﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يوم القيامة ﴿عَبْدًا﴾ ذليلًا خاضعًا.
واستدل بعض العلماء على أن الولد يعتق على والده إذا ملكه بأي وجه من وجوه الملك، وأن الولد لا يكون عبدًا بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، وقد اتفق الأئمة على أن من ملك والديه، وإن علوا، وأولاده، وإن سفلوا، فإنهم يعتقون عليه بملكه لهم، وأن ولاءهم له، واختلفوا فيما عدا الوالدين، والمولودين فقال أبو حنيفة وأحمد: كل ذي رحم محرم منه إذا ملكه، عتق عليه، وله ولاؤه، وقال مالك في المشهور عنه: يعتق عليه الوالدون والمولودون من علو وسفل، والإخوة والأخوات من كل جهة فقط دون أولادهم، وقال الشافعي: لا يعتق إلا عمود النسب من عُلْو وسُفْل فقط.
...
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [ مريم: ٩٤].
[٩٤] ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ عَلِمَهم كلَّهم، فلا يخفى عليه أحد.
...
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [ مريم: ٩٥].
[٩٥] ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ وحيدًا من ماله وولده، والكل اسم لجملة مرعية عن أجزاء محصورة، وكلمة (كل) عام تقتضي عموم الأسماء والإحاطة على سبيل الانفراد، وكلمة (كما) تقتضي عموم الأفعال.
***
سورة طه ﵇ (١)
[مكية، وآيها مئة وخمس وثلاثون آية] (٢)، وحروفها: خمسة آلاف ومئتان واثنان وأربعون حرفًا، وكلمها ألف وثلاث مئة وإحدى وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طه (١)﴾ [طه: ١].
[١] ﴿طه﴾ قرأ أبو عمرو، وورش بخلاف عنه: بفتح الطاء وإمالة الهاء، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بإمالتهما جميعًا، وقرأ الباقون: بفتحهما (٣)، وأبو جعفر: بتقطيع الحروف على أصله (٤)، ولم يُمِل أحد الطاء مع فتح الهاء، و (طه) اسم من أسماء محمد ﷺ ، وقيل: معناه بالسريانية: يا رجل، وقيل: هو قسم أقسم الله
стр. 1964
بطَوْله وهدايته، وقيل: هو أمر من الوطء، والهاء كناية عن الأرض؛ أي: اعتمد على الأرض بقدميك.
...
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [ طه: ٢].
[٢] ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ أي: لم ننزله عليك لتتعب به.
نزلت لما أطال رسول الله ﷺ القيام في الصلاة وبالغ فيه حتى قام على إحدى رجليه بعد نزول القرآن، فأمره الله أن يخفف على نفسه؛ شفقة عليه، وإكرامًا له (١). أمالَ رؤوسَ آي هذه السورة: ورش عن نافع، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف (٢).
...
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [ طه: ٣].
[٣] ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن نزلناه عظة وتذكيرًا بالأحكام.
﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ اللهَ تعالى.
...
﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ [ طه: ٤].
[٤] ﴿تَنْزِيلًا﴾ بدل من قوله: (تَذْكِرَةً).
стр. 1965
﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ صفة أقامها مقام الموصوف، والعلى: جمع العليا.
...
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [ طه: ٥].
[٥] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع بالابتداء ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ استواء يليق بعظمته بلا كيف، وهذا من متشابه القرآن، نؤمن به، ولا نتعرض لمعناه، وقال الإمام مالك بن أنس ﵁ لرجل مسألة عن الاستواء، فقال له مالك: "الاستواء معلوم -يعني: في اللغة-، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني"، فأدبر الرجل وهو يقول: يا أبا عبد الله لقد سألت فيها أهل العراق وأهل الشام، فما وفق فيها أحد توفيقك (١).
وسئل الإمام أحمد بن حنبل ﵁ عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: "هو كما أخبر، لا كما يخطر للبشر".
وتقدم الكلام على ذلك مستوفىً (٢) في سورة الأعراف.
...
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ [ طه: ٦].
[٦] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من جميع المخلوقات.
стр. 1966
﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ التراب الندِيّ تحت الظاهر.
...
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [ طه: ٧].
[٧] ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ ترفع صوتك به.
﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ما أسره لغيره.
﴿وَأَخْفَى﴾ هو ما أسر في نفسه.
...
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [ طه: ٨].
[٨] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وَحَّدَ نفسه سبحانه.
﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ يريد: التسميات التي تضمنت المعاني التي هي في غاية الحسن، وتقدم ذكر الأسماء الحسنى، والكلام عليها في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
...
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ [ طه: ٩].
[٩] ﴿وَهَلْ﴾ أي: وقد ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ استفهام بمعنى التقرير.
...
﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ [ طه: ١٠].
[١٠] ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان بخلاف عن هشام وأبي بكر: (رَأَى) بإمالة الراء تبعًا للهمزة، وأمال
стр. 1967
أبو عمرو الهمزة فقط (١)، وملخص القصة: أن موسى استأذن شعيبًا ﵉ في الخروج بزوجته، فأذن له، فخرج بها سائرًا على غير الطريق غيرة نحو الطور الأيمن الغربي في ليلة شاتية باردة، فأخذ امرأتَه الطلقُ، فقدح زنده مرارًا فلم يورِ، فأبصر نارًا من بعيد.
﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أقيموا. قرأ حمزة (لِأهْلِهُ امْكُثُوا) بضم الهاء في الوصل، والباقون: بكسرها فيه (٢).
﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرت ﴿نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ بشعلة نار في طرف عود أو فتيلة. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (إِنِّيْ آنَسْتُ)، و (لَعَلِّيْ آتِيكُمْ) بإسكان الياء فيهما، وافقهم ابن عامر في الأول، والباقون: بفتح الياء فيهما (٣)، ولم يقل: (آتيكم) بلا (لعلي)؛ لأنه لم يكن متيقنًا الوفاء بالوعد ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ أي: هاديًا يدلني على الطريق.
...
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١)﴾ [ طه: ١١].
[١١] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ رأى شجرة خضراء من العَوْسَج من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد، وسمع (٤) تسبيح الملائكة، وأُلقيت عليه السكينة، فثَمَّ ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾.
стр. 1968
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [ طه: ١٢].
[١٢] ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (أَنِّي) بفتح الهمزة؛ أي: بأني، وأبو عمرو: يدغم الياء في الياء في قوله (نُودِي يَّا مُوسَى)، والباقون: بكسرها؛ أي: نودي موسى، فقيل إني (١)، فنافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: يفتحون الياء، والباقون: يسكنونها، روي أنه لما سمع هذا النداء، فقال: من المتكلم؟ فقال تعالى: (أَنَا رَبُّك).
﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أي: ألقهما؛ لأنهما كانا من جلد حمار ميت.
﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ المطهر. وقف يعقوب: (بِالْوَادِي) بإثبات الياء (٢) ﴿طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما، ورأى الوادي. قرأ الكوفيون، وابن عامر: (طُوًى) بالتنوين، على أنه اسم الوادي، وقرأ الباقون: بغير تنوين، على أنه اسم البقعة، واتفقوا على ضم الطاء (٣).
وعن ابن عباس: "قيل له: (طوى)؛ لأن موسى طواه بالليل إذ مر به، فارتفع إلى أعلى الوادي" (٤)، فهو مصدر عمل فيه ما ليس من لفظه؛ كأنه قال: إنك بالواد الذي طويته طوى؛ أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
стр. 1969
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [ طه: ١٣].
[١٣] ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قرأ حمزة: (وَأَنَّا) بتشديد النون (اخْتَرْنَاكَ) بالنون مفتوحة وألف بعدها على الخبر عن نفسه، بلفظ الجمع في الكلمتين؛ تعظيمًا لله تعالى، وقرأ الباقون: (وَأَنَا) بتخفيف النون (اخْتَرْتُكَ) بتاء مضمومة من غير ألف (١)، على لفظ الواحد فيهما على الخبر عن نفسه في اللفظ، ومعناه: إني اصطفيتك برسالاتي ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ إليك.
...
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [ طه: ١٤].
[١٤] ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنَّنِيْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ لعبادتي؛ لأن الصلاة مشتملة على قراءة، والقراءة مشتملة على أذكار. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (لِذِكْرِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣).
...
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [ طه: ١٥].
[١٥] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ القيامة ﴿آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أُسِرُّها، ولا أقول:
стр. 1970
هي آتية؛ أي: أسترها عن العباد، ولا أذكرها لهم؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى قيامها، كانوا على وَجَلٍ منها في كل وقت ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ بعملها من خير وشر.
...
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [ طه: ١٦].
[١٦] ثم نهى تعالى موسى ﷺ ، والمراد: غيره بقوله: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ أي: عن الإيمان بها ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ من الكفار.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في عبادة غير الله ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك إن انصددت عنها.
...
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [ طه: ١٧].
[١٧] ﴿وَمَا تِلْكَ﴾ أي: وما التي ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في يدك اليمنى ﴿يَامُوسَى﴾ سؤال تقرير، والحكمة فيه تنبيهه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية، علم أنه معجز عظيم، وهذا على عادة العرب، يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا، وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه.
ويروى أن (١) عصا موسى هي التي هبط بها آدم من الجنة، وأنها من ورق آس من أحد الخطوط المستطيلة في وسط الورقة، وأن طولها اثنا عشر ذراعًا بذراع موسى ﵇، وكانت العصا شعبتين، وفي أسفلها سنان، ولها محجن.
стр. 1971
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾ [ طه: ١٨].
[١٨] ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ فقيل: ما تصنع بها؟ قال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أعتمد عليها عند الوثبة، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ أي: أضرب بها الأغصان ليسقط ورقها، فترعاه الغنم، (وَأَهُسُّ) بالمهملة: أزجر بها (١)، والتلاوة بالأول.
﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ﴾ جمع مأربة -بضم الراء وفتحها-؛ أي: حوائج ﴿أُخْرَى﴾ على تأنيث الجمع في المعنى، وأراد بالمآرب: ما يستعمل فيه العصا في السفر، فكان يحمل بها الزاد، ويشد بها الحبل فيستقي الماء من البئر، ويحارب بها السباع، وتماشيه وتحدثه، ويركزها فتورق، وتحمل أي ثمرة أحب له (٢)، وتضيء له شعبتاها (٣) في الليل كشمعتين، وتطرد عنه الهوام، وغير ذلك (٤). قرأ ورش، وحفص: (وَلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٥).
