﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ .
[٧٨] فثم ﴿قَالَ﴾ الخضر ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: لا أصحبك بعد هذا.
﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ سوف أخبرك.
﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وأنكرتَه عليّ، فقال له موسى: أخبرني بعلم ما لم أستطع عليه صبرًا قبل المفارقة.
...
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ .
[٧٩] فقال: ﴿مَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ لضعفاء، وكانوا عشرة إخوة: خمسة زَمْنى، وخمسة ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ مؤاجرة؛ طلبًا للتكسب ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلها ذات عيب ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي: قدامهم ملك كافر اسمه الجلندا ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
روي أن الخضر اعتذر إلى القوم، وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا يعلمون بخبره، وقال: أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا، أصلحوها فانتفعوا بها.
والغصب: هو الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، وهو محرم بالاتفاق.
واختلفوا في الصلاة في المغصوب، فقال أحمد: لا تصح، ولا يسقط
стр. 1892
الطلب بها، وقال مالك والشافعي: يصح مع التحريم، فلا يثاب، وقال الحنفية: تكره، وكذا حكم الحج وسائر العبادات مما له حكم من صحة أو فساد، والعقود كالبيع والنكاح ونحوهما.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾ .
[٨٠] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا﴾ خِفْنا.
﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ يغشيهما.
﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بأن يطغى عليهما بعقوقهما، أو يحملهما حبُّه على متابعته، وذلك طغيان وكفر.
...
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ .
[٨١] ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ يعوضهما.
﴿رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ صلاحًا وتقوى.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ رحمة وعطفًا، ونصبه على التمييز، فأبدلهما الله تعالى جارية تزوجت نبيًّا، فولدت نبيًّا، فهدى الله به أمة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَهُمَا) بفتح الباء وتشديد الدال من بَدَّل، وقرأ الباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال من أبدل، وهما لغتان (١)، وفرق بعضهم
стр. 1893
فقال: التبديل: تغيير شيء أو تغيير حاله وعينُ الشيء قائمة، والإبدال: رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه، وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (رُحُمًا) بضم الحاء، والباقون: بجزمها، ومعناهما واحد (١).
...
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ .
[٨٢] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وكان اسمهما أصرم وصريم.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "كان ذهبًا وفضة" (٢)، وعن ابن عباس: "كان لوحًا من ذهب مكتوب في أحد جانبيه: عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبًا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، عجبًا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبًا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الآخر: أنا الله وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن
стр. 1894
خلقته للشر، وأجريته على يديه" (١)، وهذا قول أكثر المفسرين.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فحُفِظا بصلاح أبيهما في أنفسهما ومالهما، وقيل: كان الجد السابع.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ إيناس رشدهما ﴿وَيَسْتَخْرِجَا﴾ حينئذ ﴿كَنْزَهُمَا رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ قال أولًا: ﴿فَأَرَدتُّ﴾ ثم قال: ﴿فَأَرَدنَا﴾، ثم قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ توسعًا في اللغة، قال بعضهم: لما قال الخضر: (فأردت) أُلهم: من أنت حتى تكون لك إرادة؟! فجمع في الثانية، فأُلهم: من أنت وموسى حتى تكون لكما إرادة؟ فخص في الثالثة الإرادة لله (٢) تعالى؛ ليعلم أن الكل إليه.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: باختياري، بل بأمر الله وإلهامه.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ أي: ما لم تُطق.
﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ اسطاع واستطاع بمعنى واحد.
ولما فارقه موسى، قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتُحدِّثَ به، واطلبه لتعمل به.
واختلف في حياة الخضر، فكثير من العلماء ذهب إلى أنه حي، وهو يصلي الجمعة في خمسة مساجد: في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد قباء، ومسجد الطور، في كل مسجد جمعة، ويأكل في كل جمعة أكلتين من كمأة وكرفس، ويشرب مرة من ماء
стр. 1895
لا زمزم، ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس، ويغتسل من عين سلوان.
قال الشيخ أبو محمد نصر البندنيجي: سألت الخضر: أين تصلي الصبح؟ فقال: عند الركن اليماني، قال: وأقضي بعد ذلك شيئًا كلفني الله تعالى قضاءه، ثم أصلي الظهر بالمدينة، ثم أقضي شيئًا كلفني الله قضاءه، وأصلي العصر ببيت المقدس، حكى ذلك صاحب "مثير الغرام" (١) وغيره.
وسبب حياته -على ما حكاه البغوي-: أنه شرب من عين الحياة (٢).
