← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أهلِ الأرضِ في زمانِه، وكان محلُّ ملكِه مدينةَ مَنْف من أرضِ مصرَ، وكانتْ في غربيِّ النيلِ على مسافةِ اثني عشرَ ميلًا من مدينةِ فُسطاطِ مصرَ المعروفةِ يومئذٍ بمصرَ القديمةِ، ومَنْفُ أولُ مدينةٍ عمرَتْ بأرضِ مصرَ بعدَ الطوفانِ، وكانت دارَ الملكِ بمصرَ في قديمِ الزمانِ، ولما دنا فَرَجُ يوسفَ، رأى الملكُ رؤيا عجيبةً هالَتْه، فجمعَ السحرةَ والكهنةَ والمعبِّرينَ، وقَصَّها عليهم فقال: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ خَرَجْنَ من البحرِ. ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ أي: وخرجَ عقبَهُنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ، وهي التي بلغَتْ من الهزالِ النهايةَ، فابتلعتِ العجافَ السمانَ، فدخلَتْ في بطونهن، ولم يتبيَّنْ على العجافِ منها شيءٌ. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقدَ حَبَّها ﴿وَأُخَرَ﴾ أي: وسبعًا أُخَرَ ﴿يَابِسَاتٍ﴾ قد أدركَتْ فالْتَوَتِ اليابساتُ على الخضرِ حتى غلبْنَ عليها، ولم يبقَ من خضرتِها شيء، فقال لعرَّافيه ومنجِّميه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ عَبِّروها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُ﴾ تفسِّرونَ. قرأ الكسائيُّ، وخلفٌ: (لِلرُّؤْيَا) بالإمالةِ (٢)، واختلافُ القراءِ في الهمزتينِ من (الْمَلأُ أَفْتُوني)

стр. 1542

كاختلافِهم فيهما من (السُّفَهُاءُ أَلاَ) في سورةِ البقرة [الآية: ١٣]. ... ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ [ يوسف: ٤٤]. [٤٤] ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاطُ رؤيا كاذبة، والأضغاثُ جمعُ ضِغْثٍ: وهو الحزمةُ من النباتِ، والأحلامُ جمعُ حلمٍ، وهو ما يُرى في النومِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ الباطلةِ كهذه الرؤيا ﴿بِعَالِمِينَ﴾ لاختلاطِها. ... ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ [ يوسف: ٤٥]. [٤٥] ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من القتلِ، وهو الساقي. ﴿وَادَّكَرَ﴾ بدالٍ مهملةٍ، أي: تذكَّرَ أمرَ يوسفَ. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: حينٍ، وهو مدُة لبثِ يوسفَ في السجنِ، وبالهاءِ والتخفيف (أَمَهٍ): بعدَ نسيانٍ، والتلاوةُ بالأولِ. ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أُنَبِّيكُم) بالمدِّ (١)، وذلك أن الغلام جثا بينَ يديِ الملكِ وقالَ: إنَّ في السجنِ رجلًا يعبرُ الرؤيا.

стр. 1543

﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فأرسلني أيها الملكُ إليه. قرأ يعقوبُ: (فَأَرْسِلُوني) بإثباتِ الياءِ بعدَ النون، والباقون: بحذفها (١). ... ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ [ يوسف: ٤٦]. [٤٦] فأرسلوه، فأتى السجنَ، ولم يكنِ السجنُ في المدينة، وإنما هو ببوصيرَ من عمل الجيزَةِ، وكان الوحيُ ينزلُ عليه فيه، وسطحُ السجنِ موضعٌ معروفٌ بإجابةِ الدعاءِ، فقال: ﴿يوُسُفُ﴾ يعني: يا يوسفُ. ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيق﴾ فيما عبرتَ لنا من الرؤيا، والصدِّيقُ: الكثيرُ الصدقِ، ولذلك سُمِّي أبو بكرٍ صِدِّيقًا، وهو فِعِّيلٌ للمبالغةِ والكثرةِ. ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فإن الملكَ رأى هذهِ الرؤيا. ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أي: الملكِ وأصحابِه؛ لاحتمالِ أنه يُخترَمُ في الطريق؛ لأنه لم يكنْ جازمًا بالرجوع. قرأ الكوفيون، وابن عامرٍ، ويعقوبُ: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).

стр. 1544

﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ منزلتَكَ وتأويلَ الرؤيا فيخرجوكَ من السجنِ. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ . [٤٧] فـ ﴿قَالَ﴾ يوسفُ معبرًا: أما البقراتُ السمانُ، والسنبلاتُ الخضرُ، فسبعُ سنينَ مخصباتٌ، والبقراتُ العجافُ، والسنبلاتُ اليابساتُ، فسبعُ سنينَ مجدباتٌ، ثم قالَ مرشدًا لهم: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أي: ازرعوا، فهو خبرٌ بمعنى الأمر ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ على عادتِكم ﴿دَأَبًا﴾ قراءة العامةِ: (دَأْبًا) بإسكانِ الهمز؛ أي: تلازمونَ ذلكَ. وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ: بفتح الهمزِ (١)؛ أي: بجدٍّ وتعبٍ. ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ أي: اتركوه في أصلِه لئلا يفسدَ. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: تدرسون قليلًا للأكلِ بقدرِ الحاجةِ. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. [٤٨] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ السنينَ الخصبةِ. ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ صعابٌ. ﴿يَأْكُلْنَ﴾ أي: السنونَ يُفنينَ ويُهلكنَ.

стр. 1545

﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: يؤكلُ فيهن ما أعددتم لهنَّ من الطعامِ، أضافَ الأكلَ إلى السنينَ على طريقِ التوسُّع. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزونَ وتَدِّخرونَ. ... ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ السنينَ المجدبةِ. ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يُمْطَرون، من الغيثِ. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ العنبَ والزيتَ، والمرادُ: كثرةُ النعيمِ والخير. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَعْصِرُونَ) بالخطاب؛ لأن الكلامَ كلَّه بالخطاب، وقرأ الباقون: بالغيبِ ردًّا إلى (الناس) (١). ... ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾. [٥٠] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وذلكَ أن الساقيَ لما رجعَ إلى الملكِ، وأخبرَه بما أفتاه يوسفُ من تأويلِ رؤياه، عرفَ الملكُ أنَّ الذي قالَه كائنٌ، فقال: عَلَيَّ بهِ.

