← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ من خرابها، والنحتُ: النَّقْرُ بالمعاولِ ونحوِها في الحجارةِ. ... ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾ . [٨٣] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ صيحةُ العذابِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقتَ الصبحِ. ... ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من عَدَدِهم وعُدَدِهم وبناءِ حصونِهم. ... ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين جنسَي السمواتِ والأرضِ. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لم نوجدْ شيئًا عَبَثًا ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ فيجازَى المحسنُ بإحسانِه، والمسيءُ بإساءتِه. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي: أعرضْ عن المشركينَ إعراضًا جميلًا، وأَكَّدَ الصفحَ بنعتِ الجمالِ؛ إذِ المرادُ منه أن يكونَ لا عَتْبَ فيه ولا حِقْدَ، ونُسِخَتْ بآيةِ القتالِ.

стр. 1682

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ بخلقِهِ. ... ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هي الفاتحةُ؛ لأنها سبعُ آياتٍ بإجماعٍ، ولأنها تُثَنَّى في الصلاةِ، وتقدَّمَ الكلام على ذلكَ في أولِ التفسيرِ. ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطفٌ على السبعِ؛ لأنَّ ما عدا الفاتحةَ قرآنٌ. ... ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي: لا تنظَرنَّ يا محمدُ. ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أَصنافًا من الكفارِ، نهى اللهُ رسولَه ﷺ عن الرغبةِ في الدنيا، ومزاحمةِ أهلِها عليها. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يؤمنوا. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ أي: تواضَعْ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وارْفُقْ بهم. ... ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ . [٨٩] ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ بُرْهانُهُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأَبو عمرٍو: (إِنِّيَ) بفتحِ الياءِ، والباقون: بإسكانِها (١).

стр. 1683

﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ . [٩٠] ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ أي: وأنذرْ قريشًا إنذارًا مِثْلَ ما أَنْزَلْنا من العذابِ. ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ المتحالِفين. ... ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ . [٩١] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ﴾ المنزلَ على النبيِّ ﷺ . ﴿عِضِينَ﴾ عَضَوْهُ؛ أي: فَرَّقُوه إلى سحرٍ وكهانةٍ وشعرٍ وغيرِ ذلك. ... ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ . [٩٢] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يومَ القيامةِ سؤالَ توبيخٍ. ... ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ . [٩٣] ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا. ... ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ . [٩٤] ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: فَرِّقْ بينَ الحقِّ والباطلِ بتبليغِ الرسالةِ.

стр. 1684

قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ورويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (فَاصْدَعْ) بإشمام الصادِ الزايَ (١). ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ولا تلتفِتْ إليهم، ونُسِخَتْ بآيةِ السيفِ. ... ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ . [٩٥] ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بكَ، وبالقرآنِ، وهم قومٌ من كفارِ مكةَ أهلَكَهم الله. ... ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يعني: الأصنامَ. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ أمرِهم. ... ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ . [٩٧] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ من الشركِ والاستهزاءِ. ... ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قُلْ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ.

стр. 1685

﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ المصلِّين. رُوِيَ أنه ﷺ كانَ إذا أحزنه أَمْرٌ، فَزِعَ إِلى الصَّلاةِ (١). ... ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ . [٩٩] ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الموتُ؛ لأنه مُتَيَقَّنٌ لا شَكَّ فيه، واللهُ أعلم. ...

стр. 1686

فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد الرابع اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر

стр. 1687

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1688

فَتْحُ الرَّحْمَنَ

стр. 1689

حُقُوق الطَّبع مَحفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر الطَبعَة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م قامت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج والطباعة دارُ النَّوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨/ ١٤ هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 1690

سُوْرَةُ النَّحل وكانت تسمَّى: سورةَ النِّعَمِ؛ بسببِ ما عَدَّدَ اللهُ فيها من نِعَمِه على عبادِه، وهي مكيةٌ، إلَّا من قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخرها، نزلَ بالمدينةِ، وآيُها مئةٌ وثمانٍ وعشرونَ آيةً، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وسبعُ مئةٍ وسبعةُ أحرفٍ، وكَلِمُها ألفٌ وثماني مئة وإحدى وأربعونَ كلمةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ . [١] ﴿أَتَى﴾ قَرُبَ ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: عذابُه، وذلك أنَّ الكفارَ كانوا يستعجلونه استهزاءً، فنزل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، فوثبَ النبيُّ ﷺ قائِمًا، وحَذَّرَ الناسَ مِنْ قيامِ الساعةِ، فنزل: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (١) لا تطلُبوا الأمرَ قبلَ حينهِ، فاطمأَنُّوا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (أَتىَ) بالإمالة، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ (٢)، ولما نزلَتْ هذهِ الآيةُ، قالَ ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ

стр. 1691

كَهَاتينِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ" (١)؛ أي: كادتْ لتسبقني. ﴿ ﴾ تَبَرَّأَ وتعاظَمَ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بهِ من آلهتِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تشرِكُونَ) بالخطاب، والباقونَ: بالغيب (٢) . ... ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾. [٢] ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ قراءة العامةِ: بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي (الْمَلاَئِكَةَ) نصبٌ، وهم في تشديدِ الزايِ على أصولهم المتقدمةِ في البقرةِ، فيخَفِّفُها منهم ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ورُويسٌ عن يعقوبَ. وقرأ روحٌ عن يعقوبَ (تنَزَّلُ) بالتاءِ مفتوحةً، وفتح الزاي مشددةً، ورفعِ الملائكة (٣)؛ كالمتفقِ عليهِ في سورةِ القدرِ. ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: بما يحيي القلوبَ الميتةَ بالجهلِ من وحيهِ. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ هم الأنبياءُ ﵈، وتقدَّم في سورةِ

стр. 1692

البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [الآية: ٩٨] عددُ نزولِ جبريلَ ﵇ على جماعةٍ من الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام. ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ خَوِّفوا المشركينَ وعَرِّفُوهُمْ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ خافونِ. قرأ يعقوبُ: (فَاتَّقُونِي) بإثباتِ الياءِ، والباقونَ: بحذفِها (١). ... ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ . [٣] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالواجبِ اللائقِ. ﴿تَعَالَى﴾ ارتفعَ. ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ واختلافُ القراء في (يُشْرِكُونَ) كالحرفِ المتقدِّمِ. ... ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ . [٤] ونزلَ في منكري البعثِ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: ماءِ الرجلِ. ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ مُجادِلٌ للخصومِ ﴿مُبِينٌ﴾ للحجَّةِ بعدَ ما كانَ ميِّتًا جَمادًا.

стр. 1693

رُوي أن أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ أتى النبيَّ ﷺ بعَظْمٍ رَميمٍ وقال: يا محمدُ! أَتَرى اللهَ يُحيي هذا بعدَما قَدْ رَمَّ؟! فنزلَتْ (١). ... ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ يعني: الإبلَ والبقرَ والغنمَ ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ ما استُدْفِئ به من الثيابِ والأخبيةِ المستعملةِ من أوبارِها. ﴿وَمَنَافِعُ﴾ بالنسلِ والركوبِ والحملِ وغيرِها. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني: لُحومَها. ... ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ زينةٌ ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي: الإبلَ، تردُّونها إلى المُراح، بضمِّ الميم، وهو المبيتُ والمأوى أيضًا. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُرْسِلونها غُدْوَةٌ إلى المراعي، وقَدَّمَ الإراحةَ على التسريح؛ لأنها في المراح أحسنُ خُلُقًا منها في المسرحِ، وأكثرُ لبنًا، وأعجبُ إلى صاحبِها. ...

стр. 1694

﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أحمالَكم. ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ هي مكةُ، أو جميعُ البلادِ. ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ واصلينَ إليه لو لم تُخْلَقِ الإبلُ فَرَضًا. ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ بجهدِها. قرأ أبو جعفرٍ: (بِشَقِّ) بفتح الشينِ، والباقون: بكسرِها، وهما لغتان، مثلُ: رِطْلٍ ورَطْلٍ (١). ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بخلقِه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (رَؤُوفٌ) بالإشباعِ على وزنِ فَعولٍ حيثُ وقعَ (٢). ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَالْخَيْلَ﴾ أي: وخلقَ الخيلَ، وهي اسمُ جنس لا واحدَ لهُ من لفظِه؛ كالإبلِ، والنساءِ ﴿وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي: وجعلَها زينةً لكم معَ المنافع التي فيها.

