← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ تعالى، لا يبتغون عرضًا من الدنيا. ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ لا تجاوزهم نظرك إلى غيرهم ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: لا تطرد الفقراء لفقرهم ورثاثة حالهم، ولا تمل إلى الأغنياء لجمالهم وغناهم. قرأ أبو عمرو (تُرِيد زينَةَ) بإدغام الدال في الزاي (١). ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ في طردهم ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ هو عيينة وأصحابه ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن القرآن والتوحيد ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في الشرك وطلب الشهوات. ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ سرفًا وتضييعًا. ... ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: الذي أنبأتكم به الحق ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بترك طرد المؤمنين، ثم خيرهم تهديدًا، فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ الإيمان ﴿فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ﴾ الكفر ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ المعنى: لستُ بطارد المؤمنين لهواكم، فاعملوا ما شئتم. ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا ﴿لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ والسرادق: هو ما أحاط بالبناء من الستر ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ من العطش ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾

стр. 1857

هو القيح والدم الأسود ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ينضجها ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ المهل ﴿وَسَاءَتْ﴾ قبحت النار ﴿مُرْتَفَقًا﴾ أي: مجلسًا جامعًا، أو متكأ، وأصل الارتفاق: نصبُ المرفق تحت الخد. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ أي: لا نضيع أعمالهم، بل نثيبهم بها. ... ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ . [٣١] فإن قيل فأين جواب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قيل: جوابه قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وأما قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ فكلام معترض، والعدن: الإقامة، يقال: عدنَ فلان بالمكان: إذا أقام به، وسميت عدنًا؛ لخلود المؤمنين فيها. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يلبسون في الجنة. ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ واحدها سوار، وهو ما يُلبس في الذراع ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ (من) الأولى للابتداء، والثانية للبيان صفة لأساور، وتنكيرها لتعظيم حسنها من الإحاطة به ﴿وَيَلْبَسُونَ﴾ قرأ أبانُ عن عاصم: بكسر الباء،

стр. 1858

والباقون: بفتحها (١) ﴿ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾ جمع سندسة، وهو رفيع الديباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ثخينه، وهو فارسي معرب ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهي السرير في الحجلة، وهي ستر كالبيت، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا؛ كما هو هيئة المتنعمين. قرأ أبو جعفر: (مُتَّكِينَ) و (مُتَّكُونَ) وشبهه بغير همز حيث وقع، والباقون: بالهمز (٢). ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ أي: نعم الجزاء الجنة ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ مجلسًا ومقرًا. ... ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ أي: مثل حال هؤلاء المؤمنين والكافرين بحال. ﴿رَجُلَيْن﴾ وكانا أخوين في بني إسرائيل، مؤمن اسمه يهودا، وكافر واسمه قطروس، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطرا، فاشترى الكافر بها ضياعًا وعقارًا، وصرفها المؤمن في وجوه الخير، وآل أمرهما إلى ما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ بستانين ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي: جعلناه محيطًا بالجنتين ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا﴾ وسطهما ﴿زَرْعًا﴾ يقتات به؛ أي: جمعت

стр. 1859

هذه الأرض أنواع الثمرات وأصناف الأقوات، ولم يكن بين الجنتين موضع خراب. ... ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ مبتدأ، خبره ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت ثمرها. قرأ نافع، وابنُ كثير، وأبو عمرٍو: (أُكْلَها) بإسكان الكاف والباقون: بضمها (١) ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ أي: تنقص ﴿مِنْهُ شَيْئًا﴾ بل أتت به في غاية الكمال ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ شققنا. قرأ يعقوب (وَفَجَرْنَا) بتخفيف الجيم، والباقون: بالتشديد (٢) ﴿خِلَالَهُمَا﴾ وسطهما ﴿نَهَرًا﴾ يجري بينهما؛ ليزيد بهاؤهما. ... ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ لصاحب البستان ﴿ثَمَرٌ﴾ قرأ أبو عمرو: (ثُمْرٌ) بضم الثاء وإسكان الميم، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وابن عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بضم الثاء والميم، وقرأ أبو جعفرٍ، وعاصم،

стр. 1860

ويعقوبُ: بفتحهما (١)، فمن قرأ بالضم، فهي الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف، جمع ثمار، ومن قرأ بالفتح، جمع ثمرة، وما يخرجه الشجر من الثمار المأكولة. ﴿فَقَالَ﴾ الكافر صاحب البستان ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه في الكلام ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ لإقباله على الدنيا، وتركه الآخرة ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ عشيرة. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَنَا أَكْثَرُ) بالمد (٢). ... ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿وَدَخَلَ﴾ الكافر. ﴿جَنَّتَهُ﴾ التي لا جنة له سواها، ولا حظَّ له في الجنة التي وعد المتقون، ولم يقل: جنتيه؛ لأن المراد ما هو جنته، وأخذ بيد أخيه المسلم يطوف به فيها، ويفاخره بها. ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر ﴿قَالَ﴾ إعجابًا: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾ تهلك ﴿هَذِهِ﴾ الجنة ﴿أَبَدًا﴾ لطول أمله. ...

