Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
﴿وَاصِبًا﴾ دائِمًا ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ تخافونَ؟ استفهامُ إنكارٍ.
...
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ﴾ .
[٥٣] ﴿وَمَا بِكُمْ﴾ أي: وأيُّ شيءٍ اتصلَ بكم ﴿مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا يأتي بها أحد سواه.
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ القحطُ والمرضُ ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ تَتَضَرَّعونَ.
...
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) ﴾ .
[٥٤] ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ وهمُ الكفارُ.
﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ بعبادةِ غيرِه.
...
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) ﴾ .
[٥٥] ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ وهذهِ اللامُ تُسَمَّى: لامَ العاقبةِ؛ أي: حاصلُ أمرِهم هو كفرُهم ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من نعمةِ الكشفِ.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ عِيشوا في اللذَّةِ، وهو أمرُ تهديدٍ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ أمرِكُم، أغلظُ الوعيدِ.
...
﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) ﴾ .
[٥٦] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الأصنامِ ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من
стр. 1717
الأموالِ، وهو ما جعلوهُ لأصنامِهم من حُروثِهم وأنعامِهم، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] , ثم رجعَ من الخبرِ إلى الخطابِ فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ يومَ القيامةِ ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) ﴾ .
[٥٧] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ وهم خزاعةُ وكِنانُة، قالوا (١) : الملائكةُ بناتُ اللهِ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو مُنَزَّهٌ عن الولدِ والوالدِ.
﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: ويجعلونَ لأنفسِهم ما يتمنَّوْنَ، وهم البنونَ.
...
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) ﴾ .
[٥٨] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ﴾ أي: صارَ.
﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: مُتَغَيِّرًا.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مملوءٌ غيظًا، فهو يَكْظِمُهُ؛ أي: يُمْسِكُه ولا يُظْهِره.
...
﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) ﴾ .
[٥٩] ﴿يَتَوَارَى﴾ يَسْتَخْفي ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ حياءً.
﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ من البناتِ، ثم يتردَّدُ فيما يصنعُ بولدِه. الحواشي
(١) في "ت": "وقالوا".стр. 1718
﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي: هوانٍ وذلٍّ ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يَدْفِنُه حَيًّا.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ حيثُ وَأَدوا البناتِ خوفَ الفقرِ والعارِ، وحيثُ نسبوا إلى اللهِ تعالى ما هو مستقبَحٌ عندَهم.
...
﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) ﴾ .
[٦٠] ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يعني: لهؤلاءِ الذين يصفونَ للهِ البناتِ ﴿مَثَلُ﴾ أي: صفةُ ﴿السَّوْءِ﴾ وهو كفرُهم، ووأدُ البناتِ مع احتياجِهم إليهنَّ طلبَ النكاحِ.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفةُ العليا، وهي التوحيدُ والغنى عن جميعِ خلقه.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المنفرِدُ بكمالِ القدرةِ والحكمةِ.
...
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) ﴾ .
[٦١] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فيعاجِلُهم بالعقوبةِ على كفرِهم ومعَاصيهم.
﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ أي: الأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ مَنْ يَدِبُّ أصلًا بشؤمِ ظلمِهم، فهلاكُ الدوابِّ بآجالِها، وهلاكُ الناسِ عقوبةً.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم بحلمِه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سَمَّاهُ لأعمارِهم.
стр. 1719
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُذْ هَلَكوا أو عُذِّبوا حينئذٍ لا محالة. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافع: (يُوَاخِذُ) (يُوَخِّرُ) بفتح الواوِ من غيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ (١) ، واختلافهم في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافِهم فيهما في قوله: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم) في سورة النساء.
...
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) ﴾ .
[٦٢] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ من البناتِ، والمشاركةِ، والاستخفافِ بالرسلِ، وأراذِلِ الأموالِ.
﴿وَتَصِفُ﴾ أي: تقولُ ﴿أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ يعني: الذكورَ من الأولاد، وهو قولُ مجاهدٍ وقَتادةَ، قالَ ابنُ عطية: وهو الأسبقُ من معنى الآية، وقالت فرقة: يريدُ: الجنةَ في المعاد إن كان محمدٌ صادقًا في البعثِ (٢) ، ويؤيدُ هذا قولُه:
﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حَقًّا ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ في الآخرةِ ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قرأ نافعٌ بكسرِ الراءِ وتخفيفِها؛ من الإفراطِ في المعاصي، وقرأ أبو جعفرٍ بكسرِ الراءِ الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٤).(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٠٣). وانظر: "تفسير الطبري" (١٤/ ١٢٧)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١٢٠)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٥٧٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٤١).стр. 1720
وتشديدِها معَ فتحِ الفاءِ؛ من التفريطِ في الطاعاتِ، وقرأ الباقون: بفتحِ الراءِ وتخفيفِها؛ أي: مُقَدَّمون إلى النارِ (١) .
...
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) ﴾ .
[٦٣] ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما أرسَلْناك إلى هذهِ الأمةِ.
﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثةَ.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ ناصرُهم ﴿الْيَوْمَ﴾ أي: يومَ القيامةِ، والألفُ واللامُ فيه للعهدِ؛ أي: هو وليُّهم في اليومِ المشهودِ، وهو وقتُ الحاجة، وهو عاجزٌ عن نصرِ نفسهِ، فكيف ينصرُ غيره؟! وهذهِ حكايةُ حالٍ آتيةٍ؛ أي: في حالِ كونِهم مُعَذَّبين في النارِ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قرأ أبو عمرٍو (فَهُو ولِيُّهُمْ) بإدغامِ الواوِ في الواو (٢) .
...
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) ﴾. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٦).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦).стр. 1721
[٦٤] ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ للناسِ.
﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من الدينِ والأحكامِ.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وعطف بالهدى والرحمة على موضع قولِه: (لِتُبيِّنَ)؛ لأن محلَّه النصبُ، ومجازُ الكلامِ: وما أنزلنا عليكَ الكتابَ إلا بيانًا للناس، وهدًى ورحمةً للمؤمنينَ.
