﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ولما حلف أبو بكر الصديق ﵁ ألَّا ينفق على مسطح، وكان ابن خالته، وكان من فقراء المهاجرين بدريًّا؛ لخوضه في عائشة ﵂، نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (١) قرأ أبو جعفر: (يَتَأَلَّ) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام مع تشديد اللام مفتوحة، وقرأ الباقون: بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام خفيفة، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: يبدلون الهمزة بألف ساكنة على أصولهم (٢)، ومعنى القراءتين: لا يحلفْ ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المال.
﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ على ألَّا يؤتوا ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفات لموصوف واحد؛ أي: ناسًا جامعين لها.
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ عنهم خوضَهم في عائشة.
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إذا عفوتم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلما قرأها رسول الله ﷺ على أبي بكر، قال: "بلى أحب أن يغفر الله لي" ورجع إلى مسطح نفقتَه التي كان ينفق عليه، وقال: "والله لا أنزعها منه أبدًا".
...
стр. 2207
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ونزل في شأن قذف (١) عبد الله بن أُبيِّ عائشةَ ﵂: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٢) العفيفات ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفاحشة ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله.
﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ عُذِّبوا في الدنيا بالحد (٣)، وفي الآخرة بالنار.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وجمع المؤمنات، وإن أريدت عائشة وحدها؛ لأن من قذف واحدة من نسائه ﷺ ، فكأنه قد قذفهن.
قيل لابن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ قال: "ذلك لمن قذف عائشة خاصة" (٤).
وقال ابن عباس: "هذا فيمن قذف زوجات النبي ﷺ ، ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة، فقد جعل الله له توبة" (٥).
...
стр. 2208
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ العامل في قوله: (يَوْمَ) فعلٌ مضمر يقتضيه العذاب؛ أي: يعذبونه يومَ، ونحو هذا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَشْهَدُ) بالياء على التذكير؛ لتقدم الفعل، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث (١)، وهذا قبل أن يختم على أفواههم، روي أنه يختم الأفواه، فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا.
...
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ حسابَهم العدلَ.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الذي لا شك فيه.
...
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من الكلمات والقول.
﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الناس ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من القول.
стр. 2209
﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من القول ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الناس.
﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الناس ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من القول، المعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس، والطيب لا يليق إلا بالطيب، فعائشة لا يليق بها الخبائث من القول؛ لأنها طيبة، فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها، وقيل: معناه: الخبيثات: الزواني للخبيثين: الزناة، وبالعكس، والطيبات: العفائف للطيبين: العفيفين، وبالعكس، والتكرير للتأكيد إيذانًا أن كل واحد منهما لا يصلح إلا لصاحبه.
﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: عائشة وصفوان، ذكرهما الله بلفظ الجمع؛ كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: أخوان، وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني الطيبين والطيبات.
﴿مُبَرَّءُونَ﴾ منزهون ﴿مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الخبيثون والخبيثات فيهم من القذف.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هي العفو عن ذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وورش عن نافع، وحفص عن عاصم: (بُيُوتًا) (بُيُوتكُمْ) بضم الباء، والباقون: بكسرها (١) ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستأذنوا.
стр. 2210
﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بأن تقولوا: السلام عليكم أأدخل؟
﴿ذَلِكُمْ﴾ الاستئذان والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تركه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وتعملون بما هو أصلح لكم. وتقدم اختلاف القراء في (تَذَكَّرُونَ) أول السورة.
...
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ له الإذن ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ﴾ عند الاستئذان للدخول: ﴿ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تُلِحُّوا في الدخول ﴿هُوَ﴾ أي: الرجوع.
﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ أطهر لقلوبكم من الريبة والدخولِ بغير إذن.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم (١) عليه.
...
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] فلما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام، وعلى ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى:
стр. 2211
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (١)، كالرباط والخان ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ أي: منفعة.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيد لمن دخل مدخلًا لفساد، أو تطلع على عورات.
...
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ينقصوا من نظرهم، و (من) تبعيض؛ لأنهم إنما نُهوا عن النظرة إلى ما لا يحل لهم، فلا يجوز للرجل النظر إلى الأجنبية قصدًا لغير ضرورة عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة؛ يجوز له النظر إلى الوجه والكفين مع أمن الشهوة، فين لم يأمن، لم يجز إلا لضرورة، فإن كانت عجوزًا (٢) لا تُشتهى، جاز النظر إلى وجهها وكفيها عند أبي حنيفة ومالك، وعند أحمد: إلى وجهها فقط، واختلف في مذهب الشافعي، فألحقها الغزالي بالشابة، وجوز الروياني النظر إلى وجهها وكفيها.
﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ عن الزنا، ولم يدخل (من) في حفظ الفروج؛ لأن الزنا لا رخصة فيه ﴿ذَلِكَ﴾ أي: غض البصر وحفظ الفرج ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾ أنفع لهم وأطهر.
