← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وقال: أتغلق بابًا في وجه حج (١) بيت الله، فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه، فاتخذ الناس الأبواب. قال ابن عطية: وقال جمهور من الأمة، منهم الإمام مالك: ليست الدور كالمسجد، ولأهلها المتاع بها، والاستبداد، وعلى هذا العمل اليوم، وهذا الخلاف متركب على الاختلاف في مكة، هل هي عَنْوة أو صلح؟ فمن رآها صلحًا، فإن الاستواء عنده في المنازل بعيد، ومن رآها عنوة، أمكنه أن يقول: الاستواء فيها قرره (٢) الأئمة الذين لم يُقطعوها أحدًا، وإنما سكنى من سكن من قبل نفسه (٣). واختلف الأئمة في فتحها، فذهب مالك وأصحابه: إلى أنها فتحت عنوة بالسيف، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: فتحت صلحًا. واختلفوا في جواز بيع دور مكة وإجارتها، فقال أحمد: لا يجوز بيع رَباع مكة والحرم، وهي المنازل، ولا إجارتها؛ لأنها فتحت عنوة، وقال مالك: يجوز إجارتها وبيعها؛ لأن النبي ﷺ منَّ بمكة على أهلها، فلم تقسم، ولا سبي أهلها؛ لما عظم الله من حرمتها، ولكن الكراهة عنده في كراء دور مكة قوية؛ طلبًا للمواساة بها، وروي عنه أيضًا كراهة كرائها في أيام الموسم خاصة، وقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع بناء بيوت مكة، ويكره بيع أرضها، وكذا الإجارة، وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن:

стр. 2102

لا بأس بالبيع في الأرض والبناء، وأما مذهب الشافعي، فلم يختلف في جواز البيع والإجارة؛ لأنها فتحت عنده صلحًا. ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ أي: يفعل ﴿فِيهِ﴾ أي: في المسجد ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ هو الميل عن الحق، والباء زائدة، معناه: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم، والمراد بالإلحاد هنا: الشرك وجميع المعاصي ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جواب لـ (مَنْ). ... ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿بَوَّأْنَا﴾ هيأنا ﴿لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ليبنيه؛ لأن البيت كان رفع إلى السماء زمن الطوفان؛ وكان من ياقوتة حمراء، ثم لما أمر الله إبراهيم ﵇ ببنائه، لم يدر أين يبني، فأعلم الله مكانه بريح أرسلها، فكنست ما حوله، فبناه على أُسِّه القديم ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: وقلنا له: لا تشرك بي شيئًا. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وهشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم: (بَيْتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ بالبيت ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: المقيمين به. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلين.

стр. 2103

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ أي: نادِ فيهم ﴿بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مشاة. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ بعير مهزول ﴿يَأْتِينَ﴾ أي: النوق. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ طريق ﴿عَمِيقٍ﴾ بعيد، والضامر: هو كل ما اتصف بذلك من جمل وناقة وغير ذلك. روي أن إبراهيم ﵇ لما أُمر بالأذان بالحج، قال: "يا رب! وإذا ناديتُ، فمن يسمعني؟ فقيل له: نادِ يا إبراهيم، فعليك النداء، وعلينا البلاغ، فصعد على أبي قبيس فقال: أيها الناس! ألا إن ربكم قد بنى بيتًا، وكتب عليكم الحج، فأجيبوا ربكم، والتفت بوجهه يمينًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك". قال ابن عباس: "فأول من أجابه أهل اليمن (١)، فهم أكثر الناس حجًّا" (٢). واتفق الأئمة على أن الحج فرض على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مرة في العمر مع الاستطاعة، فعند الشافعي ومالك: يجب على التراخي، وقيد مالك بما إذا لم يخش الفوت، وعند أبي حنيفة وأحمد: على الفور. واختلفوا في العمرة، فقال أبو حنيفة ومالك: هي سنة، وقال الشافعي

стр. 2104

وأحمد: هي فرض كالحج، وتقدم الكلام على ذلك، وعلى أوجه الحج الثلاثة، وهي: الإفراد، والتمتع، والقران في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) [الآية: ١٩٦].