...
﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) ﴾ .
[٦٥] ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطرَ ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يُبْسِها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تَدَبُّرٍ وإنصافٍ.
...
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) ﴾ .
[٦٦] ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ لعظةً ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (تَسْقِيكُمْ) بالتاء مفتوحةً، والباقون: بالنونِ، وفتحَها نافعٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وأبو بكرٍ، وضمَّها الباقون (١) . الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٧)، وقراءة أبي جعفر ضعيفة، =стр. 1722
﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي: بطونِ الأنعامِ؛ لأنه يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، فمن أَنَّثَ فلمعنى الجمعِ، ومن ذَكَّرَ فلحكمِ اللفظِ.
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ﴾ هو ما في الكرشِ من السّرجينِ.
﴿وَدَمٍ﴾ المعروفِ، وذلك أن الكرشَ إذا طحنَتِ العلفَ، صارَ أسفلُه فرثًا، وأوسطُه ﴿لَبَنًا خَالِصًا﴾ لا يشوبُه شيءٌ، وأعلاه دمًا، وبينها حاجزٌ من قدرةِ اللهِ تعالى، لا يختلطُ أحدُها بالآخرِ بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، معَ شدةِ الاتصال، والكبدُ مسلَّطَةٌ عليها، تقسمِهُا بقدرةِ اللهِ تعالى، فَتُجري الدمَ في العروقِ، واللبنَ في الضَّرْع، ويبقى الفرثُ في الكرشِ، فسبحانَ القادرِ على ما يشاءُ.
﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ سَهْلًا لا يغصُّ بهِ شاربُهُ. قرأ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (لِلشَّارِبِينَ) بالإمالة، بخلافٍ عنه (١) ، فيه دليلٌ لمن يقولُ بطهارةِ مَنِيِّ الآدمِيِّ، وإن جرى مجرى البولِ؛ لأنه لا يمتنعُ خروجُه طاهرًا وإن جرى مجرى البول، كما لا يمتنعُ خروجُ اللبنِ من بينِ الفرثِ والدمِ طاهرًا، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ، وقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: هو نجسٌ إلَّا أن أبا حنيفة عندَه إِنْ كانَ رَطْبًا غُسِلَ، وإن كان يابِسًا فُرِكَ، وعندَ مالكٍ يُغْسَلُ رَطَبًا ويابِسًا.
... الحواشي
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٦٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٨).стр. 1723
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) ﴾ .
[٦٧] ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ فالكنايةُ في (مِنْهُ) عائدة إلى (ما) محذوفةٍ (١) ؛ أي: ما تتَّخِذون منه ﴿سَكَرًا﴾ أي: خَمْرًا، ثم نُسِخَتْ بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ لأنَّ النحلَ مكيةٌ، والمائدةَ مدنيةٌ ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ الرُّطَبَ والتمرَ والعنبَ والزبيبَ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بالتأمُّل في الآياتِ.
...
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ﴾ .
[٦٨] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أَلْهَمَها، وهو مُذَكَّر، وربما (٢) أُنِّثَ حملًا على المعنى.
﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ تأوينَ إليها.
﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ يَبْنُون لكِ من الأماكن. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَعْرُشُونَ) بضمِّ الراء، والباقون: بكسرها (٣) .
... الحواشي
(١) في "ت": "إلى محذوفة".(٢) في "ت": "مذكور بما".(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٨)، والقراءة بخلاف عن عاصم.стр. 1724
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) ﴾ .
[٦٩] ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ حُلْوِها وحامِضها ومُرِّها وغيرِ ذلكَ.
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ أي: الطرق التي يطلب فيها الرعي. قرأ أبو عمرِو: (سُبُل ربِّكِ) بإدغامِ اللامِ في الراء (١) ﴿ذُلُلًا﴾ منقادةً بالتسخيرِ.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ أفواهِها ﴿شَرَابٌ﴾ هو العسلُ ينزلُ من السماء، فينبتُ في أماكنَ، فيأتي النحلُ فيشربُه، ثم يأتي الخليةَ فيلقيه في الشمعِ المهيأ له، لا كما يتوهَّمُ بعضُ الناسِ أنه من فضلاتِ الغذاءِ، وأنه يستحيلُ في المعدةِ عسلًا.
﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ من أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، وغيرِ ذلكَ.
﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: في العسلِ، قاله الجمهورُ، وقيل: في القرآنِ، قال البغويُّ: والأولُ أولى (٢) ، ولا يقتضي العمومَ في كل علَّةٍ وفي كلِّ إنسانٍ، بل هو خبرٌ عن أنه يَشْفي كما يَشْفي غيرُه من الأدويةِ في بعضٍ، ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: العَسَلِ وَالْقُرْآنِ" (٣) .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرونَ. الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٨).(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٣).(٣) رواه ابن ماجه(٣٤٥٢) ، كتاب: الطب، باب: العسل، والحاكم في "المستدرك"(٧٤٣٥) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٣٤٤)، عن ابن مسعود ﵁. قال البيهقي: رفعه غير صحيح، والصحيح موقوف؛ رواه وكيع عن سفيان موقوفًا.стр. 1725
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) ﴾ .
[٧٠] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ صِبيانًا أو شُبَّانًا أو كُهولًا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الهَرَمِ ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ عَلِمَهُ في حالِ شَبيبتِه.
﴿شَيْئًا﴾ أي: إذا علمَ شيئًا اعتراهُ النسيانُ، فيصيرُ بعدَ العلمِ ناسيًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ قرر تعالى علمَه وقدرتَه التي لا تتبدَّلُ ولا تدخلُها الحوادثُ، ولا تتغيرُ.
...
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) ﴾ .
[٧١] ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ بسطَ على واحدٍ، وضَيَّقَ على آخرَ.
﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (١) المعنى: لا يعتقد الموالي أنهم يَرُدُّون شيئًا من الرزقِ على عبيدِهم، وإنما أنا الرادُّ عليهم فهم في الرزق سواء.