стр. 2212
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء، فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون.
...
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال، وهي العورة عند أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك: ما عدا الوجه والأطراف، والأصح من مذهب الشافعي: أنها لا تنظر إليه كما لا ينظر هو إليها.
﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ يعم الفواحش وستر العورة وما دون ذلك مما فيه حفظ.
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ المستترة؛ كالسوار والخلخال والقلائد لمن لا يحل له النظر إليها ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كالثياب والخاتم؛ فإن في سترها حرجًا، وقيل غير ذلك.
стр. 2213
﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ ليسدلن ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ جمع خمار، وهو غطاء الرأس.
﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ صدورهن. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر: (جِيُوبِهِنَّ) بكسر الجيم، والباقون: بضمها (١).
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ التي أمرن بسترها ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي: أزواجهن.
﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ فيجوز لجميع المذكورين عند الشافعي النظر إلى الزينة الباطنة سوى ما بين السرة والركبة، إلا (٢) الزوج، فيباح له ما بينهما، وعند مالك: ينظرون إلى الوجه والأطراف، وعند أبي حنيفة: ينظرون إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظرون إلى ظهرها وبطنها وفخذها، وعند أحمد: ينظرون إلى ما يظهر غالبًا؛ كوجه ورقبة ويد وقدم ورأس وساق، وأبيح النظر لهؤلاء؛ لكثرة مداخلتهم عليهن، واحتياجهن إلى مداخلتهم.
﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: نساء أهل دينهن، وهو قول الشافعي، فيحرم عنده نظر الذمية إلى المسلمة؛ لأنها لا تتحرج عن وصفها للرجال، وعند الثلاثة: يجوز نظرها إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؛ لأنها من جملة النساء، ولأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن قد كن يدخلن على نساء النبي؛ فلم يكنَّ يحجبن، ولا أمرن بالحجاب، وأما المسلمة، فلا
стр. 2214
خلاف في جواز نظرها إلى المسلمة سوى ما بين السرة والركبة، فأبو حنيفة يوجب ستر الركبة، والثلاثة لا يوجبونه.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ اختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هو عام، فيكون عبد المرأة محرمًا لها، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفًا، وأن ينظر إلى مولاته كالمحارم، وهو مذهب مالك والشافعي، وكل منهما على أصله في النظر كما تقدم، وقال آخرون: المراد: الإماء دون العبيد، فيكون العبد حكمه حكم الأجنبي معها، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، مع اتفاقهما على جواز رؤيته إليها، فأبو حنيفة يجوز رؤيته إلى وجهها وكفيها، وأحمد يجوز رؤيته إلى ما يجوز للمحرم النظر إليه منها كما تقدم، قال أحمد: ولا يلزم من النظر المحرمية، فلا يباح لها الحج ولا السفر معه،
﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم، لا همة لهم سوى ذلك.
﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ المعنى: غير ذوي الحاجة إلى النساء، وهو من لا ينتشر عليه، ولا يطيق غشيانهن، ولا يشتهيهن ولا تشتهينه، فعند أبي حنيفة ومالك: ينظر الوجه والكفين، وعند الشافعي وأحمد: ينظر كالمحارم. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (غَيْرَ) بالنصب على الحال من الذكر الذي في (التَّابِعِينَ)، وقرأ الباقون: بالخفض على نعت (التابعين) (١).
стр. 2215
﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ أي: الأطفال ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: لم يعرفوها؛ لعدم التمييز، فلا حجاب منهم بالاتفاق.
والعورة: من العوار: العيب، وتقدم ذكر عورة الرجل والمرأة والأمة، واختلاف الأئمة في ذلك مستوفًى في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦].
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ كانت المرأة إذا مشت، ضربت برجلها؛ ليسمع صوتُ خلخالها، فنزلت الآية نهيًا عن ذلك (١) ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ من التقصير الواقع في أمره ونهيه.
﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابن عامر: (أَيُّهُ) بضم الهاء إتباعًا للضمة قبلها بعد حذف الألف للساكنين، ويقف بلا ألف على الخط، وقرأ الباقون: بفتحها؛ للدلالة على الألف المحذوفة وصلًا (٢)، ويقف أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (أَيُّهَا) بالألف على الأصل، والباقون: يقفون بلا ألف متابعة للمصحف (٣).
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بسعادة الدارين.
...
стр. 2216
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ أي: زَوِّجوا ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ جمع أَيِّم، وهو من لا زوج له من الرجال والنساء، بكرًا كان أو ثيبًا.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ أي: الخيرين ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ اتفق الأئمة على أن النكاح سنة؛ لقوله ﷺ : "من أحبَّ فطرتي، فليستنَّ بسنتي (١)، ومن سُنَّتي النكاحُ" (٢)، فإن كان تائقًا يخاف العنت، وهو الزنا، وجب عليه عند أبي حنيفة وأحمد، وقال مالك والشافعي: وهو مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته، ومن لم تتق نفسه إليه، فقال أبو حنيفة وأحمد: النكاح أفضل له من نفل العبادة، وقال مالك والشافعي: بعكسه، وعند الشافعي: إن لم يتعبد، فالنكاح أفضل.