стр. 1861

﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كائنة. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ كما تزعم. ﴿لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا؛ فإنه لم يعطني الجنة في الدنيا، إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر: (مِنْهُمَا) بميم بعد الهاء على التثنية؛ أي: من الجنتين، وكذلك هي في مصاحفهم، وقرأ الباقون: بحذف الميم على الإفراد، أراد: جنته، وكذلك هي في مصاحفهم (١). ... ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ المسلم ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: أباك آدم؟ لأنه خلق من تراب. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: مَنِيٍّ ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ﴾ عدلك وكمَّلك ﴿رَجُلًا﴾ بشرًا ذكرًا. ...

стр. 1862

﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ورويس عن يعقوب: (لَكِنَّا) بإثبات الألف بعد النون في الحالين، وحذفها الباقون وصلًا، ولا خلاف في إثباتها في الوقف إتباعًا للرسم، وأصله: لكن أنا، فحذفت الهمزة طلبًا للتخفيف؛ لكثرة استعماله، ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى، قال الكسائيُّ: فيه تقديم وتأخير، مجازه: لكن الله هو ربي (١). ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (بِرَبِّيْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢). ... ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿وَلَوْلَا﴾ أي: هَلَّا. ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ عند دخولها ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: الأمرُ ما شاء الله، وتشكره على إنعامه عليك، وقلت: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ اعترافًا بالعجز على نفسك، والقدرة لله. ثم قال: ﴿إن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ فتكبرتَ عليَّ. قرأ أبو عمرو،

стр. 1863

وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (إِذ دخَلْتَ) بإدغام الذال في الدال، والباقون: بالإظهار (١). ... ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿فَعَسَى﴾ فلعل ﴿رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ يعطيني في الآخرة ﴿خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الدنيا ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ أي: على جنتك ﴿حُسْبَانًا﴾ مرامي، جمع حسبانة، وهي الصواعق ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا﴾ أرضًا ﴿زَلَقًا﴾ يزلق عليها؛ لملاستها. ... ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ . [٤١] ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ غائرًا في الأرض لا سبيل له. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي: إن طلبته لم تجده، تلخيصه: أرجو أن أُرزق أفضلَ من جنتك، وأن تهلك جنتك. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وقالونُ عن نافع: (إِنْ تَرَنِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢)، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (أَنَا أَقَلَّ)

стр. 1864

بالمد كما تقدم في (أَنَا أَكْثَرُ) [الآية:٣٤] , وأثبت نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو الياء في (يُؤْتيَنِي) وصلًا، وأثبتها ابن كثير ويعقوب وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١). ... ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بالهلاك، فهلكت ثمرته. قرأ أبو عمرو: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بضم الثاء وإسكان الميم، وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، ورويس عن يعقوب: بضم الثاء والميم، وقرأ أبو جعفر، وعاصم، وروح عن يعقوب: بفتحهما (٢). ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ هو التصفيق وتقليبهما ظهرًا لبطن تندمًا ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي: في عمارتها ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، يعني: أن السقوف وقعت، ثم تهدمت الحيطان عليها، فهي خاوية، والحيطان على العروش، وتعطف على (يُقَلِّبُ). ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: بإسكان الياء، والباقون بفتحها (٣).

стр. 1865

﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾ . [٤٣] قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ جماعة. ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من عذابه. ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعًا بنفسه من العذاب. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَكُن لَهُ) بالياء على التذكير للفصل بـ (له)، وقرأ الباقون: بالتاء مؤنثًا؛ لتأنيث (فئة) (١). ... ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الوقت، وهي اسم مكان، ويستعمل في الزمان. ﴿الْوَلَايَةُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بكسر الواو، يعني: السلطان والملك، وقرأ الباقون: بفتح الواو (٢)، بمعنى: النصرة والتولي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ قرأ أبو عمرو، والكسائي: (الْحَقُّ) بالرفع صفة للولاية، وقرأ الباقون: بالجر صفة لله (٣).