стр. 2105

﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ ليحضروا ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ دينية ودنيوية. ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عند التذكية ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ عندهم؛ لأنهم كانوا يحرصون على علمها وعدها لأجل الحج، وهي عشر ذي الحجة عند الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم، وعند مالك: هي أيام النحر الثلاثة. ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، فلا تجوز الأضحية من غيرها. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة ليس بواجب، وإنما قال ذلك؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئًا، وأما الأضحية، فإنها مشروعة بأصل الشرع بالاتفاق. واختلفوا في حكمها، فقال أبو حنيفة: هي واجبة على كل مسلم حر مقيم ملكَ نصابًا من أي الأموال كان، وقال الثلاثة: هي سنة غير مفروضة، واستثنى مالك الحاج الذي بمنى، فإن سنته عنده الهدي، ويجوز الأكل منها باتفاقهم، فقال أبو حنيفة: له أن يأكل منها، ويطعم الأغنياء والفقراء، ويدخر، ويستحب ألّا ينقص الصدقة من الثلث، وقال مالك: يأكل ويطعم، وليس لما يأكله ولا لما يطعمه حد، وقال الشافعي وأحمد: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، ولو أكل أكثر، جاز. واختلفوا في الأفضل مما يضحى به، فقال مالك: الأفضل الغنم، ثم

стр. 2106

البقر، ثم الإبل، قال الثلاثة: أفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، والضأن أفضل من المعز بالاتفاق، ويجوز الذكر والأنثى والخصي، وشرطها سلامة من عيب ينقص اللحم، فلا تجزئ العجفاء، وهي الهزيلة، ولا ذات عرج وعور ومرض، وتجزئ الجماء، وهي التي خلقت بغير قرون، ولا يضر شق أذن وخرقها، بغير خلاف في ذلك، وتجزئ الشاة عن واحد باتفاقهم، وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة عند الثلاثة، وقال مالك: هما كالشاة لا تجزئ إلا عن واحد. واختلفوا فيما يجزئ في الأضحية والهدي، فقال أبو حنيفة وأحمد: يجزئ الجذع من الضأن، وهو ما له ستة أشهر، والثني مما سواه، فمن المعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنين، وقال مالك: الجذع من الضأن ما له سنة، والثني مما سواه، فمن المعز ما له ثلاث سنين، ومن البقر ما دخل في الثالثة، ومن الإبل ما له ست سنين، وقال الشافعي: من الإبل ما طعن في السادسة، ومن البقر والمعز ما طعن في الثالثة، ومن الضأن ما طعن في الثانية، والسنة أن يذبحها بنفسه إن كان يحسن، وإلا يحضُرها. واختلفوا فيما إذا ذبحها كتابي، فقال مالك: لا يجوز، وقال الثلاثة: يجوز مع الكراهة. وله أن ينتفع بجلدها، ولا يعطى الجازر بأجرته شيئًا منها، ولا يبيعها ولا شيئًا منها بالاتفاق، وأما الهدي الواجب بأصل الشرع؛ كدم التمتع والقران، والواجب بإفساد الحج وفواته، وجزاء الصيد، وما أوجبه على نفسه بالنذر، فلا يجوز الأكل منها عند الشافعي، وقال مالك: يأكل من

стр. 2107

هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه، إلا من أربعة أشياء: فدية الأذى، وجزاء الصيد، ونذر المساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، وقال أبو حنيفة وأحمد: يأكل من هدي التطوع، ودم التمتع والقران، ولا يأكل من واجب سواهما، وسيأتي ذكر وقت الذبح والكلام عليه في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى. ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ هو ذو البؤس؛ أي: الشدة. ﴿الْفَقِيرَ﴾ الذي لا شيء له. ... ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ يزيلوا أوساخهم، والمراد: الخروج عن الإحرام بالحلق، وقص الشارب، وقلم الأظافر، ولبس الثياب، وقال ابن عباس وابن عمر: قضاء التفث: مناسك الحج كلها (١). ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما ينذرون من البر في حجهم ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ ليدوروا طواف الإفاضة ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الكعبة؛ لأنه أول بيت وضع للناس. قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، وورش، ورويس، وقنبل: (ثمَّ لِيَقْضُوا) بكسر اللام، والباقون: بإسكانها (٢)، وتقدم توجيه قراءتهم عند

стр. 2108

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، وهذا الحرف نظيره، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (وَلِيُوفُوا) (وَلِيَطَّوَّفُوا) بكسر اللام فيهما، والباقون: بإسكانها منهما (١)، وقرأ أبو بكر عن عاصم: (وَلْيُوَفُّوا) بفتح الواو وتشديد الفاء (٢). وطواف الإفاضة ركن، وبه تمام الحج بالاتفاق، وأول وقته عند أبي حنيفة طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخره إلى اليوم الثالث، لزمه شاة، وعند الشافعي وأحمد: أول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، والأفضل فعله يوم النحر، فإن أخره عن أيام منى، جاز، وعند مالك: يجوز تأخيره إلى آخر ذي الحجة؛ لأنه بكماله عنده من أشهر الحج، لكنه قال: لا بأس بتأخير الإفاضة إلى أيام التشريق، وتعجيلها أفضل، فإن أخرها إلى المحرم، فعليه دم. ... ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من أعمال الحج ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ

стр. 2109

اللَّهِ﴾ هي ما لا يحل انتهاكه، وتعظيمها: ترك ملابستها. ﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ في الدار الآخرة. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ أكلًا بعد الذبح ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه؛ أي: في سورة المائدة، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [الآية: ٣] استثناء منقطع؛ لأن المحرَّم ليس من جنس الأنعام. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ القذر ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ بيان للرجس؛ لأن الرجس: الأوثان وغيرها؛ أي: اجتنبوا الرجس من هذا القبيل. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الكذب والبهتان. روي أن النبي ﷺ قام خطيبًا فقال: "يا أيها الناس! عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية" (١). واختلف الأئمة في عقوبة شاهد الزور، فقال أبو حنيفة: لا يُعزر، بل يوقف في قومه، ويقال لهم: إنه شاهد زور، وقال الثلاثة: يعزر، ويوقف في قومه، ويعرفون أنه شاهد زور، وقال مالك: يشهر في الجوامع

стр. 2110

والأسواق والمجامع، وقال أحمد: يطاف به في المواضع التي يشتهر فيها، فيقال: إنا وجدنا هذا شاهد زور، فاجتنبوه. ... ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ اجتنبوا معصية الله تعالى مخلصين ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ يعني: من أشرك لا يكون حنيفًا. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ سقط ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرض. ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ تستلبه ﴿الطَّيْرُ﴾ والخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة. قرأ أبو جعفر، ونافع: (فَتَخَطَّفُهُ) بفتح الخاء وتشديد الطاء؛ أي: تتخطفه، فحذفت إحدى التاءين، وقرأ الباقون: بإسكان الخاء وتخفيف الطاء؛ من خطف يخطف (١). ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تميل وتذهب به ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد مهلك لا يرجى خلاصه منه، المعنى: ومن يشرك بالله، فقد هلكت نفسه هلاكًا يشبه أحد الهلاكين. قرأ أبو جعفر: (الرِّيَاحُ) بألف بعد الياء على الجمع، والباقون: بغير ألف على التوحيد (٢).

стр. 2111

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من اجتناب الرجس وقول الزور. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ وهي الهدي والبدن، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها: استسمانها واستحسانها. ﴿فَإِنَّهَا﴾ أي: الفعلة، وهي اجتناب الرجس، وتعظيم الشعائر. ﴿مِنْ﴾ أفعال ذوي ﴿تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وذكر القلوب؛ لأنها منشأ التقوى والفجور، والآمرة بهما. ... ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في البدن ﴿مَنَافِعُ﴾ قبل تسميتها للهدي؛ من دَرِّها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أن يسميها ويوجبها هديًا، فإذا فعل ذلك، لم يكن له شيء من منافعها. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ أي: حيث يحل نحرها ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ والمراد: الحرم كله، فتنحر فيه، واتفق الأئمة على جواز ركوب الهدي للحاجة ما لم يضربه. ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم.

