← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

دينٍ إلا وهم يتولَّوْنَهُ ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أهلِ الجنة. ... ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ. ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بلْ كان قدوةً للموحِّدين. ... ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾ . [١٢٤] ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه، وحكمُ طلبِ القاضي لليهوديِّ في يوم السبتِ في سورةِ البقرةِ، ونُبِّهَ عليه في الأعراف؛ أي: جُعِلَ تعظيمُه والتخلِّي فيه للعبادةِ. ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: على نبيِّهم، وهم اليهودُ، أمرهم موسى ﵇ أن يتفرغوا للعبادةِ يومَ الجمعة، فأبوا وقالوا: نريدُ يومَ السبت؛ لأنه تعالى فرغَ فيه من خلقِ السمواتِ والأرضِ، فألزمَهم اللهُ السبتَ، وشَدَّدَ الأمرَ عليهم، وقيل: معناه: إنما جُعِلَ وبالُ السبتِ، وهو المسخُ، على المختلفين فيه بتحليلِ الصيدِ تارةً، وتحريمه أُخرى، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في سورةِ البقرةِ. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالمجازاةِ على الاختلاف بما يستحقُّه كلُّ فريقٍ.

стр. 1752

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ . [١٢٥] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ أي: الإسلام. قرأ أبو عمرٍو: (سَبِيل ربِّكَ) بإدغام اللامِ في الراءِ (١). ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالمقالةِ المحكمةِ ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ التلطُّفِ من غيرِ تعنيفٍ، قالَ ﷺ : "أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولهِمْ" (٢). ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالرفقِ واللينِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وهو المجازي لهم، وهذا منسوخٌ بآيةِ السيف. ... ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ . [١٢٦] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لما مَثَّلَ المشركون بحمزةَ ﵁ يومَ أُحُدٍ، قال النبيُّ ﷺ : "وَاللهِ لئن أَظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ"، فنزلت، وهو إشارةٌ إلى وجوب التقاصُصِ على السَّواءِ. ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ على تركِ القِصاصِ ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ معناهُ:

стр. 1753

العفوُ خيرٌ من الانتقام، فقالَ النبيُّ ﷺ : "بَلْ أَصْبِرُ"، وَأَمسكَ عما أرادَ، وكَفَّرَ عن يمينه (١). ... ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ . [١٢٧] ثم صَرَّحَ بالأمرِ بالصبرِ، فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: بمعونتِهِ وتثبيتِهِ ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يؤمنوا. ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (ضِيقٍ) بكسر الضادِ؛ أي: شِدَّة، وقرأ الباقون: بالفتحِ؛ أي: غَمٍّ (٢). ... ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ . [١٢٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ المعاصيَ. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ في العملِ، والله أعلم. ...

стр. 1754

سُوْرَةُ الإسْراءِ مكيةٌ إلا قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخرِ ثماني آياتٍ، قدرُ آيها مئةٌ وإحدى عشرةَ آيةً، وحروفُها ستةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وستونَ حرفًا، وكَلِمُها ألفٌ وخمسُ مئةٍ وثلاثٌ وثلاثونَ كلمةً. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ . [١] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (سُبْحَانَ) تنزيهُ اللهِ من كلِّ سوءٍ، ووصفُه بالبراءةِ من كلِّ نقصٍ، وتكونُ (سُبْحَانَ) بمعنى التعجُّبِ، (أَسْرَى)؛ أي: سَيَّرَهُ، و (العبدُ) هو محمدٌ ﷺ ، لم يختلفْ في ذلكَ أحدٌ من الأمة، و (ليلًا) نصبٌ على الظرف. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هو المسجدُ المحيطُ بالكعبةِ، وقيلَ: من بيتِ أُمِّ هانِئ من الحرم، قالَ ابنُ عباسٍ: "الحرمُ كلُّهُ مسجِدٌ" (١). ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ هو مسجدُ بيتِ المقدسِ، وبينَهما مسيرةُ شهرٍ،

стр. 1755

وسُمِّيَ الأقصى، لبعدِ المسافةِ بينَهُ وبينَ المسجدِ الحرامِ، وقيل: كانَ هذا أبعدَ مسجدٍ عن أهلِ (١) مكةَ في الأرض يُعَظَّمُ بالزيارةِ، وقيل: لبعدِه عن الأقذارِ والخبائثِ، ورُوي أنه سُمِّيَ الأقصى؛ لأنه وسطُ الدنيا لا يزيدُ شيئًا ولا ينقُصُ. ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ والبركةُ حولَه من جهتين: إحداهُما: بالنبوةِ والشرائعِ والرسلِ الذين كانوا في ذلك القطرِ في نواحيهِ وبواديه، والأخرى: النِّعَمُ من الأشجارِ والمياهِ والأرضِ المفيدةِ التي خَصَّ اللهُ الشامَ بها، وعنه ﷺ أنه قال: "إِنَّ اللهَ بَارَكَ فِيمَا بَيْنَ الْعَرِيشِ إِلَى الفُراتِ" (٢)، وخصَّ فلسطينَ بالتقديسِ، ولو لم يكنْ له من الفضيلةِ غيرُ هذهِ الآيةِ، لكانَتْ كافيةً فيه؛ لأنه إذا بورِكَ حولَهُ، فالبركَةُ فيه مضاعَفَةٌ. ﴿لِنُرِيَهُ﴾ أي: محمدًا ﷺ بعينِه ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ في السمواتِ والملائكةِ والجنةِ والنارِ، ولقيا الأنبياءِ، وغيرِ ذلكَ مما رآه تلكَ الليلةَ من العجائبِ، وذهابِه ورجوعِه في جزءٍ من ليلةٍ. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما تقولون ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأفعالِكم، وعيدٌ من اللهِ للكفارِ على تكذيبِهم محمدًا ﷺ في أمرِ الإسراءِ. وأما قصةُ الإسراءِ، فملَخَّصُها: أن الله بعثَ رسوله ﷺ ، وأنزلَ عليهِ الوحيَ، وأمرهُ بإظهارِ دينهِ، وأَيَّدَهُ بالمعجزاتِ الظاهرةِ، والآياتِ الباهِرَةِ، أسرى به ليلًا من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، وهو بيتُ المقدسِ من إيليا، وقد فشا الإسلامُ في قريشٍ وفي