واختلفوا في تزويج المرأة نفسَها، فأجازه أبو حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] نهى الرجال عن منع النساء عن النكاح، فدل على أنهن يملكن النكاح، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أضاف النكاح إلى المرأة أيضًا، ولقوله ﷺ : "الأَيِّمُ أَحَقُّ بنفسها من وليها، والبكرُ تُستأمر بنفسها، وإذنُها صُماتُها" (٣)،
стр. 2217
والاستئمار طلب الأمر من قبلها، ومنعه الثلاثة وقالوا: إنما يزوجها وليها؛ بدليل هذه الآية؛ لأن الله خاطب الأولياء به؛ كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات، ولقوله ﷺ : "أَيُّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحُها باطل، ثلاث مرات" (١).
واختلفوا هل يجبر السيد على تزويج رقيقه إذا طلبوا ذلك؟ فقال أحمد: يلزمه ذلك إلا أمة يستمتع بها، فإن امتنع السيد من الواجب عليه، فطلب العبد البيع، لزمه بيعه، وخالفه الثلاثة.
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لا يمنعَنَّ فقرُ (٢) الخاطب أو المخطوبة من المناكحة؛ فإن في فضل الله غنيةً عن المال.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ ذو سعة لا تنفد نعمته ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق ويقدر بحكمته. قرأ رويس عن يعقوب بخلاف عنه: (يُغْنِهُمُ اللَّهُ) بضم الهاء والميم، والباقون: بكسرهما (٣).
واختلف الأئمة في الزوج إذا أعسر بالصداق والنفقة والكسوة والمسكن، هل تملك المرأة فسخ نكاحها؟ فقال أبو حنيفة: لا تملك الفسخ بشيء من ذلك، وتؤمر بالاستدانة للنفقة لتحيل عليه، فإذا فرضها
стр. 2218
القاضي، وأمرها بالاستدانة، صارت دينًا عليه، فتتمكن من الإحالة عليه، والرجوع إلى تركته لو مات، وقال مالك: لها الفسخ بإعساره بالصداق قبل الدخول، فيؤمر بطلاقها، فإن امتنع، فرق الحاكم بينهما، ويتشطر صداقها عليه، ويبقى دينًا في ذمته تتبعه به إذا أيسر، ولم يفرق بإعساره به بعد الدخول، وإن أعسر بنفقتها، أُمر بفراقها، فإن امتنع، فرق الحاكم بينهما بطلقة رجعية، وله الرجعة إن أيسر في العدة، وقال الشافعي: إذا أعسر بالنفقة، فلها فسخ النكاح، وكذا بالكسوة والمسكن، ويمهل ثلاثة أيام، وتفسخ صبيحة الرابع، ولها الفسخ بالإعسار بالمهر قبل وطء لا بعده ويسقط به المهر، وقال أحمد: إن أعسر بنفقة أو ببعضها، أو بكسوة أو ببعضها، أو بسكنى، فلها الفسخ، وكذا إن أعسر بمهر حالٍّ قبل الدخول أو بعده، ما لم تكن عالمة بعسرته، فإن فسخت قبل الدخول، سقط المهر، وبعده، يستقر في ذمته، واتفق الشافعي وأحمد على أن الفسخ لا يصح إلا بحكم حاكم، فيفسخ بطلبها (١)، أو تفسخ بأمره.
...
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ يطلب العفة عن الزنا ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي:
стр. 2219
قدرة على النكاح ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ يوسِّع عليهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال ﷺ : "يا معشرَ الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاء" (١).
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: يطلبون عقد الكتابة.
﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عبدًا كان أو أمة ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر ندب.
وسبب نزول الآية: ما روي أن غلامًا لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه، فأنزل الله الآية، فكاتبه حويطب على مئة دينار، ووهب له منها عشرين، فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب (٢)، والكتابة بيع سيد رقيقه بمال في ذمته مباح معلوم، وهي مستحبة بالاتفاق، فيقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، والعبدُ يقبل ذلك، فإذا أدى المالَ، عتق، ويصير العبد أحقَّ بمكاسبه بعد الكتابة، وسميت كتابة؛ لأن العبد كتب عليه الوفاء بالمال، والسيد كتب عليه العتق عند أدائه، وتصح عند أبي حنيفة ومالك بمال حالٍّ ومؤخل ومنجَّم، وعند الشافعي وأحمد تصح في نجمين فأكثر، ولا تجوز عندهما حالًّا، ولا في نجم واحد.
﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ كسبًا وأمانة، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال
стр. 2220
مالك: الخير هو القوة على الأداء، وقال بعض الحنفية: المراد بالخير: إقامة الصلاة وأداء الفرائض، وقال بعضهم: المراد: ألَّا يضر بالمسلمين بعد العتق، فإن كان يَضُرُّ بهم، فالأفضل ألَّا يكاتبه، فلو فعل، صح.
﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ خطاب للمسلمين، فعند أبي حنيفة ومالك: هو مستحب، وعند الشافعي وأحمد: هو واجب، فمذهب الشافعي ليس له حد، بل عليه أن يحط عنه ما شاء من المال، أو يدفعه إليه، والحط أولى، وفي النجم الأخير أليق، ومذهب أحمد: يجب على السيد أن يؤتيه ربع مال الكتابة إن شاء، ويضعه عنه، وإن شاء قبضه ثم دفعه إليه (١).
قال ﷺ : "ثلاثة حقٌّ على الله عونُهم: المكاتب الذي (٢) يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله" (٣).
واختلفوا فيما إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم، فقال أبو حنيفة ومالك: إن ترك وفاء بما بقي عليه من المكتابة، كان حرًّا، وإن كان فيه فضل، فالزيادة لأولاده الأحرار، وقال الشافعي وأحمد: يموت رقيقًا، وترتفع الكاتبة، سواء ترك مالًا، أو لم يترك؛ كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع.
стр. 2221
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ إماكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الزنا.
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ إن طلبن تعففًا وامتناعًا عن الزنا، [و (إِنْ) هنا بمعنى (إِذْ)؛ لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا] (١) إن لم يردن التحصن، نزلت في عبد الله بن أبيِّ بن سلول المنافق، كانت له ست جوار يكرههن على الزنا، وضرب عليهن الضرائب -جمع الضريبة، وهي الغلة المضروبة على العبد والجزية-، فشكا بعضهن إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت (٢). قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (الْبِغَاءِ إِنْ) بتحقيق الهمزتين، وأبو عمرو: بإسقاط الهمزة الأولى، وقرأ قالون، والبزي: بتسهيل الأولى بين بين، مع تحقيق الثانية، وأبو جعفر، ورويس: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، واختلف عن قنبل وورش، فروي عن الأول جعل الهمزة الثانية بين بين، وروي عنه إسقاط الهمزة الأولى، وهو الذي عليه الجمهور من أصحابه، وروي عن الثاني إبدال الهمزة الثانية ياء مكسورة، وروي عنه تسهيلها بين بين (٣).
﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ﴾ أي: أموال ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكسبهن وبيع أولادهن.
стр. 2222
﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ على الزنا.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهن، والوزرُ على المكرِه. قرأ ابن ذكوان بخلاف عنه: (إِكْرَاهِهِنَّ) بالإمالة.
...
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ مفصَّلات بالحلال والحرام، والحدود والأحكام. قرأ، ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُبيِّنَاتٍ) بكسر الياء، والباقون: بفتحها (١).
﴿وَمَثَلًا مِنَ﴾ أمثال ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا.
﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: ما ذكر من قصص القرون الماضية.
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الشرك والكبائر، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحقَ مَنْ قبلهم من المكذبين.
...
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: صاحب نورهما،
стр. 2223
ونورُهما: الشمس والقمر، المعنى: هو هادٍ مَنْ فيهما بنوره.
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صفة نور الله في قلب المؤمن ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ [هي الكوة في الجدار غير نافذة، روي أن المراد بالنور الثاني هنا: محمد ﷺ ، وقوله: (مَثَلُ نُورِهِ)؛ أي: نور محمد إذ كان مستودعًا في الأصلاب، وقيل: إن المشكاة هندية معربة. قرأ الدوري عن الكسائي: (كَمِشْكَاةٍ)] (١) بالإمالة (٢) ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراج ضخم، والمعنى: مثل مصباح في مشكاة ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ في قنديل، مثل بها؛ لأن النور فيها أشد، ثم شبه القنديل بالكوكب فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قرأ أبو عمرو، والكسائي: (دِرِّيءً) بكسر الدال مع المد والهمزة من الدَّرْء، وهو الدفع؛ لأن الكوكب يدفع الشيطان من السماء، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: بضم الدال والمد والهمز، بمعنى: أن الكوكب يدفع الظلام بضيائه، وقرأ الباقون: بضم الدال وتشديد الياء من غير مد ولا همز (٣)؛ أي: شديد الإنارة، نُسب إلى الدُّر في صفائه وحسنه، وإن كان (٤) الكوكب أكثر ضوءًا من الدر، لكنه يفضل الكواكب بصفائه؛ كما يفصّل الدرُّ سائرَ الحب.
﴿يُوقَدُ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بتاء مفتوحة وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي؛ أي: توقد المصباح، وقرأ
стр. 2224
نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بياء مضمومة وإسكان الواو وتخفيف القاف ورفع الدال على التذكير مجهول مستقبل؛ [أي: يوقد المصباح، وقرأ الباقون، وهم: حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بضم التاء والدال مع التخفيف على التأنيث مجهول مستقبل] (١)(٢)؛ أي: توقد الزجاجة؛ أي: نارها؛ لأن الزجاجة لا توقد.
﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي: زيت شجرة ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ كثيرة النفع؛ لأن دهنها الزيت، فهو إدام وفاكهة ومصحة من الباسور ﴿زَيْتُونَةٍ﴾.
قال رسول الله ﷺ : "كلوا الزيت وادَّهِنوا بالزيت؛ فإنه من شجرة مباركة" (٣).
﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بل بينهما؛ كالشام وأجودُ الزيتون زيتونهُ.
وقال ابن عباس وغيره: معناه أنها في منكشف من الأرض؛ لتصيبها عين (٤) الشمس طول النهار، وتستدير عليها، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية وغربية، تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ (٥).
стр. 2225
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ لصفائه ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فكأنه لفرط ضيائه.
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني: نور المصباح على نور الزجاجة. قرأ أبو عمرو (يَكَاد زَّيْتُهَا) بإدغام الدال في الزاي (١)، وفائدة جعل المصباح في زجاجة، والزجاجة في كوة غير نافذة، شدة الإضاءة؛ لأن المكان كما تضيق، كان أجمع للضوء، بخلاف الواسع، فالضوء ينتشر فيه، وخص الزجاج؛ لأنه أحكى الجواهر لما فيه، وهذا تمثيل للنبي ﷺ ، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح النبوة فيه، ومن شجرة مباركة شجرة النبوة، يكاد زيتها يضيء: يكاد أمر محمد يتبين للناس أنه نبي، ولو لم يتكلم؛ كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار.
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ لدين الإسلام ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن الأسباب كلها بمشيئته.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا لأفهامهم.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ظاهرًا كان أو خفيًّا.
...
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلق بما قبله؛ أي: (كَمِشْكَاةٍ) في بيوت.
﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: تُعَظَّم.
стр. 2226
قال ابن عباس: "المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض" (١).
وقيل: هي أربعة بناها الأنبياء: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، والأقصى بناه داود وسليمان، [بل بناه يعقوب ﵇ كما ورد في الحديث، فلا تغفل عنه] (٢)، ومسجد المدينة، ومسجد قباء بناهما رسول الله ﷺ .
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ يتلى فيها كتابه ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (يُسَبَّحُ) بفتح الباء مجهولًا القائم مقام الفاعل له، فيحسن الوقف على (وَالآصَالِ)؛ لأنك تضمر فعلًا؛ كأنه لما قيل (يُسَبَّحُ لَهُ)، قيل: من يسبحه؟ قيل: يسبحه رجال، ولا يجوز الوقف عليه، وقرأ الباقون بكسر الباء، جعلوا التسبيح فعلًا للرجال (يُسَبِّحُ) (٣)؛ أي: يصلي له فيها بالغداة والعشي، والمراد: الصلوات المفروضات، فالتي تؤدى بالغداة: صلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال: صلاة الظهر والعصر والعشاءين؛ لأن اسم الأصيل يجمعها.
...
стр. 2227
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿رِجَالٌ﴾ قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد؛ لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المساجد.
﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ﴾ هي صنعة التاجر عن بيع وشراء.
﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ قال الفراء: التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على يديه.
﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ عن الصلاة المفروضة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ لوقتها.
﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ لمستحقيها عند وجوبها؛ لأن مؤخر الصلاة عن وقتها لا يكون مقيمًا لها.
﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ هو يوم القيامة ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ وتقلُّبُها تنقُّلُها (١) عن أماكنها؛ لهول ذلك اليوم، فتنقلب القلوب في الجوف، وترتفع إلى الحنجرة، ولا تنزل ولا تخرج، وتقلُّب البصر: شُخوصه.
...
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ اللام في ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ متعلقة بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ المعنى: كان تسبيحهم وخوفهم ليثيبهم، وقوله:
﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ فيه حذف مضاف تقديره: ثواب أحسن ما عملوا.
стр. 2228
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ما لم يستحقوه بأعمالهم.
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة، تركوا كل شغل، وبادروا إليها، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة، فقال: "هؤلاء الذين أراد الله بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١).
...
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ثم ضرب لأعمال الكافرين مثلًا فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ هو ما يُرى من ضوء الشمس نصفَ النهار كالماء على وجه الأرض.
﴿بِقِيعَةٍ﴾ جمع قاع، وهو المستوي من الأرض، وفيه يكون السراب.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ يتوهمه العطشان.
﴿مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ جاء ما غلب على ظنه أنه ماء.
﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مما ظنه، فيزداد عطشًا، فكذلك الكافر، يحسب أن عمله ينفعه، فعند الموت والبعث، لم يغن عنه شيئًا، فيزداد انقطاعًا.
стр. 2229
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: بالمجازاة، والضمير في.
﴿عِنْدَهُ﴾ عائد على العمل.
﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ جزاءَ كفره، فألقي في النار.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لا يشغله حساب عن حساب.
...
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ عطف على قوله: ﴿كَسَرَابٍ﴾، وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار؛ أي: أعمالهم في فسادها وجهالتهم فيها كالظلمات.
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق، منسوب إلى اللج؛ أي: ذو لُجًّ، وهو معظم الماء.
﴿يَغْشَاهُ﴾ يعلو البحرَ.
﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ فوق الموج ﴿مَوْجٌ﴾ آخر؛ لأن الموج يركب بعضه بعضًا؛ لكثرته.
﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ فوق الموج ﴿سَحَابٌ﴾ قرأ البزي عن ابن كثير: (سَحَابُ) بغير تنوين (ظُلُمَاتٍ) بالخفض على الإضافة، وقرأ قنبل عنه: (سَحَابٌ) بالتنوين (ظُلُمَاتٍ) بالخفض على البدل من قوله: (أو كَظُلُمَاتٍ)، وقرأ
стр. 2230
الباقون: (سَحَابٌ) (ظُلُمَاتٍ) كلاهما بالرفع والتنوين (١)، فيكون تمام الكلام عند قوله: (سَحَابٌ)، ثم ابتدأ.
﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فشبهت أعمال الكفار واغترارهم بها بسراب يغتر به من طلبه، ثم شبهت لسوادها لكفرهم بظلمات بعضها فوق بعض، والمراد؛ ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج على الموج، وظلمة السحاب على الموج، فشبه عمل الكافر بالظلمات، وقلبه بالبحر، وما يغشى قلبَه من الشرك بالموج، والختم على قلبه بالسحاب، فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، وقلبه وجميع أحواله ظلمة، ومصيره إلى جهنم.
﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ يعني الناظر (٢) ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ﴾ لم يقرُبْ من أن ﴿يَرَاهَا﴾ فضلًا أن يراها؛ لشدة الظلمة.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ هداية وإيمانًا في الدنيا.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هداية في الآخرة إلى الجنة.
نزلت هذه الآية عامة في جميع الكفار، وقيل: إنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، تَعَبَّدَ في الجاهلية، ولبس المسوح، والتمس الدين، فلما جاء الإسلام، كفر (٣).
...
стр. 2231
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه، والرؤية رؤية الفكر.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ باسطاتٍ أجنحتَها في الهواء يُصفقن بهن، قيل: خص الطير بالذكر من جملة الحيوان؛ لأنها تكون بين السماء والأرض، فتكون خارجة عن حكم من في السموات والأرض.
﴿كُلٌّ﴾ من المصلين والمسبحين ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ اللهُ ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ وقيل: المعنى: كل مكلف علم عبادته ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
...
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: تقديرها وتدبير أمورها وتصريف أحوالها كما يشاء.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجعُ الجميع.
...
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾ أي: يسوق ﴿سَحَابًا﴾ أي: غيمًا؛ لانسحابه في الهواء.
стр. 2232
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ بين أجزاء الغيم، فيجعله شيئًا وَاحدًا بعد أن كان قطعًا.
قرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: (يُوَلِّفُ) بفتح الواو من غير همز (١).
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ متراكمًا بعضُه فوق بعض.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فُتوقِه، جمع خَلَل.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ معناه: ينزل من جبال في السماء، تلك الجبالُ من برد.
قال ابن عباس: "أخبر الله تعالى أن في السماء جبالًا من برد" (٢)، ومفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها بردًا، فاستغنى عن ذكر المفعول؛ للدلالة عليه.
قال أهل النحو: ذكر الله تعالى (من) ثلاث مرات في هذه الآية، فقوله: (مِنَ السَّمَاءِ) لابتداء الغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء، وقوله: (مِنْ جِبَالٍ) للتبعيض؛ لأن ما ينزله الله بعضُ تلك الجبال، وقوله: (مِنْ بَرَدٍ) للتجنيس؛ لأن تلك الجبال جنس البرد (٣).
﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبرد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهلك زرعه وأمواله.
﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يضره.
стр. 2233
﴿يَكَادُ سَنَا﴾ أي: ضوء ﴿بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ يختطفها من شدة ضوئه. قرأ أبو جعفر: (يُذْهِبُ) بضم الياء وكسر الهاء، فقيل: إن باء (بِالأَبْصَارِ) تكون زائدة؛ كما هي في: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، قال ابن الجزري: والظاهر أن تكون بمعنى (مِنْ)؛ كما جاءت في قول الشاعر:
شُرْبَ النزيفِ ببردِ ماءِ الحَشْرَجِ (١)
أي: من برد، ويكون المفعول محذوفًا؛ أي: يذهب النور من الأبصار، وقرأ الباقون: بفتح الياء والهاء (٢)، وأبو عمرو يدغم الدال من (يَكَادُ) في السين من (سَنَا بَرْقِهِ) (٣).
...
