﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [ الأنبياء: ٨٣].
[٨٣] ﴿وَأَيُّوبَ﴾ أي: واذكره ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ لما ابتلي بفقد جميع ماله وولده، وتمزيق جسده، وكان برًّا تقيًّا رحيمًا بالمساكين، مؤديًا لحق الله، شاكرًا لأنعم الله، وتقدم ذكر نسبه في سورة النساء، وكان صاحب أموال عظيمة، وكانت له الثنية جميعها من أعمال دمشق ملكها، فابتلاه الله تعالى بأن أذهب أمواله حتى صار فقيرًا، ثم ابتلاه في جسده حتى تجذم ودوَّد، وبقي رميًّا على مزبلة لا يطيق أحدٌ أن يشم رائحته (١)، ورفضه كل الناس غير زوجته رحمة بنت أفراييم بن يوسف بن يعقوب ﵈؛ فإنها استمرت صابرة تخدمه حتى باعت ظفيرتها بشيء أكله، فتزايا لها إبليس، وقال لها: اسجدي لي لأرد مالكم، فاستأذنت أيوب، فغضب وحلف ليضربنها مئة، ثم عافاه الله تعالى بعد ثلاث سنين، أو سبع، ورزقه، ورد على امرأته شبابها وحسنها، وولدت له ستة وعشرين ذكرًا،
стр. 2067
ولما عوفي، أمره الله أن يأخذ عرجونًا من النخل فيه مئة شمراخ، فيضرب به زوجته رحمة؛ ليبر في يمينه، ففعل، وكان أيوب نبيًّا في عهد يعقوب، وعاش ثلاثًا وتسعين سنة ﴿أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أي: الضرر والشدة. قرأ حمزة: (مَسَّنِي الضُّرُّ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١) ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وشكواه لم تخرجه عن الصبر، ولذلك وصف بالصبر بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]؛ لأنها إلى الخالق بأوجز عبارة، وألطف إشارة إلى أنه تعالى أهل أن يَرحم، وأيوب أهل أن يُرحم، وفي الحديث: "إذا أحب الله عبدًا ابتلاه؛ ليسمع تضرعه" (٢).
...
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [ الأنبياء: ٨٤].
[٨٤] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ نداءه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ أولاده، روي أن الله تعالى أحياهم ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ آتاه الله مثلهم.
﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ لأيوب ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ عظة للمطيعين؛ ليصبروا كصبره، فيثابوا كثوابه، وتأتي تتمة قصته في سورة (ص) إن شاء الله تعالى.
سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل
стр. 2068
فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة" (١).
...
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ [ الأنبياء: ٨٥].
[٨٥] ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ يعني: ابن إبراهيم.
﴿وَإِدْرِيسَ﴾ تقدم ذكره في سورة مريم.
﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ هو بشر بن أيوب، بعثه الله بعد أبيه، وسماه ذا الكفل، وكان مقامه بالشام، وقبره في قرية كفل حارس من أعمال نابلس، وسمي بذلك؛ لأنه تكفل بصيام جميع نهاره، وقيام جميع ليله، وأن يقضي بين الناس ولا يغضب، فوفى، فشكر الله له، ونبأه، فسمي ذا الكفل.
﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على أمر الله.
...
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾ [ الأنبياء: ٨٦].
[٨٦] ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ يعني: النبوة.
﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الكاملين في الصلاح، فإن الأنبياء صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.
...
стр. 2069
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [ الأنبياء: ٨٧].
[٨٧] ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: اذكر صاحب الحوت، وهو يونس بن متى ﵇، سمي به لابتلاع النون إياه، وهو الحوت.
﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ غضب على قومه لكفرهم، لا مغاضبًا لربه؛ إذ مغاضبة الله معاداة له، ومعاداة الله كفر لا تليق بالمؤمنين، فكيف بالأنبياء؟!
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ أي: نُضَيِّق ﴿عَلَيْهِ﴾ قراءة العامة: بالنون مفتوحة وكسر الدال، وقرأ يعقوب: بالياء مضمومة وفتح الدال مخففة على المجهول (١).
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ بطن الحوت والبحر والليل ﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ بمغاضبتي، روي عن النبي ﷺ أنه قال: وإما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له" (٢).
...
стр. 2070
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [ الأنبياء: ٨٨].
[٨٨] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أجبناه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ من تلك الظلمات.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من كل كرب إذا استغاثوا بنا. قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (نُجِّي) بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء، على معنى: (نُنَجِّي)، ثم حذفت إحدى النونين تَخفيفًا، كما جاء عن ابن كثير وغيره قراءة ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ في الفرقان [الآية: ٢٥]، قال الإمام أبو الفضل الرازي في كتابه "اللوامح": ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ على حذف النون الذي هو فاء الفعل من (نُنَزِّل). قراءة أهل مكة ووجه النضب في المؤمنين: أن المصدر قام مقام الفاعل، فبقي الـ (المؤمنين) مفعولًا به صريحًا، تقديره: نجي النجاء المؤمنين، ونظيره ﴿ليَجْزِىَ قَوْمَا﴾ على قراءة أبي جعفر في الجاثية [الآية: ١٤]؛ أي: ليجزي الجزاء قومًا، وقرأ الباقون: بنونين، الثانية ساكنة مع تخفيف الجيم مستقبل أنجينا، وقد اعترض الزمخشري وغيره على قراءة ابن عامر وأبي بكر، وزعموا أنها لحن، فرد الكواشي اعتراضهم، وبين وجه الصحة فيها، وأشبع الكلام في ذلك (١).
...
стр. 2071
وتقدم ذكر يونس ﵇، ووفاته، ومحل قبره في سورة النساء [الآية: ١٦٣]، وتقدم طرف من ذكر قصته في سورة يونس [الآية: ٩٨]، ولنذكر في هذا المحل باقيها باختصار، فنقول وبالله التوفيق: يونس بن متى ﵇، قيل: إنه من بني إسرائيل، وإنه من سبط بنيامين، وتزوج بنت رجل من الأولياء اسمه زكريا كان مقيمًا بالرملة، فأقام يونس عنده، ثم بعد وفاة زكريا، توجه إلى بيت المقدس يعبد الله تعالى، وكانت بعثته في أيام يوثم بن عَزِّيا هو أحدِ ملوك بني إسرائيل، وبعثه الله إلى أهل نينوى قبالة الموصل، بينهما دجلة، وكانوا يعبدون الأصنام، فنهاهم وواعدهم العذاب في يوم معلوم إن لم يتوبوا، وضمن ذلك عن ربه ، وخرج يونس من بين أظهرهم، فلما أظلهم العذاب، آمنوا، فكشفه الله عنهم كما تقدم في سورة يونس، وجاء يونس لذلك اليوم، فلم ير العذاب حل بهم، ولا علم بإيمانهم، فذهب مغاضبًا، ودخل في سفينة من سفن دجلة، فوقفت السفينة ولم تتحرك، فقال رئيسها: فيكم من له ذنب، فتساهموا على من يلقونه في البحر، فوقعت المساهمة على يونس، فرموه، فالتقمه الحوت، وسار به إلى الأيكة، وكان من شأنه ما أخبر الله تعالى به.
وملخص قصته: أن الحوت التقمه، فكان يونس يسجد على قلب الحوت، والحوت يقول: يا يونس! أسمعني تسبيح المغمومين، وهو يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فتقول الملائكة: "إلهنا! إنا نسمع تسبيح مكروب، كان لك شاكرًا، اللهم فارحمه في كربته وغربته"، واختلف في مدة لبثه، فمنهم من قال: أربعين يومًا، وقيل: ثلاثة أيام، فلما انقضت مدة قدرها الله تعالى له، أمر الحوت أن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه، فشق ذلك على الحوت؛ لاستئناسه بذكر الله
стр. 2072
تعالى، فقيل له: اقذفه، فقذفه في الساحل، فذلك قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾ [الصافات: ١٤٥]، وخرج يونس مثل الفرخ المنتوف (١)، وقد ذهب بصره، وهو لا يقدر على القيام، فأنبت الله شجرة من يقطين لها أربعة آلاف غصن، فكانت فِراشه وغطاءه، وأمر الله الظبية فجاءته وأرضعته حتى قوي، وهبط جبريل ﵇، فسلم عليه، وأمرَّ يده على رأسه وجسده، فأنبت الله لحيته، ورد عليه بصره، وأوحى الله إليه بإيمان قومه حين رأوا العذاب، ثم هبط إليه ملك، ودفع إليه حلتين، وقال: سر إلى قومك؛ فإنهم يتمنونك، فاتزر بواحدة، وارتدى بأخرى، وسار يونس ﵇، فاجتمع بزوجته وولديه قبل وصوله إلى قومه، ثم وصل الخبر إلى قومه، فوثب الملك عن سريره، وخرجوا كلهم إلى يونس ﵇، وسلموا عليه، وفرحوا به، وحملوه إلى المدينة، وأقام فيهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى أن توفاه الله تعالى، وفي قصته خلاف بين المفسرين والمؤرخين، والله أعلم.
...
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾ [ الأنبياء: ٨٩].
[٨٩] ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى﴾ دعا.
﴿رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ بلا ولد يرثني.
стр. 2073
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ خير من يبقى بعد من يموت. واختلاف القراء في الهمزتين من (زَكَرِيَّا إِذْ) كاختلافهم فيهما في أول سورة مريم.
...
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ .
[٩٠] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ ولدًا.
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بتحسين خَلْقها وخُلقها، وجعلِها ولودًا بعد العقم ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: مَنْ ذُكر من الأنبياء.
﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يبادرون في عمل الطاعات.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ طمعًا وخوفًا.
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ متواضعين ذللًا. قرأ الدوري عن الكسائي: ﴿يُسَارِعُونَ﴾ بالإمالة، وأمال أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (مُوسَى) و (عِيسَى) و (يَحْيَى) حيث وقع (١).
...
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ .
[٩١] ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ منعته مما لا يحل، وهي مريم بنت عمران.
стр. 2074
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أمرنا جبريلَ حتى نفخ في جيب درعها، فأجرينا فيها روح عيسى ﵇ المخلوقة.
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ دلالة على كمال قدرتنا حمل امرأة بلا مساسة ذكر، وكون ولد من غير أب، ووحد الآية، ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما آية؛ لأن الآية فيهما واحدة.
...
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ .
[٩٢] ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الأمة: الملة، و (هذه) إشارة إلى الإسلام، فأبطل ما سواه من الأديان، و (أمتكم) رفع خبر (إن)، و (أمة واحدة) نصب حال.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ قرأ يعقوب: (فَاعْبُدُونِي) بإثبات الياء (١).
...
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ .
[٩٣] ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة فقال: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلفوا في الدين، فصاروا فرقًا.
﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فنجازيه.
...
стр. 2075
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾ .
[٩٤] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لا يجحد عمله ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ للسعي ﴿كَاتِبُونَ﴾ في صحيفة عمله، فنثيبه عليه.
...
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ .
[٩٥] ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: وحرام على أهل قرية حكمنا بإهلاكهم أن تقبل أعمالهم؛ لأنهم لا يرجعون عن كفرهم، وقيل: المعنى: حرام عليهم الرجوع إلى الدنيا بعد الهلاك. قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (وَحِرْمٌ) بكسر الحاء وإسكان الراء من غير ألف، والباقون: بفتح الحاء والراء وألف بعدها، ومعناهما واحد؛ لأنهما لغتان مثل حِلّ وحلال (١).
...
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ .
[٩٦] ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: فتح سدهما. قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (فُتِّحَتْ) بالتشديد على التكثير،
стр. 2076
والباقون: بالتخفيف (١)، وتقدم تفسير يأجوج ومأجوج، واختلاف القراء فيهما في سورة الكهف (٢).
﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ هو المكان المرتفع ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون.
...
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ .
[٩٧] ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ هو يوم القيامة ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ مرتفعة الأجفان ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فلا تكاد تطرف؛ لهول ما ترى، يقولون:
﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم.
﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بوضعنا العبادة في غير موضعها.
...
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ .
[٩٨] ونزل خطابًا لعابدي الأصنام وإبليس وأتباعه:
стр. 2077
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يُرمى به فيها للوقود.
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ فيها داخلون.
...
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ .
[٩٩] ثم وبخهم، وأخبرهم أن آلهتهم يدخلون النار بقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: الأصنام ﴿آلِهَةً﴾ على الحقيقة ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ لأن المؤاخذ المعذب لا يكون إلهًا.
﴿وَكُلٌّ﴾ من العابد والمعبود منهم ﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا خلاص لهم منها. قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: ﴿هَؤُلاَءِ آلِهَةً﴾ بتحقيق الهمزتين، وقرأ الباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل ياء (١).
...
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ .
[١٠٠] ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أنين وتنفس شديد.
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ شيئًا؛ لشدة غليان النار، ولما بهم من الألم، ومنعوا السمع؛ لأن فيه (٢) أنسًا.
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تستقبلهم عند باب الجنة مهنئين يقولون لهم:
﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيه الجنة والثواب.
...
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ .
[١٠٤] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ وطيُّها: تكوير نجومها، ومحو رسومها. قرأ أبو جعفر: (تُطْوَى) بالتاء وضمها على التأنيث وفتح الواو ورفع (السَّمَاءُ) على ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: بالنون مفتوحة على التعظيم وكسر الواو ونصب (السَّمَاءَ) (١).
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (لِلْكُتُبِ) بضم الكاف والتاء من غير ألف على الجمع، وقرأ الباقون: بكسر الكاف وفتح التاء مع الألف على الإفراد (٢)، و (السِّجِل) الصحيفة (للكتب)؛ أي: لأجل ما كتب، معناه: كطي الصحيفة على مكتوبها، والسجل: اسم مشتق من المساجلة، وهي المكاتبة، والطيُّ: هو الدرج الذي ضد النشر، ثم أومأ إلى تبديل السماء فقال:
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ نرده مثل أول خلقه، وأول خلقه إيجاد
стр. 2080
عن عدم، والخلق هنا يعم جميع الخلائق، المعنى: كما أوجدناه عن عدم، فكذلك نعيده عند البعث عن عدم.
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ مصدر مؤكد؛ لأن نعيده عِدة بالإعادة.
﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ذلك.
...
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ .
[١٠٥] ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ وفي جميع الكتب المنزلة. قرأ حمزة، وخلف: (الزُّبُورِ) بضم الزاي، والباقون: بفتحها (١).
﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي: اللوح المحفوظ؛ لأنها كلها أخذت منه ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة، أو الأرض المقدسة.
﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ هو محمد ﷺ وأمته، يفتحون أرض الكفار، ويدخلون الجنة. قرأ حمزة: (عِبَادِي الصَّالِحُونَ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ [ الأنبياء: ١٠٦].
[١٠٦] ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿لَبَلَاغًا﴾ لكفاية.
стр. 2081
﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ عاملين، وهم أمة محمد ﷺ .
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [ الأنبياء: ١٠٧].
[١٠٧] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ جميعًا، فهو رحمة للمؤمن في الدارين، وللكافر في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ ونحوه.
...
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [ الأنبياء: ١٠٨].
[١٠٨] ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ منزه عما لا يليق بصفات الوحدانية ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ استفهام بمعنى الأمر؛ أي: آمنوا بالمذكور.
...
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾ [ الأنبياء: ١٠٩].
[١٠٩] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ أعلمتكم.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ فاستوينا في العلم بما أعلمتكم به ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ وما أعلم.
﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: لا أعلم متى يحل بكم العذاب، وهو (١) أهولُ وأخوفُ.
...
стр. 2082
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ [ الأنبياء: ١١٠].
[١١٠] ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير عائد إلى الله ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ وفي هذه الآية تهديد؛ أي: يعلم جميع الأشياء الواقعة منكم، وهو بالمرصاد في الجزاء عليها.
...
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ [ الأنبياء: ١١١].
[١١١] ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ أي: تأخير العذاب عنكم.
﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أي: اختبار؛ ليرى كيف صنيعكم، وهو أعلم.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: تمتعون إلى انقضاء آجالكم.
...
﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [ الأنبياء: ١١٢].
[١١٢] ﴿قَالَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (قَالَ) بالألف إخبار عن النبي ﷺ ، وقرأ الباقون: (قُلْ) بغير ألف على الأمر (١)؛ أي: أمره الله تعالى أن يقول على جهة الدعاء: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وقرأ أبو جعفر: (رَبُّ) بضم الباء، وقال ابن الجزري: ووجهه أنه لغة معروفة جائزة في نحو يا غلامي تنبيهًا على الضم، وأنت تنوي الإضافة، وليس ضمه على أنه منادى مفرد؛ كما ذكره أبو الفضل الرازي؛ لأن هذا ليس من نداء النكرة المقبل عليها،
стр. 2083
وقرأ الباقون: بكسر الياء اكتفى بها عن الياء (١)، ومعنى ﴿احْكُمْ﴾: افصل بيني وبين مكذبي بالعذاب، فالحق بمعنى العذاب هنا، فعذبوا يوم بدر، وقرأ زيد عن يعقوب: (رَبِّي) بالياء (أَحْكَمُ) بقطع الألف وفتح الكاف ورفع الميم على وزن أفعل على الابتداء والخبر من الإحكام (٢).
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من الكذب والباطل. قرأ الدوري عن ابن ذكوان: (يَصِفُونَ) بالغيب، وقرأ الباقون: بالخطاب (٣)، والله أعلم.
...
стр. 2084
سورة الحج
قال الجمهور: هي مختلطة، منها مكي، ومنها مدني، قال ابن عطية: وهذا هو الأصح (١) ، والله أعلم؛ لأن الآيات تقتضي ذلك، وآيها: ثمان وسبعون آية، وحروفها: خمسة آلاف ومئة وخمسة وسبعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئتان وإحدى وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١].
[١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه، وهذا تحذير لجميع العالم.
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ حركتها الشديدة ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ لا يوصف لعظمته، والزلزلة: التحريك العنيف، وزلزلة الساعة: هي كالمعهود في الدنيا، إلا أنها في غاية الشدة، واختلف فيها، فقال الجمهور: هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، وقيل: هي في القيامة على
стр. 2085
جميع العالم. قرأ أبو عمرو ﴿السَّاعَةِ شَيْءٌ﴾؛ بإدغام التاء في الشين (١).
...
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [ الحج: ٢].
[٢] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني: الزلزلة ﴿تَذْهَلُ﴾ تشغل ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ من الولد، فتترك إرضاعه في حال إلقامه ثديها؛ لشدة الأمر.
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ أي: حبلى ﴿حَمْلَهَا﴾ ولدها قبل تمامه، والحمل -بالفتح-: ما تحمله الإناث، و -بالكسر-: ما يحمل على الظهر والرأس، والتلاوة بالأول، وهذا دليل لمن قال: إن الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبل، ومن قال: هي في القيامة، جعل ذلك تهويلًا لشأنها، يعني: لو فُرض ثَمَّ حامل، لوضعت.
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ تشبيه لهم من الخوف. قرأ أبو عمرو: (النَّاس سُّكَارَى) بإدغام السين في السين (٢) ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ السُّكر الحقيقي الذي هو من الخمر. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَكْرَى) بفتح السين وإسكان الكاف من غير ألف فيها. وقرأ الباقون: بضم السين وفتح الكاف وألف بعدها، وهما لغتان لجمع السكران؛ مثل: كَسْلَى وكُسالى (٣)، وقرأ
стр. 2086
أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: بالإمالة فيهما، واختلف عن ورش وابن ذكوان في الإمالة والفتح (١).
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم، وأذهب تمييزهم.
...
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [ الحج: ٣].
[٣] وكان النضر بن الحارث كثير الجدال في الله تعالى بالباطل، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وينكر البعث وإحياء من صار ترابًا، فنزل فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ﴾ (٢) في جداله ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ عاتٍ مستمر في الشر.
...
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ [ الحج: ٤].
[٤] ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قُضي على الشيطان ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ تبعه.
﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ لأن من شأنه الإضلال ﴿وَيَهْدِيهِ﴾ يدعوه.
стр. 2087
﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ بما يزين له من الباطل، والهاء في (عليه)، وفي (فأنه) للشيطان، وفي (يضله) لمتوليه، وفي معنى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: من أعان ظالمًا، سُلِّط عليه.
...
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [ الحج: ٥].
[٥] ثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ شك ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي: إن ارتبتم في البعث، فاستدلوا على صحته ببدء خلقكم.
﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: أصلكم آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مَنِيّ، خلقتم أنتم منها ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ دم جامد ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ لحمة صغيرة قدر ما تمضغ، وذلك أن النطفة تصير دمًا غليظًا، ثم تصير لحمًا.
﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ مصورة تامة الخلق.
﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ النطفة قبل أن تصور، وهي ما تمجه الأرحام، وما يعني السقط ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ قدرتنا على البعث.
﴿وَنُقِرُّ﴾ نثبتُ ﴿فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ثبوتَه.
стр. 2088
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقت الولادة. قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، ورويس: (نَشَاءُ إِلَى) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل واوًا خالصة مكسورة، وهو قول جمهور القراء المتقدمين، وذهب بعضهم إلى أنها تجعل بين الهمزة والياء، وهو مذهب أئمة النحو والمتأخرين من القراء، وهو الأوجه في القياس، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح: بتحقيق الهمزتين (١).
واتفق الأئمة على أن الأَمَة تكون أمَّ ولد بما أسقطته من ولد [تام الخلق، وتكون عند مالك أم ولد] (٢) بالعلقة والمضغة، سواء كانت مخلقة أو غير مخلقة، وعند أبي حنيفة: إن كان قد تبين له شيء من خلق بني آدم؛ كإصبع أو عين أو غير ذلك، فهي به أم ولد، وعند الشافعي وأحمد: إذا وضعت ما فيه صورة، ولو خفية، صارت أم ولد.
واتفقوا على أن المولود إذا استهل صارخًا، غسل وصلي عليه، فإن لم يستهل صارخًا، لم يصل عليه عند الثلاثة، وعند أحمد: إذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر، غسل، وصلي عليه.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ من الرحم ﴿طِفْلًا﴾ اسم جنس؛ أي: أطفالًا.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ كمال عقلكم وقوتكم.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ قبل بلوغ الكبر.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أخسه، وهو الخرف.
стр. 2089
﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ عَلِمَه قبل ﴿شَيْئًا﴾ أي: لينسى معارفه وعلمه الذي كان معه، فلا يعلم من ذلك شيئًا.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ يابسة ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾ قرأ أبو جعفر (وَرَبَأَتْ) بهمزة مفتوحة بعد الباء؛ أي: ارتفعت، وقرأ الباقون: بحذف الهمزة؛ أي؛ انتفخت (١).
﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ نوع.
﴿بَهِيجٍ﴾ حسن، فهذا دليل آخر على البعث.
...
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [ الحج: ٦].
[٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور، مبتدأ، خبره: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: لتعلموا أن الله هو الحق ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
...
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [ الحج: ٧].
[٧] ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف.
...
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج: ٨].
стр. 2090
[٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: النضر بن الحارث، وكرر الآية ردعًا للجاهل وتوبيخًا؛ لأنه يجادل بظن من غير تحقيق.
﴿وَلَا هُدًى﴾ ليس معه من ربه رشاد ولا برهان.
﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ واضح.
...
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ [ الحج: ٩].
[٩] ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ لاويًا جانبه متكبرًا ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لِيَضلَّ) بفتح الياء على اللزوم، وقرأ الباقون: بالضم (١)، أي: ليُضل هو الناسَ.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ عذاب وهوان، فقتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط ببدر صبرًا ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهو النار.
...
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ [ الحج: ١٠].
[١٠] ويقال له: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: النازل بك.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ من العمل.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ إنما هو مُجازٍ لهم على أعمالهم.
...
стр. 2091
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [ الحج: ١١].