стр. 1866

﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أفضل جزاءً لأهل طاعته. ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: عاقبة للمؤمنين، المعنى: ثواب الله تعالى للمؤمنين في الآخرة أفضل من غيره. قرأ عاصم، وحمزة، وخلف: (عُقْبا) بإسكان القاف (١). ... ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَاضْرِبْ﴾ يا محمد ﴿لَهُمْ﴾ لقومك. ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: المطر ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي: تكاثف بسبب نزوله ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ وامتزج الماء بالنبات حتى روي وحَسُن. ﴿فَأَصْبَحَ﴾ عن قريب ﴿هَشِيمًا﴾ أي: مهشومًا، تهشَّم: تكسر. ﴿تَذْرُوهُ﴾ تفرقه. ﴿الرِّيَاحُ﴾ فتذهب به، المعنى: شبه الدنيا بما فيها منها بنبات حسن، فيبس فتكسر، ففرقته الريح، فانعدم. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (الرِّيحُ) بغير ألف على الإفراد، وقرأ الباقون: بألف بعد الياء على الجمع (٢).

стр. 1867

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من السعادة والشقاوة، والإنشاء والإفناء ﴿مُقْتَدِرًا﴾ قادرًا. ... ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ . [٤٦] ثم زهَّد تعالى فيها، ووبخ المفتخرين بها، فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ التي يفتخر بها عيينةُ وأصحابهُ الأغنياء. ﴿زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتجمَّل بهما فيها (١). ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ عند الجمهور هي قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من المال والبنين ﴿ثَوَابًا﴾ جزاءً. ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ أي: ما يتعلق بها من الأمل. ... ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم. ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ وتسييرها: إزالتها من أماكنها، وتسييرها كما يسير السحاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابن كثير: (تُسَيَّرُ) بالتاء وضمها وفتح الياء، ورفع

стр. 1868

﴿الْجِبَالَ﴾ مجهولًا، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وكسر الياء (١)، ونصب (الجبالَ) مفعول (نسير) خبر عن الله تعالى. ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة ليس فيها ما يستظل به من شجر ولا بناء، قد ذهب عنها كل ما كان عليها. ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي: جمعنا المؤمنين والكافرين إلى الموقف والحساب. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي: نترك ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلا قذفته الأرض. ... ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ أي: مصطفِّين، فثَمَّ يقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ , فرادى حفاةً عراةً، لا شيء معكم من المال والولد، ولما خرج من قصة إلى قصة، أضربَ فقال: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ تجازون وتحاسبون فيه، يقوله لمنكر البعث. قرأ الكسائي، وهشام (بَل زعَمْتُمْ) بإدغام اللام في الزاي، والباقون بالإظهار (٢). ...

стр. 1869

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [٤٩] ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ الذي كتبت فيه أعمالهم ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من الذنوب. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عند معاينة ما فيه من القبائح: ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾ يا هلاكنا! ينادون هلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ تعجبًا من شأنه. وقف أبو عمرو، والكسائي بخلاف عنه على الألف دون اللام من قوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ﴾ في النساء [الآية: ٧٨]، ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ هنا، و ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ في الفرقان [الآية: ٧]، ﴿فَمَالِ الَّذِينَ﴾ في سأل [الآية: ٣٦]، ووقف الباقون (فمال) على اللام إتباعًا للخط، بخلاف عن الكسائي (١)، قال ابن عطية: ومنعه قوم جملة؛ لأنها حرف جر، فهي بعض المجرور، وهذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس، وأما أن يختار أحد الوقف فيما ذكرناه ابتداء، فلا (٢)، انتهى. ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ عن جلبها (٣) ﴿وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ عدَّها وأثبتها. قال ابن عباس: "الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة" (٤).

стр. 1870

﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ من خير وشر ﴿حَاضِرًا﴾ مكتوبًا لا يغيب منه شيء ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ لا يؤاخذ أحدًا بجرم لم يعمله. ... ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ. ﴿قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قرأ أبو جعفر (للملائكةُ) بضم التاء حالة الوصل إتباعًا، وروي عنه إشمام كسرتها الضم، والوجهان صحيحان عنه (١)، وتقدم الكلام على ذلك، وعلى تفسير السجود مستوفىً في سورة البقرة عند تفسير نظير هذه الآية. ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء متصل ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال ابن عباس: "كان من حي من الملائكة يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم" (٢)، وتقدم في سورة البقرة أنه كان من الملائكة، لا من الجن على الأصح. وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، قال ابن عطية: ولا خلاف أن إبليس كان من الملائكة في المعنى؛

стр. 1871

إذ كان مقترنًا (١) بالأمر والنهي مرسلًا والملك مشتق من الملائكة، وهي الرسالة، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول: (اسجدوا) (٢)، وقيل: كان من الجن حقيقة، لأن له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم. ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: خرج عن طاعته. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ الهمزة للإنكار دخلت على فاء العطف، والواو لآدم وذريته، والهاء للخبيث، وتقديره: أفتتخذون إبليس وذريته. ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أي: أعداء. ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ من الله إبليسُ وذريته. ... ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ . [٥١] ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ أي: ما أحضرتهم، يعني: إبليس وذريته، وقيل: جميع الخلق. قرأ أبو جعفر: (مَا أَشْهَدْنَاهُمْ) بالنون والألف على الجمع للعظمة؛ أي: أحضرناهم، وقرأ الباقون: بالتاء مضمومة من غير ألف على ضمير المتكلم (٣). ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأستعين بهم على خلقها، وأشاورهم فيها.