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يذهب بأحدهما، ويجيء بالآخر، وينقص من أحدهما، ويزيد في الآخر.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التقليب ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لأصحاب الاعتبار.
стр. 2234
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من نطفة، والمراد: كل حيوان يشاهد في الدنيا، ولا يدخل فيه الملائكة والجن؛ لأنا لا نشاهدهم. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (خَالِقُ) بألف بعد الخاء وكسر اللام ورفع القاف وخفض (كُلِّ) بالإضافة، وقرأ الباقون: (خَلَقَ) بفتح اللام والقاف من غير ألف على الفعل، ونصب (كُلَّ) مفعولًا به (١).
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيات، وسمي الزحف على البطن مشيًا؛ اتساعًا؛ لقيامه مقام المشي.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالأناسي والطير.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالبهائم، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض؛ لأنها في الصورة كالتي تمشي على أربع، وتذكير الضمير؛ لتغليب العقلاء، والتعبير بـ (من) عن الأصناف؛ ليوافق التفصيل الجملة، والترتيب؛ لتقديم ما هو أعرق في القدرة.
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مما ذكر، ومما لم يذكر.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يفعل ما يشاء. واختلاف القراء في
стр. 2235
الهمزتين من (يَشَاءُ إِنَّ) كاختلافهم فيهما من ﴿نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ في سورة الحج [الآية: ٥].
...
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ .
[٤٦] و ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تقدم تفسير (آيَاتٍ مُبيِّنَاتٍ)، واختلاف القراء فيها، واختلافهم في (يَشَاءُ إِلَى) كاختلافهم في (يَشَاءُ إِنَّ).
...
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ولما خاصم بشر المنافقُ يهوديًّا كان بينهما خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ ، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف؛ فإن محمدًا يحيف علينا، نزل قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ﴾ (١) يعني: المنافقين ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ لهما.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ بالامتناع عن قبول حكمه.
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ بعد قولهم هذا.
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليسوا بالمخلصين في الإيمان.
...
стр. 2236
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابه.
﴿وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ .
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قرأ أبو جعفر: (لِيُحْكَمَ) بضم الياء وفتح الكاف (١)، وكذلك في الحرف الآتي مجهولًا، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الكاف؛ أي: ليحكم الرسولُ بينهم بحكم الله.
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن الإتيان إليه؛ خوفًا أن يحكم عليهم.
...
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ منقادين بسرعة؛ لثقتهم أنه كما يحكم عليهم بالحق، يحكم لهم أيضًا بالحق.
...
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كفر ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ شكوا في نبوته؟! هذا استفهام ذم وتوبيخ، أي: هم كذلك.
﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: يميل في الحكم.
﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لإعراضهم عن الحق، وطلبهم ما ليس لهم.
стр. 2237
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ﴾ نصب خبر (كانَ) المعنى: إنما كان الواجبُ.
﴿الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتاب الله ﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرك، والطاعة: موافقة الأمر طوعًا، وهي تجوز لله ولغيره ﴿وَأُولَئِكَ﴾ أي: القائلون هذا القول ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ البالغون آمالهم في دنياهم وآخرتهم.
...
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمرانه و ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما صدر عنه من الذنوب ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الناجون. قرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: (وَيَتَّقِهِ) بكسر القاف وإسكان الهاء على نية الوقف، وحفص: بإسكان القاف واختلاس كسرة الهاء تخفيفًا، وأبو جعفر، ويعقوب، وقالون، وهشام: بكسر القاف واختلاس كسرة الهاء، وأصله (يتقهي)، حذفت الياء التي بعد الهاء؛ لسكونها وسكون الياء قبل الهاء، ولم يعتد بالهاء حاجزًا لسكونها، وبقيت الكسرة تدل عليها، ثم حذفت الهاء الأولى للجزم، وقرأ الباقون: بكسر القاف وإشباع كسرة الهاء وصلتها بياء حالة الوصل (١).
стр. 2238
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ يعني: المنافقين ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ والقسم جهد اليمين أبلغُ ما يمكن من الأقسام، فمن قال: أقسم بالله، فقد جهد يمينه.
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أينما كنت، نكن معك، لئن خرجت، خرجنا، وإن أقمت، أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد، جاهدنا، فقال الله تعالى:
﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ لا تحلفوا، تم الكلام، ثم قال:
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: أمثل من إقسامكم طاعة لا يُشك فيها؛ لأنكم لا تصدقون.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم.
...
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به؛ مبالغةً في تبكيتهم.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولوا. قرأ البزي: (فَإِن تَّوَلَّوْا) بتشديد التاء (١).
стр. 2239
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾ على محمد ﷺ ﴿مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من الطاعة.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: التبليغ البين، ونُسخت بآية السيف.
...