стр. 1695

واحتجَّ بهذهِ الآيةِ مَنْ حَرَّمَ لحومَ الخيلِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ؛ لأنَّه عَلَّلَ خلقَ هذهِ الأشياءِ بالركوبِ والزينةِ، ولم يذكرِ الأكلَ، وعن مالكٍ روايةٌ أخرى أَنَّها مكروهةٌ، وقالَ الشافعيُّ وأحمدُ وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسنِ بإباحةِ لحومِ الخيلِ، وقالوا: ليسَ المرادُ من الآيةِ بيانَ التحليلِ والتحريمِ، بل المرادُ منهُ تعريفُ اللهِ عبادَه نعمَهُ وتنبيهَهُم على كمالِ قدرته وحكمتِه، وحُجَّتُهم ما رُوي عن جابرٍ ﵁ قال: "نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ يومَ خيبرَ عن لحومِ الحمرِ، ورَخَّصَ في لُحومِ الخيلِ" (١)، وأَمَّا لحومُ البغالِ والحُمُرِ الأهليَّةِ، فمحَرَّمَةٌ بالاتفاقِ (٢)، ورُوي عن مالكٍ أنها مكروهةٌ كراهةً مغلَّظَةً. ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن مخلوقاتِ اللهِ من الحيوان وغيرِه لا يُحيط بعلمِها بَشَرٌ، بل ما يخفى عليه أكثرُ مما يعلمُه. ... ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يعني: بيانُ الطريقِ الحقِّ لكم، والقَصْدُ: الطريقُ المستقيمُ. ﴿وَمِنْهَا﴾ أي: ومن السبيلِ؛ لأنها تُذَكَّر وتؤنَّثُ ﴿جَائِرٌ﴾ أي: عادلٌ

стр. 1696

عن الحقِّ، فقصدُ السبيلِ: دينُ الإسلامِ، والجائرُ: سائرُ مللِ الكفرِ. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ﴾ إلى صلاحِكم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ ولم يَضِلَّ أحدٌ. ... ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ تشربونَهُ. ﴿وَمِنْهُ﴾ أي: ينبتُ بسببِهِ. ﴿شَجَرٌ فِيهِ﴾ في النباتِ. ﴿تُسِيمُونَ﴾ تَرْعَوْن دوابَّكم؛ من سامَتِ الماشيةُ: رَعَتْ. ... ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ . [١١] ﴿يُنْبِتُ﴾ اللهُ ﴿لَكُمْ بِهِ﴾ يعني: الماء. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (نُنْبِتُ) بنونِ العَظَمة، والباقون: بالياء (١). ﴿الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وبعضِ كلِّها إن لم ينبتْ في الأرضِ كلَّ ما يمكنُ من الثمار. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الصنعةِ، فيستدلُّون بها على صانعِها.

стр. 1697

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلَّل. ﴿لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ مُذَلَّلاتٌ. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإذنِه. قرأ ابنُ عامرٍ: (وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، والنُّجُومُ، مُسَخَّرَاتٌ) برفعِ الأسماءِ الأربعة على الابتداءِ، فـ (الشمسُ) مبتدأ، (والقمرُ والنجومُ) عطفٌ عليه، والخبرُ (مسخراتٌ بأمرِه)، وافقه حفصٌ عن عاصمٍ في الحرفينِ الأخيرينِ، وهما (والنجومُ مسخراتٌ)، فرفعَهما على الابتداءِ والخبرِ، وقرأ الباقون: بنصبِ الأربعةِ وكسرِ تاءِ (مُسَخَّراتٍ) عطفًا على (النهارَ) (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قالَ في الآيةِ قَبْلُ: (لآيَةً)؛ لأنَّ شيئًا واحدًا منها يعمُّ تلكَ الأربعةَ، وهو النباتُ، وقالَ في هذه الآيةِ: (لآيَاتٍ)، لأنَّ كلَّ واحدٍ مما ذُكر آيةٌ في نفسِه، لا يشركُ معَ الآخرِ؛ فالليلُ لانتفاعِ البشرِ بالسكون فيه، والنهارُ للسَّعْيِ في المعاشِ وغيرِه، والشمسُ والقمرُ منافعُهما أكثرُ من أن تُحْصى، والنجومُ هداياتٌ. ... ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَمَا ذَرَأَ﴾ خَلَقَ ﴿لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الأشجارِ والدوابِّ

стр. 1698

وغيرِها ﴿مُخْتَلِفًا﴾ نصبٌ على الحال ﴿أَلْوَانُهُ﴾ أصنافُه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يعتبرونَ. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ العذبَ والمِلْحَ. ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني: السمكَ، وُصِفَ بالطَّراوةِ لتسارُعِ الفسادِ إليه، فَيُسارَعُ إلى أكلِه طريًّا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ﴾ أي: من الملح، عطفٌ على (لِتَأْكُلُوا). ﴿حِلْيَةً﴾ زينةً ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي اللؤلؤُ والمرجانُ، فدلَّ على أنهما من الحليِّ. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ فواعلَ من مَخَرَتِ السفينةُ: إذا جَرَتْ فشقَّتِ الماءَ بصدرِها. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بركوبِها للتجارةِ. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ لتوالي نعمِه عليكم. ... ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ ثوابتَ؛ يعني: جبالًا.