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بالإشراكِ به. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (تَجْحَدُونَ) بالخطابِ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ الحواشي
(١) من قوله: "على التأنيث والباقون ... " (ص ٢٨) إلى هنا سقط من "ش"، بمقدار لوحتين تقريبًا من النسخ الخطية.стр. 1726
عَلَى بَعْضٍ﴾ وقرأ الباقون: بالغيب؛ لقولهِ ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (١) .
...
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) ﴾ .
[٧٢] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسِكم، والمرادُ حواءُ؛ لأنها خُلقت من قصيراءِ آدمَ ﴿أَزْوَاجًا﴾ نساءً.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أعوانًا وخَدمًا، جمعُ حافدٍ، وهو المعينُ المسرعُ في الطاعةِ، غريبًا كانَ أو قريبًا. قرأ أبو عمروٍ، ورويسٌ: (جَعَل لكُمْ) بإدغامِ اللامِ في اللامِ كُلَّ ما في هذهِ السورةِ (٢) .
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالاتِ، ثم وَبَّخهم بقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ أي: الأصنامِ، وما يُفضي إلى الشرك ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ القرآنِ.
﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (بِنِعْمَتِ) رُسِمَتْ بالتاءِ، وكذلك في الموضعين بعدَها، وهما: (نِعْمَتَ اللهِ) وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ، والكسائيُّ، ويعقوبُ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٩).(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، (٢/ ٣٠٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٩).стр. 1727
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) ﴾ .
[٧٣] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: المطرَ ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني: النباتَ ﴿شَيْئًا﴾ بدلٌ من ﴿رِزْقًا﴾ أي: لا يملكونَ من الرزقِ شيئًا قليلًا ولا كثيرًا، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلكَ لعجزِهم.
...
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ﴾ .
[٧٤] ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ لا تُسَوُّوه بخلقِه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ أَنْ لا شبهَ.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
...
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) ﴾ .
[٧٥] ثم ضربَ اللهُ مثلًا للمؤمنِ والكافرِ، فقالَ تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا﴾ بدلٌ من (مَثَلًا) ﴿مَمْلُوكًا﴾ ليخرجَ منهُ الحر؛ لأن الخلقَ عبيدُ الله ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ليخرجَ عنهُ المكاتَبَ.
﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ أي: حُرًّا رزقناه ﴿مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ يعني: جماعةَ الأحرارِ والعبيدِ، وهذا مثلٌ
стр. 1728
ضربه الله تعالى للكافرِ، رزقه الله مالًا، فلم يقدِّم فيه خيرًا، والمؤمنِ يعملُ في مالِه بطاعة الله تعالى.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: الثناءُ له، لا يستحقُّه غيرهُ.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: الكفارَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيضيفون نعمَه إلى غيرهِ.
...
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) ﴾ .
[٧٦] ثم ضربَ مثلًا للأصنام فقالَ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ أخرسُ.
﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ﴾ عِيالٌ وثِقْلٌ ﴿عَلَى مَوْلَاهُ﴾ مَنْ يلِي أمرَه.
﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ يُرْسِلْهُ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لأنه لا يَفْهَمُ، ولا يُفْهَمُ عنه، هذا مثلُ الأصنامِ لا تسمعُ ولا تنطقُ، وهي كَلٌّ على عابدِها، تحتاج إلى حملِها ووضعِها وخدمتِها.
﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وهو اللهُ سبحانه قادرٌ متكلمٌ يأمرُ بالتوحيدِ.
﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: يدلُّكم على صراطٍ مستقيمٍ.
***
стр. 1729
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) ﴾ .
[٧٧] ولما سُئل رسولُ الله ﷺ عن الساعة، نزل: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) أي: ما غاب عن العباد.
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ أي: أمرُ مجيئِها.
﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ وهو النظرُ بسرعةٍ.
﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ لأنها كائنةٌ لا محالةَ، وكل ما هو آتٍ قريب ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
...
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) ﴾ .
[٧٨] ثم دلَّ على قدرته فقالَ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قرأ حمزةُ: (إِمِّهَاتِكُمْ) بكسرِ الهمزةِ والميمِ في الوصلِ، والكسائيُّ يكسرُ الهمزةَ في الوصلِ ويفتحُ الميمَ، والباقون: يضمُّونَ الهمزةَ ويفتحون الميمَ في الحالين، والابتداء للجميع بضمِّ الهمزةِ وفتح الميم.
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ جُهَّالًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ المعنى: أوجدَكم ضُلَّالًا ورزقَكم الفهمَ والعلمَ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَ اللهِ. الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٨).стр. 1730
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) ﴾ .
[٧٩] ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ قال ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (تَرَوا) بالخطابِ على أنه خطابُ العامةِ، والباقون: بالغيب؛ لقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) .
﴿إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ للطيرانِ.
﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ والجوُّ: مسافةُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، وقيل: المتباعدُ من الأرضِ.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الهواءِ.
﴿إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم هم المنتفعونَ بها.
...
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) ﴾ .
[٨٠] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ هو ما يُسْكَنُ إليه، ويُنْقَطَعُ فيه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ قِبابًا وأَخْبِيَةً مُتَّخَذَةً من أَدمَ. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في كسرِ الباء من (بِيُوتًا) في سورة البقرة. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٠).стр. 1731
﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ أي: يَخِفَّ عليكم حَمْلُها ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ رَحِيلكم. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: بإسكانِ العينِ، والباقون: بفتحِها، وهو أجزلُ اللغتينِ (١) .
﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ في بلدِكم لا تثقلُ عليكم في الحالتين.
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أي: الضأنِ ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ الإبلِ ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ المَعْزِ.
قرأ أبو عمروٍ، والكسائيُّ من روايةِ الدوريِّ (وَأَوْبِارهَا وَأَشْعَارِهَا) بالإمالة، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ، ورُوي عن ورشٍ، وحمزةَ بالإمالةِ بينَ بينَ، وقرأهما الباقون: بالفتح (٢) ﴿أَثَاثًا﴾.