стр. 1546

﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ فقال: أَجِبِ الملكَ، فأبى أن يخرجَ حتى تظهرَ براءتُه، ثم ﴿قَالَ﴾ للساقي ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني: سيدَكَ الملكَ. ﴿فَاسْأَلْهُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلْهُ) بالنقلِ (١). ﴿مَا بَالُ﴾ ما حالُ ﴿النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ولم يذكر امرأةَ العزيزِ تأدبًا ومراعاةً لحقِّها. ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حينَ قلنَ لي: أطعْ مولاتَك، وأراد بذلك إظهارَ براءته بعدَ طولِ المدةِ حتى لا ينظرَ الملكُ إليهِ بعينِ التهمةِ، قال ﷺ : "لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ" (٢)، وروي أنه قال: "رَحِمَ اللهُ أَخِي يُوسُفَ إِنْ كانَ إِلَّا ذَا أَنَاةٍ، لَوْ كُنْتَ أَنَا، لأَسْرَعْتُ الإِجَابَةَ" (٣)، يقولُ ذلكَ هضمًا للنفس، في هذا دليلٌ على وجوبِ الاجتهادِ في نفي التُّهَمِ، ونفيِ الوقوفِ في مواقفِها، في الحديث: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يَقِفْ مَوَاقِفَ التُّهَمِ" (٤). ...

стр. 1547

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ . [٥١] فجمعَهنَّ الملكُ، وامرأةُ العزيزِ معهنَّ، ثم ﴿قَالَ﴾ مخاطبًا للنسوةِ، والمرادُ: امرأةُ العزيزِ: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أَمْرُكُنَّ ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ هلْ وجدتُنَّ منه ميلًا إليكنَّ. ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيهٌ له وتعجُّبٌ من عِفَّتِهِ ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ رِيبَةٍ، فَثَمَّ ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ معترفةً مخافةَ أن يشهدْنَ عليها ﴿الْآنَ حَصْحَصَ﴾ وضحَ ﴿الْحَقُّ﴾ وتبيَّنَ ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله، وتقدَّمَ التنبيهُ على (امْرَأَت)، و (حَاشَ للهِ)، واختلاف القراء فيهما. ... ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ . [٥٢] فلما علمَ ذلكَ يوسفُ في السجنِ قالَ ﴿ذَلِكَ﴾ التثبتُ. ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجتِهِ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ في حالِ غيبتِهِ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ أي: وليعلمَ أن اللهَ لا يهدي. ﴿كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ العاصِينِ. ... ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾.

стр. 1548

[٥٣] رُويَ أن يوسفَ لما قالَ هذهِ المقالَة قالَ له جبريلُ ﵉: ولا حينَ هَمَمْتَ؟ فقالَ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (١) من الخطأ. ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾ أي: جميعَ النفوسِ ﴿لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ بنيلِ شهوتها الرديَّةِ. ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي: إلا البعضَ الذي رحمَهُ ربي بالعصمةِ. ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (نَفْسِيَ) (رَبِّيَ) بفتحِ الياءِ فيهما، والباقون: بإسكانها (٢)، واختلافُهم في الهمزتينِ من قوله (بِالسُّوءِ إِلَّا) كاختلافِهم فيهما من ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في سورةِ البقرةِ [الآية: ٣١]. ... ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ . [٥٤] فلما ظهرتْ براءتُه للملكِ، عرفَ علمَه ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ﴾ أجعَلْه خالِصًا. ﴿لِنَفْسِي﴾ دونَ غيرِهِ، ووجَّهَ إليه، فأُخرج، وغُسِّلَ من دَرَنِ السجنِ، وألُبسَ ما يليقُ بالدخولِ على الملوكِ، ودعا لأهلِ السجنِ فقالَ: اللهمَّ أعطفْ عليهم قلوبَ الأخيار، ولا تُعَمِّ عليهم الأخبار؛ فهم أعلمُ الناسِ بالأخبارِ، وكتبَ على بابِ السجنِ: هذا قبورُ الأحياء، وبيتُ الأحزان،

стр. 1549

وتجربةُ الأصدقاء، وشماتةُ الأعداء، وجاءَ الملكَ، فلما دخلَ عليه قال: اللهمَّ إني أسألُك من خيرهِ، وأعوذُ بعزتِك وقدريك من شرِّه، ثم سلَّم عليه، ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسانُ؟ قالَ: لسان آبائي، وكانَ الملكُ يعرفُ سبعين لسانًا، فكلمه بها، فأجابه بجميعِها، فتعجَّبَ منه، وامتلأ قلبُه من حبِّه. ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ شِفاهًا، فقالَ: أحبُّ أن أسمعَ رؤيايَ منكَ، فحكاها، ونعتَ له البقراتِ والسنابلَ وأماكنَها على ما رآها. ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ مُمَكَّنٌ. ﴿أَمِينٌ﴾ مؤتمَنٌ على خزائني وأمري، فما تَرَى؟ قال: تزرعُ زرعًا كثيرًا، وتأخذُ من الناس خُمْسَ زُروعِهم في السنينَ المخصبةِ، وتَدَّخِرُ الجميعَ في سُنبلِهِ ليكونَ قصبهُ وسنبلُه عَلَفًا للدوابِّ، ويكفيكَ ولأهلِ مصرَ السنينَ المجدبةَ، ويأتيكَ الخلقُ من النواحي، فتمتارُ منكَ في حكمِك، ويُجمَعُ عندك من الكنوز ما لم يُجْمَعْ لأحدٍ قبلَكَ، فقالَ الملك: ومن لي بذلك؟ ... ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. [٥٥] ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ مملكتِكَ. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ حافظٌ عليها ﴿عَلِيمٌ﴾ عالمٌ بوجوهِ التدبيرِ والتصرُّفِ، وإنما طلبَ ذلكَ شفقةً على المسلمينَ، لا منفعةً لنفسِه، فخَلَعَ عليه خِلَعَ الملوكِ، وألبسَه تاجًا، وأمرَ أن يُطافَ به، وركب الجيشُ معهُ، وعزلَ قِطفيرًا وجعلَه مكانَه مستخْلَفًا على الملكِ، وتردَّدَ إلى قصرِ الملكِ، وجلسَ

стр. 1550

على سريرِ العزيزِ، وماتَ قِطفيرٌ، فزوَّجَه امرأتَه زليخا، فوجدها عذراءَ، فقال لها يوسفُ: هذا خيرٌ مما أردتِ، فقالت: اعذرْني؛ إنَّ زوجي كانَ عِنِّينًا، ولم تَرَكَ امرأةٌ إلا صَبا قلبُها إليكَ من حسنِك. ... ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ . [٥٦] ولم يزلْ يتلطَّفُ بالملِكِ حتى آمنَ، واتبعَ يوسفَ على دينِه، وكثيرٌ من الناسِ، ويوسفُ ﵇ هو الذي بنى مدينةَ الفَيُّومِ من أعمالِ مصرَ، واستوثقَ له ملكُ مصرَ، فأقام فيهم العدلَ، وأحبَّه الرجالُ والنساءُ، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ مصرَ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ أي: ينزل ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (نَشَاءُ) بالنون، ردًّا على قوله: (مَكَّنَّا)، وقرأ الباقونَ: بالياءِ ردًّا على قوله (يَتبَوَّأ) (١). ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ أي: بنعمتِنا ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الصابرين. ... ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشركَ، ثم جاءَ