стр. 1972
﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩)﴾ [ طه: ١٩].
[١٩] ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ انبذها.
...
﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ [ طه: ٢٠].
[٢٠] قال وهب: ظن موسى أنه يقول: ارفضها، ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ على وجه الرفض (١)، ثم حانت منه نظرة، ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ عظيمة ﴿تَسْعَى﴾ تمشي مسرعة على بطنها، قال هنا: (حَيَّة)، وفي غيره (جَانّ)، وهو الخفيف من الحيات، و (ثعبان)، وهو عظيمها؛ لأن الحية تعم الذكر والأنثى، والصغير والكبير.
...
﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ [ طه: ٢١].
[٢١] فلما رآها لا تمر بحجر إلا ابتلعته، ولا شجر إلا اقتلعته، ويُسمع لأنيابها صريف شديد، ولى مدبرًا وهرب، ثم ذكر ربه، فوقف استحياء منه، ثم نودي: أن يا موسى! أقبل، ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿خُذْهَا﴾ بيمينك.
﴿وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ أي: سنردها عصا كما كانت، فأدخل موسى يده في كمه ليأخذها، فسمع النداء: أرأيت لو أذن لها أن تضربك كان يغنيك؟! فكشف يده وأدخلها في فيها؛ فإذا هي عصا كما
стр. 1973
كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ، وأري ذلك موسى عند المخاطبة؛ لئلا يجزع إذا انقلبت حية لدى فرعون.
...
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢)﴾ [ طه: ٢٢].
[٢٢] ثم نبه على آية أخرى فقال: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ أي: اجمعها إلى جيبك ما بين أسفل العضد إلى الإبط، وأصله من جناح الطير؛ لأنه يجنح به؛ أي: يميل، فكأن الإنسان يجنح بجانبيه عند العطفات والالتفات، المعنى: أدخلها تحت عضدك.
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص، فكان ليده نور ساطع يضيء كضوء الشمس والقمر.
﴿آيَةً أُخْرَى﴾ دلالة على صدقك.
...
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾ [ طه: ٢٣].
[٢٣] ﴿لِنُرِيَكَ﴾ المعنى: فعلنا ذلك لنريك.
﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ الآية ﴿الْكُبْرَى﴾ العظمى (١)، وكانت يده أكبر آياته.
...
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ [ طه: ٢٤].
[٢٤] ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ترفَّع وعلا وتجاوز الحد في الكفر.
...
стр. 1974
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ [ طه: ٢٥].
[٢٥] ﴿قَالَ﴾ موسى:
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وسِّعه لتحمل الحق والمشاق، ورديء أخلاق فرعون وجنده.
...
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ [ طه: ٢٦].
[٢٦] ﴿وَيَسِّرْ﴾ سَهِّل ﴿لِي أَمْرِي﴾ لأبلِّغ الرسالة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ [ طه: ٢٧].
[٢٧] ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً﴾ رثة ﴿مِنْ لِسَانِي﴾ حدثت بسبب إلقائي الجمرة في فيَّ، وذلك أن موسى في صغره لطم فرعون لطمة عظيمة، وأخذ بلحيته، فأراد قتله، فقالت آسية؛ أيها الملك! إنه صغير لا يعقل، جرِّبْه إن شئت، فجعل في طست جمرًا، وفي آخر جوهرًا، ووضعتهما لدى موسى، فأراد أخذ الجوهر، فأخذ جبريل يده ووضعها على الجمر، فأخذ جمرة ووضعها في فيه، فاحترق، فصار بلسانه لُكْنة منها (٢).
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [ طه: ٣٢].
[٣٢] ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ الذي حَمَّلْتني. قرأ ابن عامر، وأبو جعفر بخلاف عن الثاني: (أَخِي أَشْدُدْ) بفتح الألف في الوصل والقطع، (وأُشْرِكْه): بضم الألف، وسكَّنا الياء من (أَخِيْ)، فهما خبر من موسى (١)، فـ (أَشْدُدْ) جزم جواب الطلب كجواب الشرط، (وأُشْرِكْهُ) عطف عليه، المعنى: أعتضد به أنا، وأجعله أنا شريكي، وقرأ الباقون: بوصل همزة (اشدد)، وتبتدأ (٢) بالضم، وبفتح همزة (أَشْرِكْهُ) دعاء من موسى، المعنى: افعل أنت اللهم ذلك به، وفتحَ الياء من (أَخِيَ): أبو عمرو، وابن كثير، وسكَّنها الباقون، وهم: نافع، والكوفيون، ويعقوب (٣)، وقرأ ابن كثير: (وَأَشْرِكْهُو فِي أَمْرِي) بإشباع الهاء ووصلها بواو في الدرج، والباقون باختلاس ضمتها (٤).
...
стр. 1977
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣)﴾ [ طه: ٣٣].
[٣٣] ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ تسبيحًا ﴿كَثِيرًا﴾.