стр. 1872

﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ عن الدين. ﴿عَضُدًا﴾ أعوانًا أعتضد بهم. قراعة العامة: (وَمَا كُنْتُ) بضم التاء، وقرأ أبو جعفر: بفتحها خطابًا للنبي ﷺ (١)؛ أي: لا يجوز ذلك الاعتضاد بأحد من المضلين. ... ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿يَقُولُ﴾ قرأ حمزة: (نَقُولُ) بالنون، يخبر تعالى عن نفسه، وقرأ الباقون: بالياء (٢)؛ أي: يقول هو تعالى ثَمَّ للكفار: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ بزعمكم؛ يعني: الأوثان ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم يشفعون لكم. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ لم يجيبوا، ولم يشفعوا. ﴿لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ أي: مهلكا بينهم وبين آلهتهم. ... ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر،

стр. 1873

وخلف، وورش، وابن ذكوان: (رأى) بإمالة الراء والهمزة حيث وقع، وافقهم أبو عمرو في إمالة الهمزة فقط، وروي عن السوسي أربعة أوجه: فتح الراء والهمزة، وكسرهما، وفتح الراء وكسر الهمزة، وعكسه، وروي عن أبي بكر وجهان: كسر الراء وفتح الهمزة، وكسرهما، وروي عن حمزة: كسر الراء وفتح الهمزة، والباقون بفتحهما جميعًا (١). ﴿فَظَنُّوا﴾ أيقنوا ﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ داخلوها. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ معدلًا وانصرافًا. ... ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل جنس يحتاجون إليه ليتذكروا ويتعظوا. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ﴾ والمراد: جميع الناس، وهو الأصح. ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ خصومة، المعنى: أن الإنسان أكثر جدالًا من غيره. عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة ليلة، فقال: "ألا تُصلِّيان؟ " فقال علي: يا رسول الله ا! إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسولُ الله ﷺ حين قال ذلك، ولم يرجع إليه بشيء،

стр. 1874

ثم سمعه علي وهو مولٍّ يضرب فخذه وهو يقول (١): ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢). ... ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ القرآن والرسولُ ﷺ ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ من الذنوب. ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ تقديره: وما منع الناسَ الإيمانَ والاستغفارَ إلا انتظارُ إتيان مثل. ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: سنتنا في إهلاكهم؛ من الغرق والصيحة والظلة (٣) والريح وغير ذلك. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قرأ الكوفيون، وأبو جعفر: (قُبُلًا) بضم القاف والباء، جمع قبيل؛ أي: أصنافًا، وقرأ الباقون: بكسر القاف وفتح الباء، يعني: مقابلة عيانًا (٤).

стр. 1875

﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ للمؤمنين والكافرين. ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ باقتراح الآيات تعنتًا، والسؤالِ عن قصة أهل الكهف. ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ ليبطلوا ﴿بِهِ الْحَقَّ﴾ من إدحاض القدم، وهو إزلاقها. ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ أي: القرآن ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ به من العذاب ﴿هُزُوًا﴾ سخرية. قرأ حمزة وخلف (هُزْؤًا) بجزم الزاي حيث وقع، والباقون: بضمها، وحفص: بإبدال الهمزة واوًا (١). ... ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ بالقرآن. ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ تولى وترك العمل بها. ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفهموا القرآن. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلًا عن سماع الحق.

стр. 1876

﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ والمراد: من حقت عليه الشقاوة ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون. ... ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾ للمؤمنين. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لهم خاصة في الآخرة والرحمة في الدنيا؛ بمعنى: النعمة، فهي تعمُّ المسلمَ والكافرَ. ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ فيها. ﴿بَلْ لَهُمْ﴾ أي: لهلاكهم ﴿مَوْعِدٌ﴾ يعني: البعث. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ منجاة. قرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: ﴿يُؤَاخِذُهُمْ﴾ (تُوَاخِذُنِي) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (١). ... ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ المتقدمة؛ كقرى عاد وثمود وغيرهم. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ بالتكذيب؛ كقريش. ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ أي: لإهلاكهم ﴿مَوْعِدًا﴾ أجلًا. قرأ أبو بكر