وروى المشرف بسنده، وحكاه غيره: أن الخضر وإلياس ﵉ يصومان شهر رمضان ببيت المقدس (٣)، ويوافيان الموسم كل عام (٤)، وإلياس من أنبياء بني إسرائيل، وذهب قوم إلى أن الخضر ميت؛ لقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وقال ﷺ بعدما صلى العشاء ليلة: "أَرَأَيْتَكمْ ليلتكم هذه؛ فإن رأس مئة سنة لا يبقى ممن هو اليوم
стр. 1896
على ظهر الأرض أحد" (١)، ولو كان الخضر حيًّا، لكان لا يعيش بعده.
...
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ .
[٨٣] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ هو الإسكندر الذي ملك الدنيا، وكان في زمن سيدنا إبراهيم الخليل ﵇، وقيل: اسمه عبد الله، أو مرزبان، وكان عبدًا صالحًا، أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فناصحه الله، وهو من ذرية نوح ﵇، وسمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وقيل: بعثه الله إلى قومه، ولم يكن نبيًّا، فأمرهم بالتقوى، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله تعالى، ثم بعثه مرة أخرى إليهم، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه، فسمي ذا القرنين، وقيل غير ذلك.
قال ابن عطية: أحسن الأقوال أنه كان ذا ظفرتين من شعرهما قرناه، فسمي به، والظفائر قرون الرأس (٢).
وروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، والإسكندر، والكافران: نمرود، وبخت نصر.
وتوفي الإسكندر بناحية السواد بشهرزور بعد أن غزا الهند حتى انتهى
стр. 1897
إلى البحر المحيط، فهال ذلك ملوك المغرب، فوفدت عليه رسلهم بالانقياد والطاعة، ودخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي وبحر الشمس في الجنوب في أربع مئة رجل من أصحابه يطلب عين الحياة، فلم يصبها، فسار فيه ثمانية عشر يومًا، وبنى اثنتي عشرة مدينة سماها كلها إسكندرية، وكانت مملكته اثنتي عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: أربع عشرة، وكان عمره ستًّا وثلاثين سنة، كذا نقله بعض المؤرخين، وقال الكواشي: قالوا: وعاش ألفًا وست مئة سنة، وحكى البيضاوي قولًا أن سبب تسميته بذي القرنين؛ لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس، والله أعلم (١).
﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ سأذكر لكم ﴿مِنْهُ﴾ من خبره ﴿ذِكْرًا﴾ خبرًا.
...
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [ الكهف: ٨٤].
[٨٤] ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ بأن قويناه.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: من أسباب كل شيء و (٢) أراده.
...
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ [ الكهف: ٨٥].
[٨٥] ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: اقتفى طريقًا موصلًا إلى مراده. قرأ الكوفيون، وابن عامر: (فَأَتْبَعَ) (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الهمزة وإسكان التاء في المواضع الثلاثة، أي: أدرك، ولحق، وقرأ الباقون، وهم أهل الحجاز والبصرة:
стр. 1898
بوصل الهمزة وتشديد التاء في الثلاثة (١)؛ أي: سار، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته؛ أي: ما زلت أسير خلفه حتى لحقته، والمعنى: سلك طريقًا نحو الغرب.
...
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ [ الكهف: ٨٦].
[٨٦] ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (حَمِئَةٍ) بغير ألف بعد الحاء وهمز الياء؛ أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود، وقرأ الباقون: (حَامِيَةٍ) بالألف وفتح الياء من غير همز (٢)، أي: حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين.
وسأل معاوية كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة (٣).
﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ أي: عند تلك العين.
стр. 1899
﴿قَوْمًا﴾ كافرين، لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لَفَظَه البحرُ، فخيَّره الله بين أن يعذبَهم، أو يدعوهم إلى الإيمان كما قال تعالى:
﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ والمراد منه: الإلهام، لأنه لم يكن نبيًّا على الأصح ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ يعني: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام.
﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ عفوًا؛ أي: خيَّرناك في قتل من لم يؤمن، وفي العفو عنه، أو الأسر بشرط الإيمان.
...
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾ [ الكهف: ٨٧].
[٨٧] ﴿قَالَ﴾ الإسكندر: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أشرك ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بالقتل في الدنيا.
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ في الأخرى ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ شديدًا.
...
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ [ الكهف: ٨٨].
[٨٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ قرأ يعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (جَزَاءً الْحُسْنَى) بالنصب والتنوين وكسره للساكنين؛ أي: فله الحسنى جزاء، ونصب (جَزَاءً) على المصدر، وقرأ الباقون: بالرفع من غير تنوين على الإضافة (١)، فالحسنى: الجنة، وأضاف الجزاء إليها.
стр. 1900
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ أي: لا نأمره بما يصعب عليه، بل بما يسهل.
وتقدم مذهب أبي جعفر في ضم السين من (يُسُرًا)، عند قوله: (عُسُرًا).
...
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ [ الكهف: ٨٩].
[٨٩] ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: سلك طريقًا ومنازل.
...
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ [ الكهف: ٩٠].