...
﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾ [ طه: ٣٤].
[٣٤] ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ ذكرًا ﴿كَثِيرًا﴾ فإن التعاون يهيج الرغبات، ويؤدي إلى تزايد الخير.
...
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ [ طه: ٣٥].
[٣٥] ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ تعلم أحوالنا. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (نُسَبِّحَك كَّثيرًا وَنَذْكُرَك كَّثيرًا إِنَّك كُّنْتَ) بإدغام الكاف في الكاف من الأحرف الثلاثة (١).
...
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ [ طه: ٣٦].
[٣٦] ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ طِلْبتك.
﴿يَمُوسَىَ﴾ مِنَّةً عليك.
...
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ [ طه: ٣٧].
[٣٧] ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ قبل هذه المرة.
стр. 1978
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨)﴾ [ طه: ٣٨].
[٣٨] ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ ألهمناها ﴿مَا يُوحَى﴾ ما يُلْهَم.
...
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [ طه: ٣٩].
[٣٩] ثم فسر الإلهام فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ اجعليه ﴿فِي التَّابُوتِ﴾ فأخذت قطنًا محلوجًا، ووضعته في التابوت، وألقت موسى فيه، وشدت عليه وأحكمته؛ لئلا يصل إليه الماء، وكان يدخل من النيل نهر إلى دار فرعون ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ بحر النيل.
﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ أي: الجانب، وسمي ساحلًا؛ لأن الماء يسحله؛ أي: يقشره.
﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ وهو فرعون، وهذا إخبار لأم موسى بصيغة الأمر لليم، فألقته فيه، فدخل دار فرعون، فبصر به، فأمر بإخراجه، فأُخرج، وفتحوا التابوت، فإذا فيه صبي أحسن الناس وجهًا، فأخذه فرعون وأحبه هو وآسيا حبًّا شديدًا؛ بحيث لا يصبران عنه، يصدق ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال ابن عباس: "أحبه وحببه إلى الناس" (١)، والواو بعد عاطفة على محذوف تقديره: ألقيت عليك محبة لتحب.
стр. 1979
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ لتربى على حفظي ورعايتي. قرأ أبو جعفر: (وَلْتُصْنَعْ) بإسكان اللام وجزم العين، فيجب له إدغامها، وقرأ الباقون: بكسر اللام ونصب العين (١)، وأبو عمرو ورويس: يدغمان العين في العين على أصلهما في إدغام المتماثلين، وفتح نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو الياء من (عَيْنِيَ)، وسكنها الباقون (٢).
...
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾ [ طه: ٤٠].
[٤٠] ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ ظرف (لتصنع)؛ لأن أخته مريم خرجت متعرفة خبره، فجاءتهم، وكان لا يقبل ثدي مرضعة ﴿فَتَقُولُ﴾ أي: فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ أي: امرأة تحضنه وترضعه ويقبل ثديها؟ قالوا: نعم، من هي؟ قالت: أمي، قالوا: لها لبن؟ قالت: نعم لبن أخي هارون، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، فجاءت بالابن (٣)، فقبل ثديها.
فذلك قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائك ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ ليزول حزنها ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ هو القبطي، فاغتممت خوفًا من الله تعالى
стр. 1980
﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ بأن غفر لك، وأُنجيت من فرعون.
﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ مصدر؛ أي: اختبرناك اختبارًا بإيقاعك في المحن، وتخليصك منها ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ عند شعيب، قال وهب: لبث عنده ثمانيًا وعشرين سنة: عشر مهر ابنته، وأقام عنده ثماني عشرة سنة حتى ولد له. وتقدم اختلاف القراء في الإدغام والإظهار من (لَبِثْتَ) في سورة الكهف [الآية: ١٩]، ومدين: بين مصر ومكة، مسافتها عن مصر نحو اثني عشر يومًا، وهي منزلة للحجاج، تعرف في هذه الأزمنة بمغارة شعيب، تقدم ذكرها في سورة الأعراف.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ موعد مقدر في علمي ﴿يَامُوسَى﴾ أنك تجيء، وأستنبئك فيه، وكان مجيؤه على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.
...
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [ طه: ٤١].
[٤١] ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ أي: اصطفيتك ﴿لِنَفْسِي﴾ بأن جعلتك نبيًّا.
...
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ [ طه: ٤٢].
[٤٢] ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ هارون إلى الناس ﴿بِآيَاتِي﴾ التسع.
﴿وَلَا تَنِيَا﴾ تفتُرا.
﴿فِي ذِكْرِي﴾ التسبيح والتقديس والالتجاء إلي.
***
стр. 1981
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾ [ طه: ٤٣].
[٤٣] ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ بإدعائه الربوبية. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (لِنَفْسِيَ اذْهَبْ) (ذِكَرِيَ اذْهَبَا) بفتح الياء فيهما، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [ طه: ٤٤].
[٤٤] ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ سهلًا، أي: ارفقا به، ولا تعنِّفاه، وكَنِّياه، لما له من حق التربية، وكان يكنى بأبي مصعب.
﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ الله، فيسلم، قالوا: تذكر فرعون وخشي، وروي أنه أحب اتباع موسى، فشاور هامان، فقال: كنت أرى لك رأيًا وعقلًا، أنت الآن ربٌّ تريد أن تكون مربوبًا؟! وأنت منا الآن تُعبد، تريد الآن أن تَعبد؟! فقلبه عن رأيه (٢).
...
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾ [ طه: ٤٥].
[٤٥] وكان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي بهارون، وأوحي إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما أوحي إليه.
стр. 1982
﴿قَالَا﴾ يعني: موسى وهارون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ يعجل عقوبتنا ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يجاوز الحد في الإساءة إلينا.
...
﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [ طه: ٤٦].
[٤٦] ﴿قَالَ﴾ الله: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ بعوني.
﴿أَسْمَعُ﴾ ما يقول ﴿وَأَرَى﴾ ما يصدر منه.
...
﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ [ طه: ٤٧].
[٤٧] ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا﴾ فأتياه فقالا (١): ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ أرسلَنا إليك.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى الشام ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بأشغالك الشاقة.
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ حجة على صدقنا ﴿مِّن رَّبِّكَ﴾ لأن الرسالة لا تثبت إلا بحجة ظاهرة، قال فرعون: وما هي؟! فأخرج موسى يده لها شعاع كشعاع الشمس، ﴿وَالسَّلَامُ﴾ المنجِّي من سخط الله تعالى.
﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ التوحيد.
...
﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [ طه: ٤٨].
[٤٨] ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ بما جئنا به.
﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض عنه.
стр. 1983
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ [ طه: ٤٩].
[٤٩] ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ خاطبهما أولًا، ثم خص موسى بالنداء؛ لأنه الأصل، وهارون تابعه.
...
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [ طه: ٥٠].
[٥٠] ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ﴿ثُمَ هَدَى﴾ أي: عَرَّفَ كيف يُرتفق بما أعطى.
...
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ [ طه: ٥١].
[٥١] ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ سؤال عن حال الأمم الماضية.
...
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [ طه: ٥٢].
[٥٢] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿عِلْمُهَا﴾ محفوظ.
﴿عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ اللوح المحفوظ.
﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أي: لا يخطئ ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ شيئًا، فلا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا من وَحَّده حتى يجازيَه.
***
стр. 1984
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ [ طه: ٥٣].
[٥٣] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ قرأ الكوفيون: (مَهْدًا) بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف، مصدر وصف به، أي: كالمهد يتمهدونها، وقرأ الباقون: (مِهَادًا) بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها (١)، وهو اسم ما يمهد كالفراش، المعنى: وَطَّأَ لكم الأرض لتسكنوها.
﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: جعل لكم فيها طرقًا لتسلكوها.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطر، ثم الإخبار عن موسى ﵇، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله:
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ مختلفة النفع والطعم واللون، جمع شتيت؛ كمرضى جمع مريض.
...
﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ [ طه: ٥٤].
[٥٤] ﴿كُلُوا﴾ من النبات ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أسيموها فيه؛ أي: أخرجنا مبيحين لكم الأكل ورعي الدواب.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ لذوي العقول جمع نهية؛ لأنها تنهى صاحبها عن القبيح.
...
стр. 1985
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [ طه: ٥٥].
[٥٥] ثم عرفهم أن الأرض أصلهم ومصيرهم، فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ لأنكم من آدم، وآدم من التراب ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ مقبورين بعد الموت ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ عند البعث ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.
...
﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾ [ طه: ٥٦].
[٥٦] ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ يعني: فرعون ﴿كُلَّهَا﴾ يعني: الآيات التسع، ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها ﴿وَأَبَى﴾ الإسلام.
...
﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)﴾ [ طه: ٥٧].
[٥٧] ﴿قَالَ﴾ يعني: فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾ هذا تعلل وتحير، ودليل على أنه علم كونه محقًا حتى خاف منه على ملكه؛ فإن ساحرًا لا يقدر أن يخرج ملكًا مثله من أرضه.
...
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ [ طه: ٥٨].
[٥٨] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ أي: بسحر يماثله ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: فاضرب بيننا وبينك ميقاتًا، والموعد بمعنى: الوعد؛ لقوله:
стр. 1986
﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ لا نجاوزه ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ فإن الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان. قرأ أبو جعفر (نُخْلِفْهُ) بإسكان الفاء جزمًا جواب الأمر، فتمتنع الصلة، وقرأ الباقون: بالرفع والصلة (١).
﴿مَكَانًا سُوًى﴾ يعني وسطًا بين الموضعين؛ أي: نتواعد مكانًا، فتستوي مسافته على الفريقين. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، ويعقوب، وخلف: (سُوًى): بضم السين، والباقون: بكسرها، وهما لغتان (٢)، وروي عن أبي بكر إمالة (سُوًى) حالة الوقف؛ وفاقًا لمن قرأ بالإمالة، وروي عنه الفتح أيضًا (٣).
...
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ [ طه: ٥٩].
[٥٩] ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ عيد كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة.
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ أن يُجمع ﴿النَّاسُ ضُحًى﴾ ضحوةً نهارًا؛ ليكون أبعد من الريبة، وأبينَ لكشف الحق.