стр. 1551

القحطُ، وكانَ يوسفُ لا يشبعُ مدةَ القحطِ مخافةَ نِسيانِ الجياعِ، فباعَ الطعامَ من أهلِ مصرَ في السنةِ الأولى بالدنانيرِ والدراهمِ، والثانيةِ بالحليِّ والجواهرِ، وفي الثالثةِ بالدوابِّ والمواشي، وفي الرابعةِ بالعبيدِ والإماءِ، وفي الخامسةِ بالضِّياعِ والعقارِ، وفي السادسةِ بأولادِهم، وفي السابعةِ برقابِهم، فقال يوسفُ للملكِ: كيف رأيتَ صنيعَ ربِّي فيما خَوَّلَني، فما ترى؟ قال: الرأيُ رأيُكَ، ونحن لكَ تَبَعٌ، قال: إني أُشهِدُ اللهَ وأُشهدِكَ أَنِّي قد أعتقتُ أهلَ مصرَ عن آخرِهم، وردَدْتُ عليهم أملاكَهم. ... ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾ . [٥٨] وكان يوسفُ لا يبيعُ أحدًا من المجتازين إلا حِمْلَ بعيرٍ تقسيطًا بينَ الناسِ، وتزاحمَ الناسُ عليه، وأصابَ أرضَ كنعانَ وبلادَ الشام ما أصابَ أرضَ مصرَ من القحطِ، ونزلَ بيعقوبَ ما نزلَ بالناسِ، وكان منزلُه بأرضِ فلسطينَ بغورِ الشام، فأرسلَ بنيهِ العشرةَ إلى مصرَ للميرةِ، وأمسكَ بنيامينَ شقيقَ يوسفَ، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ تقدَّمَ اختلافُ القراء في الهمزتين من قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ﴾ في سورة البقرة [الآية: ١٣٣] وكذلك اختلافُهم في (وَجَاءَ إِخْوَةُ). ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ أنهم إخوتُه. ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لبعدِ عهدِهم، وقلةِ تأملِهم في حلاهُ من التَّهَيُّبِ والاستعظامِ. ***

стр. 1552

﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ . [٥٩] وكانَ بين أن قذفوه في البئرِ وبينَ أن دخلوا عليه أربعين سنة، فلما نظر إليهم يوسفُ وكلَّموهُ بالعبرانيةِ، قالَ: "أخبروني من أنتم؟ قالوا: قومٌ من أرض الشام، قال: بل أنتم جواسيسُ جئتُم تَطَّلِعون على عورة بلادي، قالوا: لا والله! لسنا بجواسيس، وإنما جئنا نمتارُ، ونحن إخوةُ بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخٌ صديقٌ نبيٌّ من أنبياءِ الله، وكان قد قال لنا: إن بمصرَ مَلِكًا صالحًا، فانطلقوا إليه، وأقرؤوه مِنِّي السلامَ، وهو يقْرِئُكَ السلامَ، فبكى يوسفُ وعصرَ عينيه، وكنا اثني عشرَ، هلكَ منا واحدٌ وبقي منا واحدٌ عندَه يتسلَّى به عن أخيه الهالك، قال: فاتركوا بعضكم رهينةً عندي، وأتوني بأخيكم من أبيكم، ويراسلني أبوكم على لسانِه، ويخبرني أبوكم مِمَّ حزنُه حَتَّى أصدقَكم، فتركوا عندَه شمعونَ، وكان يوسفُ يحسِنُ إليه. ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أعطَى لكلٍّ منْهم حِمْلَ بعيرَ، والجهازُ: ما يُهَيّأُ لمن يُشَبَّعُ. ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ يعني: بنيامينَ. ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ، فأزيدكم حملَ بعيرٍ لأجلِ أخيكم. ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ المضيفينَ، وكان قد أحسنَ ضِيافَتَهم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ بخلافٍ عن الثاني: (أَنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).

стр. 1553

﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾ . [٦٠] ثم قال تهديدًا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أي: ليس لكم عندي طعامٌ أَكيلُه لكم. ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ في داري وبلادي، و (تَقْرَبُونِ) جزم نهي. قرأ يعقوبُ: (تَقْرَبُوني) بالياء بعدَ النونِ، والباقون: بحذفها (١). ... ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ سنطلُبه منه باجتهادٍ ورفقٍ. ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ما أمرتنَا به. ... ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيٌ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (لِفِتْيَانِهِ) بألفٍ بعدَ الياءِ ونونٍ مكسورةٍ، جمعُ فَتىً جمعَ كَثْرَة، وقرأ الباقون: (لِفِتْيَتِهِ) بتاءٍ مكسورةٍ بعدَ الياء من غيرِ ألفٍ، جمعُ فَتىً أيضًا جَمْعَ قِلَّةٍ (٢)، معناه: قال لغلمانه:

стр. 1554

﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: أثمانَ ما أخذوه ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَوْعِيَتِهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: كرامتَهم علينا. ﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا رأوا إحسانَه إليهم، وليعلموا أنه لم يطلبْ عودَهم لأجلِ الثمنِ، وأنهم إذا رأوا الثمنَ عادوا؛ لأنهم لا يستحلُّون أكلَه. ... ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ قرأ يعقوبُ: (أَبِيهُمُ) بضمِّ الهاء، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ بخلافٍ عن الثالثِ، (أَبِيهِمُو) بضمِّ الميم ووصْلِها بواوٍ في اللفظِ حالةَ الوصل. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ﴾ أي: يُمْنَعُ ﴿مِنَّا الْكَيْلُ﴾ إنْ لم نحملْ أخانا إليه، وذكروا إحسانَهُ، وأنه قد ارتهنَ شمعونَ، وأخبروه بالقصةِ، والمرادُ بالكيل: الطعامُ؛ لأنه يُكالُ. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامينَ ﴿نَكْتَلْ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَكْتَلْ) بالياء؛ أي: يكتلْ لنفِسه كما نكتالُ نحن، وقرأ الباقون: بالنون، بمعنى نكتلْ نحن وهوَ الطعامَ (١) ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ضامنونَ بردِّه إليك.

стр. 1555

﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسفَ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كيفَ آمنُكم عليه وقد فعلتُم بيوسفَ ما فعلْتُم؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (حَافِظًا) بألفٍ بعدَ الحاءِ وكسرِ الفاءِ على التفسير؛ كما يقال: هو خيرٌ رَجُلًا، وقرأ الباقون: بكسرِ الحاءِ وإسكانِ الفاءِ من غيرِ ألفٍ على المصدرِ، يعني: خيرَكم حِفْظًا (١)، ونصبُه تمييز في الوجهين، المعنى: ولكنَّ حفظَ اللهِ خيرٌ من حفظِكم إياه، وحفظي، رُوي أنه لما قالَ ذلكَ، قال تعالى: وعِزَّتي لأردَّنَّ عليكَ كليهما. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأرجو أن يرحَمَني بحفظِه. ... ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ الذي حملوه من مصر ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثمنَ الطعامِ ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ فعندَ عودِ بضاعتهم إليهم. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ من البغي؛ أي: ما نكذِبُ على هذا الملكِ، ولا في وصفِ إجمالِه وإكرامِه.

