Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) ﴾ .
[٣٩] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من الأحكامِ المتقدمةِ ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ وهو الموحى؛ لأنه في غايةِ الإحكام، ثم خوطبَ النبيُّ ﷺ ، والمرادُ غيرُه بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلومُ نفسَكَ ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا عن الخيرِ.
...
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) ﴾ .
[٤٠] ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ أَخَصَّكُم أيها المشركونَ ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ لأنهم كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ اللهِ، والهمزةُ في (أَفَأَصْفَاكُمْ) للإنكارِ.
﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ بإضافتِكم الأولادَ إليه، وبتفضيلِ أنفسِكم عليه.
...
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) ﴾ .
[٤١] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ نَوَّعْنَا القولَ ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لِيَذْكُرُوا) بسكونِ الذالِ وضمِّ الكافِ مخفَّفًا؛ من الذكرِ بعدَ النسيان، وقرأ الباقونَ: بفتحِ الذالِ والكافِ مع تشديدِهما (١) ، من التذكُّرِ: التدبُّرِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، =стр. 1787
﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ تصريفُنا ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ.
...
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) ﴾ .
[٤٢] ﴿قُلْ﴾ قلُ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَقُولُونَ) بالغيبِ على أنَّ الخطابَ معَ الرسولِ ﷺ ، وقرأ الباقون: بالخطاب (١) ؛ أي: كما تقولونَ أَيُّها المشركونَ.
﴿إِذًا لَابْتَغَوْا﴾ أي: طلبوا، يعني: الآلهةُ.
﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: صاحبِ العرشِ.
﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا ليغالبوهُ ويقهروهُ؛ كفعلِ ملوكِ الدنيا بعضِهم ببعضٍ.
قرأ أبو عمرٍو: (ذِي الْعَرْش سبِيلًا) بإدغامِ الشينِ في السينِ (٢) .
...
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) ﴾ .
[٤٣] ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: الحواشي
(١) المصادر السابقة.(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٣)، وذكر أنه لم يقع في القرآن إدغام شين في سين إلا في هذا؛ من أجل زيادة الشين بالتفشّي، وينظر: "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٤).стр. 1788
(تقولُونَ) بالخطابِ، والباقون: بالغيبِ (١) ﴿عُلُوًّا﴾ تَعالِيًا.
﴿كَبِيرًا﴾ متباعِدًا عما يقولونَ.
...
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) ﴾ .
[٤٤] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي: تنزِّهُهُ السمواتُ والأرضُ ومَنْ فيهنَّ من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ عن هذهِ المقالةِ التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيلهِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (يُسَبِّحُ) بالياءِ على التذكيرِ؛ لقيامِ (لهُ) مقامَ تاءِ التأنيثِ؛ ولأن تأنيثَ (السمواتِ) غيرُ حقيقيٍّ، وقرأ الباقون: بالتاء مؤنثًا على اللفظ، والقراءتان حسنتان (٢) .
﴿وَإِنْ﴾ أي: وما ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من حيٍّ وجمادٍ حتى صريرُ البابِ ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ينزِّهُ اللهَ ويحمَدُهُ ويمجِّدُه ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ تفهمونَ ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ لأنه ليسَ بلغتِكم.
﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ فلذلكَ أمهلَكُم ﴿غَفُورًا﴾ لمن تابَ منكم. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٥).стр. 1789
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) ﴾ .
[٤٥] وكان المشركونَ يؤذون النبيَّ ﷺ مصلِّيًّا، وجاءتْ أُمُّ لهبٍ بحجرٍ لترضَخَ به رأسَه، فلم تَرَهُ، فنزل: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ (١) على قلوبهم عن الفهم ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا.
...
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) ﴾ .
[٤٦] ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطيةً؛ كراهةَ.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ صَمَمًا يمنعُهم عن استماعِه.
﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم ﴿وَلَّوْا﴾ رجعوا.
﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ جمعُ نافرٍ؛ أي: نافرينَ. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ من روايةِ الدوريِّ: (أَدْبَارَهُمْ) بالإمالةِ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ، ورُوِيَ عن ورشٍ، وحمزةَ بينَ اللفظينِ، وقرأ الباقونَ: بإخلاصِ الفتحِ (٢) .
...
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) ﴾. الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٤).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٥).стр. 1790
[٤٧] ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ بسببِه ولأجله؛ من الهزءِ بكَ وبالقرآنِ.
﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وأنتَ تقرأُ القرآنَ ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ جمعُ نَجِيٍّ، وهم القومُ يتناجَوْن يتحدَّثون.
﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ المشركونَ، وهم الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابهُ.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ شَبَّهوا الخيالَ الذي عندَه بزعمِهم، وأقوالَه الوخيمةَ برأيهم بما يكونُ من المسحورِ الذي قد خبَّلَ السحرُ عقلَه، وأفسدَ كلامَه.
...
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) ﴾ .
[٤٨] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ مَثَّلوكَ بالشاعرِ والساحرِ والكاهنِ والمجنونِ. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في ضَمِّ التنوينِ وكسرِه عندَ قوله: (مَحْظُورًا انْظُرْ)، وكذلك اختلافُهم في قوله: (مَسْحُورًا انْظُرْ).
﴿فَضَلُّوا﴾ في جميعِ ما نَسبوه إليكَ.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يجدونَ ﴿سَبِيلًا﴾ إلى الهدى، أو إلى إفسادِ أمرِك وإطفاءِ نورِ اللهِ فيكَ بضربِهم الأمثالَ لكَ، واتِّباعِهم كلَّ حيلةٍ في جهتِك.
...
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) ﴾ .
[٤٩] ﴿وَقَالُوا﴾ تعجُّبًا وإنكارًا للبعثِ، واستبعادًا له:
﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا﴾ وهو ما مرَّ عليهِ الزمنُ حتى إنه بلغَ به غايةَ البِلى وَقرَّبه من عالم الترابِ.
стр. 1791
﴿لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ تلخيصُه: قالوا: حياتنُا بعدَ الموتِ محالٌ. واختلافُ القراء في (أَإِذا) (أَإِنا) كاختلافِهم فيهما في سورة الرعدِ.
...
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) ﴾ .
[٥٠] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ جوابًا لهم تعجيزًا وتوبيخًا ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾.
...
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) ﴾ .
[٥١] ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: يعظُم في نفوسِكم؛ كالسمواتِ والأرضِ مما لم يقبلِ الحياةَ إن استطعتم هذه الأشياءَ، ثمَّ انظروا بأدلَّةِ العقلِ هل نحن قادرونَ على جعلِ الروحِ فيه؛ لأنا أوجدناكم، ثم أحييناكم، فلا يمتنعُ علينا إيجادُنا الروحَ.
﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ استبعادًا ﴿مَنْ يُعِيدُنَا﴾ بعدَ الموتَ؟
﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ أنشأَكُم ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فإنَّ القادَر على الإنشاءِ قادرٌ على الإعادةِ ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ أي: يحرِّكونَ.
﴿إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ﴾ استهزاءً بك.
﴿مَتَى هُوَ﴾ أي: الإعادةُ والبعثُ.
стр. 1792
﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: هو قريبٌ، لأنَّ (عَسَى) من اللهِ واجبٌ، نظيرُه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].
...
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) ﴾ .
[٥٢] ﴿يَوْمَ﴾ تقديرُه: يعيدُكم يومَ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ من قبورِكم بالنفخِة الآخرةِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ فَتُجيبون ﴿بِحَمْدِهِ﴾ بأمرِه، وقيلَ: تُبعثونَ من قبورِكم طائعينَ حامِدين.
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدنيا، وفي القبورِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لأن الإنسانَ لو مكثَ ألوفًا من السنينَ في الدنيا وفي القبر، عُدَّ ذلكَ قليلًا في مدةِ القيامةِ والخلودِ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (لَبِثْتُمْ) و (لَبِثْت) بإظهارِ الثاءِ عندَ التاءِ حيثُ وقعَ، والباقون: بالإدغامِ (١) ، وروي عن أبي جعفرٍ: (فَسَيُنْغِضُونَ) بإخفاءِ النونِ عندَ الغينِ، ورُوي عنهُ الإظهارُ، وهو أشهرُ، وتقدَّمَ ذكرُ مذهبه في ذلك مستوفىً في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا).
...
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) ﴾. الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٦).стр. 1793
[٥٣] وكانَ المشركونَ يؤذونَ المسلمينَ، فشكَوْا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ (١) المؤمنينَ ﴿يَقُولُوا﴾ للكافرينَ الكلمةَ ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهو ألَّا يكافئوهم على أذاهُم، ويقولوا لهم: يَهديكم اللهُ، وسببُ الآيةِ أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ شَتَمَهُ بعضُ الكفرةِ، فشتمَهُ عمرُ، وهَمَّ بقتلِه، فكادَ أن يثيرَ فتنةً، فنزلتِ الآيةُ (٢) ، وهذا نُسخ بآيةِ السيفِ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ﴾ يفسِدُ ويهيجُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ المراءَ والشرَّ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهرَ العداوة.
...
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) ﴾ .
[٥٤] ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ خطابٌ لكفارِ مكةَ ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ يوفِّقْكُم فتؤمنوا ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ يُمِتْكُم على الشركِ فَتُعَذَّبوا.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ حَفِيظًا وكَفِيلًا، قيل: نُسِخَتْ بآيةِ القتالِ.
...
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) ﴾ .
[٥٥] ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو عالمٌ بهم وبأحوالِهم. الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٤).(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.стр. 1794
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ففضلَ إبراهيمَ بالخلَّةِ، وموسى بالتكليمِ، ومحمدًا بالمعراجِ.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تفضيلًا لهُ، كانَ زبورُ داود مئةً وخمسينَ سورةً ليسَ فيها حلالٌ ولا حرامٌ، بل تمجيدٌ وتحميدٌ، ودعاءٌ، صلواتُ اللهِ تعالى وسلامُه عليهم أجمعينَ، وهذا خطابٌ مع الذينَ يعترِفون بتفضيلِ الأنبياءِ، المعنى: إذا اعترفْتُم بتفضيلهِم، فلِمَ تنكرونَ فضلَ محمدٍ ﷺ ، وهو واحدٌ منهم. قرأ حمزةُ، وخلفٌ: (زُبُورًا) بضمِّ الزاي، والباقون: بفتحها (١) .
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) ﴾ .
[٥٦] ونزلَ فيمن عبدَ غيرَ اللهِ تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أَنَّهم أولياؤكم.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: دونِ اللهِ؛ ليكشفوا عنكم البلاءَ والضرَّ، وذلكَ أن المشركينَ أصابَهم قحطٌ شديدٌ، حتى أكلوا الكلابَ والجِيَفَ، فاستغاثوا بالنبيِّ ﷺ ليدعوَ لهم، فنزلت. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (قُلِ ادْعُوا) بكسرِ اللامِ في الوصلِ، والباقون: بالضمِّ (٢) . الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٧).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٧)، ورويت عن الكسائي بضم اللام.стр. 1795
﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾ القحطِ والجوعِ ﴿عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ لكم من العسرِ إلى اليسرِ.
...
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) ﴾ .
[٥٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الأنبياءُ المذكورونَ في أولِ الآيةِ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.
﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يتضرَّعونَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبونَ ﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ القربةَ إليه ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى رحمةِ اللهِ تعالى، يبتغي الوسيلةَ إليهِ بصالحِ الأعمال.
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وأكبرُهم عيسى وأمُّه، وعزيرٌ، والملائكةُ، والشمسُ، والقمرُ والنجومُ، وما عُبِدَ من دونِ اللهِ، وهو مطيعٌ لله، وقيلَ غيرُ ذلكَ.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ لا أمانَ لأحدٍ منه، بل يحذَرُه كلُّ مَلَكٍ مقرَّبٍ، ونبيٍّ مرسَلٍ لشدتِه.
...
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) ﴾ .
[٥٨] رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ يومًا على أصحابِه، فقال: "هَلْ
стр. 1796
تَدْرُونَ مَا يُخَرِّبُ الْقُرَى؟ "، قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: "أَعْمَالُ السُّوءِ فَاجْتَنِبُوهَا"، وتلا: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالموتِ والاستِئْصالِ.
﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالقتلِ وأنواعِ العقابِ إنْ لم يؤمنوا.
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ في اللوحِ المحفوظِ ﴿مَسْطُورًا﴾ مكتوبًا.
...
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) ﴾ .
[٥٩] ﴿وَمَا مَنَعَنَا﴾ أي: وما صرَفَنا.
﴿أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ التي اقترحَتْها قريشٌ.
﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الذين أمثالُهم في الطبع؛ كعادٍ وثمودَ؛ لأنَّ سنةَ اللهِ فيمَنْ تقدَّمَ أنه كانَ إذا أُتِيَ بآيةٍ فلم يؤمنْ أن يهلِكَهُ، وكان تعالى قد حكمَ بإمهالِهم لإتمامِ أمرِ محمدٍ ﷺ ، فقال تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦].
﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ بَيِّنَةً واضحةً ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: جَحَدوا بها أنها من عندِ اللهِ، فعاجلناهم بالعقوبةِ.
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾ المعجزاتِ ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ للعبادِ؛ ليؤمنوا.
***
стр. 1797
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠) ﴾ .
[٦٠] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾ أي: واذكرْ وقتَ إيحائِنا إليك.
﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ علمَ بمكرِهِمْ بكَ، فهو حافِظُكَ منهم، فأَمْضِ أمَركَ، ولا تَخَفْ أحدًا.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ ليلةَ الإسراءِ ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ أي: اختبارًا ﴿لِلنَّاسِ﴾، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلكَ في أولِ السورةِ عندَ ذكرِ قصةِ المعراجِ. قرأ الكسائيُّ، وخَلَفٌ: (الرُّؤْيَا) بالإمالِة في الوقف فقطْ (١) .
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ أي: الملعونَ آكلُها، وهي المذكورةُ.
﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ وهي الزقُّوم، وقولُه: (وَالشَّجَرَةَ) عطفٌ على قولِه: (الرُّؤْيا)؛ أي: جعلْنا الرؤيا والشجرةَ فتنةً، فكانتِ الفتنةُ في الرؤيا ما تقدَّمَ في قصةِ المعراجِ من ارتدادِ كثيرٍ ممَّنْ أسلمَ، والفتنةُ في الشجرةِ الملعونةِ أنه لما نزلَ أمرُها في سورةِ الصافات، قالَ أبو جهلٍ وغيرُه: هذا محمدٌ يتوعَّدُكم بنارٍ تحرقُ الحجارةَ، ثم يزعُمُ أنها تنُبت الشجرَ، وقد علمتُم أن النارَ تحرقُ الشجرَ، وما نعرفُ الزقُّوم إلا التمرَ بالزُّبْدِ، ثم أمرَ أبو جهلٍ جاريةً له فأحضرَتْ تمرًا وزُبْدًا، وقال لأصحابه: تَزَقَّموا، فافتتن أيضًا بهذهِ المقالةِ بعضُ الضُّعفاءِ، فأخبرَ اللهُ نبيَّه أنما جعلَ الإسراءَ وذكرَ شجرةِ الزقومِ الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٨).стр. 1798
فتنةً واختبارًا؛ ليكفرَ مَنْ سبقَ عليهِ الكفرُ، ويصدِّقَ مَنْ سبقَ عليه الإيمانُ (١) ، كما رُويَ عن أبي بكرٍ ﵁ ما سبقَ ذكرُه في قصةِ المعراجِ، قالَ الكواشيُّ ﵀: لو نظرَ، يعني: أبا جهلٍ، النظرَ الصحيحَ، لما استبعدَ ذلك؛ لأنه يمكنُ وجودُ جسمٍ لطيفٍ في النارِ لا يحترقُ كالسَّمَنْدَرِ وَبْرُ دُوَيْبَةٍ تكونُ ببلادِ التركِ لا تؤثرُ فيهِ النارُ، وتُتَّخَذُ منهُ مناديلُ، فإذا اتَّسَخَت المنديلُ، أُلقيتْ في النارِ، فيذهبُ الوسخُ ويبقى المِنْديل، وأعجبُ من ذلكَ أكلُ النَّعامِ النارَ والحديدَ المحمَّى، انتهى.
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بأنواعِ التخويفِ ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ تخويفُنا.
﴿إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ تمرُّدًا وعُتُوًّا عَظيمًا.
...
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) ﴾ .
[٦١] ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: واذكرْ إِذْ قُلْنا ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ أي: خلقتَهُ من طينٍ، وثُصِبَ بنزعِ الخافضِ، وقاسَ إبليسُ في هذهِ النازلةِ فأَخطأَ، وذلك أنه لما رأى الفضيلةَ لنفسِه من حيثُ رأى أن النارَ أفضلُ من الطين، وجهلَ أنَّ الفضائل في الأشياءِ إنما تكونُ حيثُ خَصَّها الله تعالى، ولا يُنْظَرُ إلى أُصولها. واختلافُ القراءِ في: (أَأَسْجُدُ) كاختلافِهم في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ في سورةِ البقرةِ [الآية: ٦]، وتقدَّمَ مذهبُ أبي جعفرٍ في ضمِّ التاءِ من قوله (لِلْمَلاَئِكَةُ اسْجُدُوا) في سورةِ البقرةِ. الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٥).стр. 1799
﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) ﴾ .
[٦٢] ولما أُمِرَ الخبيثُ بالسجودِ لآدمَ ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ﴾ أَخْبِرْني عن.
﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ أي: فَضَّلْتَ، لِمَ فَضَّلْتَهُ ﴿عَلَيَّ﴾ وأنا خيرٌ منه، وتمَّ سؤالُ الخبيثِ، ثم ابتدأ آتيًا باللامِ الموطِّئَةِ للقسَمِ المحذوفِ فقال:
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أثبتَ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ: الياءَ في (أَخَّرْتَنِي) وَصْلًا، وأثبتَها يعقوبُ وَصْلًا ووَقْفًا، وحذفها الباقونَ في الحالين (١) .
﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ لأستأصِلَنَّ ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ بالإغواءِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم، وهم المستثنَوْنَ بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
...
﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) ﴾ .
[٦٣] ﴿قَالَ﴾ اللهُ تهديدًا له، وتحذيرًا منه؛ لئلَّا يُطاعَ:
﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ من الإنسِ.
﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ على صنيعِكم ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ موفرًا مُكَمَّلًا. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلادٌ، وحمزهُ: (اذْهَب فمَنْ) بإدغامِ الباءِ في الفاء، والباقون: بالإظهار (٢) . الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٩).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن =стр. 1800
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) ﴾ .
[٦٤] ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ اسْتَخِفَّ واسْتَزِلَّ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ يعني: من ذريةِ آدمَ ﴿بِصَوْتِكَ﴾ أي: بالوسوسةِ.
﴿وَأَجْلِبْ﴾ اجمعْ ﴿عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ جمع راجل، المعنى: اجهدْ جهدَكَ، واجمعْ عليهم مكرَكَ وحيلَك ما أمكَنكَ، فلن أعجزَ عن منعِك ومنعِهم إذا شئتُ، قال أهلُ التفسير: كلُّ راكبٍ وماشٍ في معاصي الله فهو من جُنْدِ إبليسَ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (وَرَجِلِكَ) بكسر الجيم، والباقون: بإسكانِها، وهما لغتان (١) .
﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ المحرَّمَةِ؛ كالربا والغُصوب ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ من الزنى، وما كانوا يَئدِونَهُ من البناتِ، ويُهَوِّدونه ويُمَجِّسونه ويُنَصِّرونه من أولادِهم.
﴿وَعِدْهُمْ﴾ بما لا يتمُّ لهم، وبأنهم غَيْرُ مبعوثينَ، فهذهِ مشاركَةٌ في النفوسِ.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ باطِلًا؛ لأنه لا يُغْني عنهم شيئًا.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٠).стр. 1801
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) ﴾ .
[٦٥] ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المخلَصينَ ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على إغوائِهم ﴿سُلْطَانٌ﴾ قدرةٌ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ حافِظًا لمن اعتمدَ عليه.
****
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) ﴾ .
[٦٦] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ يسوقُ.
﴿لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا من رزقِه.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيثُ هَيَّأَ لكم ما تحتاجونَ إليه، وسَهَّلَ عليكم ما يَعْسُرُ من أسبابِه.
...
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) ﴾ .
[٦٧] ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ خوفَ الغرقِ.
﴿ضَلَّ﴾ ذهبَ عن أوهامِكم.
﴿مَنْ تَدْعُونَ﴾ من الآلهةِ ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فلا تدعونَ في ذلكَ الوقتِ سواهُ.
﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ من الغرقِ ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإيمانِ.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ للنعمِ، والإنسانُ هنا للجنسِ، وكلُّ واحدٍ لا يكادُ يؤدِّي شكرَ اللهِ كما يجبُ.
***
стр. 1802
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) ﴾ .
[٦٨] ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، والفاءُ للعطفِ على محذوفٍ؛ أي: نجوتُم من البحرِ، فَأَمِنتُمْ ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ نُغَوِّرَ.
﴿بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ ناحِيَتَهُ عن الأرضِ؛ كقارونَ.
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا عاصِفًا ترمي بالحصباءِ، وهي الأحجارُ الصغارُ.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ مَنْ يَتَوَكَّلُ بصرفِ ذلكَ عنكم.
...
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) ﴾ .
[٦٩] ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ أي: في البحرِ ﴿تَارَةً﴾ مرةً.
﴿أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ ريحًا شديدةً تقصفُ الشجرَ.
﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ أي: تابِعًا مطالِبًا بالثأر. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (أَنْ نَخْسِفَ) (أَوْ نُرْسِلَ) (أَنْ نُعِيدَكُمْ) (فَنُرْسِلَ عَلَيْكُمْ) (فَنُغْرِقَكُمْ) بالنونِ في الخمسة؛ لقوله: (عَلَيْنَا)، وقرأ الباقون: بالياءِ، سوى أبي جعفرٍ ورويسٍ في قوله: (فَنُغْرِقَكُمْ) لقوله: (إِلَّا إِيَّاهُ)، وقرأ أبو جعفرٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (فَتُغَرِقَكُم) بالتاء على التأنيث، يعني: الريحَ، ورُويَ عن أبي جعفرٍ وجهُ ثانٍ: (فتُغَرِّقَكُمْ) بفتحِ
стр. 1803
الغينِ وتشديدِ الراء (١) ، وقرأ أبو جعفرٍ: (الرِّيَاحَ) على الجمعِ، والباقون: على التوحيد (٢) .
...
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠) ﴾ .
[٧٠] ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ جعلْنا لهم شَرَفًا وفَضْلًا، وهذا هو كرمُ نفيِ النقصانِ، لا كرمُ المالِ، قالَ ابنُ عباسٍ: "هو أنَّهم يأكلونَ بالأيدي، وغيرُ الآدميِّ يأكلُ بفيهِ منَ الأرضِ" (٣) .
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ على الدوابِّ ﴿وَالْبَحْرِ﴾ على السُّفُنِ.
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ لذيذِ المطاعمِ والمشاربِ.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ وظاهرُ الآيةِ أن فضلَهم على كثيرٍ ممن خلقه، لا على الكُلِّ، وقال قومٌ: فُضِّلوا على جميعِ الخلقِ إلَّا على الملائكةِ، وقيلَ: إلَّا على جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملكِ الموتِ وأشباهِهم، وفي تفضيلِ الملائكةِ على البشرِ اختلافٌ، والتفضيلُ حقيقةً لا يعلمُه إلا الله ومن شاءَ من خلقِه، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولِه الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٩٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٠ - ٣٣٢).(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٩٣)، و"البحر المحيط" لأبي حيَّان (٦/ ٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٢).(٣) انظر: "تفسير البغوي" (ص: ٦٩٦).стр. 1804
تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنةِ أنَّ الأنبياءَ أفضلُ من الملائكةِ، وإنْ كانوا رُسُلًا.
...
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) ﴾ .
[٧١] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكرْ يومَ.
﴿نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: بمنِ ائْتَمُّوا به من نبيٍّ وغيرِه.
﴿فَمَنْ أُوتِيَ﴾ من المدعُوِّينَ ﴿كِتَابَهُ﴾ أي: كتابَ عملِه.
﴿بِيَمِينِهِ﴾ وهمُ السعداءُ.
﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ أي: ما فيه من الحسناتِ، ولم يذكرِ الأشقياءَ، وإنْ كانوا يقرؤون كتبَهم أيضًا، لأنهم إذا قرؤوا ما فيها، لم يُفْصِحوا به؛ خوفًا وحياءً، بخلافِ السعداءِ، فإنهم يقرؤون كتبَهم ظاهرًا مشهورًا ويُقْرِئُونها غيرَهم سُرورًا ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: جميعُ المدعوِّينَ ﴿فَتِيلًا﴾ وهو ما في شقِّ النواةِ طولًا، وتقدَّم في سورةِ النساءِ.
...
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) ﴾ .
[٧٢] ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمَى﴾ عن الهدايةِ ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ عن إثباتِ الحجَّةِ ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأُ طريقًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (أَعْمَى) بالإمالةِ في الحرفينِ؛ لأن أَلفَها طرفٌ؛ لأنها بمعنى عامٍ، وهو من عَمَى
стр. 1805
القلبِ، وافقَهم أبو عمرٍو ويعقوبُ في إمالةِ الأولِ، وفتحا الثانيَ، جَعلاهُ من أفعلِ التفضيل؛ لأن أفعلَ التفضيلِ يتصل بـ (من)، فصارتْ ألفُه وَسَطًا كألفِ (أَعْمَالكم)، فلم يمل، وقرأ الباقون: بفتحِهما على الأصلِ (١) .
...
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) ﴾ .
[٧٣] ولما طلب المشركونَ من النبيِّ ﷺ أن يجعلَ آيةَ رحمةٍ مكانَ آيةِ عذابٍ، وبالعكسِ، وأن يستلمَ آلهتَهم، وأن يطردَ الضعفاءَ والمساكينَ عنه، وأطمعوه في إسلامِهم، قالوا: فمالَ إلى بعضِ ذلكَ بخطراتِ القلبِ مما لا يمكن دفعُه، ولم يكنْ عَزْمًا؛ كَهَمِّ يوسفَ، والقولُ فيهما واحدٌ، وقد عفا الله عن حديثِ النفسِ، فنزل:
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ (٢) المعنى: إن الشأنَ قاربوا.
﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ لَيَصْرِفونَكَ بخدْعِهم.
﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾ لتتقَوَّلَ ﴿عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا﴾ لو فعلْتَ ما طلبوا منكَ ﴿لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ صديقًا.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٣).(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٥).стр. 1806
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) ﴾ .
[٧٤] ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ على الحقِّ بعصمتِنا إياكَ.
﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ المعنى: لَقاربتَ أن تسكُنَ إلى قولهم.
﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ دليلٌ على أنه ﷺ عُصِمَ ولم يَرْكَنْ إليهم في شيءٍ ما، فبعدَ أن عصمَه خاطبَه تحذيرًا لغيره، وتقديره: ولو رَكَنْتَ.
...
﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) ﴾ .
[٧٥] ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ أي: عذابِ الدنيا.
﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ في الآخرةِ؛ أي: لعذبناك عذابًا مضاعَفًا في الدارينِ.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ مانِعًا يمنعُ عنكَ عذابَنا.
...
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) ﴾ .
[٧٦] ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لينتزعونَكَ بسرعةٍ.
﴿مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ من أرضِ المدينةِ، قالتْ له اليهودُ: ما المدينةُ بأرضِ الأنبياءِ، إنما أرضُهم الشامُ، وهي الأرضُ المقدسةُ، ولكنك تخافُ الرومَ، فإن كنتَ نبيًّا، فاخرجْ إليها؛ فإن اللهَ سيحميكَ كما حَمَى غيرَكَ من الأنبياءِ، فنزلتِ الآيةُ.
стр. 1807
﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾ (١) ولو خَرَجْتَ، لا يَبْقَوْنَ بعدَ خروجِك.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: بعدَ إِخراجك كُنَّا نُهْلِكُهم. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (خَلْفَكَ) بفتحِ الخاءِ وإسكانِ اللامِ من غيرِ ألفٍ، وقرأ الباقون: (خِلاَفَكَ) بكسرِ الخاءِ وفتحِ اللام وألفٍ بعدَها، ومعناهما واحدٌ (٢) .
...
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) ﴾ .
[٧٧] ﴿سُنَّةَ﴾ نصبٌ مصدرٌ ﴿مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ أي: هذه سنتُنا أنَّ الأممَ إذا أَخْرجوا نبيَّهم، أو قتلوهُ، أُهْلِكوا.
﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا﴾ لعادتِنا ﴿تَحْوِيلًا﴾ تغييرًا.
...
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) ﴾ .
[٧٨] ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ميلِها من الزوالِ إلى الغروبِ، فيتناولُ صلاةَ الظهرِ والعصرِ ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ظلامِه، يتناولُ المغربَ والعشاءَ. الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٦).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٤)، وفيها أن قراءة ابن عامر: "خلافك".стр. 1808
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاةَ الصبحِ، سُمِّيت قرآنًا؛ لأن القرآنَ هو عُظْمُها؛ إذْ قراءتُها طويلةٌ مجهورٌ بها ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ تشهدُه ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ إذا صعِدَ هؤلاءِ ونزلَ هؤلاءِ.
...
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) ﴾ .
[٧٩] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: وعليكَ صلاةُ بعضِ الليلِ.
﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي: بالقرآنِ، والتهجُّدُ لا يكونُ إلا بعدَ النومِ.
﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ زيادةً على الفرائضِ، وكانتْ صلاةُ الليلِ فَرْضًا على النبيِّ ﷺ وعلى أُمَّتِه، فَنُسخَ في حقِّ أمتِهِ بالصلواتِ الخمسِ، وبقيَ الوجوبُ في حقِّهِ، وذهبَ قومٌ إلى أنَّ الوجوبَ نُسِخَ في حقِّه كأمتِهِ.
﴿عَسَى﴾ من اللهِ واجبٌ، لأنه لا يدعُ أن يعطيَ عبادَه أو يفعلَ بهم ما أَطمَعَهم فيه.
﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ يومَ القيامةِ فيقيمَك.
﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ هو مقامُ الشفاعةِ، يَغْبِطُهُ به الأولونَ والآخِرون؛ لأنَّ كلَّ مَنْ قُصِدَ من الأنبياءِ للشفاعةِ يحيدُ عنها، ويُحيلُ على غيرِه حتى يأتوا محمدًا ﷺ للشفاعة، فيقول: "أَنَا لَهَا" (١) ، ثم يشفعُ، فَيُشَفَّعُ فيمن كانَ من أهلِها. الحواشي
(١) رواه البخاري(٧٠٧٢) ، كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ومسلم(١٩٣) ، كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، عن أنس بن مالك ﵁.стр. 1809
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) ﴾ .
[٨٠] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ المدينةَ ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ مكةَ، المعنى: حيثُما أدخلْتَني وأخرجْتَني فليكنْ بالصدقِ مِنِّي، ولا تجعلْني ذا الوجهينِ؛ فإن ذا الوجهينِ لا يجوزُ أن يكونَ أمينًا، نزلتْ حينَ أُمِرَ النبيُّ ﷺ بالهجرةِ (١) .
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ حجةً تنصرُني على المخالِف.
...
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) ﴾ .
[٨١] ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلامُ ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ بطلَ الكفُر.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ هالِكًا عند مجيءِ الإسلام.
...
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) ﴾ .
[٨٢] ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ قرأ أبو عمروٍ، ويعقوبُ: بإسكانِ النونِ الثانيةِ، وتخفيفِ الزايِ، والباقون: بفتحِ النونِ وتشديدِ الزاي (٢) .
﴿مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ للقلوبِ من الضلالة، و (مِنْ) يصحُّ أن تكونَ الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٦).(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٥).стр. 1810
لابتداءِ الغايةِ، ويصحُّ أن تكونَ لبيانِ الجنسِ؛ كأَنه قال: ونُنْزِلُ ما فيه شفاءٌ من القرآنِ، قال ابنُ عطية: وأنكرَ بعضُ المتأوِّلينَ أن تكونَ (من) للتبعيضِ؛ لأنه تحفَّظَ من أن يلزمَه أن بعضَهُ لا شفاءَ فيه، وليس يلزمُه هذا، بل يصحُّ أن تكونَ للتبعيضِ بحسبِ أنَّ إنزالَه إنما هو مبعَّضٌ؛ كأنه قالَ: (وننزلُ من القرآنِ) شيئًا شيئًا (ما) فيهِ كلِّه (شفاءٌ)، واستعارةُ الشفاءِ للقرآنِ هو بحسبِ إزالتهِ للريبِ، وكشفِهِ غطاءَ القلبِ لفهمِ المعجزاتِ والأمورِ الدالةِ على الله تعالى المقررة لشرعه، انتهى (١) .
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنه سببُ الرحمة.
﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ نَقْصًا؛ لأنهم يُنكرونَ القرآنَ فيخسرونَ.
...
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) ﴾ .
[٨٣] ونزلَ فيمنْ كان يدعو ويلجأُ إلى اللهِ في البلاءِ، ويتركُ ذلكَ في الرخاء: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بِسَعَةِ الرزقِ وكشفِ البلاءِ ﴿أَعْرَضَ﴾ وَلَّى عن التضرُّعِ.
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ بَعُدَ بناحيتِهِ، كأنه مستغنٍ مستبدٌّ بأمرِه. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (وَنَاءَ) بهمزةٍ بعدَ الألفِ، مثل فاعَ وجاءَ من النَّوْءِ، وهو النهوضُ والقيامُ، والباقون: يجعلونَ الهمزةَ قبلَ الألفِ (٢) ، الحواشي
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٨٠).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =стр. 1811
وأمالَ الكسائيُّ وخلفٌ لنفسِه، وعن حمزةَ فتحة النونِ والهمزةِ، وأمال أبو بكرٍ عن عاصمٍ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو بخلافٍ عنه، وخلادٌ عن حمزةَ فتحَ الهمزةِ فقط، وفتحوا النونَ، وقرأ الباقون: بفتحِ النونِ والهمزةِ على وزنِ نَعَى (١) .
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الشدةُ والبلاءُ ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾ شديدَ القنوطِ من رحمةِ اللهِ تعالى.
...
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) ﴾ .
[٨٤] ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ طريقتِهِ.
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أوضحُ طريقًا.
...
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) ﴾ .
[٨٥] روى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أنه كانَ مع رسولِ الله ﷺ ، فمرَّ على حرثٍ بالمدينةِ، وإذا فيه جماعةٌ من اليهودِ، فقالَ بعضُهم لبعضٍ: سلوهُ عن الرُّوحِ، فإن أجابَ فيه، عرفتم أنه ليسَ بنبيٍّ، وذلكَ أنه كانَ عندَهم في التوراةِ أنَّ الروحَ مما انفردَ اللهُ تعالى بعلِمه، ولا يُطْلع عليه أَحَدًا من عبادِه، قال ابنُ مسعودٍ: وقالَ بعضُهم: لا تسألوه؛ لئلَّا يأتيَ فيه بشيء تكرهونه، الحواشي
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، والمصادر السابقة.стр. 1812
قال: فسألوهُ، فوقفَ رسولُ الله ﷺ متوكئًا على عسيبٍ، فظننتُ أنه يُوحَى إليه، ثم تلا عليهم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ (١) .
قال الجمهور: وقعَ السؤالُ عن الأرواحِ التي في الأشخاصِ الحيوانيةِ ما هي؟ فالروحُ اسمُ جنسٍ على هذا، وهو الشكلُ الذي لا تفسيرَ له، وفسرَها جمهورُ المتكلمين بجسمٍ لطيفٍ مشتبكٍ بالبدنِ اشتباكَ الماءِ بالعودِ الأخضرِ، وقال كثيرٌ منهم: إنها عَرَضٌ، وهي الحياةُ التي صارَ البدنُ بوجودها حَيًّا، قالَ السَّهْرَوَرْدِيُّ: ويدلُّ للأول وصفُها في الأخبارِ بالهبوطِ والعُروج والتردُّدِ في البرزخ، وقيل: هو جبريلُ، أو ملكٌ أعظمُ منهُ ومن جميعِ الملائكة، وقيل: عيسى ﵇، وقيلَ: القرآنُ، قالَ ابنُ عطيةَ: والأولُ أظهرهُا وأصوبُها (٢) ، قال الكواشيُّ: واختلفوا فيه، وفي ماهيته، ولم يأتِ أحدٌ منهم على دعواهُ بدليلٍ قطعيٍّ، غيرَ أنه شيءٌ بمفارقتهِ يموتُ الإنسانُ، وبملازمته له يبقى.
ثم أومأ تعالى إلى تعذُّرِ معرفتهِ حقيقةً بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من علمِه ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ أيُّها المؤمنونَ والكافرونَ.
﴿مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ في جنبِ علمِ اللهِ تعالى، فالخطابُ في هذا لجميعِ العالَم، وهو الصحيحُ.
وحُكِيَ أن عظيمَ الرومِ كتبَ إلى أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ يسألهُ عن الروحِ، فكتب لهُ الإمامُ عمرُ الآيةَ الشريفة الحواشي
(١) رواه البخاري(٤٤٤٤) ، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، ومسلم(٢٧٩٤) ، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح.(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٨٢).стр. 1813
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ إلى آخرِها، فأرسلَ عظيمُ الرومِ إليه أنَّ هذا الجوابَ لا يَكْفيني، وإنما أريدُ جوابًا أفهمُه، فقال الإمام عمرُ: "لا أعرفُ غيرَ ذلك"، وكان ذلكَ بحضورِ الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالب ﵁، فاستأذنَ الإمامُ عمرُ في ردِّ جوابِ عظيمِ الرومِ، فأذِنَ له، فكتب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الروحُ لطيفةٌ ربانيةٌ، نزلَتْ من الخزائنِ الرحمانية، أُودِعَتْ في الهياكلِ الجثمانيةِ، ضَمِنَ لها رزقَها، وجعلهَا عندَكَ رَهْنًا، فإذا وفي بما ضمِنَ، أَخذَ ما رَهَنَ"، انتهى.
...
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) ﴾ .
[٨٦] ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ كما منعْنا علمَ الروحِ عنكَ وعن غيرِكَ، اللامُ في (لَنَذْهَبَنَّ) جوابُ قسمٍ محذوفٍ مع نيابتِه عن جزاءِ الشرطِ، تقديرُه: واللهِ إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بالقرآنِ، ومَحَوْناهُ من الصدورِ والمصاحِف.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ أي: من يتوكَلُ بردِّ القرآن إليك.
...
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) ﴾ .
[٨٧] ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ استثناء منقطع، أي: لكن لا نشاء ذلك.
﴿مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ كإنزالِه عليكَ، وإبقائِه في حفظِك.
стр. 1814
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) ﴾ .
[٨٨] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ متظاهرين.
﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ في البلاغةِ والإعجازِ.
﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا يقدِرون على ذلكَ.
﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ مُعينًا، نزلتْ حينَ قالَ الكفار: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، فكذَّبَهم الله (١) ؛ لأنه في أعلى طبقاتِ البلاغةِ، لا يشبهُ كلامَ الخلقِ؛ لأنه غيرُ مخلوقٍ، ولو كانَ مخلوقًا، لأَتَوا بمثلِه.
...
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) ﴾ .