стр. 1699

﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: لئلَّا تميلَ وتضطربَ. ﴿وَأَنْهَارًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ تقديرُه: وجعلَ فيها أنهارًا. ﴿وَسُبُلًا﴾ طُرُقًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ تعتبرونَ وتَرْشُدونَ. ... ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ هي معالمُ الطرقِ، وكُلُّ ما يُستدَلُّ به. ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ عامٌّ في كلِّ نَجْم. ﴿هُمْ﴾ أي: قريشٌ ﴿يَهْتَدُونَ﴾ إلى القبلةِ، أو في السيرِ؛ لأنهم كانوا كثيري الأسفارِ للتجارةِ، مشهورينَ بالاهتداءِ في مسايرِهم بالنجومِ. ... ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ أي: اللهُ ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ أي: الأصنامُ، تلخيصُه: اللهُ الخالقُ خيرٌ أم آلهتكم العَجَزَةُ؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَتَّعِظونَ وتُؤْمنون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَذْكُرُونَ) بالتخفيف حيثُ وقعَ. ... ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ لا تَضْبِطوا عَدَّها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لتقصيرِكم في أداءِ شكرِها ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم حيثُ لم يقطَعْها لتفريطِكم بالتقصيرِ.

стр. 1700

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ من عقائدكم وأعمالكم. ... ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ . [٢٠] و ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنامَ التي تعبدونَها من دونه. قرأ عاصمٌ، ويعقوبُ: (يَدْعُونَ) بالغيبِ، والباقونَ: بالخطابِ (١). ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لعجزِهم ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لأنهم يُتَّخَذون من الحجارةِ وغيرِها. ... ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿أَمْوَاتٌ﴾ يعني: الأصنامَ ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: لا يعقبُ موتَها حياةٌ. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: الأمواتُ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى يُحشرونَ. ... ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ثم نفى ألوهيةَ الأصنامِ، وعَرَّفَهم الإلهَ حقيقةً فقالَ: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا يُشارَكُ.

стр. 1701

﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ جاحِدَةٌ. ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ متعظِّمونَ عن الإيمانِ. ... ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيجازِيهِم. قرأ حمزةُ: (لاَ جَرَمَ) بالمدِّ بحيثُ لا يبلغُ الإشباعَ. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ عامٌّ في الكافرينَ والمؤمنين، في الحديثِ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" (١)، وفيه: أَنَّهُ مَنْ سَجَدَ للهِ سَجْدَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ بَرِئ مِنَ الْكِبْرِ. ... ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لكفارِ مكةَ. ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ استهزاءً. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أباطيلُهم. ...

стр. 1702

﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ أي: قالوا ذلكَ ليحمِلوا ذنوبَهم. ﴿كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وإنما ذَكَرَ الكمالَ؛ لأنَّ البلايا التي تلحَقُهم في الدنيا، وما يفعلونَ من الحسناتِ، لا تُكَفِّرُ عنهم شيئًا. ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ﴾ أي: ذنوبِ ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغيرِ حُجَّةٍ، فيصدُّونَهم عن الإيمانِ ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ بِئْسَ شيئًا تحمَّلُوا. ... ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهم نمرودُ بنُ كنعانَ، بنى الصرحَ ببابلَ ليصعدَ إلى السماء، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ مستوفىً في آخرِ سورةِ إبراهيمَ، فهبتْ ريحٌ فألقتْ رأسَهُ في البحر، وخرَّ عليهم الباقي وهم تحتَهُ، فذلك قولُه تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ أي: قصدَ خرابَ بنائِهم. ﴿مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ من أساسِهِ ﴿فَخَرَّ﴾ سَقَطَ ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني: أَعْلَى البيوتِ من فوقِهم. ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمجيئهِ. ***