...
стр. 1987
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ [ طه: ٦٠].
[٦٠] ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ مكره وسحرته، وكانوا اثنين وسبعين، وقيل: أكثر من ذلك، وحضر أهل دولته، وجاء موسى ﵇ ببني إسرائيل معه.
﴿ثُمَّ أَتَى﴾ الموعد.
...
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾ [ طه: ٦١].
[٦١] ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ يعني: للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ وهذه مخاطبة محذور، وندبهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، ولا يباهتوا بكذب.
فقال: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أي: يهلككم ﴿بِعَذَابٍ﴾ عظيم. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (فَيُسْحِتكمْ) بضم الياء وكسر الحاء، والباقون: بفتحهما، ومعناهما واحد (١).
﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ على الله تعالى. قرأ حمزة (خَابَ) بالإمالة حيث وقع، واختلف عن ابن ذكوان (٢).
стр. 1988
﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢)﴾ [ طه: ٦٢].
[٦٢] ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: السحرة تناظروا في أمر موسى، وقالوا: إن كان ساحرًا، سنغلبه، وإن كان (١) ما يأتي به من السماء، فله أمره.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أخفوا كلامهم من فرعون.
...
﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾ [ طه: ٦٣].
[٦٣] ﴿قَالُوا﴾ تفسير لـ ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾:
﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ يعني: موسى وهارون. قرأ أبو عمرو: (إِنَّ) بتشديد النون (هَذَيْنِ) بالياء على الأصل، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: (إِنْ) بتخفيف النون (هَذَانِ) بالألف، فابن كثير يشدد النون من (هَذَانِّ)، وحفص يخففها؛ أي: ما هذان إلا ساحران؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]، أي: ما نظنك إلا من الكاذبين، وقرأ الباقون: (إِنَّ) بتشديد النون كأبي عمرو، و (هَذَانِ) بالألف وتخفيف النون من (هَذَانِ) كحفص، فيكون (إِنَّ) بمعنى: نعم، و (هَذَانِ) مبتدأ، و (سَاحِرَانِ) خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة، تقديره: هذان لهما ساحران، أو (هذان) مبتدأ، (ساحران) خبره، واللام زائدة (٢)، قال
стр. 1989
الكواشي: والقراءة بتشديد (إِنَّ) ونصب (هَذَيْنِ) زعموا أنها مخالفة لخط المصحف، وزعم بعضهم أنما حمله على ذلك خشية اللحن، وهذا طعن في عدالة أبي عمرو وعلمه؛ لأنه هو الذي قرأها؛ لأن هذا يشعر أنه قرأها من تلقاء نفسه، لم يأخذها متواترة عن النبي ﷺ ، وأنه غير عالم بتعليل (إِنَّ هَذَانِ) بالرفع وتشديد (إِنَّ)، وكيف يجوز اعتقاد مثل هذا بمن شهد له بالعدالة والبراعة في علم العربية، حتى زعموا أنه قال: إني لأستحي من الله أن أقرأ: (إِنَّ هَذَانِ) يعنون: بالرفع وتشديد (إِنَّ)، وكيف يجوز أن يعتقد بأحد من المسلمين أنه يستحيي من قراءة ما صح وتواتر عن النبي ﷺ ، مع أن أبا عمرو وغيره من الأئمة كانوا ينشدون ويسمعون الأشعار المنحولة والغريبة، ولا يؤخذ ذلك عليهم، انتهى.
﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ مصر ﴿بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ بدينكم وشريعتكم ﴿الْمُثْلَى﴾ تأنيث الأمثل، وهو الأعدل.
...
﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾ [ طه: ٦٤].
[٦٤] ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (فَاجْمَعُوا) بوصل الهمزة وفتح الميم من جَمَع: لمّ؛ أي: لا تتركوا منه شيئًا. وقرأ الباقون: بالقطع وكسر الميم (١)؛ من أجمع: أحكم؛ أي: أحكموا ما تكيدون به موسى، واعزموا كلكم على كيده مجتمعين له، ولا تختلفوا فينحل أمركم.
стр. 1990
﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين؛ ليكون أهيب في صدور الناس، فجاؤوه في سبعين صفًا، كل صف ألف، فثَمَّ رغبهم فرعون في غلب موسى بما هو اعتراض فقال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ﴾ فاز بالمطلوب ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾ غلب.
...
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾ [ طه: ٦٥].
[٦٥] ﴿قَالُوا﴾ يعني: السحرة تأدبًا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾.
...
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [ طه: ٦٦].
[٦٦] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ ما معكم؛ احتقارًا لهم، وليظهر الحق من الباطل، فألقوه.
﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ جمع العصا ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر، وروح عن يعقوب: (تُخَيَّلُ) بالتاء مضمومة على التأنيث مع فتح الياء لتأنيث جماعة الحبال والعصي، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير (١)، ردوه إلى الكيد أو السحر.
стр. 1991
﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ روي أنهم ألقوا حبالهم وعصيهم، ولطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس، اضطربت، فخيل إليه وإلى الناس أنها تسير وتتحرك، وكانت قد أخذت ميلًا من كل جانب.
...
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ [ طه: ٦٧].
