﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [ طه: ٧٥].
[٧٥] ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ أي: مات على الإيمان.
﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في الدنيا.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ هي القرب من الله تعالى. قرأ السوسي عن أبي عمرو: (يَأْتِهْ) بإسكان الهاء، (مُومِنًا) بإسكان الواو بغير همز، وقرأ أبو جعفر، وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر، ورويس عن يعقوب: باختلاس كسرة الهاء، بخلاف عنهم، إلا رويس، وقرأ الباقون: بإشباع الهاء، وكلها لغات (١).
...
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [ طه: ٧٦].
[٧٦] ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: أطاع الله، وأخذ بأزكى الأمور.
...
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [ طه: ٧٧].
[٧٧] ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي: سر بهم ليلًا من أرض مصر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (أَنِ اسْرِ) بوصل الألف، من
стр. 1997
سرى، ويكسرون النون من (أن) للساكنين وصلًا، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة؛ من أسرى، ومعناهما واحد، وهو سير الليل، وحمزة يسكت على الساكن قبل الهمزة (١).
﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: اجعل ﴿لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ بالضرب بالعصا ﴿يَبَسًا﴾ يابسًا، ليس فيه ماء ولا طين، وذلك أن الله أيبس له الطريق في البحر، وتقدم ذكر القصة في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ (٥٠)﴾ [البقرة: ٥٠].
﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ لحاقًا. قرأ حمزة: (لاَ تَخَفْ) بالجزم على النهي، وقرأ الباقون: بالألف والرفع على النفي (٢)؛ لقوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ المعنى: لا تدرَك وأنت آمن.
...
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ [ طه: ٧٨].
[٧٨] ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ فلحقهم ﴿فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ وكان هو فيهم.
﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ فغطاهم ﴿مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ما غرقهم، وهو إبهام أهول من النص.
...
стр. 1998
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ [ طه: ٧٩].
[٧٩] ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ من أول أمره وإلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله:
﴿وَمَا هَدَى﴾ مقابلة لقول فرعون ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ [غافر: ٢٩].
...
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾ [ طه: ٨٠].
[٨٠] ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون.
﴿عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ لما جاءه موسى، وإنزال التوراة عليه.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ظاهر هذه الآية أن القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم التي عدَّد الله عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة وحوادث.
...
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [ طه: ٨١].
[٨١] ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لذائذه ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ لا تجاوزوا حد الله لكم فيه؛ كالسرف والبطر والمنع عن المستحق.
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ فيلزمكم (١) عذابي.
стр. 1999
﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ هلك. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (أَنْجَيْتكُمْ) (وَوَعَدْتُكُمْ) (مَا رَزَقْتكمْ) بالتاء المضمومة على لفظ الواحد من غير ألف في الثلاثة، وقرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (وَعَدْنَاكُمْ) بالنون مفتوحة وبعدها ألف؛ من الوعد، وقرأ الباقون، وهم نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر: (وَاعَدْنَاكُمْ) بألف بين الواو والعين؛ من المواعدة (١)، وقرأ الكسائي: (فَيَحُل عَلَيْكُمْ) بضم الحاء، (وَمَنْ يَحْلُلْ) بضم اللام الأولى؛ أي: ينزل، وقرأ الباقون: بكسر الحاء واللام منهما (٢)، أي: يجب، والحرف الثالث مجمَع عليه، وهو الآتي قريبًا.
...
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [ طه: ٨٢].
[٨٢] ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك.
﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض.
﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ لزم السنة.
...
стр. 2000
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣)﴾ [ طه: ٨٣].
[٨٣] ولما سار موسى بسبعين رجلًا لمناجاة ربه وللإتيان بالتوراة، فلما قرب من الطور، أسرع المسير نحوه شوقًا إلى مناجاة ربه.
فقال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ أي: أيُّ شيء أوجب سبقك وعجلتك.
﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؟
...
﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [ طه: ٨٤].
[٨٤] واقتضى السؤال عن السبب السؤال عن العذر، فقدم العذر اعترافًا منه بالنقص تأدبًا مع الله تعالى ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ﴾ بالقرب مني يأتون.
﴿عَلَى أَثَرِي﴾ ما تقدمتهم إلا بخطا يسيرة لا يُعتد بها عادة، ثم ذكر موجب العجلة فقال:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ فإن المسارعة إلى امتثال أمرك توجب مرضاتك. قرأ رويس عن يعقوب: (إِثْرِي) بكسر الهمزة وإسكان الثاء، والباقون: بفتحها (١).