стр. 2112

﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (مَنْسِكًا) بكسر السين بمعنى: موضع القربان، وقرأ الباقون: بفتح السين، مصدر بمعنى النسك، وهو إهراقة الدماء (١). ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عند النحر ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وقيد بهيمة الأنعام؛ لأن من البهائم ما لا يجوز في القرابين؛ كالخيل والحمر. ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أخلصوا وأطيعوا ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المطيعين المتواضعين، والخبت: المكان المطمئن من الأرض، روي أن قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ نزل في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ (٢). ... ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾ خافت واضطربت ﴿قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من المحن ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون. ...

стр. 2113

﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بَدنَة، سميت بذلك؛ لعظم أبدانها، وهي الإبل خاصة. ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أعلام دينه، سميت شعائر؛ لأنها تُشْعَر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها، فيعلم أنها هَدْي، وتقدم الكلام على ذلك واختلاف الأئمة فيه في أول سورة المائدة. ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ عند نحرها ﴿صَوَافَّ﴾ أي: قيامًا على ثلاث قوائم، قد صفت رجليها وإحدى يديها، ويدُها اليسرى معقولة عند الذبح، وهي جمع صافَّة. واختلف الأئمة في التسمية عند الذبح، فمذهب الشافعي: أن التسمية سنة، وتحل الذبيحة إذا تركها عامدًا أو ناسيًا، ومذهب الثلاثة: إن تركها عمدًا، لم تحل، وإن تركها ناسيًا، حلت. ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ سقطت ﴿جُنُوبُهَا﴾ إلى الأرض ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ إن شئتم ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ هو ذو القناعة الذي لا يتعرض ولا يسأل. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المتعرض بغير سؤال. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك التسخير. ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ مع عظمها وقوتها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامنا عليكم.

стр. 2114

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ لن ترفع إليه ﴿لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ وذلك أن الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن، لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله تعالى، فنزلت الآية: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١) يعني: النية والإخلاص، وما أريد به وجه الله. قرأ يعقوب: (لَنْ تنَالَ) (وَلَكِنْ تنَالُهُ) بالتاء على التأنيث فيهما؛ لتأنيث الجماعة، وتأنيث التقوى، وقرأهما الباقون: بالياء على التذكير (٢). ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا﴾ يعني: البدن ﴿لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ لأعلام دينه، ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا، وقيل: التسمية والتكبير. على الهدي والأضحية أن يقول الذابح: بسم الله والله أكبر ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ الموحدين، روي أن قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ نزل في الخلفاء الأربعة كما تقدم في المخبتين، فأما ظاهر اللفظ، فمقتض للعموم في كل محسن. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾.

стр. 2115

[٣٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ﴾ يذهب غوائل المشركين وأذاهم. ﴿عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بفتح الياء والفاء وإسكان الدال من غير ألف، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الدال وألف بعدها مع كسر الفاء (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ خائن في أمانته. ﴿كَفُورٍ﴾ بالله تعالى؛ حيث أشرك. ... ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ . [٣٩] ولما كان المشركون من أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ ، فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون إلى رسول الله ﷺ ، فيقول لهم: "اصبروا فإني لم أؤمر بقتال" حتى هاجر رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ (٢). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم، وخلف باختلاف عنه: (أُذِنَ) بضم الهمزة مجهولًا،

стр. 2116

[والباقون: بفتحها؛ أي: أذن الله للذين يقاتلون (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وحفص عن عاصم: (يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء مجهولًا] (٢)؛ أي: يقاتلهم عدوهم، وقرأ الباقون: بكسرها معلومًا (٣)؛ أي: يقاتلون هم عدوهم. ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ بسبب كونهم مظلومين باعتداء الكفار عليهم. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ونسخت هذه الآية سبعين آية؛ لأنها أول آية نزلت في الإذن بالقتال، ونزلت بالمدينة (٤). ... ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: مكة، بدل من ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير ذنب ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا﴾ المعنى: لم يخرجوا من ديارهم إلا بسبب قولهم:

стр. 2117

﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بالجهاد وإقامة الحدود. قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب: (دِفَاعُ) بكسر الدال وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون: (دَفْعُ) بفتح الدال وإسكان الفاء من غير ألف (١). ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لخربت. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: بتخفيف (٢) الدال، والباقون: بتشديدها، فالتخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد يختص بالكثير (٣)، وقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب، وقالون، والأصبهاني عن ورش، وهشام عن ابن عامر: بإظهار التاء عند الصاد من (صَوَامِعُ)، والباقون: بإدغامها (٤). ﴿صَوَامِعُ﴾ منابر الرهبان ﴿وَبِيَعٌ﴾ جمع بِيعة، وهي كنيسة النصارى. ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ أي: مواضع صلوات، وهي كنائس اليهود. ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ هي للمسلمين. ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ المعنى: لولا دفع الله عن المتعبدين بالمجاهدين، لانقطعت العبادات، وخربت المتعبدات، وقدم مصليات الكافرين على مساجد المؤمنين؛ لأنها أقدم.

стр. 2118

واتفق الأئمة على منع أهل الذمة من إحداث الكنائس والبيع في بلاد الإسلام فيما اختطه المسلمون من الأمصار، وما فتح عنوة، واتفقوا على جواز ذلك فيما شرطوه فيما فتح صلحًا على أنه لنا، واختلفوا في إعادة المنهدم منها، فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز إعادته، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، قال أحمد: ولو هدم ظلمًا، وأما رم المتشعث منها، فيجوز عند الثلاثة، وعند مالك: إن اشترطوه جاز، وإلا فلا. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: ينصر دينه، وقد نجز وعده بتسليط المهاجرين والأنصار على العرب والعجم، وأورثهم أرضهم وديارهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ ممتنع في سلطانه. ... ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بنصرهم على عدوهم حتى تمكنوا من البلاد، قال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي (١): آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه. ... ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢)﴾ . [٤٢] ثم سلى نبيه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾.

стр. 2119

﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾. ... ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أمهلتهم. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بإهلاكهم، يخوف به من يخالف النبي ﷺ ويكذبه، وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ مجهولًا؛ لأن موسى لم يكذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبط. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (أَخَذْتُهُمْ) (أَخَذْتُهَا) (١) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (٢)، وقرأ ورش عن نافع: (نَكِيرِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٣). ...

стр. 2120

﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿فَكَأَيِّنْ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو جعفر: بألف ممدودة بعد الكاف، وبعدها همزة مكسورة، وأبو جعفر يسهل الهمزة، والباقون: بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مكسورة مشددة، ووقف أبو عمرو ويعقوب (فَكَأَيْ) بغير نون حيث وقع، ووقف الباقون: (فَكَأَيِّنْ)، وهي كاف التشبيه ضمت إلى الاستفهام، فصار المعنى: وكم (١). ﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ يعني: أهلها. قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (أَهْلَكْتُهَا) بالتاء مضمومة من غير ألف على الإفراد، وقرأ الباقون: بالنون مفتوحة وألف بعدها جمعًا على التعظيم (٢). ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: مشرِكٌ أهلُها ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها؛ بأن سقطت السقوف، ثم سقطت عليها الحيطان. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: وكم من بئر متروكة مع وجود الماء وآلاتها فيها؛ لهلاك أربابها. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: (وَبِيرٍ) بغير همز، والباقون: بالهمز (٣).

стр. 2121

﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ مجصَّص من الشيد مرتفع محكم أخليته بإهلاك أربابه (١)، أفلم يعتبر كفار مكة بذلك؟ روي أن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها: حاصوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح ﵇ نجوا من العذاب، فأتوا حضرموت، ومعهم صالح، فلما حضروه، مات صالح، فسمي: حضرموت؛ لأن صالحًا لما حضره (٢) مات، فبنوا حاصوراء، وقعدوا على (٣) هذه البئر، وأمَّروا عليهم رجلًا، فأقاموا دهرًا، وتناسلوا حتى كثروا، ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيًّا يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان حمالًا فيهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم، وخربت قصورهم (٤). ... ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: كفار مكة، فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي: يعلمون بها، فيه دليل على أن العقل محله القلب، وهو قول المالكية والشافعية

стр. 2122

وأصحاب أحمد، والأطباء قالوا: وله اتصال بالدماغ، والمشهور عن أحمد أنه في الدماغ، وفاقًا للحنفية، والعقل ما يحصل به المَيْزُ، وهو نور في القلب كالعلم، وهو غريزة، ويختلف، فعقل بعض الناس أكثر، وهو مأخوذ من عقال البعير، يمنع ذوي العقول من العدول عن سواء السبيل. ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية، فيعتبروا بها. ﴿فَإِنَّهَا﴾ أي: القصة. ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ المعنى: أعينهم صحيحة، وقلوبهم عُمي، والعمى الضار هو عمى القلب، فأما البصر، فليس بضار في أمر الدين. ... ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ولما قال: النضر بن الحارث ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، نزل: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (١) بإهلاك الكفار وعذابهم، فأنجز الله ذلك يوم بدر. ﴿وَإِنَّ يَوْمًا﴾ من أيام العذاب الذي استعجلوه.

стр. 2123

﴿عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا؛ في الشدة، فكيف تستعجلونه؟! قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: (يَعُدُّونَ) بالغيب؛ لقوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ)، وقرأ الباقون: بالخطاب؛ لأنه أعم؛ لأنه خطاب للمستعجلين والمؤمنين (١). ... ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ وكَمْ من أهل قرية، عطف الأولى بالفاء؛ لأنها بدل عن قوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ وهذه بالواو؛ لأنها في حكم ما تقدمها من الجملتين؛ لبيان أن المتوعد به يحيق بهم لا محالة، وأن تأخيره لعادته تعالى. ﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ أمهلتها كما أمهلتكم ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ مثلكم. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وإلي حكم الجميع. ... ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أوضحُ لكم ما أُنذركم به، ليس إلي أن أعجل عذابًا، ولا أن أؤخره. ...

стр. 2124

﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾ . [٥٠] ثم قسم حالة المؤمنين والكافرين بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة، ورزقهم فيها. ... ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ بالطعن فيها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بتشديد الجيم من غير ألف؛ أي: مثبطين الناس عن الإيمان، وقرأ الباقون: بالتخفيف والألف (١)؛ أي: مسابقين مشاقين للساعين فيها بالقبول ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ... ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [٥٢] ولما ألقى الشيطان بقراءة نفسه في قراءة النبي ﷺ محاكيًا نغمته ﵇ لما قرأ في الصلاة: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى؛ بحيث يسمعها من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قوله ﵇، وأشاعوها، حزن لذلك ﷺ ، فنزل تسلية له:

стр. 2125

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ (١) هو الذي جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ هو الذي لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا. ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: تلا وقرأ كتاب الله. ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾ بقراءة نفسه ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ في قراءته، المعنى: ما من رسول (٢) ولا نبي قبلك إلا مكنا الشيطان أن يلقي في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك، فلا تهتم لذلك. قرأ أبو جعفر: (أُمْنِيَتِهِ) بتخفيف الياء، والباقون: بتشديدها (٣). ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي: يثبتها. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال الناس ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بهم، وما نقل من أن الشيطان ألقاها على لسان النبي ﷺ ، أو أنه أصابته ﵇ سِنَة، فقالها، أو حدَّثَ نفسه فسها، فهذا كله ضعيف واه لم يُرو بسند صحيح؛ لعصمته ﷺ ، ونزاهته عن مثل ذلك، وعن جريان الكفر على قلبه أو لسانه عمدًا أو سهوًا، أو يكون للشيطان عليه سبيل. ...

стр. 2126

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ اختبارًا. ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هو الشك. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ عن قبول الحق، وهم المشركون، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، فازدادوا عتوًا، وظنوا أن رسول الله ﷺ يقوله من عند نفسه، ثم يندم فيبطل. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ المشركين ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: خلاف شديد. ... ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ التوحيد والقرآن، وهم المؤمنون ﴿أَنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وتعطف عليه (وليعلم). ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ﴾ أي: تلين ﴿لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ وتطمئن ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دين الإسلام. وقف يعقوب (لَهَادِي): بإثبات الياء (١). ...

