[٥٣] رُويَ أن يوسفَ لما قالَ هذهِ المقالَة قالَ له جبريلُ ﵉: ولا حينَ هَمَمْتَ؟ فقالَ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (١) من الخطأ.
﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾ أي: جميعَ النفوسِ ﴿لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ بنيلِ شهوتها الرديَّةِ.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي: إلا البعضَ الذي رحمَهُ ربي بالعصمةِ.
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (نَفْسِيَ) (رَبِّيَ) بفتحِ الياءِ فيهما، والباقون: بإسكانها (٢)، واختلافُهم في الهمزتينِ من قوله (بِالسُّوءِ إِلَّا) كاختلافِهم فيهما من ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في سورةِ البقرةِ [الآية: ٣١].
...
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ .
[٥٤] فلما ظهرتْ براءتُه للملكِ، عرفَ علمَه ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ﴾ أجعَلْه خالِصًا.
﴿لِنَفْسِي﴾ دونَ غيرِهِ، ووجَّهَ إليه، فأُخرج، وغُسِّلَ من دَرَنِ السجنِ، وألُبسَ ما يليقُ بالدخولِ على الملوكِ، ودعا لأهلِ السجنِ فقالَ: اللهمَّ أعطفْ عليهم قلوبَ الأخيار، ولا تُعَمِّ عليهم الأخبار؛ فهم أعلمُ الناسِ بالأخبارِ، وكتبَ على بابِ السجنِ: هذا قبورُ الأحياء، وبيتُ الأحزان،
стр. 1549
وتجربةُ الأصدقاء، وشماتةُ الأعداء، وجاءَ الملكَ، فلما دخلَ عليه قال: اللهمَّ إني أسألُك من خيرهِ، وأعوذُ بعزتِك وقدريك من شرِّه، ثم سلَّم عليه، ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسانُ؟ قالَ: لسان آبائي، وكانَ الملكُ يعرفُ سبعين لسانًا، فكلمه بها، فأجابه بجميعِها، فتعجَّبَ منه، وامتلأ قلبُه من حبِّه.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ شِفاهًا، فقالَ: أحبُّ أن أسمعَ رؤيايَ منكَ، فحكاها، ونعتَ له البقراتِ والسنابلَ وأماكنَها على ما رآها.
﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ مُمَكَّنٌ.
﴿أَمِينٌ﴾ مؤتمَنٌ على خزائني وأمري، فما تَرَى؟ قال: تزرعُ زرعًا كثيرًا، وتأخذُ من الناس خُمْسَ زُروعِهم في السنينَ المخصبةِ، وتَدَّخِرُ الجميعَ في سُنبلِهِ ليكونَ قصبهُ وسنبلُه عَلَفًا للدوابِّ، ويكفيكَ ولأهلِ مصرَ السنينَ المجدبةَ، ويأتيكَ الخلقُ من النواحي، فتمتارُ منكَ في حكمِك، ويُجمَعُ عندك من الكنوز ما لم يُجْمَعْ لأحدٍ قبلَكَ، فقالَ الملك: ومن لي بذلك؟
...
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
[٥٥] ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ مملكتِكَ.
﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ حافظٌ عليها ﴿عَلِيمٌ﴾ عالمٌ بوجوهِ التدبيرِ والتصرُّفِ، وإنما طلبَ ذلكَ شفقةً على المسلمينَ، لا منفعةً لنفسِه، فخَلَعَ عليه خِلَعَ الملوكِ، وألبسَه تاجًا، وأمرَ أن يُطافَ به، وركب الجيشُ معهُ، وعزلَ قِطفيرًا وجعلَه مكانَه مستخْلَفًا على الملكِ، وتردَّدَ إلى قصرِ الملكِ، وجلسَ
стр. 1550
على سريرِ العزيزِ، وماتَ قِطفيرٌ، فزوَّجَه امرأتَه زليخا، فوجدها عذراءَ، فقال لها يوسفُ: هذا خيرٌ مما أردتِ، فقالت: اعذرْني؛ إنَّ زوجي كانَ عِنِّينًا، ولم تَرَكَ امرأةٌ إلا صَبا قلبُها إليكَ من حسنِك.
...