стр. 1877

عن عاصم: (لِمَهْلَكِهِمْ) بفتح الميم واللام التي بعد الهاء، وقرأ حفصٌ عنه: بفتح الميم وكسر اللام، وهو مصدر هلك، ومعنى القراءتين: جعلنا لوقت هلاكهم، وقرأ الباقون: بضم الميم وفتح اللام على المعنى الأول، وهو مصدر أهلك يهلك (١). ... ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران على الأصح ﴿لِفَتَاهُ﴾ وخادمه هو يوشع بن نون ﵇، كان يتبعه ويخدمه، ويأخذ منه العلم. ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزال أسير. ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ملتقى العذب والمالح، [وقيل: المراد: المكان الجامع لملتقى بحري فارس والروم مما يلي الشرق] (٢)، وقيل غير ذلك، وقالت فرقة: البحران كناية عن موسى والخضر؛ فإن موسى ﵇ كان بحر علم الظاهر، والخضر بحر علم الباطن، قال ابن عطية: وهذا قول ضعيف (٣). قرأ أبو عمرو: (لاَ أَبْرَح حَتَّى) بإدغام الحاء الأولى في الثانية (٤).

стр. 1878

﴿أَوْ أَمْضِيَ﴾ أسير ﴿حُقُبًا﴾ زمانًا غير محدود، وجمعه أحقاب، والحقب أقل زمان، وقيل: ثمانون سنة. ... ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾ . [٦١] ﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ أي: موسى وفتاه. ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: بين البحرين، وهو الموضع الذي وعد موسى أن يجتمع فيه بالخضر، وفيه الصخرة، وفيه عين الحياة التي لا يصيب ماؤها ميتًا إلا حيي. ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ الذي تزودا به، فأصابه شيء من برد ماء العين، فعاش ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الحوت ﴿سَبِيلَهُ﴾ طريقه. قرأ أبو عمرو: (فَاتَّخَذَ سبِيلَهُ) بإدغام الذال في السين في الحرفين (١). ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ مسلكًا يسرب فيه من قوله: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ الرعد: ١٠]، وإنما كان الحوت مع يوشع، فنسي موسى أن يطلبه ويتعرف حاله، ونسي يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. وملخص القصة: ما روي عن أُبيِّ بنِ كعب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ قال: أنا، فعتِبَ الله عليه؛ إذ لم يردَّ العلمَ إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا ربِّ فكيف لي به؟ قال:

стр. 1879

تأخذ معك حوتًا، فتجعله في مِكْتل، فحيثما فقدت الحوت، فهو ثَمَّ، فأخذ حوتًا، فجعله في مكتل، ثم انطلق، فانطلق معه فتاه يوشع بن نون ﵇، حتى إذا أتيا الصخرةَ التي عند مجمع البحرين، وضعا رؤوسَهما فناما، واضطرب الحوت في المِكْتل حين أصابه بردُ الماء، فخرج منه، فسقط في البحر، فعلم يوشع بأمره، وأمسك الله جِرْيَة الماء عن الحوت، فصار عليه مثلُ الطاق، فصار للحوت سربًا، فلما استيقظ موسى، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقيةَ يومِهما وليلتِهما" (١). ... ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ مجمع البحرين ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الغداء: ما يعد للأكل أول النهار، والعشاء: آخره ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾ الذي سرنا بعد مجاوزة الصخرة ﴿نَصَبًا﴾ تعبًا، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به؛ ليتذكر الحوت، ويرجع إلى مطلبه. ... ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾.

стр. 1880

[٦٣] ﴿قَالَ﴾ فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ يعني: التي رقد عندها موسى. ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ عند الصخرة. ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي: ما أنساني ذكرَه إلا الشيطانُ، وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه. قرأ الكسائي: (أَنْسانِيه) بالإمالة، وقرأ حفص عن عاصم: (أَنْسَانِيهُ إِلَّا) بضم الهاء في الوصل، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: "أي: اتخذ موسى طريق الحوت في البحر عجبًا، فكان للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا" (٢)، وقيل: هو جواب من موسى ليوشع حين قال له: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ فقال موسى: ﴿عَجَبًا﴾ أي: أعجب عجبًا، قال ابن زيد: "أي شيء أعجب من حوت كان دهرًا من الدهور يؤكل منه، ثم صار حيًّا، ويبس له الماء، قال: وكان شق حوت" (٣). ... ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: أمر الحوت ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي:

стр. 1881

نطلب؛ لأنه وعد وجود الخضر حيث ينسى بعض متاعه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي: (نَبْغِي) بإثبات الياء وصلًا، وحذفها تخفيفًا وإتباعًا لخط المصحف، وقرأ ابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١). ﴿فَارْتَدَّا﴾ رجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾ يقتصَّانِ الأثرَ الذي جاءا فيه. ﴿قَصَصًا﴾ مصدر. ... ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ . [٦٥] فأتيا الصخرة ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهو الخضر على الصحيح، واسمه: بليا بن ملكان بن يقطر بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكًا، والخضر لقب له، سمي به لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّما سُمِّي خضرًا؛ لأنه جلس على فَروةٍ بيضاءَ، فاهتزَّت تحته خضرًا" (٢)، وترك الملك زهدًا في الدنيا، وقال مجاهد: سمي خضرًا؛ لأنه إذا صلى اخضَّر ما حوله (٣)، فأتاه