...
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ [ طه: ٨٥].
[٨٥] ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: ابتلينا الذين خلفتهم مع
стр. 2001
هارون، وكانوا ست مئة ألف، فافتتنوا بالعِجْل غير اثني عشر ألفًا من بعد انطلاقك إلى الجبل.
﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ بصياغته له؛ لأنه كان سبب ذلك، وكان منافقًا من طائفة من بني إسرائيل يقال لها: السامرة أظهروا الإسلام.
...
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ [ طه: ٨٦].
[٨٦] ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ شديد الغضب.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ أي: صدقًا، وهو أربعون ليلة.
﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: مدة ذهابي عنكم.
﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ﴾ يجب.
﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ عهدي.
...
﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ [ طه: ٨٧].
[٨٧] ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: باختيارنا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم: (بِمَلْكِنَا) بفتح الميم، وحمزة، والكسائي، وخلف: بضمها، والباقون: بكسرها، وكلها لغات بمعنى واحد (١)، وقيل: ضم
стр. 2002
الميم معناه: لم يكن لنا ملك، فنخلف موعدك بقوته وسلطانه، وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري، وفتح الميم من (مَلْك)، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وُفِّقنا له، بل غلبتنا أنفسُنا، وكسر الميم قد أكثر استعماله فيما تحوزه اليد، ومعناها كالتي قبلها.
﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب: (حَمَلْنَا) بفتح الحاء والميم مخففة؛ أي: حملنا نحن. وقرأ الباقون: بضم الحاء وكسر الميم مشددة مجهولًا (١)؛ أي: حَمَّلَنا غيرُنا.
﴿أَوْزَارًا﴾ أثقالًا ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ من حلي قوم فرعون كانوا استعاروها بسبب عرس، فبقيت عندهم، وكانت معهم حين خرجوا من مصر.
﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي: طرحنا الحلي في حفيرة.
﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: إلقاءً مثلَ إلقائهم.
﴿أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ما معه من الحلي.
...
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [ طه: ٨٨].
[٨٨] ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ من تلك الحلي المذابة.
стр. 2003
﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ جسدًا ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ صوت يُسمع.
﴿فَقَالُوا﴾ أي: السامري وأتباعه ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي: تركه موسى هاهنا، وذهب يطلبه، تلخيصه: غلبنا بسبب كيد السامري.
...
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [ طه: ٨٩].
[٨٩] ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أي: يعلمون.
﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ لا يرد عليهم جوابًا.
﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ لأنه عاجز عن ذلك، فكيف يتخذ إلهًا؟! هذا غاية الجهل.
...
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ [ طه: ٩٠].
[٩٠] ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ قبل أن يرجع إليهم موسى:
﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي: بالعجل محنةً واختبارًا، فلا تعبدوه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا شريك له.
﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ديني في عبادة الله ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ الذي أمركم به.
...
﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ [ طه: ٩١].
[٩١] ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ أي: لا نزالُ نعبدُه.
﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فاعتزلهم هارون بمؤمنيه.
стр. 2004
﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢)﴾ [ طه: ٩٢].
[٩٢] فلما رجع موسى، وسمع الصياح، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما بصر بهارون، أخذ شَعره بيمينه، ولحيته بشماله، و ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل.
...
﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [ طه: ٩٣].
[٩٣] ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (لا) زائدة، المعنى: أي شيء صدَّكَ عن قتالهم وصدّهم واللحوق بي؟ أثبت نافع وأبو عمرو الياء في (تتَّبِعَنِي) وصلًا، وأثبتها في الحالين: أبو جعفر، وابن كثير، ويعقوب، وفتحها أبو جعفر وصلًا، وحذفها الباقون في الحالين (١).
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بالصلابة في الدين والمحاماة عليه؟
...
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [ طه: ٩٤].
[٩٤] ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أي: بشعر رأسي، وكان قد أخذ ذؤابته. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن
стр. 2005
عاصم: (يَبْنَؤُمِّ) بكسر الميم على حذف الياء تخفيفًا، والباقون: بفتحها (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (بِرَأْسِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ﴾ إذا قاتلت أحدَ الفريقين بالآخر.
﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ لم تحفظ وصيتي حين قلت لك: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، أي: ارفق بهم.
...
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥)﴾ [ طه: ٩٥].
[٩٥] ثم أقبل موسى على السامري ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ﴾ أي: ما طلبك.
﴿يَاسَامِرِيُّ﴾ وما الذي حملك على فعلك؟
...
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾ [ طه: ٩٦].
[٩٦] ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا﴾ أي: علمت ما لم يعلموا ﴿بِهِ﴾.
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (تَبْصُرُوا) بالتاء على الخطاب، والباقون: بالغيب على الخبر (٣).
стр. 2006
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أخذت ملء كفي من تراب موطئ فرس جبريل ﵇.
﴿فَنَبَذتُهَا﴾ ألقيتها في فم العجل المصاغ. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب: (فَنَبَذْتُهَا) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (١)، فإن قيل: كيف عرفَ جبريلَ ورآه من بين سائر الناس؟ قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيه البنون، وضعته في كهف حذرًا عليه، فبعث الله جبريل ﵇ ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما حدثتك ﴿سَوَّلَتْ﴾ زينت.
﴿لِي نَفْسِي﴾ وحسنته في.
...
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾ [ طه: ٩٧].
[٩٧] ﴿قَالَ﴾ له موسى ﴿فَاذْهَبْ﴾ من بيننا طريدًا ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾ طول عمرك. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وابن كثير،
стр. 2007
وعاصم، ويعقوب، وخلف عن حمزة: (فَاذْهَبْ فَإِنَّ) بإظهار الباء عند الفاء، والباقون: بالإدغام (١).
﴿أَن تَقُولَ لَا مسَاسَ﴾ لا مخالطة مع أحد، فكان يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، وإذا مس أحدًا، أو مسه أحد، حُمَّا جميعًا، فكان إذا رأى أحدًا قال: لا مساس؛ أي: لا تقربني، وفر منه، عاقبه الله بذلك، وروي أن ذلك موجود في أولاده إلى الآن.
﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ يا سامري ﴿مَوْعِدًا﴾ أي: لعذابك يوم القيامة.
﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بكسر اللام؛ من أخلفتُ الموعدَ: غبت عنه؛ أي: لن تتخلف أنت عن الإتيان إلى الموعد، وهو الحشر، بل تصل إليه، وقرأ الباقون: بفتح اللام (٢)؛ أي: لن تخلف الموعد، بل تبعث إليه.
﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ بزعمك.
﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أي: دمت عليه مقيمًا.
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قراءة الجمهور: بضم النون وفتح الحاء وكسر الراء مشددة؛ من الإحراق بالنار، وقرأ أبو جعفر: بضم النون وإسكان الحاء وكسر الراء خفيفة، ومعناه كالأول، وروي عنه وجه ثان: بفتح النون وإسكان الحاء وضم الراء خفيفة، وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله
стр. 2008
عنه (١)؛ أي: لنبردنه، ومنه قيل للمبرد: المحرق.
﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ لنذرينه ﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ لا يصادف منه شيء.
روي أن موسى أخذ العجل فذبحه، فسال منه دم؛ لأنه كان قد صار لحمًا ودمًا، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في البحر، وروي أنه ذبحه، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في البحر (٢)، وتقدم ذكر القصة في سورة البقرة [الآية: ٥٢].
...
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [ طه: ٩٨].
[٩٨] ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا أحدَ يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة.
﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تمييز؛ أي: وسع علمه كل شيء.
...
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾ [ طه: ٩٩].
[٩٩] ﴿كَذَلِكَ﴾ مخاطبة للنبي ﷺ ؛ أي: مثل ما ذكرناه لك من أخبار بني إسرائيل ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ﴾ أخبار.
стр. 2009
﴿مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من أخبار الأمور الماضية والأمم؛ تبصرة لك، وزيادة في علمك.
﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن، وقيل: ذكرهًا جميلًا , وصيتًا عظيمًا بين الناس.
...
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ [ طه: ١٠٠].
[١٠٠] ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن القرآن، فلم يؤمن به.
﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ إثما ثقيلًا، ووحد الضمير في (فإنه) ردًّا إلى لفظ (مَنْ).
...
﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ [ طه: ١٠١].
[١٠١] ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ في عقاب الوزر، والجمع في (خالدين) نظرًا إلى المعنى، ونصبه حال من ضمير (يحمل).
﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرًا بالقرآن.
...
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [ طه: ١٠٢].
[١٠٢] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ القرن. قرأ أبو عمرو: (ننفُخُ) بنون مفتوحة وضم الفاء إخبارًا عن الله تعالى؛ لقوله: (وَنَحْشُرُ)، وقرأ الباقون:
стр. 2010
بالياء وضمها وفتح الفاء مجهولًا (١) ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ المشركين.
﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ زرق العيون من العطش.
...
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ [ طه: ١٠٣].
[١٠٣] ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يتسارون ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ويتكلمون خفية؛ لهول ذلك اليوم قائلين: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدنيا، وقيل: في القبور؛ استقصارًا لمدة لبثهم فيها.
﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ ليالي. وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في الإدغام والإظهار من (لَبِثْتُمْ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ [طه: ٤٠].
...
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [ طه: ١٠٤]
[١٠٤] قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: يتسارون بينهم.
﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعقلهم وأعدلهم وأوفرهم رأيًا:
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة.
...
стр. 2011
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ [ طه: ١٠٥].
[١٠٥] ولما سئل رسول الله ﷺ : ما يُصنع بالجبال يوم القيامة؟ أنزل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (١) يقلعها من أصلها، ويجعلها كالرمل.
...
﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ [ طه: ١٠٦].
[١٠٦] ثم يرسل الرياح عليها ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: يترك أماكنها.
﴿قَاعًا﴾ مستويًا من الأرض ﴿صَفْصَفًا﴾ أملس لا نبات فيه.
...
﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [ طه: ١٠٧].
[١٠٧] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أودية ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ ارتفاعًا.
...
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [ طه: ١٠٨].
[١٠٨] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ المنادي للحشر، وهو إسرافيل ﵇ حين ينادي: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة! هلمي إلى عرض الرحمن، فيأتون سريعًا.
стр. 2012
﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا يعوج مدعو عن صوته، بل يتبعه من غير انحراف عننه.
﴿وَخَشَعَتِ﴾ هو خفيت وذلت ﴿الْأَصْوَاتُ﴾ أي: أربابها.
﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ هيبة وإجلالًا.
﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ صوتًا خفيًّا؛ من هميس الإبل، وهو صوت أقدامها إذا مشت، المعنى: لا تسمع إلا مشي الأقدام بخفاء إلى المحشر خوفًا.
...
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [ طه: ١٠٩].
[١٠٩] ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ لأحد من الناس ﴿إِلَّا﴾ شفاعة.
﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أن يشفع فيشفع.
﴿وَرَضِيَ لَهُ﴾ للمشفوع فيه ﴿قَوْلًا﴾ بأن قال: لا إله إلا الله.
...
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [ طه: ١١٠].
[١١٠] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: يعلم تعالى جميع أحوالهم؛ يعني: الذين يتبعون الداعي.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ﴾ تعالى ﴿عِلْمًا﴾ لا يدركونه، ولا يعلمون ما هو صانع بهم، ونصب (علمًا) تمييز.
...
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ [ طه: ١١١].
[١١١] ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت ﴿الْوُجُوهُ﴾ وجوه العصاة.
стр. 2013
﴿لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: خسر من أشرك بالله، والظلم: الشرك.
...
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [ طه: ١١٢].
[١١٢] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ﴾ قرأ ابن كثير: (فَلاَ يَخَفْ) مجزومًا على النهي جواب (١) لقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ) نهى المؤمن الصالح أن يخاف، وقرأ الباقون: (فَلاَ يَخَافُ) مرفوعًا استئنافًا (٢)؛ أي: فهو ليس يخاف.
﴿ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ نقصًا من حسناته.
...
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [ طه: ١١٣].
[١١٣] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما بيناه في هذه السورة.
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: هذا الكتاب.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلسان العرب.
﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ﴾ كررنا في القرآن ﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾ وعيدًا.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الزمان ﴿فَنَسِيَ﴾ العهد ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ صبرًا عما نُهي عنه.
وعطف قصة آدم على قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان، وعرقهم راسخ في النسيان، قال ابن عباس: "إنما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنه عُهد إليه، فنسي" (١).
...
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦)﴾ [ طه: ١١٦].
[١١٦] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أن يسجد.
قرأ أبو جعفر: (لِلْمَلاَئِكَةُ اسْجُدُوا) بضم التاء حالة الوصل إتباعًا، وروي عنه: إشمام كسرتها الضم، والوجهان صحيحان عنه (٢)، وتوجيه قراءته مستوفًى في سورة البقرة [الآية: ٣٤].
...
﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [ طه: ١١٧].
[١١٧] ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ حواء.
стр. 2016
﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ فتتعب في الدنيا بتحصيل ما يُحتاج إليه منها؛ كمأكل ومشرب وملبس، وخص آدم بالشقاء؛ لأن طلب المكاسب غالبًا يكون بالرجال.
...
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [ طه: ١١٨].
[١١٨] ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾.
...
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [ طه: ١١٩].
[١١٩] ﴿وَأَنَّكَ﴾ قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: (وَإِنَّكَ) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون: بالفتح نسقًا على قوله: (أَلَّا تَجُوعَ) (١).
﴿لَا تَظْمَأُ﴾ تعطش ﴿فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ تبرز للشمس؛ لأنه ليس في الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود.
...
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [ طه: ١٢٠].
[١٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ فأنهى إليه وسوسة.
﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أي: من أكل منها لا يموت.
﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ لا يفنى.
стр. 2017
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [ طه: ١٢١].
[١٢١] ﴿فَأَكَلَا﴾ يعني: آدم وحواء ﴿مِنْهَا﴾ وسارعت إلى ذلك حواء، فلما رآها آدم قد أكلت، أكل، فطارت عنهما ثيابهما.
﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أي: عوراتهما.
﴿وَطَفِقَا﴾ جعلا ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يلصقان.
﴿عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ويضمان شيئًا إلى شيء يستتران بالورق، وهو ورق التين.
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة ﴿فَغَوَى﴾ أي: ضلَّ عن المطلوب منه.
...
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [ طه: ١٢٢].
[١٢٢] ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة؛ من جبيت الشيء: قربته إلي، وجمعته بي.
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قبِلَ توبته ﴿وَهَدَى﴾ هداه إلى المداومة على التوبة.
...
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [ طه: ١٢٣].
[١٢٣] ﴿قَالَ اهْبِطَا﴾ يا آدم وحواء ﴿مِنْهَا﴾ ثم أخبرهما أن إبليس والحية يهبطان معهما بقوله: ﴿جَمِيعًا بَعْضُكُمْ﴾ يا ذرية آدم وإبليس ﴿لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إلى يوم القيامة، و (عدو) يوصف به الواحد والاثنان والجمع.
стр. 2018
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ يا آدم وحواء، وجُمعا؛ لأنهما أصل البشر ﴿مِنِّي هُدًى﴾ دعاء شرعي، وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ شرط، وجوابه في قوله:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ رسولي وكتابي. قرأ الدوري عن الكسائي: (هُدَايَ) بالإمالة (١).
﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ في الدنيا ﴿وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة.
...
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [ طه: ١٢٤].
[١٢٤] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: القرآن، وكفر به.
﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضيقًا ونكدًا شاقًّا من العيش.
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ البصر، وقيل: أعمى عن الحجة.
...
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾ [ طه: ١٢٥].
[١٢٥] ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ بحجتي، أو بالعين، روي أنه يحشر من قبره بصيرًا، فإذا سيق إلى الموقف، عمي. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (حَشَرْتنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
...
стр. 2019
﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [ طه: ١٢٦].
[١٢٦] ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ تركت العمل بها.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل تركك آياتنا ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ أي: تترك في النار كالمنسي.
...
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [ طه: ١٢٧].
[١٢٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل جزائنا المعرضَ عن آياتنا.
﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أشرك.
﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ وهو حشره أعمى أبدًا.
﴿أَشَدُّ﴾ مما يعذب به في الدنيا والقبر.
﴿وَأَبْقَى﴾ أدومُ ضرًّا من ضيق العيش في الدنيا.
...
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾ [ طه: ١٢٨].
[١٢٨] ثم ابتدأ يوبخهم ويذكرهم العبر بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أي: يبين الله لهم. قرأ زيد عن يعقوب: (نَهْدِ) بالنون، والباقون: بالياء (١)، والمراد: كفار مكة.
стр. 2020
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ أي: الأمم.
﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ديارهم ومنازلهم إذا سافروا، والخطاب لقريش، كانوا يسافرون إلى الشام، فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ لذوي العقول.
...
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ [ طه: ١٢٩].
[١٢٩] ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ أي: حكمة.
﴿سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب.
﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ أي: لازمًا لهم في الدنيا.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ مضروب، وهو يوم القيامة، معطوف على (كَلِمَةٌ) فيه تقديم وتأخير تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، لكان لزامًا.
...
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ [ طه: ١٣٠].
[١٣٠] ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ فيك، وهذا منسوخ بآية القتال ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: صل ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: وأنت حامد؛ بأن وُفِّقت للتسبيح.
стр. 2021
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وهي صلاة العصر.
﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ ساعاته جمع أَنِيّ؛ كنجِيِّ، وإنًا؛ كمِعًى ﴿فَسَبِّحْ﴾ والمراد: صلاة المغرب والعشاء ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة الظهر، سميت طرفًا؛ لأنها في آخر الطرف الأول من النهار، وأول الطرف الآخر منه، فهو في طرفين منه؛ أي: سبحه في جميع الأوقات.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (تُرضَى) بضم التاء مجهولًا؛ أي: يرضاك ربك، وقرأ الباقون: بفتحها؛ أي: ترضى بما تُعطى من الثواب يا محمد (١).
...
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [ طه: ١٣١].
[١٣١] ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تنظر ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ أعطينا ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: أصنافًا من الكفرة ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قراءة العامة: بجزم الهاء؛ أي: زينتها، وقرأ يعقوب: بفتح الهاء (٢)؛ أي: نور النبات.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنجعل فتنتهم فيما أعطيناهم.
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ ثوابه في الميعاد.
стр. 2022
﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مما رزقوا.
...
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [ طه: ١٣٢].
[١٣٢] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ أي: أهل بيتك ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ مع ائتمارك بها ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أنت وهم ﴿عَلَيْهَا﴾ على الإتيان بها؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ لا نكلفك رزق نفسك ولا غيرك.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وإياهم.
﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلتَّقْوَى﴾.
روي أنه ﷺ كان إذا أصاب أهلَه ضرٌّ، أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية.
...
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ [ طه: ١٣٣].
[١٣٣] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين.
﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا ﴿يَأْتِينَا﴾ محمد.
﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ كموسى وعيسى.
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم، وابن جماز عن أبي جعفر: (تَأْتِهِمْ) بالتاء؛ لتأنيث البينة، وقرأ الباقون:
стр. 2023
بالياء على التذكير (١)؛ لتقدم الفعل، ولأن البينة هي البيان، فرد إلى المعنى.
﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ أي: ما في الكتب المتقدمة من أخبار الأمم التي أهلكت لما اقترحوا الآيات، فأتتهم، فلم يؤمنوا بها.
...
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [ طه: ١٣٤].
[١٣٤] ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل محمد.
﴿لَقَالُوا﴾ يوم القيامة.
﴿رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ يدعونا.
﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بالقتل والسبي في الدنيا.
﴿وَنَخْزَى﴾ بالعقاب يوم القيامة.
...
﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ [ طه: ١٣٥].
[١٣٥] ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ منا ومنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر، نحن نتربص بكم العذاب، وأنتم تتربصون بنا الدوائر ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ فانتظروا.
стр. 2024
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ وإذا جاء أمر الله، وقامت القيامة.
﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ الطريق المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ من الضلالة، أي: ستعلمون من هذا (١)، والله سبحانه أعلم.
...
стр. 2025
سورة الأنبياء
مكية بإجماع، وآيها مئة واثنتا عشرة آية، وحروفها: أربعة آلاف وثماني مئة وتسعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئة وثمان وستون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [ الأنبياء: ١].
[١] ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ أي: وقت حسابهم؛ يعني: يوم القيامة،
نزلت تخويفًا لمنكري البعث، وهي عامة في جميع الناس، وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عما يُفعل بهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ من التأهب لذلك المقام.
روي أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يبني جدارًا، فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا أنزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل اليوم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ فنفض يده من البنيان وقال: والله لا بنيت أبدًا، وقد اقترب الحساب (١).
стр. 2026
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ [ الأنبياء: ٢].
[٢] ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾ يعني: المشركين.
﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: القرآن ﴿مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث التنزيل، لا نفس القرآن؛ أي: ما يأتيهم شيء من القرآن.
﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ مستهزئين به؛ لفرط غفلتهم.
...
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ [ الأنبياء: ٣].
[٣] ﴿لَاهِيَةً﴾ غافلة ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ عما يراد منها.
﴿وَأَسَرُّوا﴾ وأخفوا ﴿النَّجْوَى﴾ هي التناجي سرًّا؛ أي: كتموا ما تناجَوْا به.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا، ثم بين الله تعالى سرهم الذي تناجوا به، وهو قول بعضهم لبعض: ﴿هَلْ هَذَا﴾ أي: محمد ﷺ ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ثم قال بعضهم لبعض على جهة التوبيخ في الجهالة: ﴿أَفَتَأْتُونَ﴾ أفتحضرون السحر؛ أي: ما يقول، شبهوه بالسحر، المعنى: أفتتبعون ﴿السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ تعلمون أنه سحر؟!
