قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. واختلف القراء في (أَئِذَا) (أَئِنَّا) في الإخبار بالأول منهما، والاستفهام بالثاني، وعكسه، والاستفهام فيهما، وفي ضم الميم وكسرها من (متنا)، فقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: (إذا) بالإخبار، (مُتْنَا): بضم الميم، (أَئِنَّا): بالاستفهام، فابن عامر يحقق الهمزتين، وأبو جعفر يسهل الثانية، ويفصل بينهما بألف، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل مع تحقيق الهمزتين، وقرأ نافع: (أَئِذَا): بالاستفهام وتسهيل الهمزة الثانية، (مِتْنَا): بكسر الميم و (إِنَّا): بالإخبار، ووافقه رويس عن يعقوب في حكم الهمزتين، وخالفه في الميم، فقرأها: بالضم، وقرأ الكسائي: (أَئِذَا): بالاستفهام، ويحقق الهمزتين، (مِتْنَا): بكسر الميم، و (إِنَّا): بالإخبار، ووافقه روح عن يعقوب في حكم الهمزتين، وقرأ: (مُتْنَا) بضم الميم؛ كرويس، وقرأ الباقون: (أَئِذَا) (أَئِنَّا): بالاستفهام فيهما، فابن كثير، وأبو عمرو يسهلان الهمزة الثانية منهما، وأبو عمرو يفصل بينهما بألف، واتفقا على ضم الميم من (مُتْنَا)، وعاصم، وحمزة، وخلف: يحققون الهمزتين منهما، ويكسر حمزة وخلف الميم، واختلف عن عاصم، فقرأ أبو بكر عنه: بالضم، وحفص: بالكسر، فمن قرأ بالاستفهامين، فذلك للتأكيد، ومن استفهم في الأول فقط، فإنما يقصد بالاستفهام الموضع الثاني (١)، تقديره: أنبعث ونحشر إذا، ومن استفهم في الثاني فقط، فمعناه: إذا كنا ترابًا، أنبعث؟
...
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ .
[٨٧] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله تعالى.
...
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾ .
[٨٨] ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الملكوت: الملك، والتاء فيه للمبالغة.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ يمنع من (١) السوء ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ ولا يمنع (٢) منه من أراده بسوء ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قيل: معناه: أجيبوا إن كنتم تعلمون.
...
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ .
[٨٩] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ فكيف تخدعون عن طاعته؟ المعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلًا؟ اختلف القراء في (سَيَقُولُونَ لِلهِ) في الحرفين الأخيرين، فقرأ أبو عمرو، ويعقوب: بإثبات ألف الوصل قبل اللام فيهما، ورفع الهاء من الجلالتين جوابًا على اللفظ؛ لأنك تقول: من رب هذا؟ فالجواب: فلان؛ لأنه جواب (من) لفظًا، وكذلك رسمًا في المصاحف البصرية، وقرأ الباقون: (لِلهِ) بغير ألف فيهما، وخفض الهاء،
стр. 2174
وكذلك رسمًا في مصاحف الحجاز والشام والعراق (١)، فجعلوا الجواب على المعنى؛ يقول القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان؛ أي: أنا لفلان، وهو مولاي، واتفقوا على الحرف الأول أنه (لِلهِ)؛ لأن قبله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾، فجاء الجواب على لفظ السؤال، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذْكُرُونَ) بتخفيف الذال، والباقون: بالتشديد (٢)، وقرأ رويس عن يعقوب: (بِيَدِهِ) باختلاس كسرة الهاء، والباقون: بالإشباع (٣).
...
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾ .
[٩٠] ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ادعائهم الشريك، وتكذيب الرسل.
...
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ .
[٩١] ثم أكد تكذيبهم بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ
стр. 2175
﴿إِلَهٍ﴾ أي: شريك، فالتقدير: ولو كان معه آلهة.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ لانفرد به، ولم يرض بإضافة خلقه.
إلى غيره ﴿وَلَعَلَا﴾ ارتفع ﴿بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ مغالبة وتكبرًا؛ لأن كل إله يطلب انفراده بألوهيته وخلقه ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تعظَّم ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ له من الشريك والولد.
...
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ .
[٩٢] ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (عَالِمُ) برفع الميم على الابتداء، واختلف عن رويس حالة الابتداء، وقرأ الباقون: بجرها على نعت الله في (سُبْحَانَ اللهِ) (١).
﴿فَتَعَالَى﴾ الله (٢) ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به من الأصنام وغيرها.
...
﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾ .
[٩٣] ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ أي: إن أريتني.
﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ من القتل والعذاب.
...
стр. 2176
﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ .
[٩٤] ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فاجعلني خارجًا منهم إذا نزل بهم العذاب.
...
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾ .
[٩٥] ثم أومأ إلى حلول العذاب بهم فقال: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب ﴿لَقَادِرُونَ﴾ وقد أراه عذاب المشركين ببدر وغيرها.
...
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ .
[٩٦] ثم أمره بالعفو عنهم فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾ أي: بالخلة التي.
﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهي الصفح ومكارم الأخلاق ﴿السَّيِّئَةَ﴾ الصادرةَ منهم إليك (١)، ونسخت بآية السيف، ثم تهددهم بقوله:
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ من الشريك.
...
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ .
[٩٧] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أمتنعُ وأعتصم بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ وساوسِهم ونزغاتهم، وأصل الهمزة: شدة الدفع.
...
стр. 2177
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ .
[٩٨] ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ عند الموت، ويحوموا حولي في شيء من الأحوال؛ لأن الشيطان إذا حضره يوسوسه.
...
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ .
[٩٩] ثم أخبره أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ جمع الضمير تعظيمًا لله تعالى؛ أي: ردوني إلى الدنيا. قرأ يعقوب: (يَحْضُرُونِي) (ارْجِعُونِي) بإثبات الياء فيهما، وحذفها الباقون (١)، واختلافهم في الهمزتين من (جَاءَ أَحَدَهُمُ) كاختلافهم فيهما من: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥].
...
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ .
[١٠٠] ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ بأن أقول: لا إله إلا الله. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ضَيَّعْت من عمري.
стр. 2178
﴿كَلَّا﴾ ردع عن طلب الرجعة، واستبعاد لذلك ﴿إِنَّهَا﴾ يعني: سؤاله الرجعة ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ولا ينالها.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ أي: أمامهم ﴿بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجز، وهو القبر.
﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فلا يرجعون أبدًا؛ لأنه لا رجوع بعد البعث.
...
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ .
[١٠١] ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهو القرن، وهذا عند النفخة الأولى، وقيل: عند النفخة الثانية إذا بعث الناس ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ يفتخرون بها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآخرة؛ كما يفتخرون في الدنيا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما يتساءلون في الدنيا؛ لاشتغال كلٍّ بنفسه. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (فَلاَ أَنْسَاب بَّيْنَهُمْ) بإدغام الباء الأولى في الثانية (١).
...
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾ .
[١٠٢] ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ بالحسنات.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والدرجات.
...
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾.
стр. 2179
[١٠٣] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ بالسيئات.
﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوها، فهم.
﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ وجمع الموازين من حيث الموزون جمع، وهي أعمال، ومعنى الوزن: إقامة الحجة على الناس بالمحسوس على عادتهم وعرفهم.
...
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ .
[١٠٤] ﴿تَلْفَحُ﴾ تحرق ﴿وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ عابسون، بادية أسنانهم؛ لتشمير شفاههم منها؛ لشدة ما يلقون.
وفي الحديث: "إن النار لتشويه، وتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" (١).
...
﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ .
[١٠٥] ﴿أَلَمْ﴾ أي: يقال لهم: ألم.
﴿تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: القرآن.
﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ تذكيرًا لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله.
...
стр. 2180
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ .
[١٠٦] ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: غلبنا الشقاء الذي كتب علينا فلم نهتد. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (شَقَاوَتنُا) بفتح الشين والقاف وألف بعدها، وقرأ الباقون: بكسر الشين وإسكان القاف من غير ألف، وهما لغتان (١).
﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الهداية.
...
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ .
[١٠٧] فعند دخولهم النار يقولون:
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا﴾ خالفناك.
﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا.
...
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ .
[١٠٨] ﴿قَالَ﴾ الله لهم مجيبًا بعد ألف سنة ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ ابعدوا في جهنم أذلاء؛ من خسأت الكلب: إذا زجرته.
﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفع العذاب عنكم، فلا سبيل إليه. قرأ يعقوب: (تُكَلِّمُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢)، فعند ذلك أيس الكفار من
стр. 2181
الفرج، وهو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلمون بعده إلا بالشهيق والزفير، ويصير لهم عواء كعواء الكلب، لا يَفْهَمون ولا يُفْهَمون.
...
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ .
[١٠٩] ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ وهم المؤمنون.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
...
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾ .
[١١٠] ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (سُخْرِيًّا) بضم السين؛ من التسخير، وهو العمل بلا أجر، وقرأ الباقون: بالكسر؛ من الهزء والسخرية (٢).
стр. 2182
﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ من فرط انشغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم.
﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ نزلت في بلال وصهيب وعمار وسلمان، كان المشركون يسخرون بهم وبالإسلام، ويؤذونهم (١).
...
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ .
[١١١] ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ﴾ النعيم المقيم.
﴿بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بمطلوبهم. قرأ حمزة، والكسائي: (إِنَّهُمْ) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون: بفتحها (٢)؛ أي: لأنهم.
...
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾ .
[١١٢] ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في الدنيا أحياء.
﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: (قُلْ كَمْ) بضم القاف بلا ألف بعدها، أمر لمالك أن يسألهم، وقرأ الباقون: بفتح القاف وألف بعدها (٣)، إخبار عن الله تعالى أنه هو الذي (٤) يسألهم، وقرأ نافع، وابن
стр. 2183
كثير، وعاصم، ويعقوب، وخلف: (لَبِثْتُمْ) بإظهار الثاء عند التاء حيث وقع، والباقون: بالإدغام (١)، وقرأ أبو عمرو: (عَدَد سِّنِينَ) بإدغام الدال في السين في هذا الحرف لا غير (٢).
...
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ .
[١١٣] ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصروا مدة لبثهم، وشَكُّوا فيها؛ لعلم ما هم بصدده من العذاب.
﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الحاسبين، وهم الملائكة الذين يحصون أعمال الخلق وأعمارهم. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلْ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٣).
...
﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ .
[١١٤] ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدنيا.
﴿إِلَّا﴾ لبثًا ﴿قَلِيلًا﴾ لأن أيام السرور قليلة.
﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مدة لبثكم، لما أجبتم بهذا الجواب. قرأ
стр. 2184
حمزة، والكسائي: (قُلْ إَنْ) على الأمر، والباقون: (قال) (١) على الخبر، كما تقدم في ﴿قَالَ كَمْ﴾ [الآية: ١١٢].
...
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ .
[١١٥] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ لا لغرض صحيح، ونصبه على الحال، وهو توبيخ على تغافلهم.
﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة، فنجازيكم. قرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (٢).
...
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ .
[١١٦] ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ الذي يحق له الملك مطلقًا؛ أي: تنزه عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد، ومن حسابهم أنهم لا يرجعون إليه، وغير ذلك.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ الحسن العظيم.
...
стр. 2185
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ .
[١١٧] ثم توعد تعالى عبدة الأصنام بقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يعبده.
﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ أي: في برهان له به، أي: لا حجة له عليه، ولا فيما يفعل من عبادة غير الله.
﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: مكافأته عند الله، فهو يجازيه بما يستحقه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لا يبلغون أمنياتهم، ولا ينجح سعيهم، وجعل فاتحة هذه السورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وخاتمتها ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.
...
﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ .
[١١٨] ثم أمر رسوله ﷺ أن يستغفر للمؤمنين، ويسأل لهم الرحمة، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ لأن كل راحم يتصرف على إرادة الله تعالى وتوفيقه، وتقديره لمقدار هذه الرحمة، ورحمته تعالى لا مشاركة له فيها، والله أعلم.
стр. 2186
سُوْرَةُ النُّورِ
مدنية، وآيها: أربع وستون آية، وحروفها: خمسة آلاف وست مئة وثمانون حرفًا، وكلمها: ألف وثلاث مئة وست عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ .
[١] ﴿سُورَةٌ﴾ خبر ابتداء مضمر، تقديره: هذه السورة.
﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفتها.
﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (وَفَرَّضنَاهَا) بتشديد الراء؛ أي: فصَّلنا وبَيَّنا ما فيها من الأحكام، والتشديد للتكثير، لكثرة ما فيها من الفرائض، وقرأ الباقون: بالتخفيف (١)؛ أي: أوجبنا ما فيها من الحدود والأحكام، وألزمناكم العملَ بها.
﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ﴾ بالأمر والنهي ﴿بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. قرأ
стр. 2187
حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذَكَّرُونَ) بتخفيف الذال حيث وقع، والباقون: بالتشديد (١).
...
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ مبتدأ خبره ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فاضربوا.
﴿كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ يعني: إذا كانا حرَّين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين، وأما إذا كانا ثيبِّين، فعليهما الرجم بغير جلد بالاتفاق، والرجم بالحجارة حتى يموت، وشرائط الإحصان الموجب للرجم إذا زنى بعد وجودها فيه أربعة: العقل، والحرية، والبلوغ، والوطء في نكاح صحيح عند الشافعي وأحمد، ولم يشترطا (٢) الإسلام؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك؛ فإن الإسلام عندهما شرط، فتكون الشرائط عندهما خمسة، ولا يُحفر لرجم الرجل بالاتفاق، ولا للمرأة عند مالك وأحمد، ويحفر لها عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: إن ثبت عليها بالبينة، استحب أن يحفر لها، وإن ثبت بإقرارها، لم يحفر لها (٣)، وتقدم في سورة النساء الكلام على حكم الزنا والجلد والتغريب في حق الحر والرقيق، وثبوته بالإقرار والبينة،
стр. 2188
واختلاف الأئمة في ذلك مستوفًى عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [الآية: ١٥]، وعند قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الآية؛ ٢٥]، وقدم الزانية؛ لأن الزنا في الأغلب يكون بتعرضها للرجل، وعرض نفسها عليه.
﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قرأ قنبل عن ابن كثير: (رَأَفَةٌ) بفتح الهمزة، واختلف عن البزي، وقرأ الباقون: بإسكانها (١)، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وورش: يبدلون الهمز بالألف على أصلهم، وأبو عمرو يدغم التاء في الجيم من قوله: (مِئَة جَّلْدَةٍ) (٢)، والرأفة: أرق الرحمة؛ أي: لا تخففوا جلدهما رأفة بهما، ولكن تصلَّبوا ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ في حكمه، وأوجعوهما ضربًا، وأقيموا حدوده كما أمركم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ اقتداءً برسول الله ﷺ ، لأنه قال: "والله لو سرقَتْ فاطمةُ بنتُ محمدٍ، لقطعتُ يدها" (٣)، فتجب إقامة الحد على من لزمه بالاتفاق، ويُضرب الرجل قائمًا عند الثلاثة، وعند مالك: جالسًا، وأما المرأة، فتضرب جالسة باتفاقهم، وسوط الحد عند الشافعي ما بين قضيب وعصا رطب ويابس، وعند الثلاثة: يضرب بسوط لا جديد
стр. 2189
ولا خَلَق، ويجرد الرجل من ثيابه عند أبي حنيفة ومالك، وأما المرأة عندهما: ينزع عنها من الثياب ما يقيها ألم الضرب؛ مثل الفراء ونحوها، وعند الشافعي: لا يجرد، وعند أحمد: يكون على الرجل القميص والقميصان، والمرأة تشد عليها ثيابها، وأما الضرب، فلا يبالَغ فيه بحيث يشق الجلد، ويُفرق على أعضائه، إلا الوجه والفرج وموضع المقتل بالاتفاق.
واختلفوا في أشد الجلد، فقال أبو حنيفة: التعزير أشد الضرب، ثم الزنا، ثم الشرب، ثم القذف، وقال مالك والشافعي؛ الجلد في الحدود كلها سواء، وقال أحمد: أشده الزنا، ثم القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.
واختلفوا في الذمي إذا زنى وهو حر بالغ عاقل (١) قد كان تزوج ووطئ في التزويج الصحيح، فقال أبو حنيفة ومالك: لا يرجم؛ لأن عندهما لا يتصور الإحصان في حقه؛ لأن الإسلام من شروط الإحصان عندهما كما تقدم، ويجلد مئة عند أبي حنيفة، وعند مالك يعاقبه الإمام اجتهادًا، وعند الشافعي وأحمد هو محصن، وليس الإسلام من شروط الإحصان، وعليه الرجم عندهما، وأما إذا كان غير محصن، فإنه يحد للزنا عند الثلاثة، وقال مالك: لا يحد.
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ وليحضر حدّهما إذا أقيم عليهما.
﴿طَائِفَةٌ﴾ فرقة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ زيادة في التنكيل بالتفضيح، قال مالك: ينبغي للإمام أن يُحضر في حد الزنا طائفة من المؤمنين الأحرار العدول، والطائفة أربعة فصاعدًا، وقال أحمد: يجب حضور إمام أو نائبه
стр. 2190
وطائفة، ولو واحدًا، ويسن حضور شهوده، وبدأتهم بالرجم إن كان الحد رجمًا، وقال الشافعي: يستحب حضور الإمام وشهوده، وقال أبو حنيفة: للإمام أن يحضره، ويجوز أن يبعث بأمين، ويأمره بإقامة الحد، ويبدأ الشهود برجم المحصن، ثم الإمام، ثم الناس إن ثبت بالبينة، وإن ثبت بالإقرار، ابتدأه (١) الإمام، ثم الناس.
وفي الحديث: "اتقوا الزنا؛ فإن فيه ستَّ خصال: ثلاث في الدنيا: يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وثلاث في الآخرة: السخطة، وسوء الحساب، والخلود في النار" (٢).
...
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلت في قوم فقراء من المهاجرين هموا أن يتزوجوا بغاياكُنَّ بالمدينة، فأنزل الله تحريمه (٣)؛ لأنهن كن زانيات ومشركات، وبين أنه لا يتزوج بهن إلا زان أو مشرك، وأن ذلك حرام على
стр. 2191
المؤمنين، وإن كان ظاهر الآية خبر، فهو بمعنى النهي، وقيل غير ذلك.
...
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قرأ الكسائي: (الْمُحْصِنَاتِ) بكسر الصاد حيث وقع، والباقون: بالفتح (١)، المعنى: الذين يقذفون بالزنا المسلمات الحرائر العفائف.
﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على زناهن.
﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ اضربوهم ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ قرأ أبو عمرو: (بِأَرْبَعَة شُّهَدَاءَ) بإدغام التاء في الشين في هذا الحرف والذي بعده (٢)، والقذف: هو الرمي بالزنا، أو لواطٍ، أو شهادةٍ عليه، ولم تكمل البينة، فكل من رمى محصنًا أو محصنة بالزنا، فقال: زنيت، أو يا زاني، فإن أقر المقذوف بالزنا، أو أقام القاذف أربعة من الشهود على زناه، سقط الحد عن القاذف، وترتب الحكم على المقذوف، كما تقدم الكلام عليه مستوفًى في سورة النساء، وإن أنكر المقذوف، ولم يقم القاذف البينة، وجب عليه الحد، وهو ثمانون جلدة إن كان القاذف حرًّا، وأربعون إن كان عبدًا بالاتفاق، إن كان المقذوف محصنًا، فإن كان غير محصن، فعلى القاذف التعزير.
والإحصان: أن يكون حرًّا مسلمًا عاقلًا عفيفًا عن الزنا بالاتفاق، وهل
стр. 2192
يشترط بلوغه؟ قال أحمد: لا يشترط إذا كان مثلُه يجامع، وقال الثلاثة: يشترط، ومالك يحد قاذف الصبية التي يوطأ مثلها، ولا يحد قاذف الصبي الذي يطأ مثلُه.
وهل هو حق لله أو للآدمي؟ قال أبو حنيفة: هو حق لله، فلا يصح العفو عنه، لكن لو عفا المقذوف لا يحد القاذف، لا لصحة عفوه، بل لترك طلبه، حتى لو عاد فطلب، يحد، وقال مالك: لا بأس بعفو المقذوف عن قاذفه قبل بلوغ الإمام، ولا يجوز عفوه بعد ذلك، إلا أن يريد ستر نفسه، وقال الشافعي وأحمد: هو حق للآدمي يسقط بعفوه.
﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ إذا شهدوا.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لأنهم فسقوا برمي المحصنة.
...
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ .
[٥] ثم استثنى منه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ القذف.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ حالهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
واختلفوا في قبول شهادة القاذف بعد إقامة الحد عليه إذا تاب، فقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادة المحدود فيه، وإن تاب عن جريمة القذف، لكن لا يرد شهادته بنفس القذف، وإنما يردها بإقامة الحد، ومالك والشافعي وأحمد يردون شهادته بنفس القذف، وقالوا: تقبل شهادته بعد التوبة، سواء كانت قبل الحد أو بعده، وصفتها عند الشافعي: أن يقول: قذفي باطل، وأنا نادم، ولا أعود إليه، وعند مالك وأحمد: توبته أن يكذِّب نفسه، إلا أن مالكًا اشترط مع التوبة بعد الحد ألَّا تقبل شهادته في مثل الحد الذي أقيم
стр. 2193
عليه، ودليل أبي حنيفة على عدم قبول شهادته على التأبيد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، وذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل في كل حال، والاستثناء منصرف إلى ما يليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، ومن قال بقبول شهادته إذا تاب، قال: لأن الله تعالى استثنى التائبين عقب النهي بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
...
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ .
[٦] ولما نزلت هذه الآية في الذين يرمون المحصنات، تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله! إن وجدتُ مع امرأتي رجلًا، أُمهله حتى آتي بأربعة شهداء! واللهِ لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله ﷺ : "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ مني" (١)، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية إلى النبي ﷺ ، فرمى زوجته خولة بشريك بن سمحاء، فعزم النبي ﷺ على ضربه حد القذف، فنزل قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢) أي: يقذفون نساءهم ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون على صحة ما قالوا ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: غيرُ أنفسهم. واختلاف
стр. 2194
القراء في الهمزتين من (شُهَدَاءُ إِلَّا) كاختلافهم فيهما من ﴿نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ في سورة الحج.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ ليدرأ عنه الحد ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) برفع العين على خبر الابتداء (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ) التي تدرأ الحد (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ)، وقرأ الباقون: بالنصب؛ أي: فشهادة أحدهم أن يشهدَ أربعَ شهادات بالله (١).
﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: يلعن الزوج نفسه.
﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما قذف زوجته به من الزنا، قرأ نافع، ويعقوب: (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ) بإسكان النون مخففة، ورفع (لَعْنَتُ)، وقرأ الباقون: بنصبها مشددة، ونصب (لَعْنَتَ)، و (لعنت) (٢) رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٣).
...
стр. 2195
﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَيَدْرَأُ﴾ أي: يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ أي: حد الزنا.
﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما قذفها به.
...