متاعَ البيتِ ﴿وَمَتَاعًا﴾ أي: شيئًا يُنتفَعُ به ﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى الموتِ.
...
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) ﴾ .
[٨١] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ جمعُ ظُلَّةِ وهو ما يُستَظلُّ به.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وهو ما يُسْتكنُّ به (٣) من كهوفِ الجبالِ. الحواشي
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩١).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٧ - ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٢).(٣) "به" ساقطة من "ت".стр. 1732
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ قُمُصًا من الكتانِ والقطنِ والصوفِ.
﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكرِ البردَ؛ لدلالتهِ عليه؛ لأنه نقيضُه.
﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أي: الدروعَ والجواشنَ تدفعُ عنكم ألمَ الحرب والطعنِ والضربِ.
﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ تُخْلِصون لله.
...
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) ﴾ .
[٨٢] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا، فلا يلحقُكَ في ذلك عَتَبٌ.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد بَلَّغْتَ.
...
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) ﴾ .
[٨٣] ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ التي عَدَّدَها عليهم.
﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بعبادةِ غيرِ اللهِ، وقيل: يعرفون نعمةَ اللهِ على محمدٍ ﷺ بالنبوةِ، ثم يُنكرونها بتكذيبهِ.
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: جميعُهم، والكفر: الجحود.
...
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) ﴾ .
[٨٤] ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: نبيًّا شهد لهم وعليهم.
стр. 1733
﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذارِ.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُطْلَبُ منهم العتبى.
...
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) ﴾ .
[٨٥] ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا ﴿الْعَذَابَ﴾ يعني: جهنمَ.
﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ العذابُ ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يُمْهَلون.
...
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) ﴾ .
[٨٦] ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يومَ القيامةِ ﴿شُرَكَاءَهُمْ﴾ أوثانَهم التي دَعَوْها شركاءَ. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (رَأَى الذين) في سورةِ الأنعامِ.
﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ أربابًا، ونعبدُهم، كأنُّهم أرادوا بذلك تذنيبَ المعبودينَ، وإدخالَهم في المعصيةِ.
﴿فَأَلْقَوْا﴾ يعني: الأوثانَ.
﴿إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أجابوهم بقدرةِ اللهِ تعالى.
﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ما كُنَّا ندعوكم إلى عبادتِنا فكأنهم كذَّبوهم في التذنيبِ لهم.
***
стр. 1734
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) ﴾ .
[٨٧] ﴿وَأَلْقَوْا﴾ يعني: المشركينَ.
﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ استسلموا، وانقادوا لحكمِه بعدَ استكبارِهِمْ في الدنيا.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ضاعَ وبَطَلَ.
﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أن الآلهةَ تشفعُ لهم.
...
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) ﴾ .
[٨٨] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمنعِ الناسِ عن الإسلام.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ المُعَدِّ لهم منَ النارِ، رُويَ أن اللهَ يُسلِّطُ عليهم حياتٍ لها أنيابٌ كالنخلِ، وعقاربَ كالبِغالِ الدُّهْمِ، ونحوَ ذلك.
﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ في الدنيا بالكفرِ.
...
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) ﴾ .
[٨٩] ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: نبيًّا ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فإنَّ كلَّ نبيٍّ بُعِثَ إلى الأُمَمِ منها.
﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمدُ ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ الذين بُعِثْتَ إليهم.
стр. 1735
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآنَ ﴿تِبْيَانًا﴾ تِفْعالًا من البيانِ.
﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحتاجُ إليه، وما كانَ فيه مُجْمَلًا، فأنتَ تُفَصله لهم.
﴿وَهُدًى﴾ من الضلالةِ ﴿وَرَحْمَةً﴾ للجميعِ، وإنما حِرمانُ المحرومِ من تفريطِهِ.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ بالجنةِ.
...
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) ﴾ .
[٩٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ بالتوحيدِ والإنصافِ ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ هو أداءُ الفرائضِ ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ صلةِ الرَّحِمِ.
﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الزنا والمعاصي ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ الشِّرْكِ، وما لا يُعرفُ في شريعةٍ ولا سُنَّةٍ ﴿وَالْبَغْيِ﴾ الظلمِ والتجبُّرِ على الناسِ.
﴿يَعِظُكُمْ﴾ بالأمرِ والنهيِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتَّعظونَ، رُويَ أن الوليدَ بنَ المغيرةِ لما سمعَ هذه الآيةَ من النبيِّ ﷺ قال: واللهِ إنَّ لهُ لحلاوةً، وإنَّ عليهِ لطلاوةً، وإنَّ أسفلَهُ لَمُغِدقٌ، وإن أعلاهُ لَمثْمِرٌ، وما يقولُ هذا بَشَرٌ (١) .
...
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) ﴾. الحواشي
(١) انظر: "شعب الإيمان" للبيهقي(١٣٤) ، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٢).стр. 1736
[٩١] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ وعهدُ اللهِ: لفظٌ عامٌّ لجميعِ ما يُعْقَدُ باللسانِ، ويلتزمُه الإنسانُ من نفعٍ، أو صلةٍ، أو مواثقةٍ في أمرٍ موافقٍ للديانة.
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ توثيقِها بذكرِ اللهِ، فتحنثوا فيها.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي: شاهدًا ورقيبًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ من نقضِ العهدِ والوفاءِ.
...
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) ﴾ .
[٩٢] ثم ضربَ لنقضِ العهدِ مثلًا؛ تبشيعًا له، وتحذيرًا منه، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ التي غزلَتْهُ من صوفٍ وغيرِه.
﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ إحكامٍ وبَرْمٍ، فجعلَتْه ﴿أَنْكَاثًا﴾ حالٌ، جمع نكثٍ، وهو ما يُنْكَثُ فتلُه؛ أي: يُنقَضُ، والمرادُ به: تشبيهُ الناقضِ بمن هذا شأنُه، ورُويَ أنَّ امرأةً من قريشٍ يقالُ لها: ريطَةُ بنتُ سعدِ بنِ تيم كانَتْ حمقاءَ، وكانَتْ هي وجواريها يَغْزِلْنَ من أولِ النهار إلى الظهرِ، ثم ينقضْنَ ما غزلْنَ (١) .
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي: دَغَلًا وخِيانَةً بينكم بسببِ. الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٣)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٥٨٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٦٢).стр. 1737
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ جماعةٌ ﴿هِيَ أَرْبَى﴾ أي: أكثرَ عددًا.
﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ من الجماعة التي حالفتموها، وهذا نهيٌ لمن يحالفُ قومًا، فإنْ وجدَ أيسرَ منهم وأكثرَ ذهبَ إليهم، وتركَ مَنْ (١) حالفَ.
﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أي: يختبرُكم.
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا؛ من نقضِ العهودِ وغيرِها.
...
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) ﴾ .
[٩٣] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على ملَّةِ الإسلامِ ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ بخذلانِهِ عَدْلًا ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بتوفيقِهِ فَضْلًا.
﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا سؤالُ توبيخٍ، ليس ثَمَّ سؤالُ تَفَهُّم.
...
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) ﴾ .
[٩٤] ثم كررَ النهيَ تأكيدًا وإنذارًا فقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ فتغرُّونَ بها الناسَ فيسكنونَ إلى إيمانِكم، ويأمنون، ثم تنقضونها ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ أي: قدمُكم. стр. 1738
﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ استقامتِها على الإيمانِ، يقالُ لكل مُبْتَلًى بعدَ عافيةٍ: زَلَّتْ قدمُه.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ العقوبةَ في الدنيا ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بصدودِكم عن الوفاءِ إذا نقضْتُم، استنَّ بكم غيرُكم.
﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
...
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ﴾ .
[٩٥] ونزلَ فيمَنْ نقضَ العهدَ لينالَ شيئًا من حُطامِ الدنيا: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا﴾ عَرَضًا ﴿قَلِيلًا﴾ من الدنيا ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثوابِ.
﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من المال ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضلَ ما بينَ العِوَضَيْنِ.
...
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ .
[٩٦] ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ من حُطامِ الدنيا ﴿يَنْفَدُ﴾ يفنى (١) .
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ دائمٌ. رويَ عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياءِ على (بَاقِي) و (مُفْتَرِي) (٢) . الحواشي
(١) "يفنى" ساقطة من "ش".(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٥).стр. 1739
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ: (وَلَنَجْزِيَنَّ) بالنون، والباقون: بالياء، واختلِفَ عن ابن ذكوان (١) .
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الوفاءِ في السراءِ والضراءِ.
﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الطاعاتِ دونَ سواها، ويغفرُ سيئاتِهم بفضلِه، قالَ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ، أَضرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ، أَضرَّ بِدُنْيَاهُ، فآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى ما يَفْنَى" (٢) .
...
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) ﴾ .
[٩٧] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ في الدنيا ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ هي الرزقُ الحلالُ.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهذا وعدٌ بنعيمِ الآخرةِ. واتفقَ القراءُ على النونِ في (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) لأجلِ (فَلَنُحْيِيَنَّهُ) قبلَه.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٥).(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٤١٢)، وعبد بن حميد في "مسنده"(٥٦٨) ، وابن حبان في "صحيحه"(٧٠٩) ، والحاكم في "المستدرك"(٧٨٥٣) ، والقضاعي في "مسند الشهاب"(٤١٨) ، والبيهقي في "السنن الكبرى"(٦٣٠٨) ، عن أبي موسى الأشعري ﵁.стр. 1740
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) ﴾ .
[٩٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾ أي: إذا أردتَ أن تقرأَ ﴿الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ تقدَّمَ الكلامُ في أولِ التفسيرِ على الاستعاذةِ وتفسيرِها ومذاهبِ الأئمةِ والقراءِ فيها مستوفىً في فصلِ الاستعاذةِ.
...
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) ﴾ .
[٩٩] ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ تسلُّط.
﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنَّهم لا يُطيعون أوامرَه، ولا يَقبلون وساوسَهُ إلا فيما يحتقرون على نُدورٍ وغَفْلَةٍ.
...
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) ﴾ .
[١٠٠] ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يُطيعونه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ أي: باللهِ ﴿مُشْرِكُونَ﴾ وقيل: الكنايةُ راجعةٌ على الشيطان؛ أي: والذينَ هم بسببهِ مشركونَ بالله.
...
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) ﴾ .
[١٠١] ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أي: نَسَخْنا آيةً بآيةٍ مصلحةً للعبادِ.
стр. 1741
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ مما هو أصلحُ لخلقِه فيما يُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ من أحكامِه. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ: (يُنْزِلُ) بالتخفيف، والباقون: بفتحِ النونِ والتشديدِ (١) .
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿مُفْتَرٍ﴾ مُخْتَلِقٌ ذلكَ من تلقاءِ نفسِك.
وتقدَّم ما رُوي عن قنبلٍ ويعقوبَ في (مُفْتَرٍ) عندَ (بَاقٍ).
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حكمةَ الأحكامِ وبيان الناسخِ من المنسوخ، وعَبَّرَ بالأكثرِ مراعاةً لما كانَ عند قليلٍ منهم من توقُّفٍ وقلةِ مبالغةٍ في التكذيبِ والظنِّ.
...
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) ﴾ .
[١٠٢] ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عليهم: ﴿نَزَّلَهُ﴾ أي القرآنَ ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ هو جبريلُ ﵇. قرأ ابنُ كثير: (الْقُدْسِ) بإسكانِ الدالِ، والباقونَ: بضمِّها (٢) .
﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصدقِ ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالناسخِ، ويعلمون صدقَ ذلكَ.
﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادينَ لحكمِه. الحواشي
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٦).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٦).стр. 1742
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) ﴾ .
