عليها ضعف على ضعف؛ لأن الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف ﴿وَفِصَالُهُ﴾ أي: مدة فطامه ﴿فِي عَامَيْنِ﴾ وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ أي: وصيناه بشكرنا، وشكر والديه. قرأ أبو عمرو: (أَنِ اشْكُر لِّي) بإدغام الراء في اللام، ورُوي عنه الإظهار، والوجهان صحيحان عنه (١).
﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ المرجع، قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس، فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس، فقد شكر والديه (٢).
* * *
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ باستحقاقه الإشراك.
﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في الشرك.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: صِحابًا معروفًا، وهو البر والصلة.
стр. 2557
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ﴾ أي: دينَ ﴿مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أقبلَ على طاعتي، وهو النبي ﷺ وأصحابه.
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وجيء بهاتين الآيتين اعتراضًا في قصة لقمان؛ لمناسبة بينهما؛ لأن فيهما نهيًا عن الشرك كما في القصة.
* * *
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ .
[١٦] ثم قال لقمان مخاطبًا ابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: زِنَةَ حبةٍ من حب الخردل. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مِثْقَالُ) برفع اللام؛ أي: إن وقع زنة حبة، وقرأ الباقون: بالنصب (١) على معنى: إن كان العملُ مثقالَ حبة، وتقدم نظيره في سورة الأنبياء.
﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ قال ابن عباس: "هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة السماء منها" (٢).
﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ للجزاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بمكانها، لا يفوته شيء،
стр. 2558
ويجازي به، روي أن آخر كلمة تكلمها هذه، ثم انشقت مرارته؛ لهيبتها، فمات.
* * *
﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وابدأ بنفسك، وتقدم تفسير المعروف والمنكر والحكم فيه في سورة التوبة.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ من الأذى بسبب ذلك؛ فإنه يورث المحن.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ مما عزمه الله؛ أي: قطعه قطعَ إيجاب.
* * *
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تُعرض بوجهك عن الناس تكبرًا واحتقارًا لهم. قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: (تُصَعِّرْ) بتشديد العين من غير ألف، والباقون: بتخفيفها وألف قبلها (١)، ومعناهما واحد؛ من الصَّعَر: داء يأخذ الإبل، فتميل أعناقها منه.
стр. 2559
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ بطرًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متبختر في مشيته.
﴿فَخُورٍ﴾ على الناس صاحبُ خيلاء.
* * *
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ اعدل، فلا تَدب، ولا تَثب.
﴿وَاغْضُضْ﴾ انقص.
﴿مِنْ صَوْتِكَ﴾ واخفضه في محل الخطاب دون الإرهاب للعدو.
﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ أقبح ﴿الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لأن أوله زفير، وآخره شهيق؛ كصوت أهل النار.
* * *
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بأن جعله سببًا لمنافعكم ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بأن مكنكم من الانتفاع به.
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ أكملَ عليكم ﴿نِعَمَهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (نِعَمَهُ) بفتح العين وضم الهاء على الجمع
стр. 2560
والتذكير؛ لأن أنعمه كثيرة، وقرأ الباقون: بإسكان العين وتاء منونة منصوبة على التأنيث والتوحيد (١)؛ إرادة الجنس.
﴿ظَاهِرَةً﴾ هي حسن الصورة وتسوية الأعضاء ﴿وَبَاطِنَةً﴾ هي المعرفة، ولما كان النضر بن الحارث، وأُبي بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم يجادلون النبي ﷺ في الله وفي صفاته.
نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) مستفادٍ من دليل.
﴿وَلَا هُدًى﴾ راجعٍ إلى الرسول.
﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أنزله الله، بل بالتقليد.
* * *
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ .
[٢١] كما قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وجواب (أَوَ لَوْ) محذوف، تقديره: أتتبعون الشيطان، وإن كان يدعوهم إلى عذاب السعير؟ والتقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطًا به، ومنه القلادة، ثم
стр. 2561
استعمل في تفويض الأمر إلى الغير؛ كأنه ربطه في عنقه، واصطلاحًا: قبول قول الغير بلا حجة، فيخرج الأخذ بقوله ﵇؛ لأنه حجة في نفسه.
* * *
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يخلص دينه لله.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله (١).
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: اعتصم بالعهد الأوثق، وهو: لا إله إلا الله.
﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فيعطي كلًّا جزاءه.
* * *
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فإنه لا يضرك. قرأ نافع: (يُحْزِنْكَ) بضم الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضم الزاي (٢) ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ في الدارين.
стр. 2562
﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ بالإهلاك والتعذيب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فمُجازٍ عليه.
* * *
﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ نمهلهم مدة آجالهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ نلجئهم.
﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديد.
...
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذعانه.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه التوحيدَ ووجوبَه عليهم.
...