[٦٧] ﴿فَأَوْجَسَ﴾ أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ظنًّا منه أنها تقصده كعادة البشر.
...
﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾ [ طه: ٦٨].
[٦٨] ﴿قُلْنَا﴾ لموسى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ أي (١): الغالب القاهر لهم.
...
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [ طه: ٦٩].
[٦٩] ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ من العصا ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع ﴿مَا صَنَعُوا﴾ بقدرة الله تعالى. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (تلْقَفُ) برفع الفاء على الحال والاستئناف، وقرأ حفص عن عاصم: بإسكان اللام مع تخفيف القاف والجزم، وقرأ الباقون: بتشديد القاف والجزم جواب (وَأَلْقِ)، فالفاعل موسى، نسب إليه التلقف؛ لأنه كان بسببه، والبزي عن ابن كثير:
стр. 1992
على أصله في تشديد التاء من (تّلَقَّفْ) وصلًا؛ كأنه أراد: تتلقف، فأدغم (١).
﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ﴾ مكر ﴿سَاحِرٍ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سِحْرٍ) بكسر السين [وإسكان الحاء من غير ألف؛ أي: حيلة سحر، وقرأ الباقون: بالألف وفتح السين] (٢) وكسر الحاء، بإضافة الكيد إلى الفاعل، وهي أولى من إضافته إلى الفعل، وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية (٣) ﴿وَلَا يُفلِحُ﴾ لا يسعد ﴿السَّاحِرُ﴾ المراد: الجنس ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ من الأرض.
...
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ [ طه: ٧٠].
[٧٠] فألقى موسى عصاه، فالتقمت ما جاؤوا به، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله ومعجزاته ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ شكرًا لله على الهداية، روي أنهم رأوا الجنة ومنازلهم فيها في سجودهم، ثم رفعوا رؤوسهم.
و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدم هارون؛ لكبر سنه.
...
стр. 1993
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ [ طه: ٧١].
[٧١] ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قرأ حفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب، وقنبل عن ابن كثير بخلاف عنه: (أَمَنْتُمْ) بهمزة واحدة على الخبر، والباقون: بهمزتين على الاستفهام، فحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف، وروح عن يعقوب يقرؤون بتحقيق الهمزتين على الأصل، والباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، ولم يدخل أحد منهم ألفًا بين الهمزة المحققة والمسهلة في هذا المحل؛ كما أدخلها من أدخلها منهم في (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وبابه، لكراهية اجتماع ثلاث ألفات بعد الهمزة (١)، وأبو عمرو يدغم التاء في السين من قوله: (السَّحَرَة سُّجَّدًا) (٢)، ومعنى الكل إنكارة أي: أصدقتم لموسى، وآمنتم بربه من غير أمري إياكم.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ لرئيسكم ومعلمكم.
﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأنتم تواطأتم على ما فعلتم.
﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ اليد اليمنى والرجل اليسرى، و (مِنْ) لابتداء الغاية؛ لأن القطع مبتدأ من مخالفة العضو العضو؛ أي:
стр. 1994
لأقطعنها مختلفات، وابتداء الغاية داخلها (١) بالاتفاق، لا انتهاؤها عند المالكية والشافعية والحنابلة، وعن أبي بكر من أصحاب أحمد: إن كانت الغاية من جنس المحدود كالمرافق، دخلت، وإلا، فلا، وعند الحنفية: إن قامت الغاية بنفسها، لم تدخل؛ كبعتك من هنا إلى هنا، وإن تناوله صدر الكلام، فالغاية لإخراج ما وراءه؛ كالمرافق، والغاية في الخيار، ومنع أبو حنيفة دخول العاشر في قوله: من درهم إلى عشرة ونحوِه، وأدخله صاحباه.
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾ يريد: نفسه وربَّ موسى ﵇ ﴿أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ وأدوم عقابًا.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾ [ طه: ٧٢].
[٧٢] ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ الدلالات على صدق موسى ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ أي: ولن نؤثرك على الله الذي فطرنا، فالواو في قوله: (وَالَّذِي) عاطفة، وقيل هي واو قسم، و (فَطَرَنا) معناه: خلقنا واخترعنا.
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ فافعل يا فرعون ما شئت. روي عن يعقوب وقنبل: الوقف بالياء على (قَاضِي) (٢) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ إنما
стр. 1995
تحكم فينا مدة حياتنا؛ فإن سلطانك في الدنيا، وسيزول عن قريب.
...
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾ [ طه: ٧٣].
[٧٣] ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ ولما رأوا موسى تحرسه عصاه وهو نائم، قالوا: ليس بساحر؛ لأن الساحر يبطل سحره إذا نام، فكرهوا معارضته خوفَ الفضيحة، فأكرههم فرعون على الإتيان بالسحر، فذلك قوله:
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ و (ما) موصولة منصوبة عطف على (خَطَايَانَا) أي: ليغفر خطايانا، والذي أكرهتنا عليه ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ عطاءً منك إذا أُطيع ﴿وَأَبْقَى﴾ عقابًا منك إذا عُصي، وهذا جواب لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ [طه: ٧١].
...
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ [ طه: ٧٤].