стр. 1882

موسى وهو مسجًى بثوب مستلقيًا على قفاه، فسلم عليه، فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، والخضر نبي عند الجمهور، وقيل: هو عبد صالح غير نبي، قال ابن عطية: والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي إليه (١). ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ نبوة وشفقة ﴿مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ وهو علم الباطن اللدني، فقال: يا موسى! أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. ... ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى﴾ شرطِ. ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ علمًا يرشدني. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (تُعَلِّمَنِي) بإثبات الياء وصلًا، وابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (٢)، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب: (رَشَدًا) بفتح الراء والشين، والباقون: بضم الراء وإسكان الشين، وهما لغتان (٣).

стр. 1883

﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ . [٦٧] ولما قال موسى هذا، قال له الخضر: كفى بالتوراة علمًا، وببني إسرائيل شغلًا، فقال موسى: الله أمرني بذلك، فحينئذ ﴿قَالَ﴾ الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ لأنك ترى ما تنكره. قرأ حفص عن عاصم: (مَعِيَ) بفتح الياء في الأحرف الثلاثة، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ . [٦٨] ثم عذر الخضر موسى في عدم صبره، فقال: ﴿كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ علمًا، قال ابن عطية: كان علم الخضر معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها، وكان علم موسى ﵇ علم الأحكام والفتيا بظواهر أقوال الناس وأفعالهم (٢). ... ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ إنما استثنى؛ لأنه لم يثق من نفسه بالصبر، وهذه عادة الأنبياء والأولياء. قرأ أبو جعفر: (سَتَجِدُنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣). ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ لا أخالفك فيما تأمر.

стр. 1884

﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ فلا تبدأني بالسؤال ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ أنكرتَهُ مني. ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ حتى أبتدئك بذكره، وأوضح لك علته. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (تَسْأَلنِّي) بفتح اللام وتشديد النون مكسورة مع إثبات الياء بعدها؛ لأن نون التوكيد المشددة التي يبنى معها (١) الفعل على الفتح دخلت على نون الوقاية، فحذفت، وبقيت نون التوكيد مكسورة للياء بعدها، وروي عن ابن ذكوان راوي ابن عامر حذف الياء في الحالين استغناء بالكسرة عنها، وقرأ الباقون: بإسكان اللام وتخفيف النون مكسورة؛ لأنه لم يلحق الفعل نون التوكيد، وأثبتوا الياء في الحالين إتباعًا لخط المصحف (٢)، فلما شرط الخضر على موسى ذلك، قَبِلَ شَرطَه. ... ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ . [٧١] ﴿فَانْطَلَقَا﴾ يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة، فاستحملا صاحبَها، فحملهما بغير أجر. ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ وبلغا اللُّجَّ.

стр. 1885

﴿خَرَقَهَا﴾ الخضر؛ بأن أخذ فأسًا، فاقتلع لوحًا أو لوحين من ألواحها من قبل البحر، فسدَّ موسى الخرقَ بثيابه، و ﴿قَالَ﴾ للخضر: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لِيَغْرَقَ) بالياء مفتوحة وفتح الراء (أَهُلُهَا) برفع اللام فاعلًا، وقرأ الباقون: بالتاء مضمومة وكسر الراء ونصب (أَهْلَها) مفعولًا خطابًا للخضر (١). ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ عظيمًا منكرًا، والإمر في كلام العرب: الداهية، وأصله كل شيء جديد كبير، وروي أن الماء لم يدخلها، وروي أن الخضر أخذ قدحًا من زجاج، ورقع به خرق السفينة. وفي الآية دليل على أن الوصيَّ له أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحًا؛ مثل أن يخاف على ريعه ظالمًا، فيخرب بعضه، قال أبو يوسف: لو طمع السلطان في مال اليتيم، فصالحه الوصيُّ من مال اليتيم على الأقل مما طمع، لم يضمن؛ لأنه مأمور بحفظ مال اليتيم ما أمكنه، والحكم في المسألة كذلك بالاتفاق، والله أعلم. ... ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿قَالَ﴾ الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ تذكير لما ذكره قبل. ...