стр. 1703

﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ اللهُ ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ بزعمِكم. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (شُرَكَايَ) بياءٍ مفتوحةٍ بغيرِ همزٍ ولا مَدٍّ، قال الكواشيُّ: لأنَّ الأصلَ تركُ المدِّ؛ لأن المدَّ إنما يكونُ بزيادةِ حرفٍ ليسَ من أصلِ الكلمةِ، فرجعَ إلى الأصلِ معَ صحةِ القراءة وتواترِها، فلا تأثيرَ لطعنِ الطاعنِ فيها، والباقون: بفتحِ الياءِ والمدِّ بلا همزٍ؛ لأن الأشهرَ في (فَعيل) أن يُجمع على (فُعَلاء)؛ كشهيدٍ وشهداءَ (١). ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تخاصِمُون في شأنِهم. قرأ نافعٌ: (تشُاقُّونِ) بكسر النونِ على الإضافةِ، أصلُه: تشُاقُّونَنِي، فحُذِفَ أحدُ النونينِ والياء، وتُركتِ الكسرةُ تدلُّ عليها. وقرأ الباقون: بفتح النونِ إخبارٌ عن غيرِ مضافٍ (٢)، تلخيصُه: ليحضُرْ من تزعمونَ، وليدفَعْ عنكم العذابَ. ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: النبوةَ. ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾ الهوانَ ﴿الْيَوْمَ وَالسُّوءَ﴾ العذابَ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وفائدةُ قولهم إظهارُ الشماتةِ وزيادةُ الإهانةِ. ...

стр. 1704

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقبضُ أرواحَهم ملكُ الموتِ وأعوانُه. قرأ حمزةُ، وخلفٌ في هذا الحرفِ وفي الآتي: (يَتَوَفَّاهُمْ) بالياءِ على التذكيرِ، والباقونَ: بالتاء على التأنيث (١) ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالكفرِ. قرأ أبو عمرٍو (الْمَلاَئِكَة ظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بإدغامِ التاءِ في الظاء (٢). ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: استسلَموا وانقادوا حينَ عاينوا الموتَ، وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ شِرْكٍ، فتُجيبهم الملائكةُ: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو يُجازيكم عليه، قالَ عكرمةُ: المعنيُّ بذلك مَنْ قُتِلَ من (٣) الكفارِ ببدرٍ. ... ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمانِ. ...

стр. 1705

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾ . [٣٠] وكانَ أحياءُ العربِ يبعثونَ أيامَ الموسمِ مَنْ يأتيهِمْ بخبرِ النبيِّ ﷺ ، فإذا جاءَ، سأل الذين قعدوا على الطريقِ عنه، فيقولون: ساحرٌ، وكاهنٌ، وشاعرٌ، وكذابٌ، ومجنونٌ، ويأمرونَه بالانصرافِ، ويقولون: لا تَلْقَهُ خيرٌ لكَ، فيدخلونَ مكةَ ويسألونَ أصحابَ النبيِّ ﷺ ، فيخبرونَ بصدقِهِ، وأَنه نبيٌّ مبعوثٌ، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين (١) ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ أنزلَ ﴿خَيْرًا﴾ ثم ابتدأَ فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وَحَّدُوا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ كرامةٌ من الله، وهي تضعيفُ الأجرِ إلى العشرِ ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أي: ولَثوابُهم في الآخرةِ خيرٌ منها ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ الجنةُ. ... ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾ . [٣١] ثم فَسَّرَها ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من أنواعِ المشتَهَياتِ ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾: ... ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.

стр. 1706

[٣٢] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تقدَّمَ التنبيهُ على اختلاف القراء في (تَتَوَفَّاهُمْ) ﴿طَيِّبِينَ﴾ طاهرينَ من الكفرِ والمعاصي. ﴿يَقُولُونَ﴾ لهم عندَ الموتِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ ويقولونَ لهم في الآخرةِ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما كانَ من أعمالِكم. ... ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرُ الكفارُ ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبضِ أرواحِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَأْتِيهِمُ) بالياءِ مُذَكَّرًا، والباقون: بالتاءِ مؤنثًا (١). ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وعيدٌ يتضَمَّنُ قيامَ الساعةِ وعذابَ الدنيا. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلكَ الفعلِ من الشركِ والتكذيبِ. ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فَعُوقبوا. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بتدميرِهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: آذَوْا أنفسَهم، وظلموها بنفسِ فعلهم، وإن كانوا لم يقصِدوا ظُلْمَها. ...