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ولم يزلْ يتلطَّفُ بالملِكِ حتى آمنَ، واتبعَ يوسفَ على دينِه، وكثيرٌ من الناسِ، ويوسفُ ﵇ هو الذي بنى مدينةَ الفَيُّومِ من أعمالِ مصرَ، واستوثقَ له ملكُ مصرَ، فأقام فيهم العدلَ، وأحبَّه الرجالُ والنساءُ، فذلك قولُه تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ مصرَ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ أي: ينزل ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (نَشَاءُ) بالنون، ردًّا على قوله: (مَكَّنَّا)، وقرأ الباقونَ: بالياءِ ردًّا على قوله (يَتبَوَّأ) (١).
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ أي: بنعمتِنا ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الصابرين.
...
﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشركَ، ثم جاءَ
стр. 1551
القحطُ، وكانَ يوسفُ لا يشبعُ مدةَ القحطِ مخافةَ نِسيانِ الجياعِ، فباعَ الطعامَ من أهلِ مصرَ في السنةِ الأولى بالدنانيرِ والدراهمِ، والثانيةِ بالحليِّ والجواهرِ، وفي الثالثةِ بالدوابِّ والمواشي، وفي الرابعةِ بالعبيدِ والإماءِ، وفي الخامسةِ بالضِّياعِ والعقارِ، وفي السادسةِ بأولادِهم، وفي السابعةِ برقابِهم، فقال يوسفُ للملكِ: كيف رأيتَ صنيعَ ربِّي فيما خَوَّلَني، فما ترى؟ قال: الرأيُ رأيُكَ، ونحن لكَ تَبَعٌ، قال: إني أُشهِدُ اللهَ وأُشهدِكَ أَنِّي قد أعتقتُ أهلَ مصرَ عن آخرِهم، وردَدْتُ عليهم أملاكَهم.
...
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾ .
[٥٨] وكان يوسفُ لا يبيعُ أحدًا من المجتازين إلا حِمْلَ بعيرٍ تقسيطًا بينَ الناسِ، وتزاحمَ الناسُ عليه، وأصابَ أرضَ كنعانَ وبلادَ الشام ما أصابَ أرضَ مصرَ من القحطِ، ونزلَ بيعقوبَ ما نزلَ بالناسِ، وكان منزلُه بأرضِ فلسطينَ بغورِ الشام، فأرسلَ بنيهِ العشرةَ إلى مصرَ للميرةِ، وأمسكَ بنيامينَ شقيقَ يوسفَ، فذلك قولُه تعالى:
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ تقدَّمَ اختلافُ القراء في الهمزتين من قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ﴾ في سورة البقرة [الآية: ١٣٣] وكذلك اختلافُهم في (وَجَاءَ إِخْوَةُ).
﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ أنهم إخوتُه.
﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لبعدِ عهدِهم، وقلةِ تأملِهم في حلاهُ من التَّهَيُّبِ والاستعظامِ.
***
стр. 1552
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] وكانَ بين أن قذفوه في البئرِ وبينَ أن دخلوا عليه أربعين سنة، فلما نظر إليهم يوسفُ وكلَّموهُ بالعبرانيةِ، قالَ: "أخبروني من أنتم؟ قالوا: قومٌ من أرض الشام، قال: بل أنتم جواسيسُ جئتُم تَطَّلِعون على عورة بلادي، قالوا: لا والله! لسنا بجواسيس، وإنما جئنا نمتارُ، ونحن إخوةُ بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخٌ صديقٌ نبيٌّ من أنبياءِ الله، وكان قد قال لنا: إن بمصرَ مَلِكًا صالحًا، فانطلقوا إليه، وأقرؤوه مِنِّي السلامَ، وهو يقْرِئُكَ السلامَ، فبكى يوسفُ وعصرَ عينيه، وكنا اثني عشرَ، هلكَ منا واحدٌ وبقي منا واحدٌ عندَه يتسلَّى به عن أخيه الهالك، قال: فاتركوا بعضكم رهينةً عندي، وأتوني بأخيكم من أبيكم، ويراسلني أبوكم على لسانِه، ويخبرني أبوكم مِمَّ حزنُه حَتَّى أصدقَكم، فتركوا عندَه شمعونَ، وكان يوسفُ يحسِنُ إليه.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أعطَى لكلٍّ منْهم حِمْلَ بعيرَ، والجهازُ: ما يُهَيّأُ لمن يُشَبَّعُ.
﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ يعني: بنيامينَ.
﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ، فأزيدكم حملَ بعيرٍ لأجلِ أخيكم.
﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ المضيفينَ، وكان قد أحسنَ ضِيافَتَهم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ بخلافٍ عن الثاني: (أَنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: أثمانَ ما أخذوه ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَوْعِيَتِهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: كرامتَهم علينا.
﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا رأوا إحسانَه إليهم، وليعلموا أنه لم يطلبْ عودَهم لأجلِ الثمنِ، وأنهم إذا رأوا الثمنَ عادوا؛ لأنهم لا يستحلُّون أكلَه.
...
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ .
[٦٣] ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ قرأ يعقوبُ: (أَبِيهُمُ) بضمِّ الهاء، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ بخلافٍ عن الثالثِ، (أَبِيهِمُو) بضمِّ الميم ووصْلِها بواوٍ في اللفظِ حالةَ الوصل.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ﴾ أي: يُمْنَعُ ﴿مِنَّا الْكَيْلُ﴾ إنْ لم نحملْ أخانا إليه، وذكروا إحسانَهُ، وأنه قد ارتهنَ شمعونَ، وأخبروه بالقصةِ، والمرادُ بالكيل: الطعامُ؛ لأنه يُكالُ.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامينَ ﴿نَكْتَلْ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَكْتَلْ) بالياء؛ أي: يكتلْ لنفِسه كما نكتالُ نحن، وقرأ الباقون: بالنون، بمعنى نكتلْ نحن وهوَ الطعامَ (١) ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ضامنونَ بردِّه إليك.
стр. 1555
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسفَ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كيفَ آمنُكم عليه وقد فعلتُم بيوسفَ ما فعلْتُم؟
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (حَافِظًا) بألفٍ بعدَ الحاءِ وكسرِ الفاءِ على التفسير؛ كما يقال: هو خيرٌ رَجُلًا، وقرأ الباقون: بكسرِ الحاءِ وإسكانِ الفاءِ من غيرِ ألفٍ على المصدرِ، يعني: خيرَكم حِفْظًا (١)، ونصبُه تمييز في الوجهين، المعنى: ولكنَّ حفظَ اللهِ خيرٌ من حفظِكم إياه، وحفظي، رُوي أنه لما قالَ ذلكَ، قال تعالى: وعِزَّتي لأردَّنَّ عليكَ كليهما.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأرجو أن يرحَمَني بحفظِه.
...
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾ .
[٦٥] ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ الذي حملوه من مصر ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثمنَ الطعامِ ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ فعندَ عودِ بضاعتهم إليهم.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ من البغي؛ أي: ما نكذِبُ على هذا الملكِ، ولا في وصفِ إجمالِه وإكرامِه.
стр. 1556
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ فهذا هو العيانُ من الإحسانِ، أوفى لنا الكيلَ، وردَّ علينا الثمنَ، أرادوا تطييبَ نفسِ أبيهم.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ نجلبُ لهم الطعامَ ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بنيامينَ في الذهابِ والمجيء.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ﴾ أي: وِقْرَ ﴿بَعِيرٍ﴾ نَصيبَ أخينا.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: حملُ البعيرِ ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: ذلكَ مكيلٌ قليلٌ لا يكفينا، يعنون: ما يُكالُ لهم، وأرادوا أن يزدادوا إليه ما يُكالُ لأخيهم.
...
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ .
[٦٦] ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوبُ: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ أثبتَ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ الياءَ بعدَ النونِ في (تُؤْتُوني) وصلًا، وأثبتَها ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ في الحالين (١).
﴿مَوْثِقًا﴾ عَهْدًا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مؤكَّدًا.
﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أي: تردُّونَه إليَّ ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تهكِوا جميعًا.
стр. 1557
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أعطَوْه عهدَهم ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ شهدٌ.
...
﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿وَقَالَ﴾ لهم يعقوبُ لما أرادوا الخروجَ من عندِه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ خافَ عليهِمُ العينَ؛ لجمالِهم، والمدينةُ التي أمرَهم أن يدخلوها من أبوابٍ متفرقةٍ هي الفَرْما، وهي أولُ مدنِ مصرَ من جهةِ الشَّمال بالقربِ من قَطْيا، وهي قريةُ أمِّ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵉، وكان لها أربعةُ أبواب، فدخلوا منها.
﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لا أقولُ ذلك دَفْعًا لما قضي، سواءٌ دخلتُم متفرقين أو مجتمعين.
﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ أي: ما الحكمُ ﴿إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدْتُ.
﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وإلى اللهِ فليفوِّضْ أمورَهم المفوِّضونَ.
...
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ .
[٦٨] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا﴾ متفرقينَ ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ من الأبوابِ المتفرقةِ.
стр. 1558
﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ رأيُ يعقوبَ ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ من قضائِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنهم سُرِّقوا وافْتُضِحوا، وأُخِذَ أخوهم منهم , وازدادَ حزنُ أبيهم ﴿إِلَّا﴾ لكنْ ﴿حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ هي الشفقةُ عليهم.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: هو عالمٌ عاملٌ بتعليمِنا إياه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما علمَ يعقوبُ.
...
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
[٦٩] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنَا أن نأتيكَ به، قد جِئْنا به، فقال: أحسنتُم وأصبتُم، وستجدون ذلكَ عندي، ثم أنزلَهم وأكرمَهم وأجلسَ كلَّ اثنينِ منهم على مائدةٍ، فبقيَ بنيامينُ وحدَه، فبكى وقال: لو كانَ أخي يوسفُ حيًّا لأجلسَني معه، فأجلسَه يوسفُ معه، وجعلَ يؤاكِلهُ، وأنزلَ كلَّ اثنينِ في مكانٍ، فلم يبقَ لبنيامينَ ثانٍ، فقالَ: هذا لا ثانيَ له، فيكون معي، فباتَ عندَ يوسفَ فذلك قولُه :
﴿آوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ فلما خلا به، قال له: ما اسمُك؟ قال: بنيامينُ، قال: أتحبُّ أن أكونَ أخاكَ بدلَ أخيكَ الهالكِ؟ فقال: ومَنْ يجدُ مثلَكَ؟ ولكنْ لم يلدْك يعقوبُ، ولا راحيلُ، فبكى يوسفُ وقامَ إليه وعانقَهُ، و ﴿قَالَ﴾ له: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسفُ. قرأ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ
стр. 1559
نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أَخُوكَ) بالمدِّ (١).
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا يلحقك بؤسٌ، وهو الشدةُ.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِنا فيما مضى؛ فقد أحسنَ اللهُ إلينا، وجمعَنا، فلا تُعْلِمْهم بأمرِنا، فقال: لا أفارقكَ، فقال: قد علمتَ اغتمامَ والدي بي، وإذا احتبستُكَ، ازدادَ غَمُّهُ، ولا يمكِنُني أخذُك إلا بعدَ أن أرميَكَ بالسرقةِ، فقالَ: افعلْ ما شئتَ.
...
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ .
[٧٠] فوفى يوسفُ الكيلَ لكلِّ واحدٍ من إخوته حِمْلَ بعير، وحَمَّلَ لبنيامينَ بعيرًا باسمِه كما حَمَّلَ لهم ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: هَيَّأَ لهم أسباب الميرةِ،
﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ وهيَ مكيالٌ يُكالُ به، ويشربُ فيه الملكُ.
﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامينَ، فلما انفصلوا عن مصرَ نحوَ الشام، أرسلَ يوسفُ من استوقَفهم فوقفوا.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى منادٍ. قرأ أبو جعفر، وورشٌ عن نافع: (مُوَذِّنٌ) فتح الواوِ بغيرِ همزٍ (٢).
стр. 1560
﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: القافلةُ، والمرادُ: أهلُها، والأصلُ في العيرِ أن تكونَ حميرًا، ثم كثرَ ذلكَ حتى قيل لكلِّ قافلةٍ: عيرٌ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وصفَهم بالسرقةِ من حيثُ سرقَ في الظاهرِ أحدُهم، وهذا كما تقولُ: بنو فلانٍ قتلوا فلانًا، وإنما قتلَه أحدُهم.