стр. 1886

﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ بنسياني. وتقدم مذهب أبي جعفر وورش في (لاَ تُواخِذْنِي) عند قوله: (لَوْ يُواخِذُهُمْ). ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ تغشيني، يقال: رهقه: إذا غشيه. ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي: لا تعسر علي متابعتك. عن النبي ﷺ : "أن الأولى كانت من موسى نسيانًا، والثانية شرطًا، والثالثة عهدًا" (١). قرأ أبو جعفر: (عُسُرًا) (يُسُرًا) بضم السين فيهما حيث وقع (٢). ... ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿فَانْطَلَقَا﴾ بعد خروجهما من السفينة. ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ لم يبلغ الحنث يلعب مع الصبيان، أحسنهم وجهًا، فأضجعه الخضر، فذبحه بالسكين ﴿فَقَتَلَهُ﴾، قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش، لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" (٣).

стр. 1887

﴿قَالَ﴾ موسى توبيخًا ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (زَكِيَّةً) بغير ألف بعد الزاي وتشديد الياء، وقرأ الباقون: بالألف وتخفيف الياء (١)، ومعناهما واحد، مثل: قاسية وقسية؛ أي: طاهرة من الذنوب، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية التي أذنبت ثم تابت ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ لم تقتله قصاصًا. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا، والنكر: أعظم من الإمر. قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (نُكُرًا) بضم الكاف حيث وقع، والباقون: بإسكانها، ومعناهما واحد (٢). ... ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿قَالَ﴾ الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ لن تطيق معي صبرًا، وزاد هنا: (لَكَ) توبيخًا لموسى؛ لأنه كان في الأولى معذورًا. ...

стр. 1888

﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ . [٧٦] ولذلك ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ بعد هذه المرة. ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ وفارقني. قرأ روح عن يعقوب بخلاف عنه: (تَصْحَبْنِي) بفتح التاء وإسكان الصاد وفتح الحاء بغير ألف؛ من الصحبة، وقرأ الباقون: (تُصَاحِبْنِي) بالألف وضم التاء وكسر الحاء (١)؛ أي: لا تصحبني نفسك، ولا تزودني شيئًا من علمك. ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قرأ نافع وأبو جعفر: (لَدُنِي) بضم الدال وتخفيف النون، وروى أبو بكر عن عاصم: بتخفيف النون وإشمام الدال الضم بعد إسكانها، وقرأ الباقون: بضم الدال وتشديد النون (٢)، فالقراءة بالتخفيف بحذف النون الأصلية، والإتيان بنون الوقاية، ومن شدد أدخل نون الوقاية على الأصلية، فأدغم. المعنى: قد اتضح عذرك عندي في مفارقتي؛ لأني لم أحفظ وصيتك.

стр. 1889

قال ﷺ : "يرحم (١) الله أخي موسى، استحيا فقال ذلك" (٢). وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رحمة الله علينا وعلى موسى -وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه- لولا أنه عجَّل، لرأى العَجَبَ، ولكنه أخذته من صاحبه ذَمَامةٌ قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ فلو صبر، لرأى العجب" (٣). ... ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ هي إنطاكية ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ طلبا منهم ضيافة، وأعاد ذكر الأهل تأكيدًا ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ امتنعوا من إطعامهما. قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف (٤). وعن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما، فدعا لنسائهم، ولعن رجالهم (٥).

стр. 1890

ومذهب أحمد: يجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به يومًا وليلة بشرط أن يكون مجتازًا في قرية لا مصر، فإن أبي، فللضيف طلبه به عند الحاكم، فإن تعذر، جاز له الأخذ من ماله، ومن مر بثمر في شجر لا حائط عليه ولا ناظر، فله أن يأكل منه ولا يحمل، وكذا الحكم في الزرع، ولبن في الماشية، وهذا من مفردات مذهبه؛ خلافًا للثلاثة. ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ يسقط، هذا من مجاز كلام العرب؛ لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من السقوط، وكان الخضر رأى حائطًا ارتفاعه مئة ذراع قد قارب السقوط، فمسحه بيده. ﴿فَأَقَامَهُ﴾ عدله ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ويعقوب: (لَتَخِذْتَ) بتخفيف التاء الأولى وكسر الخاء من غير ألف وصل؛ من تَخِذَ يَتْخَذُ: عمل شيئًا، على وزن لعلمت، فابن كثير، ورويس عن يعقوب يظهران الذال عند التاء، وأبو عمرو يدغمها، وقرأ الباقون: بتشديد التاء الأولى وفتح الخاء وألف وصل، وزن لاكتسبت، فيكون اتخذ افتعل، فحفص عن عاصم يظهر الذال، والباقون يدغمونها، وهما لغتان، مثل اتبع وتبع (١)، المعنى: أن موسى قال للخضر: قد علمت حاجتنا إلى الطعام، فلو طلبت على عملك جعلًا، لدفعنا به ألم الجوع.