стр. 1707

﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ جزاءُ سيئاتِ عملِهم الخبيثِ ﴿وَحَاقَ﴾ نزلَ. ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والحَيْقُ لا يُستعملُ إلا بالشرِّ. ... ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني البَحيرةَ والسائبةَ والوصيلَة والحاميَ، فلولا أنَّ اللهَ رَضِيَها لنا، لَغَيَّرَ ذلكَ، وهدانا إلى غيرِها، قالوا ذلكَ بغيًا واستهزاءً لَمَّا نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]. ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فأشركوا وكَذَّبوا الرسُلَ. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ الموضِّحُ للحقِّ، وليس إليهم الهدايةُ. ... ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾.

стр. 1708

[٣٦] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ كما بَعَثْنا فيكم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (أَنُ اعْبُدُوا) بضمِّ النونِ وشبهَه حيثُ وقعَ (١). ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهو كلُّ معبودٍ من (٢) دونِ الله. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ وَفَّقَهم للإيمانِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ ثَبَتَتْ بالسابقةِ حتى ماتَ على كفرِه. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يا معشرَ قريشٍ. ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: عاقبةُ أمرِهم لعلَّكم تعتبرونَ. ... ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ يا محمدُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ قرأ الكوفيون: بفتحِ الياءِ وكسرِ الدالِ؛ أي: لا يهدي اللهُ من أَضلَّهُ، وقرأ الباقون: بضمِّ الياءِ وفتحِ الدال، يعني: من أضلَّه اللهُ فلا هاديَ له (٣). ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ بدفعِ العذابِ عنهم. ...

стр. 1709

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ونزل فيمَنْ حلفَ أن اللهَ لا يبعثُ الموتى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (١) قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ يبعثُه. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَران. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأكثرُ الناسِ في هذه الآية: الكفارُ المكذِّبونَ بالبعثِ من القبور. ... ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ المعنى: يبعثُ اللهُ جميعَ الخلائقِ يومَ القيامةِ ليبينَ لهم الحقَّ من الباطلِ المختلَف فيهما. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في إنكارِ البعثِ. ... ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لا يتعاظَمُنا شيء. قرأ ابن عامرٍ، والكسائيُّ: (فَيَكُوَن) بنصبِ النونِ، والباقونَ:

стр. 1710

بالرفع (١)، وتقدَّمَ توجيهُ قراءتهم في سورةِ البقرةِ عندَ تفسير قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الآية: ١١٧]. ... ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ . [٤١] ونزل في شأنِ النبيِّ ﷺ والصحابةِ حيثُ أُخرِجوا من مكةَ ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾ أي: في طلبِ رضاهُ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ من أهلِ مكةَ. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ فأنزلَهم المدينةَ، وأطعَمَهُمُ الغنيمةَ، فهذا الثوابُ في الدنيا، وكان عُمَرُ إذا أعطى الرجلَ من المهاجرينَ عطاءً يقولُ: "خُذْ، هذا ما وعدَ اللهُ لكَ في الدنيا حسنة، وما ادخر لكَ في الآخرةِ أفضلُ، ثم تلا هذهِ الآيةَ" (٢). قرأ أبو جعفرٍ: (لَنُبَوِّيَنَّهُمْ) بفتحِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ. ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضميرُ للكفارِ؛ أي: لو علموا أن المؤمنين مُكْرَمون عند اللهِ، لآمنوا. ...

стр. 1711

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الشدائدِ من أذى الكفارِ ومفارقةِ الوطنِ. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ مُفَوِّضينَ الأمرَ إليه. ... ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ونزلَ لما قالَتْ قريشٌ: إنَّ اللهَ أعظمُ من أن يكونَ رسولُه بشرًا، فهلَّا بعثَ إلينا مَلَكًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (١) أي: أهلَ الكتبِ المتقدمةِ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (نُوحِي) بالنونِ وكسرِ الحاءِ على لفظِ الجمعِ، وقرأ الباقون: بالياءِ وفتح الحاءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٢)، وقرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلُوا) بالنقلِ، والباقون: بالهمزِ (٣). ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وفي الآية دليلٌ على أنه تعالى لم يرسلِ امرأةً ولاَ مَلَكًا للدعوةِ العَّامةِ. ...

стр. 1712

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ . [٤٤] وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ متعلقٌ بفعلٍ مضمَرٍ تقديرُه: أرسلناهم بالبيناتِ. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ الكتبِ. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ القرآنَ. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الشرائعِ والأحكامِ. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتأمَّلونَ الحقائقَ. ... ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ أي: عملوا المُنْكَراتِ السيئاتِ، وهم كفارُ مكةَ ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خسف بقارونَ. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كما فعل بقومِ لوطٍ. ... ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: متقلِّبينَ في متاجِرهم ومسائِرهم. ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائِتينَ. ***

стр. 1713

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ تنَقُّصٍ؛ أي: يأخذَهم بنقصِ أموالِهم وآجالِهم حتى يَهْلِكوا جميعًا ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حيثُ أمهلَكُم. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (لَرؤُوفٌ). ... ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ استفهامُ إنكارٍ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَرَوا) بالخطابِ، وقرأ الباقون: بالغيبِ خبرًا عن الذين يمكرونَ السيئات (١)، وهو اختيارُ الأئمةِ. ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من جسمٍ قائمٍ له ظِلٌّ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ ترجعُ من جانبٍ إلى جانبٍ. قرأ أبو عمروٍ، ويعقوبُ: (تتفَيَّؤُا): بالتاءِ على التأنيث، والباقون: بالياء على التذكير (٢). ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ بمعنى الأَيمان، يوضِّحُه أن قابلَه بجمعٍ فقالَ: ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾ جمعُ شِمال، فهي في أولِ النهارِ على حالٍ، ثم تنقصُ ثم تعودَ في آخرِ النهارِ إلى حالٍ أخرى، فاليمينُ أولَ النهارِ، والشمائلُ آخرَهُ،

стр. 1714

ويقال للظلِّ بالعشيِّ: فَيْءٌ؛ لأنه فاءَ؛ أي: رجعَ من المشرقِ إلى المغربِ، ولا يقالُ قبلَ الزوالِ إلَّا ظِلٌّ فقط. ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ فميلانُها ودورانُها سجودُها لله تعالى. ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون أذلاء. ... ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يستسلِمُ، وأخبرَ بـ (ما)؛ لأنها أعمُّ من (مَنْ)، وقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيانٌ لِما في السمواتِ والأرضِ، والمرادُ: كلُّ نفسٍ دَبَّتْ على وجهِ الأرض، عَقَلَتْ أو لم تعقِلْ. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خصَّهم بالذكرِ، وهم من جملةِ ما في السمواتِ؛ لرفعِ شأنِهم، أو لخروجِهم من جملةِ الموصوفينَ بِالدَّبيبِ؛ لأن لهم أجنحة كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١]، وكانَ الطيرانُ أغلبَ عليهم من الدَّبيبِ. ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يَتَعَظَّمون. ... ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: غالبًا قاهرًا لهم؛ كقوله ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فلا يعجِزُه شيءٌ، ولا يغلِبُه أحدٌ، أو يخافونَ أن يأتيَهُم العذابُ من فوقِهم إن عَصَوه.

стр. 1715

﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ به، وهذا محلُّ سجودٍ بالاتِّفاقِ، وتقدَّمَ اختلافُ الأئمةِ في سجودِ التلاوةِ، وحكمِه، وسجودِ الشكرِ آخرَ سورةِ الأعرافِ مستوفًى. ... ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذُكَرَ العددُ معَ أنَّ المعدودَ يدلُّ عليهِ؛ دلالةً على أنَّ مساقَ النهي إيماءٌ بأن الاثنينيةَ تنُافي الأُلوهيةَ كما في ذكرِ الواحدِ في قولهِ: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ للدلالةِ على أن المقصودَ إثباتُ الوحدانيةِ دونَ الإلهيةِ، أو للتنبيهِ على أن الوحدةَ من لوازم الإلهيةِ. ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ نقلَ من الغيبةِ إلى التكلمِ مبالغةً في الترهيبِ، وتصريحًا بالمقصودِ، كأنه قالَ: فأنا ذلكَ الإلهُ الواحدُ، فإيايَ فارهبونِ لا غيرُ. قرأ يعقوب: (فَارْهَبُونِي) بإثباتِ الياءِ، والباقون: بحذفها (١). ... ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا. ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطاعةُ والإخلاصُ.