...
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ .
[٧١] ﴿قَالُوا﴾ إخوةُ يوسفَ ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عطفوا على المؤذِّنِ وأصحابه:
﴿مَاذَا﴾ أي: ما الذي ﴿تَفْقِدُونَ﴾؟ والفَقْدُ: غيبةُ الشيءِ عن الحسِّ بحيثُ لا يُعرفُ مكانُه.
...
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ .
[٧٢] ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ هو جامٌ كهيئةِ المكوكِ من فِضَّة. قرأ أبو عمرٍو: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ﴾ بإدغام الدال في الصاد (١).
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ بالصُّواع ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من طعامٍ.
﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ضمينٌ لمن ردَّه، يقولُه المؤذِّنُ.
...
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ عَمِيَ بصرُه من ملازمةِ البكاء، فلم يُبْصرْ بهما سِتّ سنينَ.
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ حابسٌ حزنَه لا يظهِرُه.
...
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ .
[٨٥] ﴿قَالُوا﴾ أولادُ يعقوبَ: ﴿تَاللَّهِ﴾ بمعنى: واللهِ!
﴿تَفْتَأُ﴾ أي: لا تزال، وحُذِفَتْ (لا) في هذا الموضعِ منَ القسمِ لدلالةِ الكلامِ عليها؛ تقديرُه: تالله لا تفتأ.
﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ لا تفتُرُ من حُبِّهِ.
﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ باليًا من المرضِ.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ الميتينَ.
...
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ .
[٨٦] ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾ هو أشدُّ الحزنِ الذي لا يصبرُ عليه صاحبُه حتى يَبُثَّهُ أو يَشْكُوَهُ.
﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ والحزنُ: هو أشدُّ الهَمِّ. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ،
стр. 1569
ويعقوبُ: (حُزْنِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحها (١).
﴿وَأَعْلَمُ﴾ يا بنِيَّ ﴿مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهو أن رؤيا يوسفَ صادقة وأنه حيٌّ، وأني وأنتم سنسجدُ له.
روُي أنه قيلَ له: يا يعقوبُ! ما الذي أذهبَ بصرَكَ، وقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ قالَ: أذهبَ بصري بُكائي على يوسفَ، وقوَّسَ ظهري حُزْني على أخيه، فأوحى الله إليه: أَتشكوني؟! وَعِزَّتي لا أَكْشِفُ ما بِكَ حَتَّى تدعوَني، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى﴾ فأوحى الله إليه: وعِزَّتي لو كانا ميتينِ لأَخْرَجْتُهما لك، وإنما وَجَدْتُ عليكم أنكم ذبحتم شاةً، فقامَ ببابِكم مسكينٌ فلم تُطعموه منها شيئًا، وإنَّ أحبَّ خلقي إليَّ الأنبياءُ، ثم المساكينُ، فاصنعْ طعامًا، فادعُوا عليه المساكينَ، فصنعَ طعامًا، ثم قالَ: من كانَ صائمًا، فليفطرِ الليلةَ عندَ آلِ يعقوبَ.
وقد حُكي أن ابتلاءَ يعقوبَ بيوسفَ كان سببهُ التفاتَه في صلاتِه إليه ويوسفُ نائمٌ؛ محبةً له.
فإن قيل: كيف استجازَ يوسفُ أن يعملَ مثلَ هذا بأبيه، ولم يخبرْه بمكانِه، وحبسَ أخاهُ معَ علمِه بشدةِ وَجْدِ أبيه؛ ففيه معنى العُقوقِ، وقطيعةُ الرحمِ، وقلةُ الشفقةِ؟ فالجوابُ: أنه عملَ ذلكَ بأمرِ الله تعالى، أمرَهُ به ليزيدَ في بلاءِ يعقوبَ، فيضاعِفَ له الأجرَ، ويلحقَه في الدرجةِ بآبائِه الماضين، واللهُ أعلم.