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماني به. قرأ حفص عن عاصم (وَالْخَامِسَةَ) بالنصب؛ أي: وتشهد الشهادة الخامسة، والباقون: بالرفع على الابتداء، وخبره في (أن) كالأولى (١)، وقرأ نافع، ويعقوب: بإسكان النون مخففة كالأولى، والباقون: بنصبها مشددة، واختص نافع بكسر الضاد وفتح الباء من (غَضِبَ) على الفعل الماضي، ورفع الجلالة بعده، واختص يعقوب برفع الباء من (غَضَبُ)، وقرأ الباقون: بنصب الضاد والباء على الاسم (٢).
...
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ وجوابه
стр. 2196
محذوف للتعظيم؛ أي: لعذبكم، ولكشف الزناة بأيسر من هذا.
فلما نزلت الآية، جمعهما رسول الله في المسجد، وتلاعنا، فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل لها: إنها موجبة، ثم قالت: لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم، فمضت، وفرق رسول الله ﷺ بينهما، وولدت غلامًا أشبهَ خلقِ الله بشريك، ثم كان الغلام بعد ذلك أميرًا بمصر، وهو لا يعرف لنفسه أبًا.
وأما حكم الآية، فإنه إذا قذف الرجل المكلف امرأته المحصنة؛ أي: البالغة العاقلة الحرة المسلمة العفيفة بالزنا، وجب عليه الحد إن طلبت، وله إسقاط الحد باللعان، وهو شرعًا: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونة باللعن والغضب، قائمة مقام حد قذف في جانبه، وحد زنا في جانبها، وصفته: أن يبدأ الزوج فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا، ويشير إليها، وإن لم تكن حاضرة، سماها، ونسبها حتى يكمل أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: و ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رميتها به من الزنا، فيلزمها حينئذ الحد، ويدرأ عنها بأن تقول هي: أشهد بالله أنه من الكاذبين فيما رماني به من الزنا، أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: و ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماني به من الزنا، فإن لاعنت المرأة قبل الزوج، اعتد به عند أبي حنيفة؛ لأن المقصود تلاعنهما، وقد وجد، وقال الثلاثة: لا يعتد به؛ لأنه على غير الترتيب المشروع.
ويكون اللعان وهما قائمان بحضور الحاكم وجماعة في الأوقات والأماكن المعظمة، وإذا بلغ كل منهما الخامسة، وعظه الحاكم،
стр. 2197
فيقول: اتق الله؛ فإنها الموجبة للعذاب، وعذابُ الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
ويصح اللعان بين الزوجين، ولو كانا ذميين أو رقيقين أو فاسقين عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يشترط أن يكونا من أهل الشهادة؛ بأن يكونا حرين مسلمين (١) عاقلين بالغين غير محدودين في قذف، فإن لم يكن الزوج كذلك، فعليه الحد؛ لأن اللعان امتنع لمعنىً في جهته، فرجع إلى الموجب الأصلي.
وإن نفى الولد في التعانه، انتفى بالاتفاق، ما لم يكن أقر به، ومالك يشترط استبراءها بحيضة وعدم وطئها بعد الاستبراء، فإن لاعن، ونكلت، حبست حتى تقر أربعًا، أو تلاعن عند أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك والشافعي إذا امتنعت من اللعان، حدت للزنا، فجلدت إن كانت بكرًا، وكانت على نكاحه، إلا أن يطلقها، وإن كانت ثيبًا، رجمت، واستحق الميراث منها، فإذا تم اللعان بينهما، سقط عنه الحد، ووقعت الفرقة والتحريم بينهما أبدًا عند مالك وأحمد، ولا يفتقر إلى تفريق الحاكم عندهما، وعند الشافعي تقع الفرقة المؤبدة بمجرد لعانه، وعند أبي حنيفة يشترط تفريق الحاكم بينهما بعد التعانهما، والفرقة طلقة بائنة عند أبي حنيفة، فلو أكذب نفسه، حُدَّ، وله أن ينكحها، وعند الثلاثة وأبي يوسف هي فسخ، ولا تحل له، ولو أكذب نفسه، والله أعلم.
...
стр. 2198
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ .
[١١] ولما خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع في سنة ست من الهجرة الشريفة، ومعه عائشة ﵂، وقعت قصة الإفك في تلك الغزوة، وهي قذف عائشة بصفوان بن المعطل، وكان صفوان حصورًا لا يأتي النساء.
عن عائشة ﵂ قالت: "والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله، فو الذي نفسي بيده! ما كشفت من كَنَفِ أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله"، والقصة مشهورة في الحديث الشريف، فنزل قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ (١) هو سوء الكذب ﴿عُصْبَةٌ﴾ جماعة ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني: عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، ومِسطح، وحسان بن ثابت، وحَمْنة بنتُ جحش، وغيرهم.
﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ أي: الإفك، والخطاب لعائشة وأهلها وصفوان.
﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر: (تَحْسَبُوهُ)
стр. 2199
و (تَحْسَبُونَهُ) (يَحْسَبُهُ) (يَحْسَبُ) كيف أتى مستقبلًا بفتح السين، والباقون: بالكسر (١).
﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بأن تثابوا، وتظهر براءتكم ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: من العُصبة الكاذبة ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ جزاء ما اجترح من الذنب.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قرأ يعقوب: بضم الكاف، والباقون: بكسرها، وهما لغتان (٢)، المعنى: والذي تحمل معظم الإفك من الأفاكين هو عبد الله بن أبيّ.
﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أما ابن أُبي، فمات منافقًا، وأما حسان، فعمي بعد ذلك.
وعن مسروق قال: "دخلنا على عائشة، وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرًا يشبب بأبيات له، وقال:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحْومِ الْغَوَافِلِ
فقالت عائشة: لكنك ليس كذلك، قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت: أي عذاب أشدُّ من العمى؟! وقالت: إنه كان ينافح ويُهاجي عن رسول الله ﷺ " (٣).
стр. 2200
وروي عنها أنها قالت: "ما سمعت شعره إلا رجوت له الجنة" (١).
وروي: أن النبي ﷺ أمر بالذين رموا عائشة، فجلدوا الحد جميعًا ثمانين ثمانين (٢).
...
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ .
[١٢] ثم وبخ الخائضين فقال: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا.
﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ يعني: الإفك.
﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بأمهاتهم ﴿خَيْرًا﴾ المعنى: هلا ظننتم أيها المؤمنون بالذين هم كأنفسكم خيرًا، والمؤمنون كلهم كالنفس الواحدة، نظيره ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ كذب ظاهر، وسمي الإفك إفكًا؛ لكونه
стр. 2201
مصروفًا عن الحق؛ من قولهم: أفكَ الشيءَ: إذا قلبه عن وجهه، وذلك أن عائشة ﵂ كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة والشرف، فمن رماها بالسوء، قلب الأمر عن وجهه.
وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت: "يا أبا أيوب! أسمعت ما قيل؟! فقال: نعم، وذلك كذب، أكنتِ أنتِ يا أم أيوب تفعلين ذلك؟! قالت: لا والله، قال: فعائشة واللهِ أفضلُ منك، قالت أم أيوب: نعم" (١)، فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين؛ إذ لم يفعله جميعهم. قرأ أبو عمرو، وهشام، والكسائي، وخلف (٢): (إِذ سَّمِعْتُمُوهُ) بإدغام الذال في السين، والباقون: بالإظهار (٣).
...
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ .
[١٣] ثم بين الحكم في القذف فقال: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي: على ما زعموا ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ على القذف.
стр. 2202
﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وهذا في حق عائشة ﵂، ومعناه: فأولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي.
...
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أيها الخائضون بالحلم والإمهال لتتوبوا ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ جريتم ﴿فِيهِ﴾ من القذف ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ دائم في الآخرة.
...
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أي: تأخذون حديث الإفك من الأفاكين. قرأ أبو عمرو، وهشام، وحمزة، والكسائي، وخلف: (إِذ تَّلَقَّوْنَهُ) بإدغام الذال في التاء، والباقون: بإظهارها، ومنهم البزي يشدد التاء على أصله، والتلاوة المتواترة (تَلَقَّوْنَهُ): بفتح اللام والقاف مع تشديدها؛ أي: تقبلونه، وقرئ بكسر اللام وضم القاف مخففة؛ من الولق، وهو الإسراع بالكذب (١) ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ بأن يرويه بعض عن بعض.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ كلامًا بلا مساعدة من القلوب.
стр. 2203
﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ لأنه ليس تعبيرًا عن علم به في قلوبكم.
﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ أي: خوضكم في عائشة ﴿هَيِّنًا﴾ صغيرةً.
﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ كثير الوزر.
...
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿وَلَوْلَا﴾ أي: وهَلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ يعني: الإفك. وتقدم اختلاف القراء في الإدغام والإظهار في (إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ﴾ أي: ما يجوز ﴿لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ هذا اللفظ هنا بمعنى التعجب.
﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ زور يبهت من يسمعه.
...
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿يَعِظُكُمُ﴾ الله؛ أي: ينهاكم كراهة ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: الخوض ﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم أحياء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن الإيمان يمنع عنه.
...
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ في الأمر والنهي.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأمر عائشة وصفوان ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم ببراءتهما.
***
стр. 2204
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ .
[١٩] ونزل في عبد الله بن أبيِّ وأصحابه المنافقين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ (١) أي: يفشُوَ القذف بها.
﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ بالجلد ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ عذاب النار.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ براءةَ عائشة، وشرَّ ما خضتم فيه، وكذبَ الخائضين.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
...