стр. 2127

﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِنْهُ﴾ من القرآن. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأة. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي: عقم فلا خير فيه للكفار، وهو يوم بدر في قول الأكثر؛ لأنه ذكر الساعة من قبل، والعقم في اللغة: المنع، يقال: رجل عقيم: إذا مُنع من الولد. ... ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تقديره: الملك لله يوم يزول شك الكافرين، وهو يوم القيامة ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بين المؤمنين والكافرين. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. ... ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يُهانون فيه. ***

стр. 2128

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾ . [٥٨] ونزل في الذين قالوا للنبي ﷺ : ما لنا إذا هاجرنا فقتلنا أو متنا؟ ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) فارقوا أوطانهم في طاعة الله تعالى. ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ قرأ ابن عامر: (قُتِّلُوا) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (٢). ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ لا ينقطع أبدًا وهو رزق الجنة، وقيل حسنًا؛ أي: حلالًا. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإنه يرزق بغير حساب. ... ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ هو الجنة؛ لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مَدْخَلًا) بفتح الميم، والباقون: بضمها (٣). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فلا يعجل على المسيء بالعقوبة.

стр. 2129

﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ . [٦٠] ونزل في المسلمين الذين طلب المشركون قتالهم في الأشهر الحرم، فامتنعوا عليهم، ثم قاتلوهم ﴿ذَلِكَ﴾ (١) أي: الأمر ذلك. ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي: جازى الظالم بمثل ظلمه. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (عَاقَب بِّمِثْلِ) بإدغام الباء في الباء (٢) ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾ تُعُدِّي (٣) ﴿عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العقوبة. ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ على ظالمه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ عن المؤمنين. ﴿غَفُورٌ﴾ لهم قتالهم في الأشهر الحرم. ... ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿ذَلِكَ﴾ النصر ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذاك بمغيب الشمس، وضياء ذاك في مكان ظلمة هذا بطلوعها.

стр. 2130

﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء. ... ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿ذَلِكَ﴾ الوصف بكمال القدرة والعلم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الذي لا يجوز أن يعبد إلا هو ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الآلهة ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (يَدْعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كل شيء. ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك. ... ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ استفهام معنى الخبر. ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ محكم للأمور برفق ﴿خَبِيرٌ﴾ بما ظهر وبطن. ...

стр. 2131

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ في ذاته عن كل شيء. ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله. ... ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ جعلها مذللة لكم. ﴿وَالْفُلْكَ﴾ أي: وسخر الفلك ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ أي: لكيلا تسقط. ﴿عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة. قرأ أبو عمرو، وقالون، والبزي: (السَّمَا أَنْ) بإسقاط الهمزة الأولى بلا عوض منها، ويهمزون الثانية، وقرأ ورش، وقنبل، وأبو جعفر، ورويس: بتسهيل الثانية، فيجعلونها بين الهمزة والألف، ويفتحونها شبه مَدَّة، وقرأ الباقون، [وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح: بتحقيق الهمزتين (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو جعفر،

стр. 2132

وابن عامر، وحفص: (لَرَءُوفٌ) بالإشباع حيث وقع على وزن فَعول، وقرأ الباقون] (١): بالاختلاس على وزن فَعُل (٢)، والرأفة: أشد الرحمة. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحام. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء الأجل. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ هو بديل بن ورقاء ﴿لَكَفُورٌ﴾ بالله تعالى وبأنعمه. ... ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يعني: شريعة هم عاملون بها. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (مَنْسِكًا) بكسر السين، والباقون: بفتحها، وتقدم توجيه القراءتين في الحرف المتقدم [الآية: ٣٤]. ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ أي: لا تنازعهم في الأمر.

стр. 2133

﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في الذبائح، وذلك أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله -يعني: الميتة-، فنزلت الآية: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (١) إلى دينه. ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق إلى الحق سويٍّ. ... ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ وقد ظهر الحق. ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المجادلة الباطلة. ... ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون والكافرون. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. ... ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه شيء.

стр. 2134

﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الموجود فيهما. ﴿فِي كِتَابٍ﴾ في اللوح المحفوظ. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الإحاطة به ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. ... ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾ . [٧١] ثم أومأ إلى جهالة الكفار بعبادتهم غير المستحق لها، فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حجة وبرهانًا على جواز عبادته ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني: فعلوه عن جهل لا عن علم. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ المشركين ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم العذاب. ... ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي: القرآن. ﴿بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أثر الإنكار ﴿الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يصولون ويبطشون. ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ هم النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وأصل السطو: القهر.