[٩٠] ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: موضع طلوعها.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ هم الزنج.
﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ يخصهم؛ لأن أرضهم لا تحمل بناءً ولا شجرًا، ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوعها، ويظهرون منها عند ارتفاعها.
روي أنه وصل إليهم رجل، فرأى أناسًا يفرش أحدهم أذنه ويلبس الأخرى، قال: فبينا أنا عندهم، إذ سمعت شيئًا كالصلصلة، فغشي علَيَّ، فأفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء، إذا هي عليه كهيئة الزيت، فأدخلونا سربًا لهم، فلما ارتفعت، خرجوا إلى البحر يصطادون السمك، فيطرحونه في الشمس، فينضج لهم.
стр. 1901
﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾ [ الكهف: ٩١].
[٩١] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس، حكم في الذين عند مطلعها كذلك.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ بما عنده من الجند والآلات والعدد والأسباب ﴿خُبْرًا﴾ علمًا.
...
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾ [ الكهف: ٩٢].
[٩٢] ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني: طريقًا ثالثًا معترضًا بين المشرق والمغرب آخذًا من الجنوب إلى الشمال.
...
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾ [ الكهف: ٩٣].
[٩٣] ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وحفص عن عاصم: (السَّدَّيْنِ) بفتح السين، والباقون: بضمها، وهما لغتان معناهما واحد (١)، وقال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم، فهو السد -بالفتح-، وما كان من صنع الله، فهو بالضم- (٢)؛ لأن السد -بالضم- فعل مبني لمفعول، وبالفتح مصدر، وهما الجبلان بين أرمينيا وأذربيجان، فلما
стр. 1902
وصل إلى السدين ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾ أي: من ورائهما.
﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يُفْقِهُونَ) بضم الياء وكسر القاف على معنى: لا يُفهمون غيرهم قولًا، وقرأ الباقون: بفتح الياء والقاف (١)؛ أي: لا يَفهمون كلامَ غيرهم، قال ابن عباس: "لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم" (٢).
...
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [ الكهف: ٩٤]
[٩٤] ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ أي: قال مترجمهم:
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قرأ عاصم: بهمزهما، والباقون: بغير همز تخفيفًا، وهما اسمان أعجميان مثل هاروت وماروت، وهم من ولد يافث بن نوح، والقراءة بالهمز وعدمه لغتان (٣)، أصلها من أجيج النار، وهو ضوؤها وشررها، شبهوا به؛ لكثرتهم وشدتهم.
قال المؤرخون: أولاد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، فسام
стр. 1903
أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج.
عن ابن عباس: "هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء" (١)؛ لأنه لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه يحملون السلاح، فمنهم من طوله مئة وعشرون ذراعًا، أو خمسون، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، ومنهم من يلتحف بأذنه ويفترش الأخرى.
وروي أنهم على مقدار واحد ذكرهم وأنثاهم، طول أحدهم مثل نصف الرجل المربوع منا.
قال علي ﵁: "منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في موضع الأظفار من أيدينا، وأنياب وأضراس كأضراس السباع، لهم شعر في أجسادهم" (٢).
فلما وصل ذو القرنين إلى أولئك القوم، قالوا له شكاية: إن يأجوج ومأجوج.
﴿مفسدون في الأرض﴾ بالقتل والتخويف وإتلاف الزروع وفعل الخبيث.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ جعلًا نخرجه من أموالنا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (خَرَاجًا) بفتح الراء وألف بعدها، وهو المال المضروب على الأرض يؤدى في كل مدة، وقرأ الباقون: بإسكان الراء من غير ألف، مصدر خرج (٣)، وهو الجعل كما تقدم أولًا.
стр. 1904
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ حاجزًا لئلا يصلوا إلينا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (سَدًّا) بفتح السين، والباقون: بضمها، وهما لغتان (١).
...
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾ [ الكهف: ٩٥].
[٩٥] ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي﴾ أي: قَوَّاني ﴿فِيهِ رَبِّي﴾ هو من العلم وطلب ثوابه والمال.
﴿خَيْرٌ﴾ هو أفضل مما تعطونني أنتم. قرأ ابن كثير: (مَكَنَنِي) بنونين مخففتين، الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة على الأصل، والباقون: بواحدة مكسورة مشددة على الإدغام (٢)، المعنى: ثواب الله خير من ثوابكم.
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: آلة أتقوى بها ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ هو أكبر من السد، فجاؤوه بذلك، فحفر ما بين السدين حتى بلغوا الماء.
...
стр. 1905
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ [ الكهف: ٩٦].