стр. 1756

القبائلِ كلِّها، وكانَ الإسراءُ ليلةَ سبعَ عشرةَ من ربيعٍ الأولِ قبلَ الهجرةِ بسنةٍ. وقال ابن الجوزيِّ: وقد قيلَ: كانَ في ليلةِ سبعٍ وعشرينَ من شهرِ رجبٍ. وقيل: في شهرِ رمضانَ، والنبيُّ ﷺ ابنُ إحدى وخمسينَ سنةً وتسعةِ أشهرٍ وثمانيةٍ وعشرين يومًا. واختلِفَ في الإسراءِ برسولِ الله ﷺ ، فقيل: إنما كانَ جميعُ ذلكَ في المنام، والحقُّ الذي عليه أكثرُ الناسِ ومعظمُ السَّلَفِ، وعامةُ المتأخرين من الفقهاءِ والمحدِّثينَ والمتكلِّمين أنه أُسري بجسدِهِ ﷺ يقظةً؛ لأَن قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] تدلُّ على ذلك، ولو كانت رؤيا نومٍ، ما افتتنَ بها الناسُ حتى ارتدَّ كثيرٌ ممن كانَ أسلمَ، وقالَ الكفارُ: يزعمُ محمدٌ أنه أَتى بيتَ المقدسِ ورجعَ إلى مكةَ في ليلةٍ واحدةٍ، والعيرُ تطردُ إليه شهرًا مدبرةً، وشهرًا مقبلةً، ولو كانت رؤيا نوم، لم يُستبعَدْ ذلك منه. قال ابنُ عباسٍ ﵄: "هي رُؤْيا عينٍ رآها النبيُّ ﷺ لا رُؤْيا مَنامٍ" (١)، قالَ الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] أضافَ الأمرَ للبصرِ، وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]؛ أي: لم يُوهِمِ القلبُ العينَ غيرَ الحقيقة، بل صدق رُؤْيتَها. واختلفَ السلفُ والخلفُ هل رأى نبيُّنا ﷺ ربَّهُ ليلةَ الإسراءِ؟ فأنكرته

стр. 1757

عائشةُ ﵂، ورُوي عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: "رآهُ بعينِهِ" (١)، ومثلُه عن أبي ذَرٍّ، وكعبٍ، والحسنِ، وكان يحلفُ على ذلكَ، وحُكِيَ مثله عن ابنِ مسعودٍ، وأبي هريرةَ، والإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ ﵁، وحَكَى النقاشُ عن الإمامِ أحمدَ أنه قالَ: "أَنا أقولُ بحديثِ ابنِ عباسٍ: "بعينه رآه" رآه، حتى انقطعَ نَفَسُ الإمامِ أحمدَ" (٢)، وعنِ ابنِ عباسٍ: أنه قال: "إِنَّ اللهَ اختصَّ موسى بالكلامِ، وإبراهيمَ بالخُلَّةِ، ومحمدًا بالرُّؤْية" (٣)، وحجتُه قولُه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣]. واختلفوا في أنَّ نبينا ﷺ هل كَلَّمَ ربَّه ليلةَ الإسراءِ؟ فذكِرَ عن جعفرٍ بنِ محمدٍ الصادقِ أنه قال: "أُوحِيَ إِلَيْه بِلا واسِطَةٍ"، وإلى هذا ذهبَ بعضُ المتكلِّمينَ أن محمدًا كلَّمَ ربَّهُ ليلةَ الإسراءِ، وحكوه عن ابنِ عباس، وابنِ مسعود. واختلِفَ في المكانِ الذي أُسري به منه، فروي عنه ﷺ : أنه قالَ: "بَيْنَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ مُضْطَجِعٌ، ومنهم من قال: بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ" (٤)، وفي رواية أنه قال: "بَيْنَا أَنا نَائِمٌ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ" والذي رجَّحه الطبريُّ أنه من المسجدِ المحيطِ بالكعبةِ، قالَ:

стр. 1758

وهذا الذي يُعرف إذا ذكرَ هذا الاسمُ (١)، وكانت ليلةَ الاثنين "إِذْ هَبَطَ عَلَيَّ الأَمِينُ جِبْرِيلُ ﵇" وَذَكَرَ القصةَ. وكان من حديثِ المعراجِ الشريفِ ما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ قال: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتيتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الأَنِبْيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ"، وفي روايةٍ: "فَلَمَّا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، إِذَا أَنَا بِالأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ قَدْ حُشِرُوا إِلَيَّ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَمَثَلُوا لي (٢)، وَقَدْ قَعَدُوا صُفُوفًا صُفُوفًا يَنْتَظِرُونِي، فَسَلَّمُوا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: إِخْوَانُكَ الأَنْبيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، زَعَمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ للهِ شَرِيكًا، وَزَعَمَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنَّ للهِ وَلَدًا، اسْأَلْ هَؤُلاَءِ النَّبِيِّينَ هَلْ كَانَ للهِ شَرِيكٌ؟ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، فَلَمْ يشْكُكْ ﷺ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ، وَكَانَ أَثْبَتَ يَقِينًا مِنْ ذَلِكَ". قالَ أبو القاسمِ الحسنُ بنُ محمدِ بنِ حبيبٍ المفسِّرُ في "كتاب التنزيل" له: أن هذهِ الآيةَ أُنزلت على النبيِّ ﷺ ببيتِ المقدسِ ليلةَ أُسريَ به، وقد عدَّها غيرُه من العلماء في الشاميِّ، والذي قالَه أبو القاسم أخصُّ مما ذكروه. وقال جماعةٌ من المفسِّرينَ: فلما أُنزلت، وسمعَها الأنبياءُ ﵈، أقروا لله .

стр. 1759

قال ﷺ : "ثُمَّ جَمَعَهُمْ جِبْرِيلُ ﵇، وَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، قال ﷺ : ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِآدَمَ ﷺ ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسىَ ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا صَلَّى اللهُ عَلَيْهمَا، فَرَحَّبَا بِي، وَدَعَوا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فذكرَ مثلَ الأولِ فَفُتِحَ لَنَا، فَإذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﵇، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَذَكَرَ مِثْلَهَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ ﵇، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فذكرَ مثلَه، فإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﵇، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فذكرَ مثلَه، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَذَكَرَ مثلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذُهِبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلاَلِ، قالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ، تغيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ

стр. 1760

يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: ما فَرَضَ رَبُّك عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْر، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلاَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قال: فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتَ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ (١) وفي رواية: يَا مُوسَى! قد وَاللهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللهِ (٢)، قال ﷺ : ثُمَّ حَمَلَنِي حَتَّى أَنْزَلَنِي عَلَى جَبَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِذَا أَنَا بِالْبُرَاقِ وَاقِفٌ عَلَى حَالِهِ فِي مُوْضِعِهِ، فَسَمَّيْتُ اللهَ، وَاسْتَوَيْتُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ أَشْرَفْتُ عَلَى مَكَّةَ وَمَعِي جِبْرِيلُ، قال ﷺ : لَمَّا كَانَتْ صَبِيحَةُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، أَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ مُتَحَيِّرًا فِي أَمْرِي، وَعَلِمْتُ أَنَّ النَّاسَ يُكَذِّبُوبي، فَعُدْتُ مُعْتَزِلًا حَزِينًا إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ بِي أَبُو جَهْلٍ عَدُوُّ اللهِ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ

стр. 1761

إِلَيَّ، فَقَالَ لِي كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟! قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ! يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ! هَلُمُّوا، فَانْتَقَضَتِ الْمَجَالِسُ، وَجَاؤُوا حَتَى جَلَسُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: حَدِّثْ قَوْمَكَ يَا مُحَمَّدُ بِمَا حَدَّثْتَنِي، فَقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟! قَالَ: نَعَمْ، فَبَقِيَ مِنْهُمُ الْمُتَعَجِّبُ، وَمِنْهُمُ الْمُصَفِّقُ، وَمِنْهُمُ الْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، ثمَّ قَالُوا: هَلْ تستَطِيعُ أَنْ تنعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ قُلْتُ: نعَمْ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُهُ حَتَّى الْتبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ؛ لِكَوْنِي دَخَلْتُهُ لَيْلًا، فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، قالَ ﷺ : وَآيَةُ ذَلِكَ أَنني مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ بِوَادي كَذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حِسُّ الدَّابّةِ، فَنَدَّ لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ وَأَنَا مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ الشَّامِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِضُجْنَانَ مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ، فَوَجَدْتُ الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتَ مَا فِيهِ، ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَإِنَّ عِيرَهُمُ الآنَ تُصَوِّبُ مِنَ الْبَيْضَاءِ ثنَيَّةِ التَّنْعِيمِ يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ، إِحْدَاهُما سَوْدَاءُ، وَالأُخْرَى بَرْقَاءُ، فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الثَّنِيَّةَ، فَلَمْ يَلْقَهُمْ أَوَّلًا إِلَّا الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ عَنِ الإِنَاءِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً، ثُمَّ غَطَّوْهُ، وَأَنَّهُمُ افْتَقَدُوهُ مِنَ الَّليْلِ فَوَجَدُوهُ كَمَا غَطَّوْهُ وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً، وَسَأَلُوا الْقَوْمَ الَّذِينَ نَدَّ لَهُمُ الْبَعِيرُ، فَقَالُوا: صَدَقَ وَاللهِ، لَقَدْ نَدَّ لَنَا بَعِيرٌ بِالْوَادِي الَّذِي ذَكَرَهُ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ لأَشْبَهُ الأَصْوَاتِ بِصَوتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَجِئْنَا حَتَّى أَخَذْنَاهُ، وفي

стр. 1762

رواية: ومَرَرْتُ بِعِيرِكُمْ بِالتَّنْعِيمَ يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ تَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَخَرَجُوا إِلَى الثَّنِيَّةِ وَجَلَسُوا يَنْتَظِرُونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ لِيُكَذِّبُوهُ إِذْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ، قالَ آخرُ: هذهِ العيرُ قدْ أقبلَتْ يقدُمُها بعيرٌ أورقُ كما قالَ، فقالوا: إنْ هَذَا إلَّا سحرٌ مبينٌ (١)، فحينئذٍ آمَنَ من آمنَ، وكفرَ مَنْ كفرَ، وذهبَ الناسُ إلى أبي بكرٍ ﵁، فقالوا: هلَ لكَ يا أبا بكرٍ في صاحبِكِ أنَّه يزعُمُ أنه قد جاءَ الليلةَ بيتَ المقدسِ، وصلَّى فيهِ ورجعَ إلى مكةَ، فقال أبو بكرٍ ﵁: "واللهِ لئنْ كان قالَ، لقد صدقَ، فما يُعْجِبُكم من ذلك؟ فو اللهِ إِنَّه لَيُخْبِرُنا عنِ الوحيِ من اللهِ يأتيهِ من السَّماءِ إلى الأرضِ في ساعةٍ واحدةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، فنصدِّقُه، فهذا أبعدُ مما تعجبونَ منهُ، ثم أقبلَ حتى انتهى إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يا نبيَّ الله! أَحَدَّثْتَ هؤلاءِ أنكَ جئتَ بيتَ المقدسِ هذهِ الليلةَ؟ قالَ: نعم، قالَ: صَدَقْتَ، فصفْه لي يا نبيَّ اللهِ؛ فإني جئتُه، قالَ رسول الله ﷺ : "فَرُفِعَ إِلَيَّ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ"، وجعلَ يصفُه لأبي بكرٍ وهو يقولُ: صدقْتَ، أشهدُ أنكَ رسولُ الله، حتى انتهى، فقالَ النبيُّ ﷺ : "وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيق" فسمِّي من ذلكَ اليومِ صديقًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، ثم أنزلَ اللهُ سورةَ النجمِ تصديقًا له ﷺ (٢). ...

стр. 1763

﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾ . [٢] ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا﴾ أي: هديناهم لئلَّا ﴿تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: رَبًّا يَكِلونَ إليهِ الأمورَ. قرأ أبو عمرٍو: (يَتَّخِذُوا) بالغيب؛ لأنه خبرٌ عنهم، وقرأ الباقون: بالخطاب، يعني: قلْنا لهم: (لا تتَّخِذُوا) (١). ... ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ . [٣] ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ منادًى؛ أي: يا ذريةَ قومِ نوحٍ! وهذا مِنَّةٌ على جميعِ الناسِ؛ لأنهم كلَّهم من ذريةِ مَنْ أُنْجِيَ في السفينةِ من الغرقِ، وهو إيماءٌ إلى توبيخِ مَنْ أشركَ بالله؛ لأنهم موجودون من ذريةِ مَنْ أُنجيَ في السفينةِ، المعنى: كانوا مؤمنينَ، فكونوا مثلَهم واسْتَنُّوا بسنَّتِهم، ثم زادَهم توبيخًا بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: نوحًا ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ كثيرَ الشكرِ، فكونوا مثلَه، وكانَ ﷺ يستعظمُ القليلَ من فضلِ اللهِ عليه، ويستصغرُ كثيرَ خدمتِه له. ... ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾.

стр. 1764

[٤] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أعلَمْناهم ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ التوراةِ. ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ لامُ القسم، مجازُهُ: واللهِ لَتُفْسِدُنَّ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ الشامِ وبيتِ المقدسِ ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بالمعاصي. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ لَتَسْتكبِرُنَّ عن طاعةِ الله. ... ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ . [٥] ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ أي: وعدُ عقابِ أولاهما، وهي مخالفةُ التوراةِ، وإحداثُهم المعاصي، وقتلُ أشعياءَ النبيِّ، الذي بَشَّرَ بعيسى ومحمدٍ عليهم الصلاة والسلام. ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ هو بُخْتَ نَصَّر وأصحابهُ على الأظهَرِ ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذوي قوة وبطش ﴿فَجَاسُوا﴾ طافوا ﴿خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ وسطَ المنازلِ ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ أي: قضاءً كائناَ لا خُلْفَ فيه، وتقدَّمَ خبرُ قصةِ بخت نَصَّرَ وتخريبِه بيتَ المقدس في سورةِ البقرةِ عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ... ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ . [٦] وقد روي أن سيدنا سليمانَ بنَ داودَ ﵉ عمرَ بيتَ المقدسِ من ذهبٍ وفضةٍ وياقوتٍ وزبرجدٍ، وكان عمدُه ذهبًا، أعطاهُ اللهُ ذلكَ، وسخَّرَ له الجنَّ والشياطينَ يأتونَه بهذه الأشياءِ في طَرْفةِ عين، وعملَ