[١١] ونزل فيمن دخل في الإسلام من غير اعتقاد صحته: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (١) أي: شك واضطراب، وأصله من حرف الشيء، وهو طرفه، نحو حرف الجبل، فقيل للشاك في الدين إنه يعبد الله على حرف؛ لأنه على طرف وجانب في الدين، لم يدخل فيه على الثبات والتمكن؛ كالقائم على حرف الجبل، مضطرب غير مستقر يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف؛ لضعف قيامه.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صحة وسلامة في نفسه وماله ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ سكن إليه ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ اختبار بجدب وعسرة ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ رجع إلى الكفر ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ بفوات ما كان يؤمله ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بخلوده في النار. قرأ روح، وزيد عن يعقوب: (خَاسِرَ) بإثبات الألف بعد الخاء على وزن فاعل، وخفض (الآخِرَةِ) (٢).
﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الضرر الظاهر.
стр. 2092
﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [ الحج: ١٢].
[١٢] ﴿يَدْعُو﴾ يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ إن لم يعبده.
﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ إن عبده.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عن الهداية الذاهب عن الحق.
...
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ [ الحج: ١٣].
[١٣] ﴿يَدْعُو﴾ تكريرًا تأكيدًا لكفره ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ بكونه معبودًا؛ لأنه يوجب القتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ الذي يتوقع بعبادته، وهو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى. و (اللامِ) في قول الكسائي مقدمة في غير موضعها، و (مَنْ) في موضع نصب، و (ضَرُّه) مبتدأ، و (أَقْرَبُ) خبره، والجملة صلة (مَنْ)، وخبر (مَنْ) محذوف، والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه آلهة، والمعنى: أنه يضر ولا ينفع.
﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ الناصر ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ الصاحب المعاشر.
...
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾ [ الحج: ١٤].
[١٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من إثابة الموحد، وعقاب المشرك.
***
стр. 2093
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ [ الحج: ١٥].
[١٥] ولما ظن الكفار أن محمدًا ﷺ لن يُنصر، نزل: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) المعنى: أن الله ينصر نبيه، فمن ظن خلافه.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ فليشدد حبلًا في سقف بيته ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ليختنق به فيموت. قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، وورش عن نافع، ورويس عن يعقوب: (لِيَقْطَعْ) بكسر اللام؛ لأنها لام أمر أصلها الكسر، كما لو ابتدأ بها، ولا اعتداد بحرف العطف، والباقون: بإسكانها تخفيفًا (٢)، واعتدادًا بحرف العطف مبتدأ به.
﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ تلخيصه: هل يذهب فعله غيظه؟! وهذا مبالغة في الزجر؛ كما يقال للعدو: إن لم ترض، فاختنق، ومت غيظًا، وإلا، فلا نظر بعد الموت.
...
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ [ الحج: ١٦].
[١٦] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك؛ يعني: ما تقدم من آيات القرآن.
﴿أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ﴾ أي: وأنزلنا أن ﴿اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ هدايته.
стр. 2094
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الحقيقة ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهود، سموا به؛ لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أي: ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا؛ أي: تابوا عن عبادة العجل، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة، ويقولون: إن السموات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ جمع صابئ، أصله الخروج، يقال: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين آخر، وهم قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية، وعبدوا الملائكة، ويستقبلون القبلة، ويوحدون الله تعالى، ويقرؤون الزبور. قرأ نافع، وأبو جعفر: (وَالصَّابِينَ) (وَالصَّابُونَ) بغير همز، والباقون: بالهمز (١).
﴿وَالنَّصَارَى﴾ سموا به لقولهم: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقيل: لأنهم نزلوا قرية يقال لها: ناصرة، وقيل: لاعتزائهم إلى نصرة قرية كان ينزلها عيسى ﵇.
﴿وَالْمَجُوسَ﴾ هم عبدة النار والشمس والقمر.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هم عبدة الأوثان، قال قتادة: الأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن (٢).
стр. 2095
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يحكم بين الفرق المذكورة، فيدخل الكافر النار، والمؤمن الجنة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالم به.
...
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بقلبك ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ قال مجاهد: سجود هذه الأشياء بظلالها (١)، وقيل: المراد بسجود من ليس من أهله: انقياده لما أريد منه.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: المسلمين ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بترك السجود، وهم الكفار، وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله .
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ أي: يهنه الله بالشقاوة.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يكرمه بالسعادة، المعنى: من يُذِلُّه الله تعالى، فلا مُعِزَّله.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإكرام والإهانة بإرادته ومشيئته، وهذا محل سجود بالاتفاق.
стр. 2096
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ .
[١٩] ونزل في حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث حين برزوا ببدر إلى عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ (١) أي: طائفتان. قرأ ابن كثير: (هَذَانِّ) بالمد وتشديد النون، والباقون: بالتخفيف (٢)، والخصم: مصدر يعم المفرد والجمع، والذكر والأنثى، فلذلك قال:
﴿اخْتَصَمُوا﴾ ردًّا إلى المعنى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينه.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ﴾ هيئت.
﴿لَهُمْ ثِيَابٌ﴾ يلبسونها ﴿مِنْ نَارٍ﴾ وسمي ما يتخذ من النار ثيابًا؛ لإحاطته باللابس كالثوب ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء البالغ نهاية الحر. قال ابن عباس: لو سقطت قطرة منه على جبال الدنيا، لأذابتها (٣).
...
﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ يذاب بالحميم المسكوب على رؤوسهم.
стр. 2097
﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من شحوم وغيرها، فيقطعها، وتخرج من أدبارهم ﴿وَالْجُلُودُ﴾ أيضًا تذاب.
...
﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ﴾ سِياط مختصة بهم، جمع مِقْمَعة.
﴿مِنْ حَدِيدٍ﴾ يُضربون بها.
...
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من النار.
﴿مِنْ غَمٍّ﴾ يلحقهم، فخرجوا.
﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وذلك أن النار تضربهم بلهبها، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد، فيهوون إلى قعرها سبعين خريفًا، فالمراد: إعادتهم إلى معظم النار، لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية، ثم يعودون إليها.
﴿وَذُوقُوا﴾ أي: ويقال لهم: ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ البالغ نهاية الإحراق، هؤلاء أحد الخصمين.
***
стр. 2098
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)﴾ .
[٢٣] وقال في الآخر، وهم المؤمنون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يلبسون الحلي في الجنة.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع سوار.
﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ اللؤلؤ: اسم جامع للحَبِّ يخرج من البحر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم، ويعقوب: (وَلُؤْلُؤ) بالنصب على معنى: ويحلون لؤلؤًا، ولأنها مكتوبة في المصاحف بالألف، فأبو جعفر يترك الهمزتين، فيسكن الواو الأولى، وينصب الثانية، وأبو بكر عن عاصم: يترك الأولى فقط، وقرأ الباقون: بالخفض عطفًا على (أساور)، وأبو عمرو يترك الهمزة الأولى، واختلفوا في وجه إثبات الألف فيه، فقال أبو عمرو: أثبتوها كما أثبتوا في (قالوا)، و (كانوا)، وقال الكسائي: أثبتوها للهمزة؛ لأن الهمزة حرف من الحروف (١).
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا﴾ في الجنة ﴿حَرِيرٌ﴾ هو الإبريسم المحرم لبسُه على الرجال، ولا خلاف بين الأئمة في تحريم لبس الحرير على الرجل إلا في
стр. 2099
الحرب المباح، أو لضرورة؛ كحكة، أو جرب في جسده، واختلفوا في الجلوس عليه، والاستناد إليه، فأجازه أبو حنيفة، ومنعه الثلاثة كلبسه، وحكم الصبي عند أحمد كالرجل.
...
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَهُدُوا﴾ أُرشدوا ﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو القرآن، وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل غير ذلك ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ طريق الجنة، و (الحميد) هو الله المحمود في أفعاله.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ﴾ تقديره، وهم يصدون ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي؛ لأن الصد بمعنى دوام الصفة لهم، وهذه الآية نزلت عام الحديبية حين صُد النبي ﷺ عن المسجد الحرام.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ويصدون عن المسجد الحرام.
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ قبلةً لصلاتهم، ومنسكًا ومتعبدًا، وقال ابن عباس وغيره: المراد منه جميع الحرم (١).
стр. 2100
﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ المقيم ﴿وَالْبَادِ﴾ أي: الآتي إليه من البادية. قرأ حفص عن عاصم: (سَوَاءً) نصب بإيقاع الجعل عليه؛ لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين، وقرأ الباقون: بالرفع على الابتداء، وما بعده خبره، وتمام الكلام عند قوله: (للناس) (١)، وأثبت أبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: الياء في (البادي) وصلًا، وأثبتها ابن كثير ويعقوب وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين، وهي في الإمام بغير ياء (٢)، المعنى: المقيم فيه، والوارد إليه سواء، لا يخص بعضًا دون بعض.
وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام، واختلف في مكة، فذهب عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومجاهد، وجماعة إلى أن الأمر كذلك في دور مكة، وأن القادم له النزول حيث وجد فارغًا، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبي، وقال ذلك سفيان الثوري وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول.
وروي أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ قُبضوا وما تُدعى دور مكة إلا السوائبَ، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن (٣)، وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة، فاتخذ رجل بابًا، فأنكر عليه عمر
стр. 2101
وقال: أتغلق بابًا في وجه حج (١) بيت الله، فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه، فاتخذ الناس الأبواب.
قال ابن عطية: وقال جمهور من الأمة، منهم الإمام مالك: ليست الدور كالمسجد، ولأهلها المتاع بها، والاستبداد، وعلى هذا العمل اليوم، وهذا الخلاف متركب على الاختلاف في مكة، هل هي عَنْوة أو صلح؟ فمن رآها صلحًا، فإن الاستواء عنده في المنازل بعيد، ومن رآها عنوة، أمكنه أن يقول: الاستواء فيها قرره (٢) الأئمة الذين لم يُقطعوها أحدًا، وإنما سكنى من سكن من قبل نفسه (٣).
واختلف الأئمة في فتحها، فذهب مالك وأصحابه: إلى أنها فتحت عنوة بالسيف، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: فتحت صلحًا.
واختلفوا في جواز بيع دور مكة وإجارتها، فقال أحمد: لا يجوز بيع رَباع مكة والحرم، وهي المنازل، ولا إجارتها؛ لأنها فتحت عنوة، وقال مالك: يجوز إجارتها وبيعها؛ لأن النبي ﷺ منَّ بمكة على أهلها، فلم تقسم، ولا سبي أهلها؛ لما عظم الله من حرمتها، ولكن الكراهة عنده في كراء دور مكة قوية؛ طلبًا للمواساة بها، وروي عنه أيضًا كراهة كرائها في أيام الموسم خاصة، وقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع بناء بيوت مكة، ويكره بيع أرضها، وكذا الإجارة، وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن:
стр. 2102
لا بأس بالبيع في الأرض والبناء، وأما مذهب الشافعي، فلم يختلف في جواز البيع والإجارة؛ لأنها فتحت عنده صلحًا.
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ أي: يفعل ﴿فِيهِ﴾ أي: في المسجد ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ هو الميل عن الحق، والباء زائدة، معناه: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم، والمراد بالإلحاد هنا: الشرك وجميع المعاصي ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جواب لـ (مَنْ).
...
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿بَوَّأْنَا﴾ هيأنا ﴿لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ليبنيه؛ لأن البيت كان رفع إلى السماء زمن الطوفان؛ وكان من ياقوتة حمراء، ثم لما أمر الله إبراهيم ﵇ ببنائه، لم يدر أين يبني، فأعلم الله مكانه بريح أرسلها، فكنست ما حوله، فبناه على أُسِّه القديم ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: وقلنا له: لا تشرك بي شيئًا.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وهشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم: (بَيْتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ بالبيت ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: المقيمين به.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلين.
стр. 2103
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ أي: نادِ فيهم ﴿بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مشاة.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ بعير مهزول ﴿يَأْتِينَ﴾ أي: النوق.
﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ طريق ﴿عَمِيقٍ﴾ بعيد، والضامر: هو كل ما اتصف بذلك من جمل وناقة وغير ذلك.
روي أن إبراهيم ﵇ لما أُمر بالأذان بالحج، قال: "يا رب! وإذا ناديتُ، فمن يسمعني؟ فقيل له: نادِ يا إبراهيم، فعليك النداء، وعلينا البلاغ، فصعد على أبي قبيس فقال: أيها الناس! ألا إن ربكم قد بنى بيتًا، وكتب عليكم الحج، فأجيبوا ربكم، والتفت بوجهه يمينًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك".
قال ابن عباس: "فأول من أجابه أهل اليمن (١)، فهم أكثر الناس حجًّا" (٢).
واتفق الأئمة على أن الحج فرض على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مرة في العمر مع الاستطاعة، فعند الشافعي ومالك: يجب على التراخي، وقيد مالك بما إذا لم يخش الفوت، وعند أبي حنيفة وأحمد: على الفور.
واختلفوا في العمرة، فقال أبو حنيفة ومالك: هي سنة، وقال الشافعي
стр. 2104
وأحمد: هي فرض كالحج، وتقدم الكلام على ذلك، وعلى أوجه الحج الثلاثة، وهي: الإفراد، والتمتع، والقران في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) [الآية: ١٩٦].
стр. 2105
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ ليحضروا ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ دينية ودنيوية.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عند التذكية ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ عندهم؛ لأنهم كانوا يحرصون على علمها وعدها لأجل الحج، وهي عشر ذي الحجة عند الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم، وعند مالك: هي أيام النحر الثلاثة.
﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، فلا تجوز الأضحية من غيرها.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة ليس بواجب، وإنما قال ذلك؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئًا، وأما الأضحية، فإنها مشروعة بأصل الشرع بالاتفاق.
واختلفوا في حكمها، فقال أبو حنيفة: هي واجبة على كل مسلم حر مقيم ملكَ نصابًا من أي الأموال كان، وقال الثلاثة: هي سنة غير مفروضة، واستثنى مالك الحاج الذي بمنى، فإن سنته عنده الهدي، ويجوز الأكل منها باتفاقهم، فقال أبو حنيفة: له أن يأكل منها، ويطعم الأغنياء والفقراء، ويدخر، ويستحب ألّا ينقص الصدقة من الثلث، وقال مالك: يأكل ويطعم، وليس لما يأكله ولا لما يطعمه حد، وقال الشافعي وأحمد: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، ولو أكل أكثر، جاز.
واختلفوا في الأفضل مما يضحى به، فقال مالك: الأفضل الغنم، ثم