стр. 1891

﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ . [٧٨] فثم ﴿قَالَ﴾ الخضر ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: لا أصحبك بعد هذا. ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ سوف أخبرك. ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وأنكرتَه عليّ، فقال له موسى: أخبرني بعلم ما لم أستطع عليه صبرًا قبل المفارقة. ... ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ . [٧٩] فقال: ﴿مَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ لضعفاء، وكانوا عشرة إخوة: خمسة زَمْنى، وخمسة ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ مؤاجرة؛ طلبًا للتكسب ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلها ذات عيب ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي: قدامهم ملك كافر اسمه الجلندا ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. روي أن الخضر اعتذر إلى القوم، وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا يعلمون بخبره، وقال: أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا، أصلحوها فانتفعوا بها. والغصب: هو الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، وهو محرم بالاتفاق. واختلفوا في الصلاة في المغصوب، فقال أحمد: لا تصح، ولا يسقط

стр. 1892

الطلب بها، وقال مالك والشافعي: يصح مع التحريم، فلا يثاب، وقال الحنفية: تكره، وكذا حكم الحج وسائر العبادات مما له حكم من صحة أو فساد، والعقود كالبيع والنكاح ونحوهما. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا﴾ خِفْنا. ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ يغشيهما. ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بأن يطغى عليهما بعقوقهما، أو يحملهما حبُّه على متابعته، وذلك طغيان وكفر. ... ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ . [٨١] ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ يعوضهما. ﴿رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ صلاحًا وتقوى. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ رحمة وعطفًا، ونصبه على التمييز، فأبدلهما الله تعالى جارية تزوجت نبيًّا، فولدت نبيًّا، فهدى الله به أمة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَهُمَا) بفتح الباء وتشديد الدال من بَدَّل، وقرأ الباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال من أبدل، وهما لغتان (١)، وفرق بعضهم

стр. 1893

فقال: التبديل: تغيير شيء أو تغيير حاله وعينُ الشيء قائمة، والإبدال: رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه، وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (رُحُمًا) بضم الحاء، والباقون: بجزمها، ومعناهما واحد (١). ... ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وكان اسمهما أصرم وصريم. ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "كان ذهبًا وفضة" (٢)، وعن ابن عباس: "كان لوحًا من ذهب مكتوب في أحد جانبيه: عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبًا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، عجبًا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبًا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الآخر: أنا الله وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن

стр. 1894

خلقته للشر، وأجريته على يديه" (١)، وهذا قول أكثر المفسرين. ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فحُفِظا بصلاح أبيهما في أنفسهما ومالهما، وقيل: كان الجد السابع. ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ إيناس رشدهما ﴿وَيَسْتَخْرِجَا﴾ حينئذ ﴿كَنْزَهُمَا رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ قال أولًا: ﴿فَأَرَدتُّ﴾ ثم قال: ﴿فَأَرَدنَا﴾، ثم قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ توسعًا في اللغة، قال بعضهم: لما قال الخضر: (فأردت) أُلهم: من أنت حتى تكون لك إرادة؟! فجمع في الثانية، فأُلهم: من أنت وموسى حتى تكون لكما إرادة؟ فخص في الثالثة الإرادة لله (٢) تعالى؛ ليعلم أن الكل إليه. ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: باختياري، بل بأمر الله وإلهامه. ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ أي: ما لم تُطق. ﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ اسطاع واستطاع بمعنى واحد. ولما فارقه موسى، قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتُحدِّثَ به، واطلبه لتعمل به. واختلف في حياة الخضر، فكثير من العلماء ذهب إلى أنه حي، وهو يصلي الجمعة في خمسة مساجد: في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد قباء، ومسجد الطور، في كل مسجد جمعة، ويأكل في كل جمعة أكلتين من كمأة وكرفس، ويشرب مرة من ماء

стр. 1895

لا زمزم، ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس، ويغتسل من عين سلوان. قال الشيخ أبو محمد نصر البندنيجي: سألت الخضر: أين تصلي الصبح؟ فقال: عند الركن اليماني، قال: وأقضي بعد ذلك شيئًا كلفني الله تعالى قضاءه، ثم أصلي الظهر بالمدينة، ثم أقضي شيئًا كلفني الله قضاءه، وأصلي العصر ببيت المقدس، حكى ذلك صاحب "مثير الغرام" (١) وغيره. وسبب حياته -على ما حكاه البغوي-: أنه شرب من عين الحياة (٢). وروى المشرف بسنده، وحكاه غيره: أن الخضر وإلياس ﵉ يصومان شهر رمضان ببيت المقدس (٣)، ويوافيان الموسم كل عام (٤)، وإلياس من أنبياء بني إسرائيل، وذهب قوم إلى أن الخضر ميت؛ لقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وقال ﷺ بعدما صلى العشاء ليلة: "أَرَأَيْتَكمْ ليلتكم هذه؛ فإن رأس مئة سنة لا يبقى ممن هو اليوم
следующие страницы →