стр. 1765

فيه عملًا لا يُوصَفُ، فلم يكنْ يومئذٍ في الأرضِ بيتٌ أبهى ولا أنورَ من ذلكَ المسجدِ، كان يضيءُ في الظلمةِ كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وكانتْ صخرةُ بيتِ المقدسِ أيامَ سليمانَ ارتفاعُها اثنا عشرَ ذراعًا، وكان الذراعُ ذراعَ الأمان ذراعٌ وشبرٌ وقَبْضةٌ، وكانَ ارتفاعُ القبةِ التي عليها ثمانيةَ عشرَ ميلًا، وفوقَ القبةِ غزالٌ من ذهبٍ بينَ عينيهِ دُرَّةٌ أو ياقوتةٌ حمراءُ تغزلُ نساءُ أهلِ البلقاءِ على ضوئِها بالليل، وهي من فوقِ مرحلتينِ من القدسِ، وكانَ أهلُ عمواسَ يستظلُّونَ بظلِّ القبةِ إذا طلعتِ الشمسُ من المشرقِ، وعمواسُ بفتح الميم وسكونها، وهي التي سُمِّي بها الطاعونُ على الراجحِ؛ لأنه منها ابتدأ، وكان في سنةِ ثماني عشرةَ من الهجرةِ، وهي بالقربِ من رملةِ فلسطينَ، مسافتُها عن بيتِ المقدسِ نحوُ بريدٍ ونصفٍ، وإذا غربتِ الشمسُ استظلَّ بها أهلُ بيت الرامةِ من الغور، ومسافتُها عن بيتِ المقدسِ أبعدُ من عمواسَ، وبينَ عمارةِ سليمانَ ﵇ للمسجدِ الأقصى وبينَ الهجرةِ النبويةِ الشريفةِ على صاحبِها الصلاةُ والسلام ألفٌ وثمانُ مئةٍ وقريبُ سنتين، وسيأتي ذكر بنائِه في تفسيرِ سورةِ سبأ عندَ قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٣]، واستمرَّ على العمارةِ السليمانيةِ أربعَ مئةٍ وثلاثًا وخمسينَ سنةً إلى أَنْ غزاهم بُخْتَ نَصَّرُ، وخَرَّبَ العمارةَ السليمانيةَ، وأحرقَ بيتَ المقدسِ وخرَّبَهُ، واحتمل منه ثمانين عجلةً ذهبًا وفضةً، وأبادَ بني إسرائيل قتلًا وتشريدًا، واستمرَ بيتُ المقدسِ خرابًا سبعينَ سنةً كما تقدَّمَ ذكرُه في سورة البقرة، ثم أهلكَ الله بُخْتَ نَصَّرَ ببعوضةٍ دخلتْ دماغَهُ، ونَجَّى اللهُ مَنْ بقيَ من بني إسرائيلَ، ولم يمتْ ببابلَ (١).

стр. 1766

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ الدولةَ العليَّهَ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الذين قتلوكم حينَ تبتُمْ. ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ رُوي أنَّ الله تعالى أوحى إلى أرمياءَ النبيِّ ﵇ أَنَّ كورشَ يعمرُ بيتَ المقدسِ، وهو ملكٌ من ملوكِ الفرسِ، وكان مؤمنًا، فسار كورشُ ببني إسرائيلَ، وحُلِّي بيتُ المقدسِ حتى ردَّه إليه، وعمر بيت المقدس، وعادَ البلدُ أحسنَ مما كانَ، وأصعدَ إليها من بني إسرائيل أربعينَ ألفًا، وقَرَّبوا القرابينَ على رسومِهم الأولى، ورجعت إليهم دولتُهم، وعظم محلُّهم عندَ الأممِ، واستمرَّ بيتُ المقدسِ عامرًا سبعَ مئةٍ وإحدى وعشرينَ سنةً. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ عددًا، والنفيرُ: من يَنْفِرُ مع الرجلِ من قومِه. ... ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ . [٧] ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن ثوابه لها. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ فإنَّ وبالَها عليها. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: عقابُ المرةِ الآخرةِ من إفسادِكم، وذلكَ قصدُهم قتلَ عيسى ﵇ حينَ رُفِعَ، وتقدَّمَ ذكرُ قصتِهم مستوفىً في سورةِ آلِ عمرانَ، وقتلهم يحيى ﵇، وسببُه أنَّ عيسى ﵇ كان قد حَرَّمَ نكاحَ بنتِ الأخِ، فكانَ لهرودوس، وهو الحاكمُ على بني

стр. 1767

إسرائيلَ بنتُ أخٍ، وأرادَ أن يتزوَّجَها كما هو جائزٌ في ملةِ اليهودِ، فنهاه يحيى عن ذلكَ، فطلبتْ أمُّ البنتِ من هرودوسَ أن يقتلَ يحيى، فلم يُجِبْها إلى ذلك، فعاوَدَتْه، وسألته البنتُ أيضًا، وَأَلَحَّتْ عليه، فأجابهما إلى ذلك، وأمر بيحيى فَذُبح ووُضِع رأسُه بينَ يدي هرودوسَ، فكانَ الرأسُ يتكلَّمُ ويقولُ: لا تَحِلُّ لكَ، واستمرَّ غَلَيانُ دمِه، فأمر بترابٍ فألقي عليهِ حتى بلغَ سورَ المدينة، فما زادَ إلا انبعاثًا، فبعث اللهُ عليهم مَلِكًا من جهة المشرق من ملوكِ بابل يقال له: حُرْدوسُ، فقتلَ منهم على دمِ يحيى سبعينَ ألفًا إلى أن سكنَ دمُه، وزعم قومٌ أن بخت نصر هو الذي غزاهم وقتلَهم على دمِ يحيى، وليسَ بصحيح؛ لأن بُخْتَ نَصَّرَ خَرَّبَ بيتَ المقدسِ قبلَ ولادةِ يحيى بنحو خمسِ مئةِ سنةٍ، ثم غزاهم طيطوسُ الروميُّ، وكان محلُّ ملكِه مدينةَ روما من بلادِ الفرنجِ، فقصدَ بيتَ المقدسِ، وأَوقعَ باليهودِ وقتلَهم وأسرَهم على آخرِهم إلَّا من اختفى، ونهبَ القدسَ وَخَرَّبه، وخَرَّبَ البيتَ المقدَّسَ، وأحرقَ الهيكلَ، وخلا القدسُ من بني إسرائيلَ كأَنْ لم تَغْنَ بالأمسِ، وكانتْ أعظمَ الوقعتينِ، فلم يعدْ لهم بعدَ ذلك رئاسةٌ ولا حكمٌ، وكانَ ذلكَ بعدَ رفعِ المسيحِ بنحوِ أربعينَ سنةً، وبينَ هذا التخريبِ والهجرةِ الشريفةِ خمسُ مئةٍ وثمانٌ وخمسونَ سنةً بالتقريبِ، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ أي: بعثناهم ليسوؤوا ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ يُخْزوها، ويُدْخِلوا عليها الغمَّ والحزنَ، والضميرُ لأولي البأسِ الشديدِ. قرأ الكسائيُّ: (لنَسُوءَ) بالنونِ ونصبِ الهمزةِ على التعظيم إخبارًا من الله عن نفسه، وقرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (لِيَسُوءَ) بالياءِ ونصبِ الهمزةِ؛