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ونزل في مِسْطح وحسان وحَمنة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وجواب (لولا) محذوف؛ اي: لعاجلكم بالعقوبة، وتكرير ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ زيادة مبالغة في المنة عليهم والتوبيخ لهم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وابن كثير، وحفص عن عاصم: (رَءُوفٌ) بالإشباع على وزن فَعول، والباقون: بالاختلاس على وزن فَعُل (٢)، والرأفة: أشد الرحمة.
...
стр. 2205
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ تزيينَه في قذف عائشة. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب، والكسائي، وقنبل، وحفص عن عاصم (١): (خُطُوَاتِ) بضم الطاء، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بالقبيح ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ هو ما أنكره الشرع.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم في الدارين ﴿مَا زَكَى﴾ أي: لم يكن زاكيًا ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: ما طَهُر من دنسها ﴿مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ آخر الدهر. قرأ روح عن يعقوب بخلاف عنه: (زَكَّى) بتشديد الكاف، والباقون: بالتخفيف (٣).
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي﴾ يطهِّر ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من الذنب بالرحمة.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم.
...
стр. 2206
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ولما حلف أبو بكر الصديق ﵁ ألَّا ينفق على مسطح، وكان ابن خالته، وكان من فقراء المهاجرين بدريًّا؛ لخوضه في عائشة ﵂، نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (١) قرأ أبو جعفر: (يَتَأَلَّ) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام مع تشديد اللام مفتوحة، وقرأ الباقون: بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام خفيفة، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: يبدلون الهمزة بألف ساكنة على أصولهم (٢)، ومعنى القراءتين: لا يحلفْ ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المال.
﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ على ألَّا يؤتوا ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفات لموصوف واحد؛ أي: ناسًا جامعين لها.
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ عنهم خوضَهم في عائشة.
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إذا عفوتم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلما قرأها رسول الله ﷺ على أبي بكر، قال: "بلى أحب أن يغفر الله لي" ورجع إلى مسطح نفقتَه التي كان ينفق عليه، وقال: "والله لا أنزعها منه أبدًا".
...
стр. 2207
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ونزل في شأن قذف (١) عبد الله بن أُبيِّ عائشةَ ﵂: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٢) العفيفات ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفاحشة ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله.
﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ عُذِّبوا في الدنيا بالحد (٣)، وفي الآخرة بالنار.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وجمع المؤمنات، وإن أريدت عائشة وحدها؛ لأن من قذف واحدة من نسائه ﷺ ، فكأنه قد قذفهن.
قيل لابن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ قال: "ذلك لمن قذف عائشة خاصة" (٤).
وقال ابن عباس: "هذا فيمن قذف زوجات النبي ﷺ ، ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة، فقد جعل الله له توبة" (٥).
...
стр. 2208
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ العامل في قوله: (يَوْمَ) فعلٌ مضمر يقتضيه العذاب؛ أي: يعذبونه يومَ، ونحو هذا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَشْهَدُ) بالياء على التذكير؛ لتقدم الفعل، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث (١)، وهذا قبل أن يختم على أفواههم، روي أنه يختم الأفواه، فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا.
...
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ حسابَهم العدلَ.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الذي لا شك فيه.
...
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من الكلمات والقول.
﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الناس ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من القول.
стр. 2209
﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من القول ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الناس.
﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الناس ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من القول، المعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس، والطيب لا يليق إلا بالطيب، فعائشة لا يليق بها الخبائث من القول؛ لأنها طيبة، فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها، وقيل: معناه: الخبيثات: الزواني للخبيثين: الزناة، وبالعكس، والطيبات: العفائف للطيبين: العفيفين، وبالعكس، والتكرير للتأكيد إيذانًا أن كل واحد منهما لا يصلح إلا لصاحبه.
﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: عائشة وصفوان، ذكرهما الله بلفظ الجمع؛ كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: أخوان، وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني الطيبين والطيبات.
﴿مُبَرَّءُونَ﴾ منزهون ﴿مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الخبيثون والخبيثات فيهم من القذف.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هي العفو عن ذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وورش عن نافع، وحفص عن عاصم: (بُيُوتًا) (بُيُوتكُمْ) بضم الباء، والباقون: بكسرها (١) ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستأذنوا.
стр. 2210
﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بأن تقولوا: السلام عليكم أأدخل؟
﴿ذَلِكُمْ﴾ الاستئذان والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تركه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وتعملون بما هو أصلح لكم. وتقدم اختلاف القراء في (تَذَكَّرُونَ) أول السورة.
...
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ له الإذن ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ﴾ عند الاستئذان للدخول: ﴿ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تُلِحُّوا في الدخول ﴿هُوَ﴾ أي: الرجوع.
﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ أطهر لقلوبكم من الريبة والدخولِ بغير إذن.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم (١) عليه.
...
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] فلما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام، وعلى ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: