرِها: الحالةُ يؤكَلُ عليها، الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٦).(٢) المصادر السابقة.(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧).(٤) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٧).стр. 1592
وبفتحها: المرةُ الواحدةُ، كذلك بنو آدمَ من أبٍ واحدٍ، واختلفَتْ خَلْقُهُم وأخلاقُهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعمِلون عقولَهم بالتفكُّرِ.
...
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) ﴾ .
[٥] ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمدُ من إنكارِهم النشأةَ الآخرةَ، مع إقرارِهم بابتداءِ الخلقِ من اللهِ ، وقد تقرر في القلوب أنَّ الإعادةَ أهونُ من الابتداء.
﴿فَعَجَبٌ﴾ تصويبٌ لعَجَبِهِ ﷺ ، والعجبُ: تغيرُ النفسِ برؤيةِ المستبعَدِ في العادة. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلادٌ عن حمزةَ: ﴿تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾ بإدغامِ الباءِ في الفاء، والباقون: بالإظهار (١) .
﴿قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ بعدَ الموتِ.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: أَنُبْعَثُ خَلْقًا جديدًا بعدَ الموتِ؟ واختلافُ القراءِ في (أَئِذَا) (أَئِنَّا) في الإخبارِ بالأولِ منهما، والاستفهامِ بالثاني، الحواشي
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٨ - ٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٧).стр. 1593
وعكسِه، والاستفهامِ فيهما، فقرأ ابنُ عامرٍ، وأبو جعفر: (إذَا) بالإخبارِ (أَئِنَّا) بالاستفهامِ، فابنُ عامرٍ يحقِّقُ الهمزتينِ، وأبو جعَّفَرٍ يسهِّلُ الثانيةَ، ويفصلُ بينَهما بألفٍ، واختلِفَ عن هشامٍ راوي ابنِ عامرٍ في الفصلِ مع تحقيقِ الهمزتين، وقرأ نافعٌ، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (أَئِذَا) بالاستفهامِ، (إِنَّا) بالإخبار، فنافعٌ يسهِّلُ الهمزةَ الثانيةَ، وراويه قالونُ يفصلُ بينَهما بألفٍ، وافقه رويسٌ عن يعقوبَ في التسهيلِ، والكسائيُّ يحقِّقُ الهمزتينِ، وافقه روحٌ عن يعقوبَ، وقرأ الباقون: (أَئِذَا) (أَئِنَّا) بالاستفهام فيهما، فابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو يسهِّلانِ الهمزةَ الثانيةَ منهما، وأبو عمرٍو يفصلُ بينَهما بألفٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، وخلفٌ يحققون الهمزتين (١) ، فمن قرأ بالاستفهامينِ، فذلكَ للتأكيدِ، ومن استفهمَ في الأولِ فقط، فإنما القصدُ بالاستفهامِ الموضعُ الثاني، تقديرُه: أَنُبْعَثُ ونُحْشَرُ إذًا، ومن استفهمَ في الثاني فقط، فمعناه: إِذا كُنَّا تُرابًا أَنُبْعَثُ؟
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: منكرو البعثِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ أي: أعمالُهم الخبيثةُ.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يُنْقَلون عنها.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٢ - ١٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤، ٣٧٢ - ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٧ - ٢٠٩).стр. 1594
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) ﴾ .
[٦] ونزلَ فيمن طلبَ العذابَ قبلَ حينهِ استهزاءً بالنبيِّ ﷺ : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالنِّقمةِ قبلَ العافيةِ، والاستعجالُ: طلبُ تعجيلِ الأمرِ قبلَ مجيءِ وقتِهِ.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ جَمْعُ مَثُلَة؛ أي: عقوباتُ أمثالِهم من المكذِّبينَ، المعنى: قد عرفوا ما نزلَ بالأممِ قبلَهم من الهلاكِ، فكيفَ يستعجلونه؟
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ أي: يغفرُ ذنوبَهم مع ظلمِهم أنفسَهم بالمعاصي والشركِ إنْ تابوا ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للكفارِ.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) ﴾ .
[٧] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عِنادًا:
﴿لَوْلَا﴾ أي: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي: على محمد ﷺ .
﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: حجَّةٌ على صدقِ نبوَّتهِ؛ كإحياءِ عيسى الموتى، وقلبِ عَصا موسى حيةً، قالَ اللهُ تعالى:
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ما عليكَ إلا البلاغُ.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ نبيٌّ يرشدُهم. وقفَ ابنُ كثيرٍ (هادي) بإثباتِ الياءِ بعدَ
стр. 1595
الدال، ورُوي ذلكَ عن يعقوبَ وقنبلٍ؛ لأنها الأصلُ، ولأن الذي حُذفتِ الياءُ لأجلهِ، وهو التنوينُ، قد زالَ، وقرأ الباقونَ: بحذفها وقفًا؛ لأن الأصلَ هو الوصلُ، ٤ وهي في الإمامِ بغيرِ ياءٍ، والحذفُ والإثباتُ جائزان (١) ، وكذلكَ حكمُ اختلافِهم في (وَالٍ) و (وَاقٍ) و (بَاقٍ).
...
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) ﴾ .
[٨] ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ من ذكرٍ وأنثى، وتامٍّ وناقصٍ، وأَبيضَ وأسودَ، وواحدٍ واثنينِ وأكثرَ.
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ أي: تنقصُ ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ أي: تأخذُهُ زائدًا، فنقصانُ الأرحامِ: وضعُها لأقلَّ من تسعةِ أشهرٍ، وزيادتُها: وضعُها لأكثرَ من تسعةِ أشهرٍ، وقيلَ غيرُ ذلك، وأقلُّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ بالاتفاق، وغالبُها تسعةُ أشهرٍ، واختلفوا في أكثرِها، فقال أبو حنيفةَ: سنتانِ، وقال مالكٌ: خمسٌ، وهو المشهورُ عنه، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: أربعٌ.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ﴾ في علمه ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ بتقديرٍ معلومٍ.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠١ - ٢١٩)، قال مكي: والحذف والإثبات لغتان للعرب والحذف أكثر.стр. 1596
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) ﴾ .
[٩] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غابَ عن خلقِه ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما شاهدوه.
﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كُلُّ شيءٍ دونَهُ.
﴿الْمُتَعَالِ﴾ عن صفاتِ المخلوقين، وقولِ المشركين. قرأ ابنُ كثيرٍ ويعقوبُ: (الْمُتَعَالِي) بإثباتِ الياءِ، وحذفَها الباقون (١) .
...
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) ﴾ .
[١٠] ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أي: استوى في علمِ اللهِ خافي القولِ وظاهرهُ، ومُخفيهِ ومُظهِرهُ ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ مستترٌ يطلبُ الخفاءَ.
﴿بِاللَّيْلِ﴾ بظلامِه: رُوِيَ عن يعقوبَ وقنبلٍ: الوقفُ بالياءِ على (مُسْتَخْفِي).
﴿وَسَارِبٌ﴾ سالكٌ في سَرْبِهِ؛ أي: طريقِه ﴿بِالنَّهَارِ﴾ والسَّرْبُ بفتحِ السينِ وسكونِ الراء: الطريقُ، قال ابنُ عباسٍ: "هُوَ صاحبُ رِيبةٍ مستخفٍ الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١١).стр. 1597
بالليلِ، وإذا خرجَ بالنهارِ، أرى الناسَ أنه بريءٌ من الإثمِ" (١) .
...
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) ﴾ .
[١١] ﴿لَهُ﴾ أي: الإنسانِ المؤمنِ.
﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي: الملائكةُ تتعاقبُ في حفظِه.
﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: من قُدَّامِهِ ومن ورائِه، والتعقيبُ: العودُ بعدَ البَدْءِ، وإنما ذُكر بلفظِ التأنيثِ؛ لأن المرادَ: الجماعاتُ التي يعقبُ بعضُها بعضًا.
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: بأمرِ الله، فإذا جاءَ القدرُ، خَلَّوْا عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من النعمةِ.
﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ هو بكثرةِ المعاصي.
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ عذابًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يَرُدُّه شيءٌ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ أي: المرادُ هَلاكُهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من دونِ الله ﴿مِنْ وَالٍ﴾ وَليٍّ. وتقدَّمَ اختلافُ القراءِ في (وَالٍ) عندَ (هَادٍ) (٢) ، وفيه دليلٌ على أنَّ خلافَ مرادِ اللهِ مُحالٌ. الحواشي
(١) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١١٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٩).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١١).стр. 1598
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) ﴾ .
[١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من الصاعقةِ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيثِ ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾ الغيمَ المنسحبَ بالماء.
﴿الثِّقَالَ﴾ بالمطرِ، قال عليٌّ: "السَّحابُ غِرْبالُ الماءِ" (١) .
...
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) ﴾ .
[١٣] ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ والرعدُ اسمُ مَلَكٍ يسوقُ السحابَ، والصوتُ المسموعُ تسبيحُه، فإذا سَبَّحَ، لم يبقَ مَلَكٌ إلا رفعَ صوتَه بالتسبيحِ، فينزلُ القطرُ، وعن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ أنه كانَ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ، تركَ الحديثَ، وقالَ: "سُبْحانَ من يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه، والملائكةُ من خيفتَهِ، ويقولُ: إنَّ هذا الوعيدَ لأهلِ الأرضِ لشديدٌ" (٢) .
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أيضًا تسُبِّحُ ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي: خيفةِ الله تعالى.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ جمعُ صاعقةٍ، وهي العذابُ المهلِكُ ينزلُ من البرقِ. الحواشي
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦١٧)، عن كعب. وانظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥١٨).(٢) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٩٢)، والبخاري في "الأدب المفرد"(٧٢٣) ، وابن أبي شيبة في "المصنف"(٢٩٢١٤) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٦٢)، عن عبد الله بن الزبير ﵁.стр. 1599
﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهلِكُه.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ بتكذيبِهم عظمتَهُ وتوحيدَهُ.
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ العقوبةِ، يقال: محلَ الرجلُ بالرجلِ: إذا مكرَ بهِ وأخذَه بسعايةٍ شديدةٍ.
...
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) ﴾ .
[١٤] رُوي أن عامرَ بنَ الطُّفَيل، وأَرْبَدَ بنَ ربيعةَ أخا لَبيدٍ وَفَدا على رسولِ الله قاصِدَيْنِ قتلَه، فأخذَهُ عامرٌ بالمجادلةَ، ودارَ أربدُ من خلفِه ليضربَهُ بالسيفِ، فتنبَّهَ له رسولُ اللهِ ﷺ ، وقال: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيِهِما بِمَا شِئْتَ"، فأرسلَ اللهُ على أربدَ صاعقةً فأحرقَتْهُ، وولَّى عامِرٌ هاربًا، فنزلَ ببيتِ امرأةٍ سلوليةٍ، فرميَ بغُدَّةٍ عظيمهٍ، فماتَ، وكانَ يقولُ: غُدَّة كغدَّةِ البعيرِ، ومَوْتٌ في بيتِ سَلوليَّةٍ؟! فنزلت الآيةُ:
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ (١) أي: هو المستحقُّ لها، وهي لا إلهَ إلا اللهُ.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الآلهةُ الذين يدعونَهم الكفار.
﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ يريدونه.
﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ أي: لا ينتفعُ عبدةُ الأصنامِ الحواشي
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ١٢٠)، و "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٤)، و"تفسير القرطبي" (٩/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٦١٦ - ٦١٧).стр. 1600
بدعائِهم إلا كانتفاعِ عطشانَ يمدُّ يدَه إلى ماءٍ في حفيرة لا يصلُ إليه.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ الأصنامَ ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ لا يفيدُ شيئًا، ولا يُغْنيهم.
...
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) ﴾ .
[١٥] ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ينقادون.
﴿طَوْعًا﴾ هم المؤمنون.
﴿وَكَرْهًا﴾ هم المنافقونَ والكافرونَ الذين أُكْرِهوا على السُّجودِ بالسيفِ.
﴿وَظِلَالُهُمْ﴾ جاءَ في التفسيرِ أن الكافرَ يسجدُ لغيرِ اللهِ، وظِلُّه يسجُد لله ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ البُكَرِ ﴿وَالْآصَالِ﴾ العَشايا، جمعُ أُصلٍ، والأُصلُ جمعُ أَصيلٍ، وهو ما بينَ العصرِ وغروبِ الشمسِ، وهذا محلُّ سجودٍ بالاتفاق، وتقدَّمَ اختلافُ الأئمةِ في سجودِ التلاوة، وحكمُه، وسجودُ الشكرِ آخِرَ سورةِ الأعرافِ مستوفًى.
...
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) ﴾ .
[١٦] ﴿قُلْ﴾ للمشركينَ استفهام إنكارٍ ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقُها
стр. 1601
وَمُدَبِّرُهَا، فإن لم يعترفوا، فأنت ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ رَبُّ، هما وإن اعترفوا.
﴿قُلْ﴾ أنتَ إلزامًا لهم: ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: دونِ اللهِ.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا.
﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ ومَنْ لا يملكُ لنفسِه شيئًا، فلا يملكُ لغيرِه، ومن هو كذلكَ، فكيف يُعْبَدُ ويُتَّخَذُ وَلِيًّا. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (أَفَتَّخَذْتُمْ) بإظهارِ الذالِ عندَ التاء، والباقون: بالإدغام (١) ، ثم ضربَ لهم مثلًا فقال:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ يعني: الكافرُ والمؤمنُ ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ يعني: الكفرُ والإيمانُ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (أَمْ هَلْ يَسْتَوِي) بالياءِ على التذكير؛ لأنه تأنيثٌ غيرُ حقيقيٍّ، والفعلُ مقدَّمٌ، وقرأ الياقون: بالتاء على التأنيث (٢) ؛ لأنه مؤنَّثٌ لم يفصلْ بينَه وبينَ فاعلِه شيءٌ، ثم استفهمَ مُنْكِرًا مُعَجِّبًا منهم فقالَ:
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ المعنى: لم يَتَّخِذوا آلهةً يخلقونَ شيئًا فيشتبهُ خلقُهم بخلقِ اللهِ تعالى.
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بلا شريكٍ، فيعبَدُ بلا شركةٍ.
﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ﴾ المتوحِّدُ بالألوهيةِ ﴿الْقَهَّارُ﴾ الغالبُ على كلِّ شيءٍ.
... الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٣).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٤).стр. 1602
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) ﴾ .
[١٧] ثم ضربَ مثلَين للحقِّ والباطلِ، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطرَ.
﴿فَسَالَتْ﴾ من ذلكَ الماءِ ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ جمع وادٍ ﴿بِقَدَرِهَا﴾ صغيرًا وكبيرًا.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ هو ما علا وجهَ الماءِ من رغوةِ الماءِ وغيرِها.
﴿رَابِيًا﴾ عاليًا على الماءِ، فالماءُ الصافي هو الحقُّ، والذاهبُ الزائلُ الذي يتعلَّقُ بالأشجارِ وجوانبِ الأودية هو الباطلُ، فهذا أحدُ المثلين، والمثلُ الآخرُ قولُه تعالى:
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يُوقِدُونَ) بالغيب؛ لقوله تعالى: (مَا يَنْفَعُ النَّاسَ)، ولا مخاطبةَ هاهنا، وقرأ الباقون: بالخطاب (١) ؛ أي: ومن الذي توقدون.
﴿عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ كالذهبِ والفضةِ ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ طلبَ زينةٍ يُتَزَيَّنُ بها.
﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ وهو ما يُنْتفعُ بهِ؛ كالنحاسِ والرصاصِ يُذابُ فَيُتَّخَذُ منه الأواني، والإيقادُ: جعلُ النارِ تحتَ الشيءِ ليذوبَ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و "تفسير البغوي" (٢/ ٥٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٤).стр. 1603
﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: إذا سُبِكَ بالنارِ، كانَ له زبدٌ، وهو خَبَثُهُ، فالصافي يُنتفعُ به كالماءِ مَثَلُ الحقِّ، وزبدُه يبطلُ كزبدِ الماءِ مَثَلُ الباطلِ.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ﴾ أي: يُمَثِّلُ ﴿اللَّهُ الْحَقَّ﴾ الذي يتقرَّرُ في القلوب.
﴿وَالْبَاطِلَ﴾ الذي يعتريها أيضًا.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ الذي علا السيلَ والفلزَّ، وهو ما يَنْفيه الكيرُ مما يُذاب من جواهرِ الأرض.
﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ باطِلًا، والجفاءُ: هو ما يرمي به سيلُ الوادي إلى جنباته من الغُثاءِ، وجَفَأَتِ القِدْرُ: إذا غَلَتْ وألقتْ زَبَدَها.
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماءِ وخلاصةِ الفلزِّ من الذهبِ والفضةِ والنحاسِ.
﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ لمنافعهم.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ فيظهرُ الحقُّ منَ الباطلِ.
...
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨) ﴾ .
[١٨] ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ أجابوا ﴿لِرَبِّهِمُ﴾ وأطاعوه.
﴿الْحُسْنَى﴾ الجنةُ، وكلُّ ما يختَصُّ به المؤمنُ من نعمِ اللهِ سبحانه، و (السُّوءَى) النارُ.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ هم الكافرون ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
стр. 1604
وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ لبذلوه افتداءً لأنفسِهم من النارِ، فلا يُقْبَلُ منهم.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ هو المناقشةُ فيه، فلا يُغْفَرُ لهم شيءٌ من ذنوبهم.
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ المستقرُّ.
...
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) ﴾ .
[١٩] ثم أدخلَ همزةَ الإنكارِ على الفاءِ مبينًا أَنْ لا مساواةَ بينَ حالِ المستجيبِ وضدّهِ فقالَ: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ ويؤمنُ به، وهو حمزةُ ﵁ ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ عن الحقِّ لا يبصرُه، وهو أبو جهلٍ وغيرُه ممن كانَ كذلك.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظُ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذَوو العقولِ فيستجيبونَ.
...
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) ﴾ .
[٢٠] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إذا عاهدوا.
﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ العهدَ الموثَّقَ.
...
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) ﴾ .
[٢١] ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ والمرادُ: صلَةُ الرَّحِمِ
стр. 1605
عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ثَلاَثةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يومَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبادَ لَهُ ظَهْر وَبَطْن، وَالأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ تنادِي: أَلاَ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ" (١) .
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ سِرًّا وعلانيةً.
﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ وهو عدمُ المسامحةِ فيه.
...
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) ﴾ .
[٢٢] ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على المكارِهِ ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ لا غيرُ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ في مواساةِ المحتاجِ.
﴿سِرًّا﴾ هو ما يُنْفَق تَطَوُّعًا ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ هي الزكاةُ المفروضةُ.
﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ يدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ فيجازونَ الإساءةَ بالإحسانِ، وهذا بخلافِ خُلُقِ الجاهليَّةِ، رُويَ أنها نزلَتْ في الأنصارِ، ثم هي عامَّةٌ بعدَ ذلكَ في كلِّ مَنِ اتصفَ بهذهِ الصفة ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ عاقبةُ الدنيا، وهي الجنةُ.
...
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) ﴾. الحواشي
(١) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ١٨٧)، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁.стр. 1606
[٢٣] ثم بَيَّنَهُ بقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بساتينُ إقامةٍ.
﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ أي: من عملَ صالحًا.
﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ المعنى: يدخلون الجنةَ بجميعِ أهلهم؛ تكميلًا لفرحِهم.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ من أبوابِ الجنةِ.
...
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) ﴾ .
[٢٤] ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ أي: هذا الثوابُ لكم بسببِ صبرِكم على مشاقِّ الدينِ، تلخيصُه: تعبتُمْ ثَمَّ، فاسترحْتُم هنا ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
...
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) ﴾ .
[٢٥] ونزل في الكفارِ صفةٌ حالة مضادَّة للمتقدمَةِ ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ المأخوذَ عليهم بالطاعةِ.
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ فيؤمنون ببعض الأنبياءِ، ويكفرون ببعضٍ ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي والظلمِ.
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الإبعادُ من رحمةِ اللهِ ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ضدُّ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، والأظهرُ في الدارِ هنا أنها دارُ الآخرةِ.
***
стр. 1607
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦) ﴾ .
[٢٦] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ يُوَسِّعُ.
﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يَهَبُ للكافرِ المالَ ليهلِكَهُ به.
﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُ على المؤمنِ لِيَعْظُمَ بذلكَ أَجْرُهُ، فالكلُّ بمشيئةِ الله تعالى، ثم استجهلَهم في قوله: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فرحَ بَطَرٍ لا فرحَ شكرٍ للنعمةِ.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ كائنةً ﴿فِي﴾ جنبِ ﴿الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ ذاهب يُستمتعُ به قليلًا، ثم يفنى.
...
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) ﴾ .
[٢٧] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهلِ مكةَ:
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ تكونُ دليلًا على صدقِهِ.
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ إضلالَهُ.
﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ يرشِدُ إلى دينه ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ رجعَ عن مُنْكَرٍ.
...
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) ﴾ .
[٢٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ﴾ تسكنُ ﴿قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إذا ذَكروه , أو ذُكِر لهم.
стр. 1608
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فيستقرُّ فيها اليقينُ.
...
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) ﴾ .
[٢٩] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ أي: طيبُ العيشِ ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ مرجعٌ إلى الجنةِ. قرأ يعقوبُ: (مَآبِي) بإثباتِ الياءِ في الحالين حيثُ وقعَ إذا لم ينون، والباقون: بحذفها (١) ، وقرأ أبو عمرٍو: (الصَّالِحَات طُوبَى) بإدغامِ التاءِ في الطاءِ (٢) .
...
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) ﴾ .
[٣٠] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ إرسالِنا الرسلَ قبلَكَ يا محمدُ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ ثُمَّ بينَ المرسَلَ إليهم فقال: ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ عَلَّلَ ذلكَ فقال: ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ وشرائعِ الإسلامِ.
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الواسعِ الرحمةِ.
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿هُوَ﴾ أي: الرحمنُ الذي كفرتُم به. الحواشي
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٧).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٦).стр. 1609
﴿رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدْتُ ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: توبتي.
قرأ يعقوبُ: (مَتَابِي) بإثباتِ الياء، والباقون: بحذفها (١) .
...
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) ﴾ .
[٣١] ولما اقترحَ مشركو مكةَ منهم أبو جهلِ بنُ هشامٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أميةَ على النبيِّ ﷺ إزالةَ جبالِ مكةَ لتتفسَّحَ، وجَرْيَ مياهٍ بأرضِهم ليغرسوا الأشجارَ ويزرعوا، وإحياءَ موتاهم، وأنه إنْ فعلَ ذلكَ، آمنوا به، نزل:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ﴾ (٢) نُقِلَتْ ﴿بِهِ الْجِبَالُ﴾ عن أماكِنها.
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ أي: شُقَّتْ فجُعِلَتْ أنهارًا وعيونًا.
﴿أَوْ كُلِّمَ﴾ أي: أُحْييِ.
﴿بِهِ الْمَوْتَى﴾ وجوابُ (لو) محذوفٌ، وتقديرُه: لكانَ هذا القرآنَ؛ الحواشي
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٧).(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٥ - ١٥٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٣٢).стр. 1610
لكونه غايةً في التذكيرِ، ونهايةً في الإنذارِ ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ في إيمانِ مَنْ آمَنَ (١) ، وكفرِ مَنْ كفرَ.
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أي: يعلم، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ﴾ فآمنوا ﴿جَمِيعًا﴾ وتقدم اختلاف القراء في ﴿ييأس﴾ في سورة يوسف عند قوله تعالى ﴿فلما استيأسوا منه﴾.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ من الكفر.
﴿قَارِعَةٌ﴾ واهية تقرعهم بأنواع البلايا من سرايا رسول الله ﷺ وغزواته.
﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أي: تنزل أنت يا محمد بنفسك.
﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ وهو فتح مكة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
...
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢) ﴾ .
[٣٢] وكانَ الكفارُ يسألونَ عن هذهِ الأشياءِ على سبيلِ الاستهزاءِ، فأنزلَ اللهُ تسليةً لنبيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاستهزائِهم بكَ.
قرأ أبو جعفرٍ: (اسْتُهْزِيَ) بفتحِ الياءِ بغيرِ همزٍ. الحواشي
(١) من قوله: "والباقون (غيابة) ... " من سورة يوسف (الآية: ١٠) (ص: ٣٩٦) إلى قوله: "إيمان من آمن" من سورة الرعد (الآية: ٣١) سقط من "ش"، بمقدار عشر لوحات من باقي النسخ الخطية.стр. 1611
﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَمْهَلْتُ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ في الدنيا بالقتلِ، وفي الآخرةِ بالنارِ.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ تعجيبٌ من شِدَّةِ أخذِهِ لهم. قرأ يعقوبُ: (عِقَابِي) بإثباتِ الياءِ (١) .
...
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) ﴾ .
[٣٣] ثم احتجَّ عليهم موبِّخًا فقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: أَفَاللهُ الذي هو رقيبٌ على كلِّ نفسٍ، يعلَمُ خيرَها وشرَّها، وجوابُه محذوفٌ تقديرُه: كَمَنْ ليسَ كذلك، وهم أصنامُكم؟
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ المعنى: أَفمَنْ له القدرةُ والوحدانيَّةُ، ويُجْعَلُ له شريكٌ، أَهْلٌ أَنْ ينتقمَ ويعاقِبَ أم لا؟ والأنفسُ من مخلوقاتِه، وهو قائمٌ على الكُلِّ.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بَيِّنوا شركاءَكم بأسمائِهم وصفاتِهم حتى نعرفَ هل يجوزُ أن يُعْبَدوا.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أي: تخبرون اللهَ ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه لا يعلمُ لنفسِهِ شريكًا. الحواشي
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٨).стр. 1612
﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: تسُمُّونهم شركاءَ من غيرِ أن يكونَ لذلكَ حقيقةٌ.
﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ كيدُهم بِشِرْكِهم. قرأ الكسائيُّ، وهشامٌ: (بَل زُيِّنَ) بإدغامِ اللامِ في الزاي، والباقون: بالإظهار (١) .
﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قرأ الكوفيونَ، ويعقوبُ: (وَصُدُّوا) بضمِّ الصادِ على تعدِّي الفعل، وقرأ الباقون: بالفتح (٢) ، أي: وصَدُّوا الناسَ: صَرَفوهم عن الدينِ.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بخذلانِه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يوفِّقُه.
...
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) ﴾ .
[٣٤] ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتلِ والأَسْرِ.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشدُّ شَقًّا للقلبِ.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ مانعٍ يمنعُهم من العذابِ: تقدم التنبيهُ على مذاهبِ القراء في (هَادِي)، ومثلُه (وَاقِي) (٣) . الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٨).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٩).(٣) عند تفسير الآية(٧) من هذه السورة.стр. 1613
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) ﴾ .
[٣٥] ﴿مَثَلُ﴾ أي: صفةُ ﴿الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ كقولهِ تعالى ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]؛ أي: الصفةُ العليا.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ ثمرُها دائمٌ لا ينقطعُ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (أُكْلُهَا) بإسكانِ الكافِ، والباقون: بضمِّها (١) .
﴿وَظِلُّهَا﴾ ظليلٌ لا يزولُ، وهو رَدٌ على الجهميّةِ حيثُ قالوا: إن نعيمَ الجنةِ يَفْنى.
﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: مصيرُهم.
﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ لا غيرُ.
...
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) ﴾ .
[٣٦] ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآنَ، وهم الصحابةُ ﵃.
﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: الكفارَ الذين تَحَزَّبوا على رسولِ الله ﷺ من الحواشي
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٢٠).стр. 1614
اليهودِ والنصارى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: بعضَ القرآنِ، وهو ما يخالفُ شرائِعَهم، أو يوافقُ ما حَرَّفوه منها، قالَ ابنُ عباسٍ: "آمَنَ اليهودُ بسورةِ يوسُفَ، وكفرَ المشركونَ بجميعِهِ" (١) .
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ نصبًا عطفًا على (أَنْ أَعْبُدَ)؛ أي: أُمرت فيما أُوحيَ عليَّ بأَنْ أعبدَ اللهَ، وبأَنْ لا أُشركَ به.
﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ لا إلى غيرِه ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ مَرْجِعي.
...
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) ﴾ .
[٣٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثلَ هذا الإنزالِ المشتملِ على أصولِ الدياناتِ المجمَعِ عليها ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أي: حكمةً مترجمةً بلسانِ العربِ ليسهُلَ لهم فهمُه.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ باستقبالِ قبلتِهم بعدَما حُوِّلْتَ عنها.
﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بأنهم كفار.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ناصرٍ ﴿وَلَا وَاقٍ﴾ حاجزٍ، وهذا خطابٌ له ﷺ ، وتحريضٌ للسامعينَ على التمسُّكِ بالدين. وتقدَّمَ التنبيهُ على مذاهِب القراءِ في (مَآبِي) و (وَاقِي) (٢) .
... الحواشي
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٤٩٥).(٢) عند تفسير الآية(٧) من هذه السورة.стр. 1615
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) ﴾ .
[٣٨] ولما عيَّره اليهودُ، وقيل: المشركون بكثرةِ الزوجاتِ، واقترحوا عليه الآياتِ، نزلَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (١) ولم نجعلْهم ملائكةً.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ ولم يكنْ في وُسْعِهِ.
﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإنه القادرُ على ذلك.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾ أمرٍ قضاهُ اللهُ ﴿كِتَابٌ﴾ وقت معلومٌ يقعُ فيه.
...
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) ﴾ .
[٣٩] ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الشرائعِ بنسخِها ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يَشاءُ فيتركُهُ غيرَ منسوخ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وعاصم، ويعقوبُ: (وَيُثْبِتُ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديد ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصلُه؛ يعني: اللوحَ المحفوظَ، فلا يُبَدَّلُ فيه ولا يُغَيَّرُ.
...
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) ﴾ .
[٤٠] ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ في حياتِكَ يا محمدُ.
﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من إنزالِ العذابِ بهم. الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٦).следующие страницы →