[٨٩] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بَيَّنَّا ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كلِّ معنى هو كالمثلِ في غرابتِه ووقوعِه مَوْقِعًا في الأنفس. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ: (ولَقَد صَّرَّفْنَا) وشبهه بإدغامِ الدالِ في الصادِ، والباقون: بالإظهار (٢) .
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جُحودًا للحقِّ. الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٧١٤).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٧).стр. 1815
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) ﴾ .
[٩٠] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: المشركون تَعَنُّتًا واقتراحًا بعدَما ألزمَهم الحجةَ ببيانِ إعجازِ القرآنِ، وانضمامِ غيره من المعجزاتِ إليه.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ يا محمدُ ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ عينًا ينبعُ منها الماءُ. قرأ أبو عمرٍو: (نُؤْمِن لَّكَ) بإدغامِ النونِ في اللام (١) ، وقرأ الكوفيون، ويعقوبُ: (تفجُرَ) بفتحِ التاءِ وإسكانِ الفاءِ وضمِّ الجيمِ وتخفيفِها؛ لأنَّ الينبوعَ واحدٌ، وقرأ الباقونَ: بضمِّ التاءِ وفتحِ الفاءِ وكسرِ الجيمِ وتشديدِها؛ من التفجير، واتفقوا على تشديدِ قوله: (فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ) لأنها جمع، والتشديدُ يدلُّ على التكثيرِ، ولقوله: (تَفْجِيرًا) (٢) .
...
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) ﴾ .
[٩١] ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا﴾ وَسْطَها ﴿تَفْجِيرًا﴾ تشقيقًا.
... الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٧).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٧).стр. 1816
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) ﴾ .
[٩٢] ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (كِسَفًا) بفتحِ السينِ جمعُ كِسْفِة؛ أي: قطعة، وقرأ الباقون: بالإسكانِ على التوحيد، جمعُه أكسافٌ وكسوفٌ (١) .
﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ضَمينًا لصحةِ قولكَ.
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) ﴾ .
[٩٣] ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ ذهبٍ ﴿أَوْ تَرْقَى﴾ تصعَدَ.
﴿فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ لصعودِك.
﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فيهِ تصديقُك.
﴿قُلْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ: (قَالَ) بالألف إخبارًا عن النبيِّ ﷺ ، وكذا هو في مصاحفِ أهلِ مكةَ والشامِ، وقرأ الباقون: (قُلْ) بغيرِ ألفٍ على الأمرِ، وكذا هو في مصاحِفِهم؛ أي: قلْ يا محمدُ (٢) :
﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تنزيهًا للهِ من أن يتحكَّمَ عليه، أو تعجُّبًا من اقتراحاتِهم. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٥ - ٣٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٩).(٢) المصادر السابقة.стр. 1817
﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: ما هذا في قوى البشرِ، وليسَ لبشرٍ ولا لرسولٍ الإتيانُ بشيءٍ منهُ إلا بإذنِ الله.
...
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) ﴾ .
[٩٤] ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: أهلَ مكةَ.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ القرآنُ.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ جَهْلًا مهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ولم يبعثْ مَلَكًا؟ فلا نؤمنُ به.
...
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) ﴾ .
[٩٥] فردَّ تعالى عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ كَمَشْي الإنسِ؛ أي: لو سكنَ الأرضَ ملائكةٌ، واستقرُّوا فيها.
﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ لأن رسولَ كلِّ قومٍ من جنسِهم؛ لأنَّ القلبَ إلى الجنسِ أميلُ منهُ إلى غيرِ الجنسِ.
...
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) ﴾ .
[٩٦] ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أني رسولُه إليكم.
стр. 1818
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يعلمُ أحوالَهم، فيجازيهم، فيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ ، وتهديدٌ للكفار.
...
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ﴾ .
[٩٧] ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أثبتَ نافع، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو الياءَ في (المهتدي) وَصْلًا، ويعقوبُ في الحالينِ، وحذفَها الباقونَ فيهما (١) .
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ يَهْدونهم.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي: يُسْحبون عليها في النار، قيلَ للنبيِّ ﷺ : كيفَ يمشونَ على وجوهِهِمْ؟ قالَ: "الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ" (٢) ﴿عُمْيًا﴾ لا يُبْصرون ما يُقِرُّ أعينَهم ﴿وَبُكْمًا﴾ لا ينطقونَ بحجَّةٍ ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون ما يلتذُّونَ به.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ سكنَ لهيبُها. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٥).(٢) رواه البخارى(٤٤٨٢) ، كتاب: التفسير، باب قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ...﴾، ومسلم(٢٨٠٦) ، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: يحشر الكافر على وجهه، عن أنس بن مالك ﵁.стр. 1819
﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ تَلَهُّبًا واشتعالًا، فالزيادة في حَيِّزِهم، وأما جهنمُ، فعلى حالِها من الشدَّةِ لا يُصيبُها فُتورٌ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (خَبَت زدْنَاهُمْ) بإدغامِ التاءِ في الزاي، واختلِفَ عن هشامٍ راوي ابنِ عامر، وقرأ الباقون: بالإظهار (١) .
...
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) ﴾ .
[٩٨] ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ تقدَّمَ تفسيرُ نظيرِها، والتنبيهُ على مذاهبِ القراء فيها في السورةِ.
...
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) ﴾ .
[٩٩] فأجابهم اللهُ تعالى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ في عظمها وشدَّتها.
﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في صغرِهم وضعفهم.
﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ وَقْتًا لعذابِهم. الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٩).стр. 1820
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أنه يأتيهم، وهو الموتُ أو القيامةُ.
﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ عِنادًا.
...
﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) ﴾ .
[١٠٠] ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ المعنى: لو مَلَكْتُم ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي: رزقِهِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (رَبِّيَ) بفتحِ الياءِ، والباقون: بإسكانها (١) .
﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ﴾ لَبَخِلْتُم ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ والفاقةِ.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ضَيِّقًا بخيلًا.
...
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) ﴾ .
[١٠١] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلالاتٍ واضحاتٍ، وهي في قولِ جمهورِ المفسِّرين: بياضُ اليد، والعصا، والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، وحَلُّ عقدةٍ من لسانِه، وانفلاقُ البحرِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠).стр. 1821
وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ ﵁: ثنا يزيد، أنبأ شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ سلمةَ يحدِّثُ عن صفوانَ بنِ عَسَّالٍ المراديِّ، قال: قال يهوديٌّ لصاحِبه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ حتى نسألَه عن هذهِ الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال: لا تقلْ له نبيٌّ، فإنه لو سمعَكَ، لصارتْ له أربعةُ أعينٍ، فسنألاهُ، فقال النبيُّ ﷺ : "لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ولا تَسْحَرُوا، وَلاَ تأْكُلُوا الرِّبَا، وَلاَ تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقتُلَهُ، وَلاَ تَقْذِفُوا مُحْصنًا، أو قال: ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، شعبةُ هو الشاكُّ، وَأَنْتُمْ يَهُودُ عَلَيْكُمُ خَاصَّةً أَلَّا تَعْدُوا في السَّبْتِ"، فقبَّلا يديهِ ورجليه، وقالا: نشهدُ أنكَ نبيٌّ، قالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَتَّبِعَانِي؟ "، قالا: إن داودَ ﵇ دعا أن لا يزالُ من ذريتِه نبيٌّ، فإنا نخشى إنْ أسلَمْنا أن تقتلَنا يهودُ (١) .