стр. 1556

﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ فهذا هو العيانُ من الإحسانِ، أوفى لنا الكيلَ، وردَّ علينا الثمنَ، أرادوا تطييبَ نفسِ أبيهم. ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ نجلبُ لهم الطعامَ ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بنيامينَ في الذهابِ والمجيء. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ﴾ أي: وِقْرَ ﴿بَعِيرٍ﴾ نَصيبَ أخينا. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: حملُ البعيرِ ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: ذلكَ مكيلٌ قليلٌ لا يكفينا، يعنون: ما يُكالُ لهم، وأرادوا أن يزدادوا إليه ما يُكالُ لأخيهم. ... ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوبُ: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ أثبتَ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ الياءَ بعدَ النونِ في (تُؤْتُوني) وصلًا، وأثبتَها ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ في الحالين (١). ﴿مَوْثِقًا﴾ عَهْدًا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مؤكَّدًا. ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أي: تردُّونَه إليَّ ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تهكِوا جميعًا.

стр. 1557

﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أعطَوْه عهدَهم ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ شهدٌ. ... ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿وَقَالَ﴾ لهم يعقوبُ لما أرادوا الخروجَ من عندِه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ خافَ عليهِمُ العينَ؛ لجمالِهم، والمدينةُ التي أمرَهم أن يدخلوها من أبوابٍ متفرقةٍ هي الفَرْما، وهي أولُ مدنِ مصرَ من جهةِ الشَّمال بالقربِ من قَطْيا، وهي قريةُ أمِّ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵉، وكان لها أربعةُ أبواب، فدخلوا منها. ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لا أقولُ ذلك دَفْعًا لما قضي، سواءٌ دخلتُم متفرقين أو مجتمعين. ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ أي: ما الحكمُ ﴿إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدْتُ. ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وإلى اللهِ فليفوِّضْ أمورَهم المفوِّضونَ. ... ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا﴾ متفرقينَ ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ من الأبوابِ المتفرقةِ.

стр. 1558

﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ رأيُ يعقوبَ ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ من قضائِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنهم سُرِّقوا وافْتُضِحوا، وأُخِذَ أخوهم منهم , وازدادَ حزنُ أبيهم ﴿إِلَّا﴾ لكنْ ﴿حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ هي الشفقةُ عليهم. ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: هو عالمٌ عاملٌ بتعليمِنا إياه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما علمَ يعقوبُ. ... ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [٦٩] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنَا أن نأتيكَ به، قد جِئْنا به، فقال: أحسنتُم وأصبتُم، وستجدون ذلكَ عندي، ثم أنزلَهم وأكرمَهم وأجلسَ كلَّ اثنينِ منهم على مائدةٍ، فبقيَ بنيامينُ وحدَه، فبكى وقال: لو كانَ أخي يوسفُ حيًّا لأجلسَني معه، فأجلسَه يوسفُ معه، وجعلَ يؤاكِلهُ، وأنزلَ كلَّ اثنينِ في مكانٍ، فلم يبقَ لبنيامينَ ثانٍ، فقالَ: هذا لا ثانيَ له، فيكون معي، فباتَ عندَ يوسفَ فذلك قولُه : ﴿آوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ فلما خلا به، قال له: ما اسمُك؟ قال: بنيامينُ، قال: أتحبُّ أن أكونَ أخاكَ بدلَ أخيكَ الهالكِ؟ فقال: ومَنْ يجدُ مثلَكَ؟ ولكنْ لم يلدْك يعقوبُ، ولا راحيلُ، فبكى يوسفُ وقامَ إليه وعانقَهُ، و ﴿قَالَ﴾ له: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسفُ. قرأ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ

стр. 1559

نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أَخُوكَ) بالمدِّ (١). ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا يلحقك بؤسٌ، وهو الشدةُ. ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِنا فيما مضى؛ فقد أحسنَ اللهُ إلينا، وجمعَنا، فلا تُعْلِمْهم بأمرِنا، فقال: لا أفارقكَ، فقال: قد علمتَ اغتمامَ والدي بي، وإذا احتبستُكَ، ازدادَ غَمُّهُ، ولا يمكِنُني أخذُك إلا بعدَ أن أرميَكَ بالسرقةِ، فقالَ: افعلْ ما شئتَ. ... ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ . [٧٠] فوفى يوسفُ الكيلَ لكلِّ واحدٍ من إخوته حِمْلَ بعير، وحَمَّلَ لبنيامينَ بعيرًا باسمِه كما حَمَّلَ لهم ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: هَيَّأَ لهم أسباب الميرةِ، ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ وهيَ مكيالٌ يُكالُ به، ويشربُ فيه الملكُ. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامينَ، فلما انفصلوا عن مصرَ نحوَ الشام، أرسلَ يوسفُ من استوقَفهم فوقفوا. ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى منادٍ. قرأ أبو جعفر، وورشٌ عن نافع: (مُوَذِّنٌ) فتح الواوِ بغيرِ همزٍ (٢).

стр. 1560

﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: القافلةُ، والمرادُ: أهلُها، والأصلُ في العيرِ أن تكونَ حميرًا، ثم كثرَ ذلكَ حتى قيل لكلِّ قافلةٍ: عيرٌ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وصفَهم بالسرقةِ من حيثُ سرقَ في الظاهرِ أحدُهم، وهذا كما تقولُ: بنو فلانٍ قتلوا فلانًا، وإنما قتلَه أحدُهم. ... ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿قَالُوا﴾ إخوةُ يوسفَ ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عطفوا على المؤذِّنِ وأصحابه: ﴿مَاذَا﴾ أي: ما الذي ﴿تَفْقِدُونَ﴾؟ والفَقْدُ: غيبةُ الشيءِ عن الحسِّ بحيثُ لا يُعرفُ مكانُه. ... ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ هو جامٌ كهيئةِ المكوكِ من فِضَّة. قرأ أبو عمرٍو: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ﴾ بإدغام الدال في الصاد (١). ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ بالصُّواع ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من طعامٍ. ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ضمينٌ لمن ردَّه، يقولُه المؤذِّنُ. ...