[٩٦] ثم قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى﴾ قِطعه، جمع زبرة. قرأ أبو بكر عن عاصم: (رَدْمًا ائْتُونِي) بكسر التنوين ووصل التنوين مع همزة ساكنة بعده، من باب المجيء، وإذا ابتدأ، كسر همزة الوصل، وأبدل الهمزة الساكنة بعدها ياءً، والباقون: بقطع الهمزة ومدة بعدها في الحالين؛ من الإعطاء، وورش على أصله يلقي حركة الهمزة على التنوين قبلها (١)، فجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر الحديد بعضها فوق بعض، وجعل بينهما الحطب والفحم.
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ قرأ أبان عن عاصم: (سَوَّى) بتشديد الواو من غير ألف، وقرأ الباقون: (سَاوَى) بالألف وتخفيف الواو (٢)؛ أي: ملأ.
﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر: بضم الصاد والدال، وروى أبو بكر عن عاصم: بضم الصاد وإسكان الدال، والباقون: بفتحهما، وكلها لغات (٣)، معناها: الناحيتان من الجبلين؛ لأنهما يتصادفان؛ أي: يتقابلان، فلما ملأ ما بينهما بالزبر والحطب، ووضح حوله منافخ.
стр. 1906
﴿قَالَ انفُخُوا﴾ فنفخوا النار.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾ أي: الحديد ﴿نَارًا﴾ أي: كالنار.
﴿قَالَ آتُونِي﴾ قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه: (قالَ ائْتُوني) بوصل الألف وهمزة ساكنة؛ من باب المجيء، وإذا ابتدأ ا، كسرا همزة الوصل، وأبدلا الهمزة الساكنة ياء، والباقون: بقطع الهمزة ومدة بعدها في الحالين من الإعطاء (١) ﴿أُفْرِغْ﴾ أصب.
﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ نحاسًا مذابًا، فجعلت النار تأكل الحطب، وتصير النحاس مكان الحطب، حتى لزم الحديد النحاس، وكان طوله مئة فرسخ، وعرضه خمسين ذراعًا، وارتفاعه مئتي ذراع، وقيل غير ذلك.
...
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [ الكهف: ٩٧].
[٩٧] ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلوه من فوقه؛ لملاسته ورفعته.
قرأ حمزة (فما اسطَّاعُوا) بتشديد الطاء، يريد: فما استطاعوا، فأدغم التاء في الطاء، وجمع بين ساكنين وصلًا، قال ابن الجزري: والجمع بينهما في مثل ذلك (٢) جائز مسموع، وقرأ الباقون: بتخفيفها على حذف (٣) التاء ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ خَرْقًا؛ لصلابته وسمكه.
...
стр. 1907
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ [ الكهف: ٩٨].
[٩٨] فلما فرغ منه ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي: السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ علي وعليكم؛ لعدم خروجهم بسببه ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: وقت خروجهم.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قرأ الكوفيون: (دَكَّاءَ) بالمد والهمز من غير تنوين؛ أي: أرضًا ملساء، والباقون: بالتنوين من غير همز (١)؛ أي: مستويًا مع وجه الأرض.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ واجبًا بالثواب والعقاب وغيرهما، هذا آخر كلام ذي القرنين.
روي أنهم يحفرون كل يوم الردم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدًا، فيعيده الله كما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله، فيعودون وهو كهيئته، فيحفرونه، ويخرجون، مقدمتُهم بالشام، وساقتهم بخراسان، فيشربون المياه، وينحصر الناس منهم في حصونهم، ولا يقدرون على إتيان مكة والمدينة وبيت المقدس، ويرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيرسل الله تعالى عليهم دودًا في أعناقهم، فيهلكون جميعًا، فيرسل الله عليهم طيرًا، فتلقيهم في البحر، ويرسل مطرًا يغسل الأرض، وخروجهم يكون بعد خروج الدجال وقتلِ عيسى إياه.
стр. 1908
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [ الكهف: ٩٩].
[٩٩] ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: بعض يأجوج ومأجوج من وراء السد يوم سد ﴿يَمُوجُ﴾ يضطرب ويختلط ﴿فِي بَعْضٍ﴾ لكثرتهم وعدم خروجهم.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾ أي: جميع الخلائق يوم القيامة للحساب.
﴿جَمْعًا﴾ في مكان واحد.
...
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ [ الكهف: ١٠٠].
[١٠٠] ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ أي: أظهرناها.
﴿يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ حتى يشاهدوها عيانًا.
...
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ [ الكهف: ١٠١].
[١٠١] ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن القرآن والإيمان به، وقوله (أعينهم) كناية عن البصائر، لا عين الجارحة.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لذكري؛ لإفراط صممهم عن الحق.
...
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ [ الكهف: ١٠٢].
[١٠٢] ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الاستفهام للإنكار ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾ أي: ملائكتي وعيسى وعزيرًا والشياطين ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ المعنى: أفظن
стр. 1909
الكافرون اتخاذهم عبادي من دوني أربابًا ينفعهم، أو لا أعذبهم.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ منزلًا، المعنى: جهنم معدة للكافرين كالنزل المعد للضيف. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (دُونِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) بتحقيق الهمزتين، والباقون بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تجعل بين بين (٢).