стр. 1768

أي: ليسوءَ اللهُ وجوهكم، وقرأ الباقون: بالياءِ وضمِّ الهمزةِ وبعدَها واوُ الجمعِ على المعنى الأول (١). ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيتَ المقدسِ. ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ من المرتينِ. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكوا ﴿مَا عَلَوْا﴾ غَلَبوا عليه ﴿تَتْبِيرًا﴾ مصدرٌ. ... ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ . [٨] ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بعدَ انتقامِه منكُم إن تبتُمْ، فيردَّ الدولةَ إليكم، فتابوا، فرحمهم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى المعصيةِ ﴿عُدْنَا﴾ إلى العقوبةِ، فعادوا بتكذيبِ محمدٍ ﷺ ، فعاد الله بتسليطِه عليهم، فقتلَ قريظةَ وأجلى بني النضيرِ، وضربَ الجزيةَ على الباقينَ، فهم يُعطونها عن يَدٍ وهم صاغِرونَ. ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ سِجْنًا؛ من الحَصْرِ، لا يقدرون على الخروج منها، واستمرَّ بيتُ المقدسِ ومسجدُه خرابًا إلى أنْ تراجعَ البلدُ إلى العمارةِ قليلًا قليلًا، وترمَّمَ شعثُه، وملكَهُ الرومُ واستوطنوه، واستمرَّ المسجدُ الأقصى خرابًا يُلْقى فيه القماماتُ، وبقيَ الحالُ على ذلك حتى جاءَ الإسلامُ، وقدمَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطاب ﵁، وفتحَ القدسَ، وعمرَ المسجدَ الأقصى زادَ اللهُ شرفهَ في سنةِ خمسَ عشرةَ من

стр. 1769

الهجرةِ الشريفةِ، وقيل: في سنةِ ستَّ عشرةَ في ربيعٍ الأولِ، وقيل: لخمسٍ خَلَوْنَ من ذي القعدة، والله أعلم. ... ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ . [٩] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي﴾ أي: للطريقة التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ أَصْوَبُ، وهي الإيمانُ ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (وَيَبْشُرُ) بفتحِ الياءِ وتخفيفِ الشينِ وضمِّها، من البشرِ، وهو البُشرى والبشارةُ، وقرأ الباقون: بضم الياءِ وتشديد الشينِ مكسورةً من بَشَّرَ المضعَّفِ على التكثير (١). ... ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو النارُ، عطفٌ على (وَيُبَشِّرُ)؛ أي: يبشرُ المؤمنين بِشارتين: بثوابِهم في الآخرةِ، وبعقابِ أعدِائهم. ... ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ . [١١] ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ عندَ غضبِهِ ﴿بِالشَّرِّ﴾ على نفسِه ﴿دُعَاءَهُ﴾ أي:

стр. 1770

كما يدعو اللهَ ﴿بِالْخَيْرِ﴾ ولو استجابَ اللهُ دعاءَهُ على نفسِه، لهلكَ، ولكنَّ اللهَ لا يستجيبُ له بفضلِه. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ضجرًا لا صبرَ له على السَّراءِ والضَّراءِ. وحُذفت الواوُ من (يَدْعُ) في اللفظِ والخطِّ، ولم تحذفْ في المعنى؛ لأنها في موضعِ رفعٍ، فكان حذفُها باستقبالِها اللامَ الساكنة؛ كقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]. ... ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ علامتينِ يُستدَلُّ باختلافِهما على الوحدانيةِ والقدرةِ ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ طَمَسْنا ضوءَهُ. ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: بَيِّنَةً يُبْصَرُ بها الأشياءُ. ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ لِتَطْلُبوا ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في النهارِ أسبابَ معاشِكم. ﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ بها ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ أي: لو تركَ اللهُ الشمسَ والقمرَ كما خَلَقَهما، لم يُعْرَفِ الليلُ من النهار، ولم يُعْلَمْ وقتُ فطرِ الصائمِ، ولا وقتُ الحجِّ ونحوِهما ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ بيناه بيانًا ظاهرًا. ***

стр. 1771

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ عملَه ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ لا يفارقُه، وخُصَّ العنقُ بالذكرِ؛ لأنَّ الإلزامَ فيها أشدُّ. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ هي صحيفةُ عملِه ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ مبينًا مشروحًا. قرأ أبو جعفرٍ: (وَيُخْرَجُ) بالياءِ وضمِّها وفتح الراء، مجهولٌ، وعنهُ وجهٌ بكسرِ الراء؛ أي: الفاعلُ اللهُ تعالى، وقرأ يعقوبُ: بالياءِ وفتحِها وضمِّ الراء؛ أي: ويخرجُ له الطائر يوم القيامة كتابًا، وقرأ الباقون: بالنونِ وضمِّها وكسرِ الراء (١)؛ أي: يقول الله: ونحنُ نخرجُ له يومَ القيامةِ كتابًا، واتفقوا على نصبِ (كتابًا)، ووجهُ نصبِه على قراعة أبي جعفرٍ أنْ يكونَ حالًا؛ أي: ويخرج الطائرُ كتابًا، وكذا وجهُ النصبِ على قراءة يعقوبَ أيضًا، فتتفقُ القراءتانِ في التوجيهِ على الصحيحِ الفصيحِ الذي لا يختلَفُ فيه، وقرأ أبو جعفرٍ وابنُ عامر: (يُلَقَّاهُ) بضمِّ الياءِ وفتحِ اللامِ وتشديدِ القاف، يعني: يُلَقَّى الإنسانُ ذلكَ الكتابَ؛ أي: يُؤْتاه، وقرأ الباقون: بفتح الياءِ وإسكانِ اللامِ وتخفيفِ القاف (٢)؛ أي: يراه منشورًا، وأمالَهُ ابنُ ذكوانَ راوي ابنِ عامرٍ بخلافٍ عنه.

стр. 1772

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ . [١٤] ﴿اقْرَأْ﴾ أي: يقال له: اقرأ ﴿كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي: محاسبًا، ونصبهُ على التمييز، وفَوَّضَ تعالى حسابَ العبدِ إليه لئلَّا يُنْسَبَ إلى الظلمِ، ولتجبَ الحجةُ عليهِ باعترافِه. ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ . [١٥] ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: من اجتهدَ حتى يهتديَ، فلها ثوابُه. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: تغافلَ حتى ضلَّ. ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ لأنَّ عليها عقابَه. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ ولا تحملُ نفسٌ آثمةٌ ﴿وِزْرَ﴾ إثمَ نفس ﴿أُخْرَى﴾ لأن كُلًّا مطالَبٌ بعملِه، وأصلُ الوزرِ: الثقلُ، رُوي أنَّ سببَها أنَّ الوليدَ بنَ المغيرةِ المخزوميَّ قالَ لأهلِ مكَّةَ: اكفُروا بمحمدٍ، وإثْمُكُمْ عليَّ، فنزلَتْ هذهِ الآية (١)؛ أي: إن الوليدَ لا يحملُ آثامَكم، وإنما إثمُ كُلِّ واحدٍ عليهِ. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ينذرُ ويبينُ الشرائعَ، فلا حكمَ قبلَ الشرع، بل الأمرُ موقوفٌ إلى ورودِهِ بالاتفاقِ. ...