﴿فَاسْأَلْ﴾ يا محمدُ مَنْ آمنَ من ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِه؛ لتحتجَّ بهِ على مَنْ لم يؤمنْ. قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلْ) بالنَّقْلِ، والباقون: بالهمز (٢) .
﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ موسى. قرأ أبو عمرٍو، وهشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (إذ جاءَهُمْ) الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٢٣٩)، والترمذي(٢٧٣٣) ، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في قبلة اليد والرجل، وقال: حسن صحيح، وغيرهما.(٢) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٦/ ٨٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠).стр. 1822
بإدغامِ الذالِ في الجيم، والباقون: بالإظهار (١) .
﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ سُحِرْتَ، فتخبَّطَ عقلُكَ.
...
﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) ﴾ .
[١٠٢] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾: قرأ الكسائيُّ: (عَلِمْتُ) بضم التاء، يخبرُ عن نفسِه أنه ليسَ بمسحورٍ، وأنَّ ما جاء به حقٌّ، وقرأ الباقون: بفتح التاءِ خطابًا لفرعونَ (٢) ؛ لأنه كان في حِجْرِهِ، ولم يكنْ رأى منهُ شيئًا يدلُّ على ذلك؛ أي: لقد علمتَ أَني لستُ بمسحورٍ.
﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ الآياتِ التسعَ ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولكنَّك عانَدْتَ. واختلافُ القراء في (هَؤُلاَءِ إِلَّا) كاختلافِهم في (هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ) في سورةِ البقرةِ ﴿بَصَائِرَ﴾ بيناتٍ تبُصِّرُكَ صِدْقي، وانتصابُه على الحال ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ هالِكًا ملعونًا.
... الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦ - ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠ - ٣٤١)، وقراءة نصب التاء أصح في المعنى، وعليه أكثر القرَّاء؛ لأن موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه، ولا يثبت عن عليٍّ ﵁ رفع التاء؛ لأنه روي عن رجل من مراد -وهو كلثوم المرداوي وهو مجهول- عن علي، ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي. اهـ كذا قاله البغوي.стр. 1823
﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) ﴾ .
[١٠٣] ﴿فَأَرَادَ﴾ فرعونُ ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أي: يخرجَهم: موسى وقومَه.
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أرص مصرَ ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ تأكيدٌ.
...
﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) ﴾ .
[١٠٤] ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعدِ إهلاكِه.
﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَ الشامِ ومصرَ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ وهي الساعةُ.
﴿جِئْنَا بِكُمْ﴾ من قبورِكم إلى موقفِ القيامةِ ﴿لَفِيفًا﴾ جَمْعًا مختلِطين.
...
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) ﴾ .
[١٠٥] ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني: القرآنَ، أنزلناهُ بالدينِ القائمِ وبالأمرِ الثابتِ.
﴿وَبِالْحَقِّ﴾ بالأوامرِ والنواهي ﴿نَزَلَ﴾ القرآنُ.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمطيعينَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ للعاصينَ.
***
стр. 1824
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) ﴾ .
[١٠٦] ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ قراءة العامةِ: (فَرَقْنَاهُ) بتخفيفِ الراء؛ أي: بَيَّنَّاه وأوضَحْناه، وقرأ أبانُ عن عاصمٍ: بتشديد الراء، أي: أنزلناهُ نُجومًا شيئًا بعدَ شيءٍ (١) .
﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ قراءةُ العامةِ: (مُكْثٍ) بضمِّ الميمِ، وقرأ أبانُ عن عاصمٍ: بفتحِ الميمِ، وهما لغتان (٢) معناهما تُؤَدَةٌ وتثَبُّتٌ لِيفهموهُ.
﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ حسبَ الحوادثِ.
...
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) ﴾ .
[١٠٧] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ تهديدٌ ووعيدٌ وتحقيرٌ للكفارِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبلِ القرآنِ، وهم العلماءُ الذين قرؤوا الكتبَ السابقةَ، وعرفوا حقيقةَ الوحيِ وأمارةَ النبوَّةِ.
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآنُ ﴿يَخِرُّونَ﴾ يسقُطونَ ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ أي: عليها، والأذقانُ جمعُ ذَقَنٍ، وهو مجمَعُ اللَّحْيَيْنِ.
﴿سُجَّدًا﴾ تعظيمًا لله تعالى، ونصبهُ على الحال. الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٧٢٢١)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٢).(٢) ذكر هذه القراءة العكبري في "إملاء ما منَّ به الرحمن" (٢/ ٥٣)، والفخر الرازي في "تفسيره" (٢١/ ٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٢)، عن ابن محيصن، وهي قراءة شاذة.стр. 1825
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) ﴾ .
[١٠٨] ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ عن خلفِ الموعدِ.
﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ كائِنًا لا محالةَ.
...
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) ﴾ .
[١٠٩] ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَ القولَ لتكرُّرِ الفعلِ منهم، وهذه مبالغةٌ ومدحٌ لهم، وذكرَ الذقنَ؛ لأنها أقربُ ما في رأسِ الإنسانِ إلى الأرضِ، لا سيما عندَ سجودِه.
﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ القرآنُ ﴿خُشُوعًا﴾ تَواضُعًا، وهذا محلُّ سجودٍ بالاتِّفاقِ، وتقدَّمَ اختلافُ الأئمةِ في سجودِ التلاوةِ وحكمِه، وسجودِ الشكرِ آخرَ سورةِ الأعرافِ مستوفًى.
...
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) ﴾ .
[١١٠] قال ابنُ عباسٍ ﵁: "سجدَ رسولُ الله ﷺ بمكةَ ذاتَ ليلةٍ فجعلَ يقولُ في سجودِهِ يا اللهُ يا رَحْمَنُ"، فقال أبو جهلٍ: إن محمدًا ينهانا عن آلِهتنا، وهو يدعو إلهينِ، فأنزل اللهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١) المعنى: أنهما اسمانِ لواحدٍ، فإنْ دعوتموهُ باللهِ، فهو ذلكَ، الحواشي
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ١٨٢)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٢٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٤٨).следующие страницы →