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ الذي نستحقُّه ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي: تفضَّلْ بالمسامحةِ والإغضاء عن رداءةِ البضاعةِ، وكانت دراهمَ زيُوفًا لا تؤخَذُ إلا بنقصانٍ، واستدلَّ مالكٌ وغيرهُ من العلماءِ بقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ على أن أجرةَ الكَيَّالِ على البائعِ، وكذلكَ الوزَّان، لأنَّ الرجلَ إذا باعَ عِدَّةً معلومةً من طعامٍ، أَوجَبَ العَقْدُ عليه أن يُفْردَها بعيِنها، ويحوزَها المشتري، والحكمُ كذلكَ بالاتفاقِ حيثُ كانَ المبيعُ مَكيلًا أو مَوْزونًا، أما إذا كانَ الثمنُ كذلكَ، فالأجرةُ على المشتري عندَ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ، وفي مذهبِ مالكٍ خلافٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ والتصدُّقُ: التفضُّل.
وسمعَ الحسنُ إنسانًا يقولُ: اللهمَّ تصدَّقْ عليَّ، فقالَ: إن الله لا يتصدَّقُ، وإنما يتصدَّقُ مَنْ يبتغي الثوابَ، ولكنْ قل: اللهمَّ أَعْطِني، أو تفضَّلْ عليَّ، أو ارحَمْني، ونحوَهُ.
...
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ .
[٨٩] فلما كلموه بهذا الكلام، أدركَتْهُ الرِّقَّةُ، فارفضَّ دمعُه، وباحَ بالذي يكتُمُ.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إِذْ فَرَّقْتُم بينَهما، وصنعتُم ما صنعتُم.
﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ لا تعلمونَ قبحَه، فلذلكَ أقدمْتُم عليه؟
***
стр. 1572
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ .
[٩٠] ثم تعرَّفَ لهم فعرفوهُ، و ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (إِنَّكَ) بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ، والباقونَ: بهمزتينِ، على الاستفهام، وهم على أُصولهم، فالكوفيونَ، وابنُ عامرٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الهمزتينِ، وورشٌ ورويسٌ: يحققان الأولى، ويسهِّلانِ الثانيةَ، وأبو عمرٍو، وقالونُ عن نافعٍ: يسهِّلانِ الثانيةَ، ويُدْخلان بينهما ألفًا (١).
﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ من أبي وأمي.
﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بأنْ جمعَ بينَنا.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ اللهَ ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على امتثالِ الأمرِ واجتنابِ النهي. قراءة العامة: (يَتَّقِ) بحذفِ الياءِ في الحالين، جزمٌ (بمَنْ)؛ لأنها شرطٌ، وقرأ قنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ: (يَتَّقِي) بإثباتِ الياءِ في الحالينِ لغةً للعربِ يُثبتون الياءَ في الجزمِ (٢).
стр. 1573
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المتَّصفين بهذهِ الصفاتِ.
...
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ .
[٩١] ﴿قَالُوا﴾ معتذرينَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أي: فَضَّلَكَ ﴿عَلَيْنَا﴾ بالصبرِ والحلمِ والعقلِ.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي: وما كُنَّا في صنيعِنا بكَ إلا مخطئينَ مُذْنبين، يقالُ: خَطَأَ: إذا تعمَّدَ، وأخطأَ: إذا كانَ غيرَ متعمدٍ.
...
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ .
[٩٢] فلما اعترفوا بذنوبهم ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ﴾ لا تقريعَ ولا توبيخَ.
﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ولا أذكرُ لكم ذنبَكُم بعدَ اليومِ، ثم دعا لهم؛ تطييبًا لقلوبِهم.
﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ما صدرَ منكم في حَقِّي ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ولما عرفوه، قالوا له: نستحيي من الحضور لديكَ؛ لإساءتِنا إليك، فقال: لقدْ شُرِّفْتُ بكم؛ لأنَّ المصريينَ وإنْ ملكتُهم ما ينظرونَ إليَّ إلا بالعينِ الأولى؛ لأني كنتُ عبدًا فيهم.
***
стр. 1574
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ .
[٩٣] ثم سألَهم عن أبيه فقالوا: عَمِي، فقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ هو قميصُ إبراهيمَ الذي ألبسَهُ إياه جبريلُ حين ألُقي في النار، وكان معلَّقًا في عنق يوسفَ حينَ ألُقي في الجبِّ كما تقدّمَ في أول القصةِ، ففي هذا الوقتِ جاء جبريلُ ﵇، وقال: أرسلْ ذلكَ القميصَ؛ فإن فيه ريحَ الجنةِ، لا يقعُ على مبتلًى ولا سقيمٍ إلا عُوفيَ.
﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ﴾ يعود ﴿بَصِيرًا﴾ حالٌ؛ أي: مُبْصِرًا.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ﴾ بأبيكم وأهلِه ﴿أَجْمَعِينَ﴾.
...
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾ .
[٩٤] فقال يهوذا: أنا أَحْزَنْتُه بالقميصِ الملطَّخِ بالدَّمِ، فسأُفرِحُهُ بهذا القميصِ، فحملَه من مصرَ إلى كنعانَ، وبينهما ثمانونَ فرسخًا.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: انفصلَتْ، وخرجَتْ من عمرانِ مصرَ.
﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوبُ لحاضريهِ من حَفَدَتِهِ:
﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ لأن الصَّبا حملتْ ريحَ يوسفَ من ثمانينَ فرسخًا، فأوجدَهُ اللهُ ريحَ القميصِ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ.
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُجَهِّلُونِ، والفَنَدُ: الخَرَفُ، يُقال: شَيْخ مُفَنَّدٌ، ولا يُقال: عجوز مُفَنَّدَةٌ؛ لأنه لم يكن لها رأيٌ في شبيبِتها فتفندَ في كبرِها.
إِنَّ اللهَ قَدْ أجابَ دعوتَكَ في ولدِكَ، وعقدَ مواثيقَهم بعدَكَ على النبوَّةِ.
...
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ .
[٩٩] وكان يوسفُ قد أرسلَ بمئتي راحلةٍ إلى أهلِه وجهازٍ ليرتحلوا إليهِ، وكانوا اثنين وسبعينَ إنسانًا لما دخلوا مصرَ ما بينَ ذكرٍ وأنثى، وكانوا لما خرجوا منها هاربينَ من فرعونَ ستَّ مئةِ ألفٍ وخمسَ مئةٍ وبضعةً وسبعين رجلًا سوى الذريَّةِ والهَرْمَى، وكانت الذريةُ والهرمَى ألفَ ألفٍ ومئتي ألفٍ، ولما دنا يعقوبُ وأهلُه من مصرَ، خرجَ يوسفُ والملكُ الأكبرُ في أربعةِ آلافٍ من الجندِ وعظماءِ المصريينَ يتلَقَّونهم، وكان يعقوبُ يمشي وهو يتوكأُ على يهوذا، فلما رأى الخيلَ، قالَ ليهوذا: هذا فرعونُ مصرَ؟ قال: هذا ابنُك، فلما دنا كلُّ واحدٍ منهُما من صاحبِه، فذهبَ يوسفُ يبدؤُهُ بالسلام، فقال جبريلُ: لا حتى يبدأَ يعقوبُ بالسلامِ، فقال يعقوبُ: السلامُ عليكَ يا مُذْهِبَ الأحزانِ، وتعانَقا، وبَكَيا، فقال يوسفُ: يا أبتِ! بكيتَ حتى ذهبَ بصرُكَ، ألم تعلمْ أنَّ القيامةَ تجمعُنا؟ قالَ: بلى يا بنيَّ، ولكن خشيتُ أن تسلَبَ دينَكَ فَيُحالَ بيني وبينَك.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أباه وخالتَه لَيَّا، وكانتْ أُمُّه راحيلُ قد ماتت، والعربُ تسمِّي العمَّ أبًا، والخالةَ أمًّا.
﴿وَقَالَ﴾ لهم لما قاربَ البلدَ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ استثناءٌ متعلِّقٌ بالدخول الموصوفِ بالأمنِ؛ كأنه قال: اِسْلَموا وَأْمَنوا في دخولكم إنْ شاءَ الله.
стр. 1578
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ .
[١٠٠] فلما عاد إلى مصر، جلسَ على سريره، وجمع الناسَ، وإخوتُه حولَه ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ معه ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو سريرُ الملك. قرأ ابنُ كثيرٍ: (أَبَوَيْهِي) وشبهَهُ بياءٍ يصلُها بهاءِ الكنايةِ في الوصلِ حيثُ وقعَ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ إخوتُه وأبواه ﴿سُجَّدًا﴾ كذلكَ كانت تحيتُهم، فنُهينا عنه في شريعةِ الإسلام.