[٧٤] ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ أي: يأت موعدَ ربه.
﴿مُجْرِمًا﴾ أي: مشركًا، والمجرم: من اكتسب الخطايا والجرائم.
﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة ينتفع بها.
قالت فرقة: هذه الآية بجملتها هي من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له والبيان فيما فعلوه، وقالت فرقة: بل هي من كلام الله تعالى لمحمد ﷺ ؛ تنبيهًا على قبح مافعل فرعون، وحسنِ ما فعل السحرة، وموعظة وتحذيرًا.
стр. 1996
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [ طه: ٧٥].
[٧٥] ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ أي: مات على الإيمان.
﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في الدنيا.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ هي القرب من الله تعالى. قرأ السوسي عن أبي عمرو: (يَأْتِهْ) بإسكان الهاء، (مُومِنًا) بإسكان الواو بغير همز، وقرأ أبو جعفر، وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر، ورويس عن يعقوب: باختلاس كسرة الهاء، بخلاف عنهم، إلا رويس، وقرأ الباقون: بإشباع الهاء، وكلها لغات (١).
...
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [ طه: ٧٦].
[٧٦] ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: أطاع الله، وأخذ بأزكى الأمور.
...
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [ طه: ٧٧].
[٧٧] ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي: سر بهم ليلًا من أرض مصر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (أَنِ اسْرِ) بوصل الألف، من
стр. 1997
سرى، ويكسرون النون من (أن) للساكنين وصلًا، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة؛ من أسرى، ومعناهما واحد، وهو سير الليل، وحمزة يسكت على الساكن قبل الهمزة (١).
﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: اجعل ﴿لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ بالضرب بالعصا ﴿يَبَسًا﴾ يابسًا، ليس فيه ماء ولا طين، وذلك أن الله أيبس له الطريق في البحر، وتقدم ذكر القصة في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ (٥٠)﴾ [البقرة: ٥٠].
﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ لحاقًا. قرأ حمزة: (لاَ تَخَفْ) بالجزم على النهي، وقرأ الباقون: بالألف والرفع على النفي (٢)؛ لقوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ المعنى: لا تدرَك وأنت آمن.
...
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ [ طه: ٧٨].
[٧٨] ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ فلحقهم ﴿فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ وكان هو فيهم.
﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ فغطاهم ﴿مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ما غرقهم، وهو إبهام أهول من النص.
...
стр. 1998
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ [ طه: ٧٩].
[٧٩] ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ من أول أمره وإلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله:
﴿وَمَا هَدَى﴾ مقابلة لقول فرعون ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ [غافر: ٢٩].
...
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾ [ طه: ٨٠].
[٨٠] ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون.
﴿عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ لما جاءه موسى، وإنزال التوراة عليه.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ظاهر هذه الآية أن القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم التي عدَّد الله عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة وحوادث.
...
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [ طه: ٨١].
[٨١] ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لذائذه ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ لا تجاوزوا حد الله لكم فيه؛ كالسرف والبطر والمنع عن المستحق.
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ فيلزمكم (١) عذابي.
стр. 1999
﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ هلك. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (أَنْجَيْتكُمْ) (وَوَعَدْتُكُمْ) (مَا رَزَقْتكمْ) بالتاء المضمومة على لفظ الواحد من غير ألف في الثلاثة، وقرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (وَعَدْنَاكُمْ) بالنون مفتوحة وبعدها ألف؛ من الوعد، وقرأ الباقون، وهم نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر: (وَاعَدْنَاكُمْ) بألف بين الواو والعين؛ من المواعدة (١)، وقرأ الكسائي: (فَيَحُل عَلَيْكُمْ) بضم الحاء، (وَمَنْ يَحْلُلْ) بضم اللام الأولى؛ أي: ينزل، وقرأ الباقون: بكسر الحاء واللام منهما (٢)، أي: يجب، والحرف الثالث مجمَع عليه، وهو الآتي قريبًا.
...
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [ طه: ٨٢].
[٨٢] ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك.
﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض.
﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ لزم السنة.
...
стр. 2000
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣)﴾ [ طه: ٨٣].
[٨٣] ولما سار موسى بسبعين رجلًا لمناجاة ربه وللإتيان بالتوراة، فلما قرب من الطور، أسرع المسير نحوه شوقًا إلى مناجاة ربه.
فقال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ أي: أيُّ شيء أوجب سبقك وعجلتك.
﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؟
...
﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [ طه: ٨٤].
[٨٤] واقتضى السؤال عن السبب السؤال عن العذر، فقدم العذر اعترافًا منه بالنقص تأدبًا مع الله تعالى ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ﴾ بالقرب مني يأتون.
﴿عَلَى أَثَرِي﴾ ما تقدمتهم إلا بخطا يسيرة لا يُعتد بها عادة، ثم ذكر موجب العجلة فقال:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ فإن المسارعة إلى امتثال أمرك توجب مرضاتك. قرأ رويس عن يعقوب: (إِثْرِي) بكسر الهمزة وإسكان الثاء، والباقون: بفتحها (١).
...
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ [ طه: ٨٥].
[٨٥] ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: ابتلينا الذين خلفتهم مع