стр. 1716

﴿وَاصِبًا﴾ دائِمًا ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ تخافونَ؟ استفهامُ إنكارٍ. ... ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿وَمَا بِكُمْ﴾ أي: وأيُّ شيءٍ اتصلَ بكم ﴿مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا يأتي بها أحد سواه. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ القحطُ والمرضُ ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ تَتَضَرَّعونَ. ... ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ وهمُ الكفارُ. ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ بعبادةِ غيرِه. ... ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ وهذهِ اللامُ تُسَمَّى: لامَ العاقبةِ؛ أي: حاصلُ أمرِهم هو كفرُهم ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من نعمةِ الكشفِ. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ عِيشوا في اللذَّةِ، وهو أمرُ تهديدٍ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ أمرِكُم، أغلظُ الوعيدِ. ... ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الأصنامِ ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من

стр. 1717

الأموالِ، وهو ما جعلوهُ لأصنامِهم من حُروثِهم وأنعامِهم، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] , ثم رجعَ من الخبرِ إلى الخطابِ فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ يومَ القيامةِ ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا. ... ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ وهم خزاعةُ وكِنانُة، قالوا (١): الملائكةُ بناتُ اللهِ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو مُنَزَّهٌ عن الولدِ والوالدِ. ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: ويجعلونَ لأنفسِهم ما يتمنَّوْنَ، وهم البنونَ. ... ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ﴾ أي: صارَ. ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: مُتَغَيِّرًا. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مملوءٌ غيظًا، فهو يَكْظِمُهُ؛ أي: يُمْسِكُه ولا يُظْهِره. ... ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿يَتَوَارَى﴾ يَسْتَخْفي ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ حياءً. ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ من البناتِ، ثم يتردَّدُ فيما يصنعُ بولدِه.

стр. 1718

﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي: هوانٍ وذلٍّ ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يَدْفِنُه حَيًّا. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ حيثُ وَأَدوا البناتِ خوفَ الفقرِ والعارِ، وحيثُ نسبوا إلى اللهِ تعالى ما هو مستقبَحٌ عندَهم. ... ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يعني: لهؤلاءِ الذين يصفونَ للهِ البناتِ ﴿مَثَلُ﴾ أي: صفةُ ﴿السَّوْءِ﴾ وهو كفرُهم، ووأدُ البناتِ مع احتياجِهم إليهنَّ طلبَ النكاحِ. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفةُ العليا، وهي التوحيدُ والغنى عن جميعِ خلقه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المنفرِدُ بكمالِ القدرةِ والحكمةِ. ... ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فيعاجِلُهم بالعقوبةِ على كفرِهم ومعَاصيهم. ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ أي: الأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ مَنْ يَدِبُّ أصلًا بشؤمِ ظلمِهم، فهلاكُ الدوابِّ بآجالِها، وهلاكُ الناسِ عقوبةً. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم بحلمِه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سَمَّاهُ لأعمارِهم.

стр. 1719

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُذْ هَلَكوا أو عُذِّبوا حينئذٍ لا محالة. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافع: (يُوَاخِذُ) (يُوَخِّرُ) بفتح الواوِ من غيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ (١)، واختلافهم في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافِهم فيهما في قوله: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم) في سورة النساء. ... ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ من البناتِ، والمشاركةِ، والاستخفافِ بالرسلِ، وأراذِلِ الأموالِ. ﴿وَتَصِفُ﴾ أي: تقولُ ﴿أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ يعني: الذكورَ من الأولاد، وهو قولُ مجاهدٍ وقَتادةَ، قالَ ابنُ عطية: وهو الأسبقُ من معنى الآية، وقالت فرقة: يريدُ: الجنةَ في المعاد إن كان محمدٌ صادقًا في البعثِ (٢)، ويؤيدُ هذا قولُه: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حَقًّا ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ في الآخرةِ ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قرأ نافعٌ بكسرِ الراءِ وتخفيفِها؛ من الإفراطِ في المعاصي، وقرأ أبو جعفرٍ بكسرِ الراءِ

стр. 1720

وتشديدِها معَ فتحِ الفاءِ؛ من التفريطِ في الطاعاتِ، وقرأ الباقون: بفتحِ الراءِ وتخفيفِها؛ أي: مُقَدَّمون إلى النارِ (١). ... ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما أرسَلْناك إلى هذهِ الأمةِ. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثةَ. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ ناصرُهم ﴿الْيَوْمَ﴾ أي: يومَ القيامةِ، والألفُ واللامُ فيه للعهدِ؛ أي: هو وليُّهم في اليومِ المشهودِ، وهو وقتُ الحاجة، وهو عاجزٌ عن نصرِ نفسهِ، فكيف ينصرُ غيره؟! وهذهِ حكايةُ حالٍ آتيةٍ؛ أي: في حالِ كونِهم مُعَذَّبين في النارِ. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قرأ أبو عمرٍو (فَهُو ولِيُّهُمْ) بإدغامِ الواوِ في الواو (٢). ... ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾.
следующие страницы →