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وكانَ بينهما نحوُ خمسينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. قرأ الكسائيُّ: (رُؤْيَايَ) بالإمالةِ (١) ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صِدْقًا.
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أنعمَ عليَّ ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقلْ: من الجبِّ؛ تكرمًا لئلَّا يستحييَ إخوتهُ، ومن تمامِ الصفحِ ألَّا يذكرَ ما تقدَّمَ من الذنب. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (بِيَ إِذْ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
стр. 1579
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ الباديةِ؛ لأنهم كانوا أصحابَ ماشيةٍ وعَمَدٍ، وهي الخيامُ، ينتقلون في الماءِ والمرعى.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ أفسدَ ﴿الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ بوسوستِهِ، وأصلُ النزغِ: نَخْسُ الرائِضِ الدابةَ لتتحرَّكَ.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيفُ التدبير له، واللطيفُ: الذي يوصلُ الإحسانَ إلى غيرهِ بالرفقِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوجوهِ المصالحِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعل. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (إخْوَتِيَ) بفتح الياء، والباقونَ: بإسكانها (١)، واختلافُهم في الهمزتينِ من (يَشَاءُ إِنَّهُ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ) في سورةِ البقرةِ.
وأقامَ يعقوبُ بمصرَ عندَ يوسفَ أربعًا وعشرينَ سنةً، ثم ماتَ، فلما حضرَتْهُ الوفاةُ أَوْصى بحملِه ودفنِه عندَ أبيهِ إسحاقَ بمغارةِ حَبْرونَ عندَ قبرِ إبراهيمَ ﵇، وتقدم ذكرُ ذلكَ في سورةِ البقرةِ.
قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: لما ماتَ يعقوبُ، نقلَه يوسفُ في تابوتٍ من ساج إلى بيت المقدسِ، فوافقَ يومَ موتِ أخيه عيصٍ، فدُفِنا في قبرٍ واحدٍ، وكانا وُلدا في بطنٍ واحدٍ، وكان عمرُهما مئةً وسبعةً وأربعينَ سنة (٢).
...
стр. 1580
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ .
[١٠١] فلما جمعَ اللهُ تعالى ليوسفَ شملَه، علمَ أن نعيمَ الدُّنيا لا يدومُ، فسألَ اللهَ حُسْنَ العاقبةِ فقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ يعني: ملكَ مصرَ، والملكُ اتِّساعُ المقدورِ لمن له السياسةُ والتدبيرُ.
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبيرِ الرؤيا، و (مِنْ) للتبعيضِ؛ لأنه لم يؤتَ كُلَّ الملكِ ولا كُلَّ التأويلِ.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدِعَهما، وانتصابُ (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ) على النداءِ.
﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ أي: متولِّي أمري ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْني إليك ﴿مُسْلِمًا﴾ مخِلصًا ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من آبائي النبيينَ.
واختلفوا في مدةِ غَيبةِ يوسفَ عن أبيهِ، فقيل: اثنتانِ وعشرونَ سنةً، وقيل: أربعونَ، وقيل: ثمانون، ولما ماتَ الملكُ الأكبرُ، وهو الريانُ بنُ الوليدِ المتقدِّمُ ذكرهُ، خلفَه ابنهُ دريموش، ويسميهِ أهلُ الأثر: دارمَ بنَ الريان، وهو الفرعونُ الرابعُ عندَهم، فخالفَ سنةَ أبيه، وكانَ يوسفُ خليفته، فيقبلُ منه بعضًا، ويخالفُ في البعضِ، فماتَ يوسفُ في أيامِه وله مئةٌ وعشرونَ سنةً، فَكُفِّنَ وحُمل في تابوب من رخام، ودُفِنَ في الجانبِ الغربيِّ من بحرِ النيلِ، فأخصبَ ونقص الشرقيُّ، فَحُوِّلَ إليه، فأخصبَ ونقصَ الغربيُّ، فاتفقوا على أن يجعلوهُ في الشرقيِّ عامًا، وفي الغربيِّ