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ولما اشتد خوف الصحابة، واستبطؤوا النصر، نزل تسليةً لهم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ وهو جواب قسم مضمر تقديره: وعدهم، وأقسم ليستخلفنهم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ (١) بأن يجعلهم خلفاءها وساكنيها بعد الكفار متصرفين فيها.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: (كَمَا اسْتُخْلِفَ) بضم التاء وكسر اللام مجهول الفاعل (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، ويبتدئ ألفه بالضم، وقرأ الباقون: بفتح التاء واللام معلومًا، ويبتدئون
стр. 2240
ألفه بالكسر (١)، ضميره يرجع إلى (الله)، المعنى: يستخلفكم استخلافًا كاستخلاف الله داود وسليمان وبني إسرائيل أرضَ الجبارين.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام؛ بأن يظهره على جميع الأديان.
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ قرأ ابن كثير، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: بإسكان الباء وتخفيف الدال؛ من أبدل، وقرأ الباقون: بفتح الباء وتشديد الدال؛ من بدَّل، وهما لغتان (٢)، وقيل التبديل: تغيير حال إلى حال، والإبدال: رفعُ الشيء وجعلُ غيره مكانه.
﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ وكان رسول الله ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ثم هاجروا إلى المدينة، وكانوا يصبحون في السلاح، ويبيتون فيه، فأظهر الله دينهم، ونصرهم، وأبدلهم من بعد الخوف أمنًا.
﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فعل مستأنف؛ أي: هم يعبدونني.
﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ أي: يعبدونني موحدين.
﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هذه النعمَ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ العاصون، وكان أول من كفر بهذه النعمة بعدما أنجز الله وعده الذين قتلوا عثمان بن عفان ﵁ فغير الله تعالى ما بهم، وأدخل عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانًا.
...
стр. 2241
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فيما أمركم به.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوها على رجاء الرحمة.
...
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة: (يَحْسَبَنَّ) بالغيب، ونصب السين؛ أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم معجزين، وقرأ الباقون: بالخطاب وكسر السين (١)؛ أي: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا.
﴿مُعْجِزِينَ﴾ أي: فائتين اللهَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بأن لا يقدر عليهم.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ التقدير: الذين كفروا ليسوا معجزين، ومأواهم النار.
﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المأوى الذي يصيرون إليه.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ
стр. 2242
بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾ .
[٥٨] قال ابن عباس: وجه رسول الله ﷺ غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة؛ ليدعوه، فدخل ورأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ (١) هذه اللام لام الأمر.
﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: العبيد والإماء، هم.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ من الأحرار، وليس المراد منهم: الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا.
﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ أي: ليستأذنوا في ثلاثة أوقات.
﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرحِ ما يُنام فيه من الثياب.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾ للقيلولة.
﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ إلى وقت الظهر؛ لأنه وقت القيلولة والتكشف.
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنه وقت التجرد للنوم، فهذه الأوقات أوقات خلوة، فالاستئذان لهؤلاء مشروع فيها لهم، ولغيرهم في جميع الأوقات.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن
стр. 2243
عاصم: (ثَلاَثَ) بنصب الثاء بدلًا عن قوله: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) أي: أوقاتَ ثلاثِ عوراتٍ، وقرأ الباقون: بالرفع (١)؛ أي: هذه الأوقات ثلاثُ عورات لكم؛ لأن الإنسان يختل ستره فيها، واتفقوا على النصب في قوله: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) المتقدم؛ لوقوعه ظرفًا، وقرأ أبو عمرو (بَعْد صَّلاَةِ الْعِشَاءِ) بإدغام الدال في الصاد (٢).
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعنى: العبيد والخدم والصبيان ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم في الدخول بغير استئذان ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة.
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ للخدمة ﴿بَعْضُكُمْ﴾ يطوف.
﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: إن كان بكم وبهم حاجة إلى المخالطة.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الأحكامَ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيما يشرع لكم.
واختلف في حكم الآية، فقال قوم: هي منسوخة (٣)، قال ابن عباس: "لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأُمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، فاتخذ الناس الستور" (٤)، فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان، وذهب قوم إلى أنها
стр. 2244
غير منسوخة، قال سعيد بن جبير: "إن ناسًا يقولون: نسخت، واللهِ ما نُسخت، ولكنها مما تهاون به الناس" (١).
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي: الأحرار إذا بلغوا ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات في الدخول عليكم.
﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأحرار البالغين.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرر تأكيدًا ومبالغة في الأمر بالاستئذان.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هي من قعدت عن الحيض والولد؛ لكبرها.
стр. 2245
﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يُردن الرجال؛ لكبرهن.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ الظاهرة؛ كالملحفة والجلباب الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار، فلا يجوز وضعه.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غير مظهِرات محاسنَهن.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عن وضع الثياب.
﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لأنه أبعد من التهمة.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالهن للرجال ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقصودهن، وتقدم ذكر الخلاف في النظر إلى العجوز التي لا تشتهى في السورة.
...
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ كان هؤلاء يتوقَّون مؤاكلة الناس ومجالستهم؛ لأن الأعمى ربما سبقت يده