стр. 1773

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ مُنَعَّمِيها. قراءة العامة: (أَمَرْنَا) بالقصر؛ أي: أمرناهم بالطاعةِ، وقرأ يعقوبُ: (آمَرْنَا) بالمدِّ؛ أي: كَثَّرْنا، وَ (أَمَّرْنا) بالتشديدِ سَلَّطْنا، والتلاوةُ بالأولِ والثاني (١). ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ فخرجوا عن الطاعةِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ وجبَ عليها الوعيدُ. ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ أهلكناها وما فيها هلاكَ استئصالٍ. ... ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ المكذِّبَةِ ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ كعادٍ وثمودَ مثالٌ لقريشٍ ووعيدٌ؛ أي: لستُمْ ببعيدٍ مما حصلوا فيه من العذابِ إذْ أنتم كَذَّبْتُم نبيَّكم، والقرنُ مئةُ سنةٍ على الأصحِّ، يعضُدُه الحديثُ في قولِه ﵇: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي" (٢)، وروى محمدُ بنُ القاسمِ في ختنِهِ عبدِ اللهِ بنِ بِشْرٍ قال: وضعَ رسولُ اللهِ ﷺ على رأسِهِ وقالَ: "سَيَعِيشُ

стр. 1774

هَذَا الْغُلاَم قَرْنًا" قلتُ: كم القرنُ؟ قالَ: "مئةُ سنةٍ"، قالَ محمدُ بنُ القاسمِ: فما زِلْنا نَعُدُّ له حتى أكملَ مئةَ سنة، وماتَ ﵀ (١). ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ فيعاقِبُ عليها، والباءُ في (بِرَبِّكَ) زائدةٌ، والتقديرُ: وكفى ربُّك، هذه الباءُ إنما تجيءُ في الأغلبِ في مدحٍ أو ذمٍّ، فكأنها تُعطي معنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ؛ أي: ما أكفاه في هذا! ... ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ . [١٨] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ يعني: الدنيا، مقصورًا عليها هَمُّهُ، وجوابُ (مَنْ كَانَ) ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ من البسطِ والتقتيرِ وغيرِهما، لا ما يشاء هو. ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ أن نفعلَ له ذلكَ، أو إهلاكُه قَيَّدَ المعجَّلَ، والمعجَّلَ له بالمشيئةِ والإرادةِ؛ لأنه لا يجدُ كُلُّ مُتَمَنٍّ ما يتمناه، ولا كلُّ واحدِ جميعَ ما يهواه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ يدخُلُها. ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مطرودًا من رحمةِ اللهِ. ...

стр. 1775

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ إرادةَ يقينٍ بها، وإيمانٍ باللهِ وبرسالاته. ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ وهي ملازمةُ أعمالِ الخيرِ وأقواله على حكمِ الشرعِ. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ مقبولًا، ولا يشكرُ اللهُ عملًا ولا سعيًا إلا أثابَ عليهِ، وغفرَ بسببِهِ. ... ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿كُلًّا﴾ نصبٌ بقولهِ: ﴿نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ أي: نُمِدُّ كلَّ واحدٍ من الخلائقِ الطائعَ والعاصي ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ رزقِهِ. ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ممنوعًا في الدنيا عن مؤمنٍ وكافرٍ تفضُّلًا. ... ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ . [٢١] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في الرزقِ والعملِ، يعني: طالبَ العاجلةِ وطالبَ الآخرةِ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ،

стр. 1776

وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (مَحْظُورًا انْظُرْ) بضمِّ التنوينِ، والباقون: بكسره (١). ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ للمؤمنينَ. ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ لأَن التفاوتَ فيها بالجنةِ ودرجاتِها، والنارِ ودَرَكاتِها. ... ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ﴾ فتصيرَ. ﴿مَذْمُومًا﴾ من غيرِ حمدٍ. ﴿مَخْذُولًا﴾ ذليلًا بلا ناصرٍ، الخطابُ مع النبي ﷺ ، والمرادُ غيرُه. ... ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ مقتصرينَ على عبادتِه تعالى. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بِرًّا بهما، وعَطْفًا عليهما. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (يَبْلُغَانِ) بألفٍ مطولةٍ بعدَ الغينِ وكسرِ النونِ على التثنية، وقرأ الباقونَ: بغير ألفٍ، وفتحِ النون على

стр. 1777

التوحيدِ، واتفقوا على تشديدِ النونِ في الحالتين (١). ﴿عِنْدَكَ﴾ إشارةً إلى كفالتِهِ ﴿الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ المعنى: إذا أسنَّ والداك، أو أحدُهما، واحتاجا، أو أحدُهما في حالِ كبرِهما إلى أن تتولَّىَ منهما ما كانا يتولَّيانِهِ منكَ في حالِ الطفولةِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (كِلاَهُمَا) بالإمالةِ (٢). ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ لفظٌ يقال لما يضجَرُ منه، وهي كلمةُ كراهيةٍ، وهذه اللفظةُ مثالٌ لجميعِ ما يمكنُ أن يقابَلَ به الآباءُ مما يكرهون، فلم تُرَدْ هذه في نفسِها، وإنما هي مثالٌ لأعظمَ منها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (أُفَّ) بفتح الفاءِ من غير تنوينٍ، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: بكسر الفاءِ مع التنوينِ، وقرأ الباقون: بكسرِ الفاءِ من غيرِ تنوينٍ، والقراءاتُ الثلاثُ لغاتٌ معناها واحدٌ (٣). ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ تَزْجُرْهما، والانتهارُ: إظهارُ الغضبِ في الصوتِ واللفظِ. ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ لينًا جيدَ المعنى.

стр. 1778

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ تَدلَّلْ لهما وتواضَعْ. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ من أجلِ رحمتِكَ لهما. ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ وهذا كلُّه في الأبوينِ المؤمنينِ، وقد نهى القرآنُ عن الاستغفارِ للمشركينَ الأمواتِ، ولو كانوا أُولي قربى، قالَ ﷺ : "رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُهُ في سَخَطِ الوالدِ" (١)، وقال: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ وَلاَ عَاقٌّ وَلا مُدْمِنُ خَمْرٍ" (٢). ... ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من برِّ الوالدينِ وعقوقِهما. ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ أبرارًا مطيعينَ بعدَ تقصيرِكم في حقِّ الوالدينِ وغيرِه. ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ الراجعينَ بالتوبةِ ﴿غَفُورًا﴾ ما فرط منكُمْ.