...
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ [ الكهف: ١٠٣].
[١٠٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ نصب على التمييز؛ أي: بالذين هم أشد الخلق وأعظمهم خسرانًا فيما عملوا.
...
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [ الكهف: ١٠٤].
[١٠٤] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ﴾ ضاع ﴿سَعْيُهُمْ﴾ عملهم الخير.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لكفرهم؛ كالرهبان؛ فإنهم خسروا دنياهم وآخرتهم.
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ عملًا ينفعهم؛ لعجبهم، واعتقادهم
стр. 1910
أنهم على الحق. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر: (يَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١).
...
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [ الكهف: ١٠٥].
[١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ بالقرآن ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطل اجتهادهم بكفرهم، فلا يثابون على أعمالهم.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي: نزدريهم، فلا يكون لهم مقدار، قال ﷺ : "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ " (٢).
...
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [ الكهف: ١٠٦].
[١٠٦] ﴿ذَالِكَ﴾ المذكور من هبوط أعمالهم وخسة قدرهم، مبتدأ ﴿جَزَآؤُهُم﴾ مبتدأ ثان، خبره ﴿جَهَنَّمُ﴾ وهما خبر (ذلك).
﴿بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ سخرية.
...
стр. 1911
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [ الكهف: ١٠٧]
[١٠٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في علم الله.
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ وهو وسط الجنة، ومعناه: البستان.
﴿نُزُلًا﴾ قال كعب: "ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر" (١).
...
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [ الكهف: ١٠٨].
[١٠٨] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ﴾ لا يطلبون ﴿عَنْهَا حِوَلًا﴾ تحويلًا.
...
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [ الكهف: ١٠٩].
[١٠٩] ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ أي: ماؤه ﴿مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ تكتب به، وهي وعده لأوليائه، ووعيده لأعدائه وحكمه، وسمي المداد مدادًا؛ لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ أي: فني ماؤه ﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ [أي: تفرغ].
﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ أي: علمه وحكمه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَنْفَد) بالياء على التذكير لتقديم الفعل، والباقون: بالتاء على التأنيث (٢)
стр. 1912
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ بمثل ماء البحر ﴿مَدَدًا﴾ زيادة عليه، لينفد أيضًا، ولم تنفد (١) كلماته تعالى، ونصبه تمييز.
...
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [ الكهف: ١١٠].
[١١٠] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ آدمي ﴿مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ منزه عما لا يليق به، وكان كفرهم بعبادة الأصنام، فلذلك خصص هذا الفعل فيما أوحي إليه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يأمل حسن لقائه.
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ خالصًا ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ لا يرائي بعمله.
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، قال للنبي ﷺ : إني أعمل العمل لله تعالى، فإذا اطلع عليه، سرني، فقال النبي ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولا يقبل ما شورك فيه"، فنزلت (٢).
وعنه ﵇: "اتقوا الشِّركَ الأصغرَ"، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" (٣).
стр. 1913
وقال ﷺ : "من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة الكهف، عُصِمَ من فتنة الدجال" (١).
وعنه ﷺ : "من قرأ سورةَ الكهف، فهو معصومٌ ثمانيةَ أيامٍ من كل فتنة، فإن خرج الدجال في الأيام الثمانية، عصمه الله من فتنة الدجال" (٢).
وروي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي، فذكر الدجال، فقال: "آتٍ بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلك؛ وإن من أشد فتنته أن يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعًا، وأعظمه أسنمة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه، ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك، وأحييت لك أخاك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له الشياطين (٣) نحو أبيه وأخيه، قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجته، ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم به، فأخذ بلحمتي الباب، فقال: مهيم أسماء؟ قلت: يا رسول الله! لقد خلعت
стр. 1914
أفئدتنا بذكر الدجال، قال: إن يخرج، فأنا حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن، قالت أسماء: فقلت: يا رسول الله! والله إنا لنعجنن عجيننا، فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس" (١).
ومما ورد في أمر الدجال: ما روي عن الضحاك أنه قال: "الدجال ليس له لحية، وافر الشارب، طول وجهه ذراعان، وقامته في السماء ثمانون ذراعًا، وعرض ما بين منكبيه ثلاثون ذراعًا، ثيابه وخفاه وسرجه ولجامه بالذهب والجوهر، وعلى رأسه تاج مُرصَّع بالذهب والجوهر، هيئته المجوس، وكلامه الفارسية، تطوى له الأرض ولأصحابه طيًّا طيًّا، يطأ مجامعها، ويرد مناهلها إلا المساجد الأربعة: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد الطور" (٢).
وفي الحديث الشريف: أن عينه اليمنى طافية (٣).