[١٠٣] قال ابنُ عباسٍ ﵄: كانَ رسولُ الله ﷺ يعلِّمُ قَيْنًا بمكةَ اسمُه بلعامُ وكان نصرانيًّا أعجميَّ اللسانِ، فكانَ المشركون يرونَ رسولَ اللهِ ﷺ يدخلُ عليه ويخرجُ، فقالوا: إنما يعلِّمُه بلعامُ، فنزل تكذيبًا لهم وتهديدًا: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (١) آدميٌّ، ثم أبطلَ قولَهم بقوله:
﴿لِسَانُ﴾ أي: لغةُ ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ يميلون ألسنتَهم ﴿إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ هو الذي لا يُفْصِحُ، وإن كانَ عربيًّا، والأعجميُّ: المنسوبُ إلى العجمِ وإنْ كانَ فَصيحًا، والأعرابيُّ: البدويُّ، والعربيُّ: منسوبٌ إلى العربِ وإنْ لم يكنْ فصيحًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء من لَحَدَ، والباقون: بضمِّ الياءِ وكسرِ الحاءِ من أَلْحَدَ (٢) .
﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن هو ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ فصيحٌ، المعنى: لسانُ الذي يُشيرونَ إليه أنه يعلِّمُ محمدًا ﷺ فيه عُجْمَةٌ، والقرآنُ ذو بيانٍ وفصاحةٍ، فكيفَ يصدرُ عن أعجميٍّ؟!
... الحواشي
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٤/ ١٧٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٦٧).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٦).стр. 1743
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ﴾ .
[١٠٤] ثم تهدَّدَهم بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لا يصدِّقون أنها من عندِ الله.
﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لا يرشدُهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ.
...
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) ﴾ .
[١٠٥] ثم أخبرَ تعالى أنَّ الكفارَ هم المفترونَ فقالَ: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى قريشٍ ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ على الحقيقةِ، لأن تكذيبَ الآياتِ والطعنَ فيها بهذهِ الخرافاتِ أعظمُ الكذبِ.
...
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ﴾ .
[١٠٦] رُوِيَ أنَّ عمارَ بنَ ياسرٍ سَبَّ النبيَّ ﷺ عندَ المشرِكينَ مُكْرَهًا، فقالَ المسلمونَ: قد كفرَ عمارٌ، فقالَ ﷺ : "كَلَّا، إِنَّ عَمَّارًا قَدْ مُلِئ إِيمانًا مِنْ قَرْنِهِ إِلىَ قَدَمِهِ، وَاخْتَلَطَ الإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَدَمِه"، فأتى عمارٌ رسولَ الله ﷺ فقال: نلتُ منكَ يا رسولَ الله، قالَ: "كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ؟ " قال: مطمئنًا،
стр. 1744
فجعلَ النبيُّ ﷺ يمسحُ عيني عمارٍ ويقول: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ"، فنزلَ فيه وفيمن جرى مجراه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ (١) على كلمةِ الكفر استثناءٌ متصلٌ؛ لأنَّ الكفرَ يطلق على القولِ والاعتقادِ.
﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ لم تتغيرْ عقيدتهُ، لا يدخلُ في هذا الحكمِ.
﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: طابَ بهِ نفسًا.
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إذ لا أعظمَ من جرمِهِ.
واتفقَ الأئمةُ على أنَّ من أُكرِهَ على كلمةِ الكفر، يجوزُ له أن يقولَ بلسانه، وإذا قالَ غيرَ معتقدٍ بقلبِه، لا يكفرُ، وإن أَبى حتى يُقتل كانَ أفضلَ.
واختلفوا في طلاقِ المُكْرَهِ، فأجازه أبو حنيفةَ، وأبطَلَهُ الثلاثةُ، وأما المكره بحقٍّ، فهو مكلَّفٌ بالاتفاق.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) ﴾ .
[١٠٧] ﴿ذَلِكَ﴾ الوعيدُ ﴿بِأَنَّهُمُ﴾ الضميرُ لمن شرحَ بالكفرِ صدرًا.
﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ بسببِ أنهم آثَروها عليها.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ لا يعصمُهم عن الزَّيْغِ. الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٩)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٧٢).стр. 1745
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) ﴾ .
[١٠٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فصرَفَهم عن طريقِ الهدى، وسَدَّ طرقَ هذهِ الحواسِّ حتى لا ينتفعَ بها في اعتبارٍ ولا تأملٍ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ عما يراد بهم.
...
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ﴾ .
[١٠٩] ﴿لَا جَرَمَ﴾ تقدَّمَ تفسيرهُ ومذهبُ حمزةَ فيه.
﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المغبونون.
...
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) ﴾ .
[١١٠] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (فَتَنُوا) بفتحِ الفاءِ والتاءِ، يعني: مَنْ أسلمَ من المشركينَ الذين فَتَنوا المسلمينَ. وقرأ الباقون: بضمِّ الفاءِ وكسرِ التاء (١) ، يعني: الذين فُتِنوا: عُذِّبوا ومُنِعوا من الإسلامِ، فَتَنَهم المشركون. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٧).стр. 1746
﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الهجرةِ والجهادِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: الفتنةِ والغفلةِ.
﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل: نزلَتْ في عبدِ الله بنِ أبي سَرْحِ حينَ ارتدَّ، ثم أسلمَ وحَسُنَ إسلامُه.
...
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) ﴾ .
[١١١] ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ المعنى: لغفورٌ رحيمٌ يوم تأتي ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: ذو نَفْسٍ ﴿تُجَادِلُ﴾ تُحاجُّ.
﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾ فالنفسُ الأولى هي المعروفةُ، والثانيةُ بمعنى الذاتِ؛ كما تقولُ: نفسُ الشيءِ وعينُه؛ أي: ذاتُه، المعنى: يومَ يأتي كلُّ إنسانٍ يُجادِلُ عن ذاتِه، لا فكرهَ له بغيرِه.
﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ جزاءَ.
﴿مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقصون أجورَهم.
...
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) ﴾ .
[١١٢] ثم ضربَ مثلًا بمن أنعمَ عليه فلم يَشْكُرْ، وأبطرَتْه النعمةُ فكفرَ، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ هي مكةُ ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ لا يُهاجُ أهلُها،
стр. 1747
ولا يُغارُ عليها ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ لا ينتقلون منها إلى غيرِها؛ لحسنِها.
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ واسعًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ يُحْمَلُ إليها من البَرِّ والبحرِ.
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ جمعُ نعمةٍ، رُويَ أن أهلَها كانوا يستنجون بالخبزِ.
﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ﴾ أي: أهلَها ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ أي: ابتلاهم به حتى أكلوا الجِيَفَ والكلابَ الميتةَ، حتى كانَ أحدُهم ينظرُ إلى السماءِ فيرى شبهَ الدخانِ من الجوع.
﴿وَالْخَوْفِ﴾ بِشَنِّ الغاراتِ عليهم من بُعوثِ النبيِّ ﷺ وسراياه التي كانت تُطيفُ بهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ولما كانَ الخوفُ يَتَغَشَّاهم من كلِّ جانبٍ تغشِّيَ الثوبِ للَّابسِ، استعارَ اللباسَ له، فكأنَّ اللباسَ قد صارَ جوعًا وخوفًا؛ كأنه قال: فأذاقَهم الله (١) ما يتغشَّاهم من الجوعِ والخوفِ.
...
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) ﴾ .
[١١٣] ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني: أهلَ مكةَ.
﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ .
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ في حالِ ظلمِهم. الحواشي
(١) لفظ الجلالة "الله" زيادة من "ت".стр. 1748
﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) ﴾ .
[١١٤] ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أَمَرَهم بأكلِ ما أحلَّ اللهُ لهم، وشكرِ ما أنعمَ عليهم بعدَما زجرَهم على الكفرِ، وهَدَّدَهم عليه بما ذكرَ من التمثيلِ والعذابِ الذي حلَّ بهم؛ صَدًّا لهم عن صنيعِ الجاهليةِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطيعونَ.
...
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) ﴾ .
[١١٥] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تقدَّمَ تفسيرُ نظيرِها، ومذاهبُ القراءِ فيها، واختلافُ الأئمةِ في حكمِها في سورةِ البقرة.
...
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) ﴾ .
[١١٦] ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ﴾ أي: تنعَتُ ﴿أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ إشارة إلى ما تقدَّمَ من السائبةِ والوصيلةِ والحامِ، المعنى: لا تُحِلُّوا حرامًا، ولا تحرِّموا حلالًا؛ لتفتروا على اللهِ الكذبَ فتقولوا: إن الله أمرنا بها.
стр. 1749
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ لا يبلغون الأملَ.
...
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) ﴾ .
[١١٧] ﴿مَتَاعٌ﴾ أي: بقاؤهم فيها متاعٌ.
﴿قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ.
...
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ﴾ .
[١١٨] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو ما ذُكر في سورةِ الأنعامِ، وهو كل ذي ظُفُرٍ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتحريمِ.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالمعاصي.
...
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) ﴾ .
[١١٩] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ أي: بسببِها.
﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ والإصلاحُ: الاستقامةُ على التوبةِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعدَ التوبةِ.
﴿لَغَفُورٌ﴾ لذلك السوءِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُثيب على الإنابةِ.
***
стр. 1750
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) ﴾ .
[١٢٠] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (إبراهام) بالألفِ في هذا الحرف والآتي (١) .
﴿كَانَ﴾ وَحْدَهُ ﴿أُمَّةً﴾ من الأممِ؛ لكمالِه في جميعِ صفاتِ الخير ﴿قَانِتًا﴾ مُطيعًا.
﴿لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عن الباطلِ.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما زعموا؛ فإن قريشًا كانوا يزعمونَ أنهم (٢) على مِلَّتِهِ.
...
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) ﴾
[١٢١] ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ رُوي أنه كانَ لا يأكلُ إلَّا مع ضيفٍ، فجاءه فوجٌ من الملائكةِ في زِيِّ البشر، فقدَّم لهم الطعامَ، فخيلوا إليه أنَّ بهم جُذامًا، فقالَ: الآنَ وجبتْ مؤاكَلَتُكُمْ شكرًا لله على أنْ عافاني وابتلاكم.
﴿اجْتَبَاهُ﴾ اختارَهُ للنبوةِ ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دينِ الإسلام.
...
﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ﴾ .
[١٢٢] ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ هي التنويهُ بذكرِه حتى ليسَ من أهلِ الحواشي
(١) كما تقدم عنه. وانظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٩).(٢) "أنهم" ساقطة من "ت".стр. 1751
دينٍ إلا وهم يتولَّوْنَهُ ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أهلِ الجنة.
...
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) ﴾ .
[١٢٣] ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ.
﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بلْ كان قدوةً للموحِّدين.
...
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ﴾ .
[١٢٤] ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه، وحكمُ طلبِ القاضي لليهوديِّ في يوم السبتِ في سورةِ البقرةِ، ونُبِّهَ عليه في الأعراف؛ أي: جُعِلَ تعظيمُه والتخلِّي فيه للعبادةِ.
﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: على نبيِّهم، وهم اليهودُ، أمرهم موسى ﵇ أن يتفرغوا للعبادةِ يومَ الجمعة، فأبوا وقالوا: نريدُ يومَ السبت؛ لأنه تعالى فرغَ فيه من خلقِ السمواتِ والأرضِ، فألزمَهم اللهُ السبتَ، وشَدَّدَ الأمرَ عليهم، وقيل: معناه: إنما جُعِلَ وبالُ السبتِ، وهو المسخُ، على المختلفين فيه بتحليلِ الصيدِ تارةً، وتحريمه أُخرى، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في سورةِ البقرةِ.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالمجازاةِ على الاختلاف بما يستحقُّه كلُّ فريقٍ.
стр. 1752
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) ﴾ .
[١٢٥] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ أي: الإسلام. قرأ أبو عمرٍو: (سَبِيل ربِّكَ) بإدغام اللامِ في الراءِ (١) .
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالمقالةِ المحكمةِ ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ التلطُّفِ من غيرِ تعنيفٍ، قالَ ﷺ : "أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولهِمْ" (٢) .
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالرفقِ واللينِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وهو المجازي لهم، وهذا منسوخٌ بآيةِ السيف.
...
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) ﴾ .
[١٢٦] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لما مَثَّلَ المشركون بحمزةَ ﵁ يومَ أُحُدٍ، قال النبيُّ ﷺ : "وَاللهِ لئن أَظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ"، فنزلت، وهو إشارةٌ إلى وجوب التقاصُصِ على السَّواءِ.
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ على تركِ القِصاصِ ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ معناهُ: الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠٠).(٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(١٦١١) ، عن ابن عباس ﵄.
وسنده ضعيف جدًّا، كما نقل العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٢٦) عن السخاوي والسيوطي وغيرهما.стр. 1753
العفوُ خيرٌ من الانتقام، فقالَ النبيُّ ﷺ : "بَلْ أَصْبِرُ"، وَأَمسكَ عما أرادَ، وكَفَّرَ عن يمينه (١) .
...
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) ﴾ .
[١٢٧] ثم صَرَّحَ بالأمرِ بالصبرِ، فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: بمعونتِهِ وتثبيتِهِ ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يؤمنوا.
﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (ضِيقٍ) بكسر الضادِ؛ أي: شِدَّة، وقرأ الباقون: بالفتحِ؛ أي: غَمٍّ (٢) .
...
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) ﴾ .
[١٢٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ المعاصيَ.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ في العملِ، والله أعلم.
... الحواشي
(١) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٣/ ١٣)، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي (٣/ ١٨٣)، و"المعجم الكبير" للطبراني(٢٩٣٧) ، و"المستدرك" للحاكم(٤٨٩٤) ، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦١) وما بعدها، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٢٥٠).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠٠ - ٣٠١).стр. 1754
سُوْرَةُ الإسْراءِ
مكيةٌ إلا قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخرِ ثماني آياتٍ، قدرُ آيها مئةٌ وإحدى عشرةَ آيةً، وحروفُها ستةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وستونَ حرفًا، وكَلِمُها ألفٌ وخمسُ مئةٍ وثلاثٌ وثلاثونَ كلمةً.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) ﴾ .
[١] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (سُبْحَانَ) تنزيهُ اللهِ من كلِّ سوءٍ، ووصفُه بالبراءةِ من كلِّ نقصٍ، وتكونُ (سُبْحَانَ) بمعنى التعجُّبِ، (أَسْرَى)؛ أي: سَيَّرَهُ، و (العبدُ) هو محمدٌ ﷺ ، لم يختلفْ في ذلكَ أحدٌ من الأمة، و (ليلًا) نصبٌ على الظرف.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هو المسجدُ المحيطُ بالكعبةِ، وقيلَ: من بيتِ أُمِّ هانِئ من الحرم، قالَ ابنُ عباسٍ: "الحرمُ كلُّهُ مسجِدٌ" (١) .
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ هو مسجدُ بيتِ المقدسِ، وبينَهما مسيرةُ شهرٍ، الحواشي
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٢)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٣٤٧).стр. 1755
وسُمِّيَ الأقصى، لبعدِ المسافةِ بينَهُ وبينَ المسجدِ الحرامِ، وقيل: كانَ هذا أبعدَ مسجدٍ عن أهلِ (١) مكةَ في الأرض يُعَظَّمُ بالزيارةِ، وقيل: لبعدِه عن الأقذارِ والخبائثِ، ورُوي أنه سُمِّيَ الأقصى؛ لأنه وسطُ الدنيا لا يزيدُ شيئًا ولا ينقُصُ.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ والبركةُ حولَه من جهتين: إحداهُما: بالنبوةِ والشرائعِ والرسلِ الذين كانوا في ذلك القطرِ في نواحيهِ وبواديه، والأخرى: النِّعَمُ من الأشجارِ والمياهِ والأرضِ المفيدةِ التي خَصَّ اللهُ الشامَ بها، وعنه ﷺ أنه قال: "إِنَّ اللهَ بَارَكَ فِيمَا بَيْنَ الْعَرِيشِ إِلَى الفُراتِ" (٢) ، وخصَّ فلسطينَ بالتقديسِ، ولو لم يكنْ له من الفضيلةِ غيرُ هذهِ الآيةِ، لكانَتْ كافيةً فيه؛ لأنه إذا بورِكَ حولَهُ، فالبركَةُ فيه مضاعَفَةٌ.
﴿لِنُرِيَهُ﴾ أي: محمدًا ﷺ بعينِه ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ في السمواتِ والملائكةِ والجنةِ والنارِ، ولقيا الأنبياءِ، وغيرِ ذلكَ مما رآه تلكَ الليلةَ من العجائبِ، وذهابِه ورجوعِه في جزءٍ من ليلةٍ.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما تقولون ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأفعالِكم، وعيدٌ من اللهِ للكفارِ على تكذيبِهم محمدًا ﷺ في أمرِ الإسراءِ.
وأما قصةُ الإسراءِ، فملَخَّصُها: أن الله بعثَ رسوله ﷺ ، وأنزلَ عليهِ الوحيَ، وأمرهُ بإظهارِ دينهِ، وأَيَّدَهُ بالمعجزاتِ الظاهرةِ، والآياتِ الباهِرَةِ، أسرى به ليلًا من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، وهو بيتُ المقدسِ من إيليا، وقد فشا الإسلامُ في قريشٍ وفي الحواشي
(١) في "ش": "لأهل".(٢) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (١/ ١٤١)، (١/ ١٤٩ - ١٥٠).следующие страницы →