стр. 1561

﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿قَالُوا﴾ يعني: إخوةَ يوسفَ ﴿تَاللَّهِ﴾ أي: واللهِ! وخُصَّتْ هذهِ الكلمةُ بأنْ أُبدِلَتِ الواوُ فيها بالتاءِ في اليمينِ دونَ سائرِ أسماءِ اللهِ تعالى. ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ استَشْهَدوا بعلمِهم لما ظهرَ من دينهم وأمانتِهم ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصرَ ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ما سَرَقْنا قط. ... ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿قَالُوا﴾ يعني: المناديَ وأصحابه ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: السارقُ، أو الصواعِ، أي: جزاءُ سرقتِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في قولكم؟ ... ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأٌ، خبرُهُ ﴿مَنْ وُجِدَ﴾ السَّرَقُ ﴿فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي: جزاءُ السارقِ أن يسلَّم إلى المسروقِ منه، فيسترقَّهُ سنةً، وهذا حكمُ السارقِ في شرعِ يعقوبَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ بالسرقةِ. ... ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾.

стр. 1562

[٧٦] ﴿فَبَدَأَ﴾ المفتشُ، وقيل: يوسفُ؛ لأنهم رُدُّوا إلى مصر ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ لإزالةِ التهمَةِ ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ بنيامينَ، فلم يجدْ شيئًا. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السرقةَ ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ واختلافُ القراء في حكمِ الهمزتينِ من قوله: (وَعَاءِ أَخِيهِ) كاختلافِهم فيهما من (خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ) في سورة البقرة [الآية: ٢٣٥]. ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: علَّمناهُ، وأوحينا إليه. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ أي: لم يكنْ له أخذُ أخيه ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: حكمِ ملكِ مصرَ، وهو أن يغرمَ السارقُ مثلَيْ ما أَخَذَ، ويُضربَ، لا أن يُستعبَدَ، فأجرى اللهُ على ألسنةِ إخوتِه حكمَ دينهم؛ ليصحَّ أخذُه منهم. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الاستثناءُ في هذه الآية حكايةُ حالٍ التقديرُ: إلا أن يشاءَ اللهُ ما وقعَ من هذهِ الحيلةِ. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلمِ والعملِ؛ كيوسف. قراءة العامةِ: (نَرْفَعُ) و (نَشَاءُ) بالنون فيهما، وأهلُ الكوفةِ ينونون (دَرَجَاتٍ)، وقرأ يعقوبُ: (يَرْفَعُ) و (يَشَاءُ) بالياء فيِهما (١). ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ من الخلقِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ واللهُ فوقَ كلِّ عالم، ولا يناسُبه أحدٌ في علمِه. ...

стр. 1563

﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ بنيامينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أرادوا يوسُفَ، وكانَ دخلَ كنيسةً فأخذَ صنمًا صغيرًا من ذَهَبٍ فدفَنَهُ، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي: أضمرَ مقالَتَهم كأنْ لم يسمَعها. ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: مكانةً في السرقةِ حيث سرقتُم أخاكم. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ تقولون، والمشهورُ أنه ذكرَها في نفسِه، ولم يصرِّحْ بها لإخوتِه. ... ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ . [٧٨] وفي القصةِ أنهم غضبوا غضبًا شديدًا، وكان بنو يعقوبَ إذا غَضِبوا لا يُطاقون، وكانَ منهم مَنْ إذا صاحَ غَضَبًا ألقتِ الحواملُ أَجِنَّتَها خوفًا، وهو روبيلُ وكانَ إذا مسَّهُ أحدٌ من ولدِ أبيهِ، سكنَ غضبهُ، فقالَ لإخوتهِ اكفوني الملكَ، وأكفيكُم الأسواقَ، أو اكفوني الأسواقَ وأكفيكُم الملكَ، فدخلوا على يوسفَ، فقالَ روبيلُ: لتردَّنَّ علينا أخانا، أو لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى بمصرَ حامِلٌ إلا ألقَتْ ولدَها، وقامت كلُّ شعرةٍ في جسدِهِ

стр. 1564

فخرجَتْ من ثيابه، فقالَ يوسفُ لابنٍ له صغيرٍ اسمُهُ أفرايينُ: قمْ إلى روبيلَ فمسَّهُ، ففعلَ، فسكنَ غضبهُ، فقالَ: إنَّ هنا بذرًا من بذرِ يعقوبَ، قال يوسفُ: ومَنْ يعقوبُ؟ قالَ: أيُّها الملكُ! لا تذكرُ يعقوبَ؟ إنَّه إسرائيلُ اللهِ ابنُ ذبيحِ اللهِ ابنِ خليلِ اللهِ، ورُوي أنه غضبَ ثانيةً، فركضَه يوسفُ برجله فوقعَ على الأرضِ، فقالَ: أنتم معشرَ العبرانيين تظنون أَنْ لا أحدَ أشدُّ منكم، فَثَمَّ خضعوا. و ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ يحبُّه كثيرًا يشقُّ عليه فِراقُه ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا﴾ عبدًا ورهينةً ﴿مَكَانَهُ﴾ بدلًا منهُ. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا في الكيل والضيافةِ، فتمِّمْ إحسانَكَ. ... ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ؛ أي: نعوذُ باللهِ معاذًا من ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ولم يقلْ: مَنْ سرقَ؛ تحرُّزًا من الكذبِ. ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إنْ أخذْنا بريئًا بمجرمٍ. ... ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ يَئِسُوا من أخيهم. قرأ أبو جعفرٍ، والبزيُّ

стр. 1565

عن ابنِ كثيرٍ بخلافٍ عنهما (اسْتَايَسُوا) و (لا تَايَسُوا) (لا يَايَسُ) (اسْتَايَسَ) بالألفِ وفتحِ الياءِ من غيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ، وإسكانِ الياءِ من غيرِ ألفٍ في اللفظِ، وإذا وقفَ حمزةُ، ألقى حركةَ الهمزةِ على الياءِ على أصلِه (١). ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي: تخلَّصوا من الناسِ يتناجَوْنَ في تدبيرِ أمورِهم سِرًّا؛ لأن النجيَّ مَنْ تسُارُّهُ، وهو مصدرٌ يعمُّ الواحدَ والجمعَ، والذكرَ والأنثى. ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السنِّ، وهو روبيلُ الذي نهى عن قتلِ يوسفَ ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا﴾ عهدًا ﴿مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا ﴿مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ قَصَّرْتُم في شأنِه، و (ما) مزيدةٌ. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ لن أفارقَ أرضَ مصرَ. ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الانصرافِ إليه. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بردِّ أخي، أو بوحيٍ يُبَرِّئُني عندَ أبي. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أعدلُ مَنْ فصلَ بينَ الناسِ. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: (لِي أَبي) بإسكانِ الياء، وافقَهم ابنُ كثيرٍ في (لِي)، والباقون: بفتحِها (٢). ...

стр. 1566

﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾ . [٨١] ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ هذا من قولِ كبيرِهم، وقيل: من قولِ يوسفَ ﵇، والأولُ أظهرُ ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ بنيامينَ. (سَرَقَ) وأخذَ ما لم يؤتَمَنْ عليه في خُفْيَةٍ. ﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ بأنَّ السارقَ يسترَقُّ ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ من سُنَّتِكَ. ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لم نعلمْ أنه يسرقُ، وقيل: معناه: وما شهدْنا عليه إلا بما علمْ؛ نا أي: لا نقطعُ عليه بالسرقةِ، لكنَّا رأينا الصواعَ قد أُخرج من رحلِه، وما كُنا لِما غابَ من أمورِه في نهارِه وليلِه حافظينَ. ... ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أي: أهلَ القرية، وهي مصرُ. قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَسَلْ) بالنقلِ، والباقون: بالهمز (١). ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: الإبلَ التي عليها الأحمالُ، والمرادُ: أصحابُها؛ لأنهم كانوا قد صحبهم قافلةٌ من كنعانَ من جيرانِ يعقوبَ، المعنى: أرسلْ إلى أهلِ مصرَ وأصحابِ العيرِ فاسأَلْهم عن ذلكَ. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في قولنا.

стр. 1567

﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ . [٨٣] فرجعوا إلى أبيهم، وذكروا له ما قالَهُ كبيرُهم ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أردتُموه، وإلا فما أَدرى الملكَ بِسُنَّتي لولا فتواكُم، والسُّولُ: ما يتمنَّاه الإنسانُ ويحرِصُ عليه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وهشامٌ: (بَل سوَّلَتْ) بإدغامِ اللام في السين، والباقون: بالإظهارِ (١). ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ليسَ فيه شكوى ولا ضجرٌ بقضاءِ الله، ثم تَرَجَّى من اللهِ فقالَ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يوسفَ وبنيامينَ وكبيرِهم المقيمِ بمصرَ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي ﴿الْحَكِيمُ﴾ بتدبيرِ خَلْقِهِ. ... ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرضَ؛ كراهةً لما صادفَ منهم. ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ والأسفُ: شدةُ الحزنِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَا أَسَفي) بالإمالة، ورُوي عن أبي عمرٍو: الفتحُ والإمالةُ بينَ بينَ، ووقفَ رويسٌ راوي يعقوبَ بخلافٍ عنه: (يَا أَسَفَاهُ) بزيادةِ هاءٍ بعدَ الألف (٢).

стр. 1568

﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ عَمِيَ بصرُه من ملازمةِ البكاء، فلم يُبْصرْ بهما سِتّ سنينَ. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ حابسٌ حزنَه لا يظهِرُه. ... ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿قَالُوا﴾ أولادُ يعقوبَ: ﴿تَاللَّهِ﴾ بمعنى: واللهِ! ﴿تَفْتَأُ﴾ أي: لا تزال، وحُذِفَتْ (لا) في هذا الموضعِ منَ القسمِ لدلالةِ الكلامِ عليها؛ تقديرُه: تالله لا تفتأ. ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ لا تفتُرُ من حُبِّهِ. ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ باليًا من المرضِ. ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ الميتينَ. ... ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾ هو أشدُّ الحزنِ الذي لا يصبرُ عليه صاحبُه حتى يَبُثَّهُ أو يَشْكُوَهُ. ﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ والحزنُ: هو أشدُّ الهَمِّ. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ،

стр. 1569

ويعقوبُ: (حُزْنِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحها (١). ﴿وَأَعْلَمُ﴾ يا بنِيَّ ﴿مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهو أن رؤيا يوسفَ صادقة وأنه حيٌّ، وأني وأنتم سنسجدُ له. روُي أنه قيلَ له: يا يعقوبُ! ما الذي أذهبَ بصرَكَ، وقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ قالَ: أذهبَ بصري بُكائي على يوسفَ، وقوَّسَ ظهري حُزْني على أخيه، فأوحى الله إليه: أَتشكوني؟! وَعِزَّتي لا أَكْشِفُ ما بِكَ حَتَّى تدعوَني، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى﴾ فأوحى الله إليه: وعِزَّتي لو كانا ميتينِ لأَخْرَجْتُهما لك، وإنما وَجَدْتُ عليكم أنكم ذبحتم شاةً، فقامَ ببابِكم مسكينٌ فلم تُطعموه منها شيئًا، وإنَّ أحبَّ خلقي إليَّ الأنبياءُ، ثم المساكينُ، فاصنعْ طعامًا، فادعُوا عليه المساكينَ، فصنعَ طعامًا، ثم قالَ: من كانَ صائمًا، فليفطرِ الليلةَ عندَ آلِ يعقوبَ. وقد حُكي أن ابتلاءَ يعقوبَ بيوسفَ كان سببهُ التفاتَه في صلاتِه إليه ويوسفُ نائمٌ؛ محبةً له. فإن قيل: كيف استجازَ يوسفُ أن يعملَ مثلَ هذا بأبيه، ولم يخبرْه بمكانِه، وحبسَ أخاهُ معَ علمِه بشدةِ وَجْدِ أبيه؛ ففيه معنى العُقوقِ، وقطيعةُ الرحمِ، وقلةُ الشفقةِ؟ فالجوابُ: أنه عملَ ذلكَ بأمرِ الله تعالى، أمرَهُ به ليزيدَ في بلاءِ يعقوبَ، فيضاعِفَ له الأجرَ، ويلحقَه في الدرجةِ بآبائِه الماضين، واللهُ أعلم.

стр. 1570

﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: تَطَلَّبوا خبرَهما، والتحسُّسُ بالحاء: طلبُ الشيءِ بالحاسَّةِ في الخير، وبالجيم: في الشر، والتلاوة بالأولِ. ﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾ تَقْنَطوا مِن ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي: رحمتِه التي يحيي بها العبادَ ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ باللهِ. ... ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ . [٨٨] فخرجوا راجعينَ إلى مصرَ حتى وصلوا إليها، فدخلوا على يوسف. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ بلغةِ مصرَ: الملكُ. ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الجوعُ والشدةُ ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ رَديئة أو قليلةٍ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (مُزْجَاةٍ) بالإمالة، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ (١).

стр. 1571

﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ الذي نستحقُّه ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي: تفضَّلْ بالمسامحةِ والإغضاء عن رداءةِ البضاعةِ، وكانت دراهمَ زيُوفًا لا تؤخَذُ إلا بنقصانٍ، واستدلَّ مالكٌ وغيرهُ من العلماءِ بقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ على أن أجرةَ الكَيَّالِ على البائعِ، وكذلكَ الوزَّان، لأنَّ الرجلَ إذا باعَ عِدَّةً معلومةً من طعامٍ، أَوجَبَ العَقْدُ عليه أن يُفْردَها بعيِنها، ويحوزَها المشتري، والحكمُ كذلكَ بالاتفاقِ حيثُ كانَ المبيعُ مَكيلًا أو مَوْزونًا، أما إذا كانَ الثمنُ كذلكَ، فالأجرةُ على المشتري عندَ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ، وفي مذهبِ مالكٍ خلافٌ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ والتصدُّقُ: التفضُّل. وسمعَ الحسنُ إنسانًا يقولُ: اللهمَّ تصدَّقْ عليَّ، فقالَ: إن الله لا يتصدَّقُ، وإنما يتصدَّقُ مَنْ يبتغي الثوابَ، ولكنْ قل: اللهمَّ أَعْطِني، أو تفضَّلْ عليَّ، أو ارحَمْني، ونحوَهُ. ... ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ . [٨٩] فلما كلموه بهذا الكلام، أدركَتْهُ الرِّقَّةُ، فارفضَّ دمعُه، وباحَ بالذي يكتُمُ. ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إِذْ فَرَّقْتُم بينَهما، وصنعتُم ما صنعتُم. ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ لا تعلمونَ قبحَه، فلذلكَ أقدمْتُم عليه؟ ***

стр. 1572

﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ . [٩٠] ثم تعرَّفَ لهم فعرفوهُ، و ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (إِنَّكَ) بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ، والباقونَ: بهمزتينِ، على الاستفهام، وهم على أُصولهم، فالكوفيونَ، وابنُ عامرٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الهمزتينِ، وورشٌ ورويسٌ: يحققان الأولى، ويسهِّلانِ الثانيةَ، وأبو عمرٍو، وقالونُ عن نافعٍ: يسهِّلانِ الثانيةَ، ويُدْخلان بينهما ألفًا (١). ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ من أبي وأمي. ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بأنْ جمعَ بينَنا. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ اللهَ ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على امتثالِ الأمرِ واجتنابِ النهي. قراءة العامة: (يَتَّقِ) بحذفِ الياءِ في الحالين، جزمٌ (بمَنْ)؛ لأنها شرطٌ، وقرأ قنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ: (يَتَّقِي) بإثباتِ الياءِ في الحالينِ لغةً للعربِ يُثبتون الياءَ في الجزمِ (٢).

стр. 1573

﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المتَّصفين بهذهِ الصفاتِ. ... ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ . [٩١] ﴿قَالُوا﴾ معتذرينَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أي: فَضَّلَكَ ﴿عَلَيْنَا﴾ بالصبرِ والحلمِ والعقلِ. ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي: وما كُنَّا في صنيعِنا بكَ إلا مخطئينَ مُذْنبين، يقالُ: خَطَأَ: إذا تعمَّدَ، وأخطأَ: إذا كانَ غيرَ متعمدٍ. ... ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ . [٩٢] فلما اعترفوا بذنوبهم ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ﴾ لا تقريعَ ولا توبيخَ. ﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ولا أذكرُ لكم ذنبَكُم بعدَ اليومِ، ثم دعا لهم؛ تطييبًا لقلوبِهم. ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ما صدرَ منكم في حَقِّي ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ولما عرفوه، قالوا له: نستحيي من الحضور لديكَ؛ لإساءتِنا إليك، فقال: لقدْ شُرِّفْتُ بكم؛ لأنَّ المصريينَ وإنْ ملكتُهم ما ينظرونَ إليَّ إلا بالعينِ الأولى؛ لأني كنتُ عبدًا فيهم. ***

стр. 1574

﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ . [٩٣] ثم سألَهم عن أبيه فقالوا: عَمِي، فقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ هو قميصُ إبراهيمَ الذي ألبسَهُ إياه جبريلُ حين ألُقي في النار، وكان معلَّقًا في عنق يوسفَ حينَ ألُقي في الجبِّ كما تقدّمَ في أول القصةِ، ففي هذا الوقتِ جاء جبريلُ ﵇، وقال: أرسلْ ذلكَ القميصَ؛ فإن فيه ريحَ الجنةِ، لا يقعُ على مبتلًى ولا سقيمٍ إلا عُوفيَ. ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ﴾ يعود ﴿بَصِيرًا﴾ حالٌ؛ أي: مُبْصِرًا. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ﴾ بأبيكم وأهلِه ﴿أَجْمَعِينَ﴾. ... ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾ . [٩٤] فقال يهوذا: أنا أَحْزَنْتُه بالقميصِ الملطَّخِ بالدَّمِ، فسأُفرِحُهُ بهذا القميصِ، فحملَه من مصرَ إلى كنعانَ، وبينهما ثمانونَ فرسخًا. ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: انفصلَتْ، وخرجَتْ من عمرانِ مصرَ. ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوبُ لحاضريهِ من حَفَدَتِهِ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ لأن الصَّبا حملتْ ريحَ يوسفَ من ثمانينَ فرسخًا، فأوجدَهُ اللهُ ريحَ القميصِ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُجَهِّلُونِ، والفَنَدُ: الخَرَفُ، يُقال: شَيْخ مُفَنَّدٌ، ولا يُقال: عجوز مُفَنَّدَةٌ؛ لأنه لم يكن لها رأيٌ في شبيبِتها فتفندَ في كبرِها.

стр. 1575

قرأ يعقوبُ: (تُفَنِّدُونِي) بإثباتِ الياءِ، والباقون: بحذفها (١). ... ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ . [٩٥] وكانوا يعتقدونَ موتَ يوسفَ، فلذلك ﴿قَالُوا﴾ يعني: أولادَ أولادِه. ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: في خَطَئِكَ في حُبِّ يوسفَ قديمًا، وتعتقدُ أنك تلقاهُ حديثًا، والضلالُ: هو الذهابُ عن طريقِ الصوابِ. ... ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ أي: المبشِّرُ عن يوسفَ، وهو يَهوذا ﴿أَلْقَاهُ﴾ أي: القميصَ ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ وجهِ يعقوبَ. ﴿فَارْتَدَّ﴾ فرجعَ ﴿بَصِيرًا﴾ فَثَمَّ ﴿قَالَ﴾ لأولادِ أولادِه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياةِ يوسفَ. ورُويَ أنَّ يعقوبَ سألَ البشيرَ عن يوسفَ، قال. ملكَ مصرَ، قال: وما أصنعُ بالملكِ، على أيِّ دينٍ هو؟ فالَ: على الإسلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ

стр. 1576

النعمةُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ أَعْلَمُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ . [٩٧] ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ مذنبين. قرأ أبو جعفرٍ: (خَاطِينَ) بإسكانِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (٢). ... ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أَخَّرَهُم لوقتِ السَّحَر؛ لأنه أَرْجى للإجابةِ، وهو الوقتُ الذي يقولُ الله: "هَلْ مِن دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ " (٣). قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٤)، ورُوي أن يعقوبَ استقبل القبلةَ قائِمًا يدعو، وقامَ يوسفُ خلفَهُ يُؤَمِّنُ، وقاموا خلفَهُ أَذِلَّةً خاشعينَ حتى نزلَ جبريلُ وقال:

стр. 1577

إِنَّ اللهَ قَدْ أجابَ دعوتَكَ في ولدِكَ، وعقدَ مواثيقَهم بعدَكَ على النبوَّةِ. ... ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ . [٩٩] وكان يوسفُ قد أرسلَ بمئتي راحلةٍ إلى أهلِه وجهازٍ ليرتحلوا إليهِ، وكانوا اثنين وسبعينَ إنسانًا لما دخلوا مصرَ ما بينَ ذكرٍ وأنثى، وكانوا لما خرجوا منها هاربينَ من فرعونَ ستَّ مئةِ ألفٍ وخمسَ مئةٍ وبضعةً وسبعين رجلًا سوى الذريَّةِ والهَرْمَى، وكانت الذريةُ والهرمَى ألفَ ألفٍ ومئتي ألفٍ، ولما دنا يعقوبُ وأهلُه من مصرَ، خرجَ يوسفُ والملكُ الأكبرُ في أربعةِ آلافٍ من الجندِ وعظماءِ المصريينَ يتلَقَّونهم، وكان يعقوبُ يمشي وهو يتوكأُ على يهوذا، فلما رأى الخيلَ، قالَ ليهوذا: هذا فرعونُ مصرَ؟ قال: هذا ابنُك، فلما دنا كلُّ واحدٍ منهُما من صاحبِه، فذهبَ يوسفُ يبدؤُهُ بالسلام، فقال جبريلُ: لا حتى يبدأَ يعقوبُ بالسلامِ، فقال يعقوبُ: السلامُ عليكَ يا مُذْهِبَ الأحزانِ، وتعانَقا، وبَكَيا، فقال يوسفُ: يا أبتِ! بكيتَ حتى ذهبَ بصرُكَ، ألم تعلمْ أنَّ القيامةَ تجمعُنا؟ قالَ: بلى يا بنيَّ، ولكن خشيتُ أن تسلَبَ دينَكَ فَيُحالَ بيني وبينَك. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أباه وخالتَه لَيَّا، وكانتْ أُمُّه راحيلُ قد ماتت، والعربُ تسمِّي العمَّ أبًا، والخالةَ أمًّا. ﴿وَقَالَ﴾ لهم لما قاربَ البلدَ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ استثناءٌ متعلِّقٌ بالدخول الموصوفِ بالأمنِ؛ كأنه قال: اِسْلَموا وَأْمَنوا في دخولكم إنْ شاءَ الله.

стр. 1578

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ . [١٠٠] فلما عاد إلى مصر، جلسَ على سريره، وجمع الناسَ، وإخوتُه حولَه ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ معه ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو سريرُ الملك. قرأ ابنُ كثيرٍ: (أَبَوَيْهِي) وشبهَهُ بياءٍ يصلُها بهاءِ الكنايةِ في الوصلِ حيثُ وقعَ. ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ إخوتُه وأبواه ﴿سُجَّدًا﴾ كذلكَ كانت تحيتُهم، فنُهينا عنه في شريعةِ الإسلام. ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وكانَ بينهما نحوُ خمسينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. قرأ الكسائيُّ: (رُؤْيَايَ) بالإمالةِ (١) ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صِدْقًا. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أنعمَ عليَّ ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقلْ: من الجبِّ؛ تكرمًا لئلَّا يستحييَ إخوتهُ، ومن تمامِ الصفحِ ألَّا يذكرَ ما تقدَّمَ من الذنب. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (بِيَ إِذْ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).

стр. 1579

﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ الباديةِ؛ لأنهم كانوا أصحابَ ماشيةٍ وعَمَدٍ، وهي الخيامُ، ينتقلون في الماءِ والمرعى. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ أفسدَ ﴿الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ بوسوستِهِ، وأصلُ النزغِ: نَخْسُ الرائِضِ الدابةَ لتتحرَّكَ. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيفُ التدبير له، واللطيفُ: الذي يوصلُ الإحسانَ إلى غيرهِ بالرفقِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوجوهِ المصالحِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعل. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (إخْوَتِيَ) بفتح الياء، والباقونَ: بإسكانها (١)، واختلافُهم في الهمزتينِ من (يَشَاءُ إِنَّهُ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ) في سورةِ البقرةِ. وأقامَ يعقوبُ بمصرَ عندَ يوسفَ أربعًا وعشرينَ سنةً، ثم ماتَ، فلما حضرَتْهُ الوفاةُ أَوْصى بحملِه ودفنِه عندَ أبيهِ إسحاقَ بمغارةِ حَبْرونَ عندَ قبرِ إبراهيمَ ﵇، وتقدم ذكرُ ذلكَ في سورةِ البقرةِ. قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: لما ماتَ يعقوبُ، نقلَه يوسفُ في تابوتٍ من ساج إلى بيت المقدسِ، فوافقَ يومَ موتِ أخيه عيصٍ، فدُفِنا في قبرٍ واحدٍ، وكانا وُلدا في بطنٍ واحدٍ، وكان عمرُهما مئةً وسبعةً وأربعينَ سنة (٢). ...

стр. 1580

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ . [١٠١] فلما جمعَ اللهُ تعالى ليوسفَ شملَه، علمَ أن نعيمَ الدُّنيا لا يدومُ، فسألَ اللهَ حُسْنَ العاقبةِ فقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ يعني: ملكَ مصرَ، والملكُ اتِّساعُ المقدورِ لمن له السياسةُ والتدبيرُ. ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبيرِ الرؤيا، و (مِنْ) للتبعيضِ؛ لأنه لم يؤتَ كُلَّ الملكِ ولا كُلَّ التأويلِ. ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدِعَهما، وانتصابُ (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ) على النداءِ. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ أي: متولِّي أمري ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْني إليك ﴿مُسْلِمًا﴾ مخِلصًا ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من آبائي النبيينَ. واختلفوا في مدةِ غَيبةِ يوسفَ عن أبيهِ، فقيل: اثنتانِ وعشرونَ سنةً، وقيل: أربعونَ، وقيل: ثمانون، ولما ماتَ الملكُ الأكبرُ، وهو الريانُ بنُ الوليدِ المتقدِّمُ ذكرهُ، خلفَه ابنهُ دريموش، ويسميهِ أهلُ الأثر: دارمَ بنَ الريان، وهو الفرعونُ الرابعُ عندَهم، فخالفَ سنةَ أبيه، وكانَ يوسفُ خليفته، فيقبلُ منه بعضًا، ويخالفُ في البعضِ، فماتَ يوسفُ في أيامِه وله مئةٌ وعشرونَ سنةً، فَكُفِّنَ وحُمل في تابوب من رخام، ودُفِنَ في الجانبِ الغربيِّ من بحرِ النيلِ، فأخصبَ ونقص الشرقيُّ، فَحُوِّلَ إليه، فأخصبَ ونقصَ الغربيُّ، فاتفقوا على أن يجعلوهُ في الشرقيِّ عامًا، وفي الغربيِّ
следующие страницы →