стр. 1779

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ والمرادُ: صلةُ الرحمِ، خوطبَ بذلكَ النبيُّ ﷺ ، والمرادُ: الأمة ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ من الزكاةِ المفروضةِ. ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ التبذيرُ: الإتلافُ وإنفاقُ المالِ في فسادٍ. ... ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: أمثالَهم؛ لأنهم أَطاعوهم. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مبالِغًا في الكفرِ. ... ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ عن ذَوي القربى والمذكورينَ قبلُ حياءً من الرَّدِّ. ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ انتظارَ رزقٍ من اللهِ ترجوهُ أن يأتيَكَ. ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ طَيِّبًا؛ أي: عِدْهُم جميلًا، وقلْ: يرزقُنا اللهُ وإياكم. ***

стр. 1780

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ . [٢٩] ونزل لما أعطى رسولُ الله ﷺ قميصَه، ولم يبقَ له ثوبٌ يخرجُ بهِ إلى الصلاةِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (١) كنايةٌ عن نهايةِ الإمساكِ. ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ كنايةٌ عن نهايةِ البَذْلِ. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ تُلامَ على إتلافِ مالِكَ. ﴿مَحْسُورًا﴾ منقَطِعًا عن النفقةِ والتصرُّفِ. ... ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ﴾ يوسِّعُ ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُ. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ فيعلَمُ من مصالِحهم ما يَخْفى عليهم. ... ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ مخافةَ فقرٍ. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وذلكَ أنَّ الجاهليةَ كانوا يَئِدُونَ بناتِهم خشيةَ

стр. 1781

الفاقة، فَنُهوا عن ذلكَ، وأخبرَهم أن رزقَهم ورزقَ أولادِهم على اللهِ. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إثمًا عظيمًا. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (خَطَأً) بفتحِ الخاءِ والطاءِ مقصورًا، وقرأ ابنُ كثيرٍ: بكسرِ الخاءِ وفتحِ الطاءِ ممدودًا، وقرأ الباقون: بكسر الخاء وجزم الطاءِ، والقراءاتُ الثلاثُ معناها واحدٌ (١). ... ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ نهيٌ عن مقدِّماتِه؛ كالنظرةِ والغمزةِ، فَضْلًا عن مباشرتِه، وإذا نُهي عن مقدماتِه، فالنهيُ عنه أَوْلى، ولو أرادَ النهيَ عن نفسِ الزنى لقالَ: ولا تزنوا. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ فعلةً ظاهرةَ القبحِ. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ بئسَ طريقًا طريقُه. ... ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قولُه (وَلاَ تَقْتُلُوا) وما قبلَه من الأفعال جزمٌ بالنهيِ، والألفُ واللامُ التي في النفس هي

стр. 1782

للجنس، والحقُّ الذي يُقْتَلُ بهِ النفسُ هو ما فَسَّرَهُ النبيُّ ﷺ في قوله: "لاَ يَحِلُّ دَمُ الْمُسْلِمِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثِ خِصالٍ: كُفْر بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ" (١)، وهي الحرابةُ، ومن ذلكَ الزندقةُ، ومسألةُ تركِ الصلاةِ؛ لأنها في معنى الكفرِ بعدَ الإيمانِ، ومنهُ قتلُ أبي بكرٍ مَنَعَةَ الزكاةِ، وقتلُ من امتنعَ في المدنِ من فروضِ الكفاياتِ. ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ نصبٌ على الحالِ، ومعناه: بغيرِ هذهِ الوجوهِ المذكورةِ. ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾ أي: لقرابتِهِ الذي يَلي دمَهُ ﴿سُلْطَانًا﴾ تسلُّطًا على القاتلِ، إنْ شاءَ قتلَ، وإن شاءَ عفا، وإن شاءَ أخذَ الديةَ. ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تُسْرِفْ) بالخطاب لوليِّ القتيلِ، وقرأ الباقونَ: بالغيب (٢)؛ أي: لا يُسْرِفِ الوليُّ في القتلِ، والإسرافُ: أَنْ يقتلَ غيرَ القاتلِ، أو يقتلَ اثنينِ أو أكثرَ بالواحدِ. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الوليُّ ﴿كَانَ مَنْصُورًا﴾ بنصرةِ الشرعِ والسلطانِ، وقيل: الضميرُ عائدٌ على المقتولِ، ونصرُهُ قتلُ قاتلِهِ، وحصولُ الأجير له، واختارَ

стр. 1783

ابنُ عطيةَ أن هذا أرجحُ الأقوال؛ لأنه المظلومُ، ولفظةُ النصرِ تقابِلُ أبدًا الظلمَ (١). ... ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالفعلَةِ التي هي أسرعُ إلى إصلاحِ حالِه ومالِه. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ منتهى بلوغِه، وتقدَّمَ الكلامُ على الرشدِ، وأحكامِ البلوغِ، واختلافُ الأئمةِ فيه مستوفىً في سورةِ النساء عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ إذا عاهدْتُم لكلِّ أحدٍ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ عنهُ. ... ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ ولا تَبْخَسوا فيه. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بالميزانِ السَّوِيِّ، وهو رومِيٌّ عُرِّبَ، ولا يقدحُ ذلكَ في عربيةِ القرآنِ؛ لأنَّ العجميَّ إذا استعملَتْه العربُ وأَجرته مُجرى كلامِهم في الإعرابِ والتعريفِ والتنكيرِ ونحوها، صار عربيًّا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (بالْقِسْطَاسِ) بكسرِ

стр. 1784

القافِ، والباقون: بضمِّها وهما لغتان (١). ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ عاقبةً وما يؤول إليه الأمرُ. ... ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [٣٦] ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ لا تتْبَعْ ولا تَقُلْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ والقفوُ: اتِّباعُ الأثرِ، وأصلُه من القَفَا؛ أي: لا تقلْ سمعتُ ولم تسمعْ، ورأيتُ ولم ترَ، وعلمتُ ولم تعلمْ. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ قرأ ورشٌ عن نافعٍ: (وَالْفُوَادَ) بفتحِ الواوِ بغيرِ همزٍ، والضمير في (عنه) يعودُ على ما ليسَ للإنسانِ به علمٌ، ويكون المعنى: إن اللهَ تعالى يسأَلُ سمعَ الإنسانِ وبصرَهُ وفؤادَهُ عَمَّا قالَ مما لا علمَ له به، فيقعُ تكذيبُه من جوارحِهِ، وتلكَ غايةُ الخِزْيِ، ويحتملُ أن يعودَ الضميرُ في (عنه) على (كُلُّ) التي هي السمعُ والبصرُ والفؤادُ، والمعنى: إنَّ اللهَ يسألُ الإنسانَ عَمَّا حواهُ سمعهُ وبصرُه وفؤادُه، فكأنه قالَ: كلُّ هذهِ كانَ الإنسانُ عنهُ مسؤولًا؛ أي: عما حصلَ لهؤلاءِ من الإدراكاتِ، ووقعَ منها من الخطإِ، فالتقديرُ: عن أعمالِها مسؤولًا، فهو على حذفِ مضافٍ. ...