стр. 1915
وعن ابن عمر ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكنني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبيٌّ لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور" (١).
وعن خالد بن معدان قال: عصمة المؤمنين من المسيح الدجال بيت المقدس (٢).
وعن ربيعة بن يزيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزالون تقاتلون الكفار حتى تقاتل بقيتكم جنود الدجال ببطن الأردن، بينكم النهر، أنتم غربيه، وهم شرقيه"، قال ربيعة: فقال المحدث من أصحاب رسول الله ﷺ : فما سمعت بنهر الأردن إلا من رسول الله ﷺ (٣).
والأردن هو نهر الشريعة المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ
стр. 1916
مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وهو شرقي بيت المقدس، ومسافته عنه نحو يوم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفًا عليهم التيجان" (١).
ويرويه أبو أمامةَ عن رسول الله ﷺ قال: "ومع الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذو تاج وسيف مُحَلَّى" (٢).
وروي أن نبي الله عيسى ﷺ يأخذ من حجارة بيت المقدس ثلاثة أحجار: الأول منها يقول: باسم إله إبراهيم، والثاني: باسم إله إسحاق، والثالث باسم إله يعقوب، ثم يخرج بمن تبعه من المسلمين إلى الدجال، فإذا رآه، انهزم عنه، فيدركه عند باب لُدّ، فيرميه بأول حجر، فيضعه بين عينيه، ثم الثاني، ثم الثالث، فيقع، فيضربه عيسى فيقتله، فيقتل الدجال واليهود، حتى إن الحجر والشجر ليقولان: يا مؤمن هذا تحتي يهودي، فأته فاقتله (٣).
стр. 1917
قال ﷺ : "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم إمامًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير" (١).
وأما لُدّ، فهي بليدة بأرض فلسطين شمالي مدينة الرملة، مسافتها عن بيت المقدس نحو يوم، والله أعلم.
...
стр. 1918
سُوْرَةُ مريم ﵍
مكية بإجماع، إلا السجدة منها، ففيها خلاف، وآيها تسع وتسعون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وثمان مئة وحرفان، وكلمها: تسع مئة واثنتان وستون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿كهيعص (١)﴾ [ مريم: ١].
[١] ﴿كهيعص﴾ قرأ أبو عمرو: بإمالة الهاء وفتح الياء، وقرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف: بضم الهاء وإمالة الياء ضد الأول، وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بإمالة الهاء والياء جميعًا، واختلف عن نافع، فروي عنه إمالتها بين بين، وفتحها، والأول أشهر، وفتحها الباقون، وهم أبو جعفر، وابن كثير، ويعقوب، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر يقطع الحروف على أصله، يسكت على كل حرف سكتة يسيرة في جميع أحرف الهجاء من أوائل السور، وأظهرَ دالَ (صاد) عند ذال (ذِكْرُ): نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب، وأدغمها الباقون، وأشبع مدَّ (ع): ورش بخلاف عنه (١)، واختلف في الحروف التي في أوائل السور
стр. 1919
على قولين: فقيل: هي سر الله في القرآن، لا ينبغي أن يتعرض له، نؤمن بظاهره، ونترك باطنه، وقال الجمهور: بل ينبغي أن يتكلم فيها، وتطلب معانيها؛ فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالًا على كلمة، وليس في كتاب الله ما لا يفهم، وتقدم الكلام فيها أول سورة البقرة، قال ابن عباس: (كهيعص): هذه حروف دالة على أسماء من أسماء الله تعالى: (الكاف) من كبير، و (الهاء) من هاد، و (الياء) من علي، و (العين) من عزيز، و (الصاد) من صادق (١)، وقيل: معناه كافٍ لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده.
...
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ [ مريم: ٢].
[٢] ﴿ذِكْرُ﴾ خبر مبتدأ؛ أي: المتلوُّ ذكرُ ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ وفيه تقديم وتأخير، معناه: ذكر ربك عبده زكريا برحمته، و (رحمت) بالتاء في سبعة مواضع، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٢)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (زَكَرِيَّا) مقصورًا بغير همز حيث وقع، والباقون: بالهمز والمد (٣).
...
стр. 1920
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [ مريم: ٣].
[٣] ﴿إِذْ نَادَى﴾ دعا ﴿رَبَّهُ﴾ في محرابه ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ سرًّا جوفَ الليل؛ لأنه أسرع للإجابة. قرأ ابن كثير، وعاصم، وروح عن يعقوب: (زَكَرِيَّاءَ إِذْ) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية (١)، وتقدم ذكر زكريا ووفاته في سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧].
...
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [ مريم: ٤].
[٤] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعف من الكبر.
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ كناية عن عموم الثيب، شبهه بلهب النار، ونصبه على التمييز، تقديره: اشتعل شيبُ رأسي. قرأ أبو عمرو: (الرَّأْس شَيْبًا) بإدغام السين في الشين (٢).
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: عودتني الإجابة فيما مضى، وما أشقيتني قَطُّ بِرَدٍّ.
...
стр. 1921
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ [ مريم: ٥].
[٥] ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ العصبة.
﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: بعدي؛ ألا يقوموا مقامي في الدين، خاف تضييع بني عمه دين الله، وتغيير أحكامه؛ لما شاهد من بني إسرائيل من تبديل الدين، وقتل الأنبياء، فسأل ربه ولدًا صالحًا يأمنه على أمته لئلا يضيع الدين. قرأ ابن كثير: (وَرَائِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١) ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لا تلد.
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أعطني من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ ولدًا.
...
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [ مريم: ٦].
[٦] ﴿يَرِثُنِي﴾ في النبوة والعلم ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الملكَ.
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: راضيًا بقضائك تقيًّا مرضيًّا. قرأ أبو عمرو، والكسائي: (يَرِثْنِي وَيَرِثْ) بجزم الثاء فيهما على جواب الدعاء، والباقون: بالرفع على الحال والصفة؛ أي: وليًّا وارثًا (٢).
...
стр. 1922
﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ [ مريم: ٧].
[٧] ﴿يَازَكَرِيَّا﴾ فيه إضمار؛ أي: فاستجاب الله له دعاءه، فقال، أو: فنودي: (يا زكريا) ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾ بولد ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ سمي به لأنه حيي به الرحم اليائس.
﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم يسم قبله يحيى. قرأ ابن عامر، وعاصم، وروح عن يعقوب: (يَا زَكَرِيَّاءُ إِنَّا) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل واوًا خالصة (١)، وقرأ حمزة: (نَبْشُرُكَ) بفتح النون وجزم الباء وضم الشين مخففة، من البشر، وهو البشرى والبشارة، وقرأ الباقون: بضم النون وفتح الباء وكسر الشين مشددة (٢)؛ من بَشَّرَ المضعف على التكثير، والبشر والتبشير والإبشار لغات فصيحات.
...
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ [ مريم: ٨].
[٨] ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى﴾ أي: كيف، ومن أين ﴿يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، وليس في ما أستحق به ذلك، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لا تلد.
стр. 1923
﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يبسًا، أي: بلغت العتي من أجل الكبر.
قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (عِتِيًّا) بكسر العين، والباقون: بضمها، وهما لغتان (١).
...
﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [ مريم: ٩].
[٩] فثَم ﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما قلتُ لك.
﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ﴾ أي: خلقُ يحيى من كبيرين ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ سهل.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ قرأ حمزة والكسائي: (خَلَقْنَاكَ) بالنون والألف على لفظ الجمع للتعظيم، وقرأ الباقون: بالتاء مضمومة من غير ألف على لفظ التوحيد (٢)، وكلاهما إخبار؛ أي: أوجدناك.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل يحيى ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ بل كنت معدومًا.
...
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [ مريم: ١٠].
[١٠] ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ دلالة على حمل امرأتي. قرأ نافع،
стр. 1924
وأبو جعفر، وأبو عمرو: (لِيَ آية) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ أي: صحيحًا من غير خرس، روي أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس، فإذا أراد (٢) ذكر الله، انطلق لسانه. روي عن يعقوب وقنبل: الوقفُ بالياء على (لَيَالِي).
...
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ [ مريم: ١١].
[١١] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ صبيحة ليلة حمل امرأته.
﴿مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ من المصلَّى، أو من الغرفة، وكان الناس ينتظرونه ليخرج إلى الصلاة، فخرج متغيرًا لونُه، فأنكروه وقالوا: ما لك يا زكريا؟
﴿فَأَوْحَى﴾ أومأ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إشارة بإصبعه ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾ صلوا.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طرفي النهار (٣). قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (المحرابَ) بالإمالة، والباقون: بالفتح (٤).
стр. 1925
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [ مريم: ١٢].
[١٢] ﴿يَايَحْيَى﴾ فيه حذف معناه: يولد له، وقلنا للمولود: يا يحيى ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة بلا اختلاف؛ لأنه ولد قبل عيسى ﵇، ولم يكن الإنجيل عند الناس موجودًا ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ النبوة، وقيل: الفهم للتوراة.
﴿صَبِيًّا﴾ شابًّا لم يبلغ حد الكهول.
وروي أنه نبئ وفهم التوراة وهو ابن ثلاث سنين، وروي أنه قال له الصبيان: لم لا تلعب؟ فقال: أللعبِ خُلِقتُ؟!
...
﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ [ مريم: ١٣].
[١٣] ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رحمة من عندنا، المعنى: رحمة للخلق، ولأبويه ﴿وَزَكَاةً﴾ تطهيرًا وبركة وصدقة تصدق الله بها على أبويه وأهل زمانه.
﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مطيعًا، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة، ولا هَمَّ بها.
...
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [ مريم: ١٤].
[١٤] ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: جعلناه محسنًا إليهما، مشفقًا عليهما.
﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ متكبرًا ﴿عَصِيًّا﴾ لربه.
***
стр. 1926
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [ مريم: ١٥].
[١٥] ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ أي: سلامة له من الشيطان.
﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ إلى الموقف.
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال: يوم ولد فيخرج مما كان، ويوم يموت (١) فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله، فخص يحيى بالسلامة في هذه المواطن (٢).
...
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ [ مريم: ١٦].
[١٦] ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي: القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ يعني: قصتها، وهذا ابتداء قصته ليست من الأولى.
﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي: اعتزلتهم ناحية ﴿مَكانًا﴾ ظرف ﴿شَرقِيًّا﴾ نعته؛ أي: نحو المشرق في بيت المقدس، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة.
...
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧].
стр. 1927
[١٧] ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ سترًا تستتر به؛ لتخلو للعبادة، وقيل: لتغتسل من الحيض، وقد تقدم في تفسير سورة آل عمران أنها كانت لا تحيض.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني: جبريل ﵇.
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أتاها جبريل ﵇ متمثلًا بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (فَتَمَثَّل لهَا) بإدغام اللام الأولى في الثانية (١).
...
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [ مريم: ١٨].
[١٨] فلما رأته يقصد نحوها ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ مطيعًا؛ أي: إن اتقيت، فستنتهي لتعوذي. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنِّيْ أَعُوذُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ [ مريم: ١٩].
[١٩] ﴿قَالَ﴾ لها جبريل: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ﴾ قرأ
стр. 1928
أبو عمرو، ويعقوب، وورش عن نافع (لِيَهَبَ) بالياء بعد اللام؛ أي: ليهب لك ربك، وقرأ الباقون بخلاف عن قالون: (لِأهَبَ) بهمزة بين اللام والهاء (١)، وأخبر جبريل عن نفسه؛ لأنه الواهب بأمر ربه، ورسمها (لأهب) ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ ولدًا طاهرًا لا يقارف ذنبًا.
...
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ [ مريم: ٢٠].
[٢٠] ﴿قَالَتْ﴾ مريم: ﴿أَنَّى﴾ من أين ﴿يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ولم يقربني زوج ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ زانية تبغي الرجال، تلخيصه: إنما يكون الولد من نكاح أو سفاح، وليسا عندي، ولا أحدهما.
...
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ [ مريم: ٢١].
[٢١] فثَمَّ ﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿كَذَلِكِ﴾ أي: كما قلتُ لك.
﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ﴾ أي: خلقُ ولدٍ بلا أب ﴿عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ سهل.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ علامة ﴿لِلنَّاسِ﴾ ودلالة على قدرتنا ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن آمن به؛ لأنه سبب الرحمة.
﴿وَكَانَ﴾ ذلك ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مقدرًا لا يرد.
стр. 1929
قال ابن عباس: أنست به، فنفخ في جيب درعها، فَسَرتِ النفخةُ بإذن الله تعالى (١).
...
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ [ مريم: ٢٢].
[٢٢] ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: حملت عيسى في بطنها.
﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: انفردت وهو في بطنها.
﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ بعيدًا من أهلها وراء الجبل بوادي بيت لحم قبل بيت المقدس، بينهما أربعة أميال؛ فرارًا من قومها أن يُعيِّروها بولادتها من غير زوج، وكانت مدة الحمل ساعة واحدة في قول ابن عباس، وقيل غير ذلك، وكان سنها ثلاث عشرة سنة، وقد ورد في حديث المعراج الشريف أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ حين أسري به: "انزلْ فصلِّ، فنزل فصلى، قال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇" (٢)، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يبعث بزيت يسرج في بيت لحم حيث ولد عيسى ﵇.
...
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٣].
стр. 1930
[٢٣] ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ وهو تحرك الولد للخروج وألم الولادة حتى ذهبت.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وكانت يابسة في الصحراء في شدة الشتاء، التجأت إليها؛ لتستند إليها، وتتمسك بها؛ إذ لم تكن لها قابلة تعينها، أو (١) لئلا يراها أحد.
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ تمنت الموت استحياء من الناس، ومخافة لومهم. قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِتُّ) بكسر الميم، والباقون: بضمها (٢).
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ قرأ حمزة، وحفص عن عاصم: (نَسْيًا) بفتح النون، والباقون: بكسرها (٣)، ومعناهما: حقيرًا.
﴿مَنْسِيًّا﴾ إذا أُلقي نسي، ولم يلتفت إليه.
...
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ [ مريم: ٢٤].
[٢٤] ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، وروح عن يعقوب: (مِنْ) بكسر الميم