...
﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ [ الأنبياء: ٤].
[٤] ﴿قَالَ﴾ أمر للنبي ﷺ أن يقول لهم وللناس أجمعين: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ
стр. 2027
الْقَوْلَ﴾ أي: أقوالكم ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو بالمرصاد في المجازاة عليها. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (قَالَ رَبِّي) بألف بعد القاف؛ أي: أخبرهم النبي ﷺ أن ربه يعلم القول. وقرأ الباقون: بغير ألف على الأمر، وتقدم معناه، وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار (١).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم.
...
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [ الأنبياء: ٥].
[٥] ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أخلاط أحلام رآها في النوم.
﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه.
﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ أي: كذاب، وما جاءكم به شعر؛ يعني: أن المشركين اقتسموا القول فيه، ولما اقتضت الآية المتقدمة أنهم قالوا: إن ما عنده سحر، عدد الله في هذه الآية جميع ما قالته طوائفهم، ووقع الإضراب بكل مقالة عن المتقدمة؛ ليبين اضطراب أمرهم، فبعد اختلافهم في القرآن، رجعوا إلى مقترحهم من الآيات.
فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ﴾ كالناقة والعصا.
﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ بالآيات.
стр. 2028
﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [ الأنبياء: ٦].
[٦] فنزل: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل مشركي قريش ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: أهل قرية عند مجيء الآيات التي اقترحوها، فلذلك ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ وهذه الأمة موعودة ألَّا تستأصل إلى قيام الساعة، فلذلك لم تُعط مقترحَها.
﴿أَفَهُمُ﴾ أي: كفار قريش ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ عند مجيء الآيات؟! هم أعتى من ذلك.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [ الأنبياء: ٧].
[٧] ونزل جواب ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ وطلبهم (١).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرأحفص عن عاصم: (نُوحِي) بالنون وكسر الحاء على لفظ الجمع، وقرأ الباقون: بالياء وفتح الحاء على ما لم يُسم فاعله (٢).
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أهلَ العلم بالكتابين. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلُوا) بالنقل، والباقون: بالهمز (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
...
стр. 2029
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ [ الأنبياء: ٨].
[٨] ثم أعلم تعالى أنه كمن تقدمه من الأنبياء بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾ أي: الأنبياء ﴿جَسَدًا﴾ ولم يقل: أجسادًا؛ لأنه اسم جنس.
﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ هذا رد لقولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]؛ أي: لم نجعل الرسل ملائكة، بل جعلناهم بشرًا يأكلون الطعام ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ في الدنيا.
...
﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ [ الأنبياء: ٩].
[٩] ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ من المؤمنين بهم.
﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ المفرطين في غَيهم وكفرهم.
...
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [ الأنبياء: ١٠].
[١٠] ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ شرفُكم وما تحتاجون إليه من مصالح دينكم ودنياكم ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنون.
...
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١)﴾ [ الأنبياء: ١١].
[١١] ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ أهلكنا ﴿مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: كافرة؛
стр. 2030
يعني: أهلها، والقصم: الكسر بانفصال، ظاهر المعنى: أهلكنا كثيرًا من أهل القرى الظالمين.
﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أي: جئنا ببدلهم، فسكنوا مساكنهم.
...
﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ [ الأنبياء: ١٢].
[١٢] ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا﴾ أي: المهلكون ﴿بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾ أي: القرية.
﴿يَرْكُضُونَ﴾ مسرعين.
نزلت هذه الآية في أهل حصورا، وهي قرية باليمن كان أهلها من العرب، فبعث الله إليهم نبيًّا يدعوهم إلى الله (١)، فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم بُخت نصَّر حتى قتلهم وسباهم، فندموا وانهزموا (٢).
...
﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ [ الأنبياء: ١٣].
[١٣] فقالت لهم الملائكة: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ﴾ نُعِّمْتُم ﴿فِيهِ﴾ من الدنيا ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ التي كانت لكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ شيئًا من دنياكم؛ استهزاءً بهم.
...
стр. 2031
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾ [ الأنبياء: ١٤].
[١٤] فأتبعهم بخت نصر وأصحابه (١)، وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جَوِّ السماء: يا ثارات الأنبياء! فلما رأوا ذلك ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ اعترفوا حين لا ينفع الاعتراف.
...
﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [ الأنبياء: ١٥].