стр. 2135

﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ أي: بأشد من سماع القرآن. ﴿النَّارُ﴾ أي: هي النار ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النار. ... ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ . [٧٣] ولما كانت دعواهم بأن لله شريكًا جارية في الغرابة والشهرة مجرى الأمثال التي يسار بها، قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ﴾ أي: جُعل ﴿مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ استماع تدبر وتفكر، ثم جهلهم لذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ آلهة. قرأ يعقوب: (يَدْعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١) ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ لن يقدروا على خلقه مع صغره، والمراد: الذباب المعروف؛ لأنه مثل في الضعف والحقارة ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟ ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ﴾ أي: يسلب ﴿الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ من حلي الأصنام، مع ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ﴾ يخلصوه ﴿مِنْهُ﴾ لعجزهم، وهذه صفة العاجز، فكيف تعبدونه؟! قال ابن عباس: "كانوا يُطْلون أصنامهم بالزعفران، فإذا

стр. 2136

جف، سلبه الذباب، فتعجز الأصنام وعابدوها عن أخذه منهم" (١) ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ العابد ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ المعبود. ... ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظموه حق عظمته، ولا وصفوه حق وصفه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ لا يغلبه شيء، وآلهتهم مقهورة عاجزة. ... ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ . [٧٥] ولما قال المشركون: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، نزل: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ (٢) يختار ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وغيرهم ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ رسلًا، يدعون إلى الحق، ويبلغون ما نزل عليهم؛ مثل: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من شاء من خلقه. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته. ...

стр. 2137

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾ . [٧٦] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما قَدَّموا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما خَلَّفوا. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ في الآخرة. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ في صلاتكم ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وحّدوه، والعبادة عبارة عن الخضوع والتذلل، وهو تعظيم الله [بأمره ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ من صلة الرحم ومكارم الأخلاق. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾] (٢)؛ لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة، وهذا محل سجود عند الشافعي وأحمد؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك، وتقدم اختلاف الأئمة في سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم. ...

стр. 2138

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ لله، ومن أجل إعلاء دينه ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ بنية صادقة خالصة لله ، وقد روي أن رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك قال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (١)، وأراد بالجهاد الأصغر: جهاد الكفار، وبالأكبر: جهاد النفس. ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ اختاركم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضيق في شرعة الملة، والحرج: ما يتعذر عليه الخروج عما يقع فيه، وذلك أنها -أي: الملة- حنيفة سمحة، ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم، بل فيها التوبة والكفارات والرخص، ونحو هذا مما كثر عده. ﴿مِلَّةَ﴾ أي: كَمِلَّة ﴿أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ونصب بنزع حرف الصفة، وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ خطاب للعرب؛ لأنهم كانوا من نسل إبراهيم. ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ المعنى: الله سماكم المسلمين. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إنزال القرآن في الكتب المتقدمة.

стр. 2139

﴿وَفِي هَذَا﴾ الكتاب، وهو القرآن ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة أن قد بلغكم ﴿وَتَكُونُوا﴾ أنتم ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أن رسلهم قد بلَّغتهم، واللام في (١) (لِيَكُونَ) متعلقة بقوله: (اجْتبَاكُمُ). ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ بالمداومة عليها. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أَدُّوها كما أنعم عليكم. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ ثقوا به، وارفضوا التوكل على سواه. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ الذي يليكم نصره وحفظه. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا إله إلا هو إليه المصير، والله أعلم. ...

стр. 2140

سُوْرَةُ المؤمنُونَ مكية وآيها: مئة وثماني عشرة آية، وحروفها: أربعة آلاف وثماني مئة وحرفان، وكلمها: ألف وثماني مئة وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ . [١] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: سعد المصدقون ونالوا البقاء في الجنة، والفلاح: هو النجاح والبقاء، و (قَدْ) تُثبت المتوقع، كما أن (لما) تنفيه، ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك، صدرت بها بشارتهم. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لقد أُنزل علي عشر آيات، من قام بهن، دخل الجنة، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى عشر آيات" (١). قرأ ورش عن نافع: (قَدَ أَفْلَحَ) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وهو الدال، وحذفها، وحمزة له النقل إذا وقف بخلاف عنه، والوجهان من
следующие страницы →