стр. 1785

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ خيلاءَ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لنْ تقطعَها بكبرِكَ حتى تبلغَ آخِرَها ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: لن تقدرَ أن تُجاوزَها أو تسُاويَها بكبرِكَ، وهو تهكُّمٌ بالمختالِ، وملخَّصُه: أنتَ عاجزٌ فلا تتكبَّرْ. ... ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ المذكورِ من المناهي ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: (سَيِّئُهُ) بضمِّ الهمزةِ والهاءِ وإلحاقِها واوًا في اللفظِ على الإضافة والتذكيرِ، ومعناه: كلُّ الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (كانَ سيئه)؛ أي: سَيِّئ ما عَدَّدْنا عليكَ عندَ رَبِّكَ مَكْروهًا؛ لأن فيما عدَّ أمورًا حسنةً؛ كقولِه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ وغير ذلك، وقرأ الباقون: بفتحِ الهمزةِ ونصبِ تاء التأنيثِ معَ التنوين على التوحيدِ (١)، ومعناه: كلُّ الذي ذَكَرْنا من قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ إلى هذا الموضعِ سيئةً، لا حسنةً، والكلُّ يرجعُ إلى المنهيِّ عنه دونَ غيرِه، ولم يقل: مكروهةً؛ لأن فيه تقديمًا وتأخيرًا، تقديرُه: كل ذلكَ كانَ مكروهًا، سيئةً، وقوله: مكروهًا على التكريرِ لا على الصفةِ، مجازُهُ كلّ ذلكَ كانَ سيئةً، وكانَ مكروهًا، أو رجعَ إلى المعنى دونَ اللفظ؛ لأن السيئةَ الذنبُ، وهو مذكَّرٌ.

стр. 1786

﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من الأحكامِ المتقدمةِ ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ وهو الموحى؛ لأنه في غايةِ الإحكام، ثم خوطبَ النبيُّ ﷺ ، والمرادُ غيرُه بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلومُ نفسَكَ ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا عن الخيرِ. ... ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ أَخَصَّكُم أيها المشركونَ ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ لأنهم كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ اللهِ، والهمزةُ في (أَفَأَصْفَاكُمْ) للإنكارِ. ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ بإضافتِكم الأولادَ إليه، وبتفضيلِ أنفسِكم عليه. ... ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ نَوَّعْنَا القولَ ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لِيَذْكُرُوا) بسكونِ الذالِ وضمِّ الكافِ مخفَّفًا؛ من الذكرِ بعدَ النسيان، وقرأ الباقونَ: بفتحِ الذالِ والكافِ مع تشديدِهما (١)، من التذكُّرِ: التدبُّرِ.

стр. 1787

﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ تصريفُنا ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ. ... ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿قُلْ﴾ قلُ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَقُولُونَ) بالغيبِ على أنَّ الخطابَ معَ الرسولِ ﷺ ، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)؛ أي: كما تقولونَ أَيُّها المشركونَ. ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا﴾ أي: طلبوا، يعني: الآلهةُ. ﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: صاحبِ العرشِ. ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا ليغالبوهُ ويقهروهُ؛ كفعلِ ملوكِ الدنيا بعضِهم ببعضٍ. قرأ أبو عمرٍو: (ذِي الْعَرْش سبِيلًا) بإدغامِ الشينِ في السينِ (٢). ... ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ:

стр. 1788

(تقولُونَ) بالخطابِ، والباقون: بالغيبِ (١) ﴿عُلُوًّا﴾ تَعالِيًا. ﴿كَبِيرًا﴾ متباعِدًا عما يقولونَ. ... ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي: تنزِّهُهُ السمواتُ والأرضُ ومَنْ فيهنَّ من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ عن هذهِ المقالةِ التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيلهِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (يُسَبِّحُ) بالياءِ على التذكيرِ؛ لقيامِ (لهُ) مقامَ تاءِ التأنيثِ؛ ولأن تأنيثَ (السمواتِ) غيرُ حقيقيٍّ، وقرأ الباقون: بالتاء مؤنثًا على اللفظ، والقراءتان حسنتان (٢). ﴿وَإِنْ﴾ أي: وما ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من حيٍّ وجمادٍ حتى صريرُ البابِ ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ينزِّهُ اللهَ ويحمَدُهُ ويمجِّدُه ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ تفهمونَ ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ لأنه ليسَ بلغتِكم. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ فلذلكَ أمهلَكُم ﴿غَفُورًا﴾ لمن تابَ منكم.

стр. 1789

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ . [٤٥] وكان المشركونَ يؤذون النبيَّ ﷺ مصلِّيًّا، وجاءتْ أُمُّ لهبٍ بحجرٍ لترضَخَ به رأسَه، فلم تَرَهُ، فنزل: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ (١) على قلوبهم عن الفهم ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا. ... ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطيةً؛ كراهةَ. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ صَمَمًا يمنعُهم عن استماعِه. ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم ﴿وَلَّوْا﴾ رجعوا. ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ جمعُ نافرٍ؛ أي: نافرينَ. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ من روايةِ الدوريِّ: (أَدْبَارَهُمْ) بالإمالةِ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ، ورُوِيَ عن ورشٍ، وحمزةَ بينَ اللفظينِ، وقرأ الباقونَ: بإخلاصِ الفتحِ (٢). ... ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾.

стр. 1790

[٤٧] ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ بسببِه ولأجله؛ من الهزءِ بكَ وبالقرآنِ. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وأنتَ تقرأُ القرآنَ ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ جمعُ نَجِيٍّ، وهم القومُ يتناجَوْن يتحدَّثون. ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ المشركونَ، وهم الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابهُ. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ شَبَّهوا الخيالَ الذي عندَه بزعمِهم، وأقوالَه الوخيمةَ برأيهم بما يكونُ من المسحورِ الذي قد خبَّلَ السحرُ عقلَه، وأفسدَ كلامَه. ... ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ مَثَّلوكَ بالشاعرِ والساحرِ والكاهنِ والمجنونِ. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في ضَمِّ التنوينِ وكسرِه عندَ قوله: (مَحْظُورًا انْظُرْ)، وكذلك اختلافُهم في قوله: (مَسْحُورًا انْظُرْ). ﴿فَضَلُّوا﴾ في جميعِ ما نَسبوه إليكَ. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يجدونَ ﴿سَبِيلًا﴾ إلى الهدى، أو إلى إفسادِ أمرِك وإطفاءِ نورِ اللهِ فيكَ بضربِهم الأمثالَ لكَ، واتِّباعِهم كلَّ حيلةٍ في جهتِك. ... ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿وَقَالُوا﴾ تعجُّبًا وإنكارًا للبعثِ، واستبعادًا له: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا﴾ وهو ما مرَّ عليهِ الزمنُ حتى إنه بلغَ به غايةَ البِلى وَقرَّبه من عالم الترابِ.
следующие страницы →