[١٥] ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾ أي: قولهم: يا ويلنا ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ سميت لأنهم دعوا ويلهم ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا﴾ أي: محصودين بالموت والسيف ﴿خَامِدِينَ﴾ ساكنين.
...
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [ الأنبياء: ١٦].
[١٦] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ أي: عبثًا، بل لمصالح الدارين.
...
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [ الأنبياء: ١٧].
[١٧] ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ هو الولد والمرأة ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ من الحور والولدان والملائكة؛ لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره.
стр. 2032
﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ولكن لم نفعل؛ لاستحالته في حقنا.
...
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [ الأنبياء: ١٨].
[١٨] ﴿بَلْ﴾ إضراب عن اتخاذ اللهو.
﴿نَقْذِفُ﴾ نرمي ﴿بِالحَقِّ﴾ الإيمان.
﴿عَلَى الْبَاطِلِ﴾ الشرك ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يكسره ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ هالك.
﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ اللهَ سبحانه به من الولد ونحوه.
...
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ [ الأنبياء: ١٩].
[١٩] ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عبيدًا وملكًا ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ من الملائكة، نسبوا إليه تشريفًا، لا أنه تعالى في مكان.
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ لا يتعظمون عنها ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ يَعْيَون.
...
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [ الأنبياء: ٢٠].
[٢٠] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ يضعُفون، وأصل الفتور: السكون بعد حدَّة.
***
стр. 2033
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ [ الأنبياء: ٢١].
[٢١] ﴿أَمِ﴾ معناها: بل ﴿اتَّخَذُوا﴾ والهمزة لإنكار اتخاذهم ﴿آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ لأن كل الأصنام منها.
﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ يحيون الموتى؛ زيادة توبيخ، أي: ليست آلهتهم كذلك، فهي غير آلهة لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة.
...
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [ الأنبياء: ٢٢].
[٢٢] ثم بين تعالى أمر التمانع بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي: في السماء والأرض.
﴿آلِهَةٌ إِلَّا﴾ أي: غيرُ ﴿اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وذلك بأنه كان يبغي بعضهم على بعض، ويهلك من فيهما؛ لوجود التمانع؛ لأن كل أمر بين اثنين أو أكثر لا يجري على نظام واحد، ثم نزه تعالى نفسه عما وصفه به أهل الجهالة والكفر فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
...
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [ الأنبياء: ٢٣].
[٢٣] ثم وصف تعالى نفسه بأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ سؤال إنكار؛ إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء؛ لأنه يضع الأشياء في محلها.
﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنهم عبيد حقيقة، وفي أفعالهم خلل كثير.
***
стр. 2034
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ [ الأنبياء: ٢٤].
[٢٤] ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام إنكار، وفي تكرار هذا التقرير مبالغة في الإنكار، وزيادة على الأول، وهي قوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فكأنه قررهم هنا على قصد الكفر بالله تعالى، ثم دعاهم إلى الحجة والإتيان بالبرهان بقوله (١): ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: حجتكم على ذلك ﴿هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿ذِكْرُ﴾ عظة ﴿مَنْ مَعِيَ﴾ على ديني. قرأ حفص عن عاصم: (مَعِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢) ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: الكتب المنزلة، ومعناه: راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدًا؟ فلما لم يرجعوا عن كفرهم، أضرب عنهم فقال:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: جميع الكفار.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ القرآنَ والتوحيد؛ لجهلهم.
﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن النظر فيما يجب عليهم.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
стр. 2035
[٢٥] ولما أخبر تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم، أتبعَ ذلك بإعلامه أنه ما أرسل قط رسولًا إلا أوحى إليه: أن الله تعالى فرد صمد.
فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وَحِّدونِ. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (نُوحِي) بالنون وكسر الحاء على التعظيم؛ لقوله: (أَرْسَلْنَا)، وقرأ الباقون: بالياء وفتح الحاء على ما لم يسم فاعله (١)، وقرأ يعقوب: (فَاعْبُدُوني) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢).
...
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [ الأنبياء: ٢٦].
[٢٦] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عن ذلك ﴿بَلْ﴾ أي: بل هم.
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ مشرفون؛ يعني: الملائكة، وهذا تكذيب وردّ لقول خزاعة: الملائكة بنات الله، والعبودية تنافي الولادة.
...
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [ الأنبياء: ٢٧].
[٢٧] ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي: يتبعون أمره، ولا يتقدمون قولَه بقولهم.