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يستحق العبادةَ فيهما غيرُه.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ الذي لا حاجة له في وجوده وكماله إلى شيء.
﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود؛ أي: كذلك هو بصفته وذاته.
***
стр. 2563
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ولما نزل بمكة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أتاه أحبار اليهود، وقالوا: يا محمد ما تريد بقولك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إيانا أم قومك؟ فقال؛ كُلًّا، فقالوا: أليست التوراة فينا؟ قال: هي في علم الله قليل.
فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (١) أي: شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا قد بُريت أقلامًا.
﴿وَالْبَحْرُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (وَالْبَحْرَ) بالنصب عطفًا على (ما) التي هي اسم (أن)، وقرأ الباقون: بالرفع على أنه ابتداء، وخبره في الجملة التي بعده (٢).
﴿يَمُدُّهُ﴾ يزيده، وينصبُّ فيه ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣)؛ أي: من خلفه ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾.
стр. 2564
﴿مَا نَفِدَتْ﴾ المعنى: لو أن جميع أشجار الأرض أقلام، وتنصبُّ في البحر سبعة أبحر، ومياهها مداد، فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد، لنفدت الأقلام والمداد، ولم تنفد ﴿كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾؛ يعني: علمه ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
* * *
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ونزل ردًّا على منكري البعث: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾ مع كثرتكم.
﴿إِلَّا كَنَفْسٍ﴾ أي: إلا كخلق نفس ﴿وَاحِدَةٍ﴾ وبعثِها.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ فلا يفوته شيء.
* * *
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يُدخل أحدَهما في الآخر.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى منتهى معلوم: الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر، وقيل: الأجل المسمى: القيامة التي تنقضي فيها هذه البنية.
стр. 2565
﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بكنهه.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: لتعلموا أن الله ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: صفة الألوهية حق ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام ﴿الْبَاطِلُ﴾ المعدوم. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (يَدْعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١).
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كل شيء ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك.
* * *
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ أي: إن ذلك من نعمة الله عليكم، و (نِعْمَتِ) رُسمت بالتاء في أحد عشر موضعًا، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٢).
стр. 2566
﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ من عجائبه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ صبور على أمر الله.
﴿شَكُورٍ﴾ لنعمه.
* * *
﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يعني: الكفار، وهم في البحر ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ لأن موج البحر يرتفع ويتراكب كالظلل، وهي السحب.
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يذكرون معه (١) سواه.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ عدل، موف في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل، هرب عام الفتح إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا، لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، فسكنت الرياح، فرجع عكرمة إلى مكة، فأسلم وحسن إسلامه (٢).
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ الدالةِ على قدرتنا ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غدَّار.
﴿كَفُورٍ﴾ للإحسان إليه.
* * *
стр. 2567
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ أي: عذابَ يوم.
﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا﴾ أي: لا يقضي عنه، و (يُجزي) -بالضم-: يغني، والتلاوة بالأول.
﴿مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ ما روي عن يعقوب وقنبل: الوقف بالياء على (جَازِي) (١).
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالثواب والعقاب ﴿حَقٌّ﴾ لا خُلْفَ فيه.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الشيطان، والغرور: التطميع بما لا يحصل، ومعنى الآية: أن تعمل بالمعصية، وتتمنى المغفرة.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ولما سئل النبي ﷺ عن الساعة، وعن نزول الغيث، وعن وضع الحمل، والكسب، والموت، نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) وقتُ
стр. 2568
قيامها ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في محله المعين له فيعلمه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم: (وَيُنَزِّلُ) بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون: بإسكان النون وتخفيف الزاي (١) ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ من ذكر وأنثى، وأسود وأبيض، وغير ذلك.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خير وشر ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ من بَرٍّ وبحر، قال ﷺ : "مفاتحُ الغيبِ خمسة" وتلا هذه الآية (٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بالأشياء كلها ﴿خَبِيرٌ﴾ يعلم بواطنَها وظواهرَها، والله أعلم.
* * *
стр. 2569
سُوْرَةُ السَّجدَة
وتسمى: سورة المضاجع، مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تمام ثلاث آيات، وآيها: ثلاثون آية، وحروفها: ألف وخمس مئة وثمانية عشرة حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١)﴾ .
[١] ﴿الم﴾ اختلفوا في إعراب أوائل السور على ثلاثة أقوال: قيل: محلها رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه ألف لام ميم، أو مبتدأ وما بعده خبر، وقيل: محلها نصب على إضمار فعل؛ أي: اقرأ ألف لام ميم، وقيل: في محل جر على إضمار جر بالقسم؛ أي: وألفٍ لام ميم، وتقدم تفسيره واختلاف القراء فيه غيرَ مرة.
* * *
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في الكتاب أنه تنزيل.
стр. 2570
﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأنه معجز، وإذا تُؤُمِّل، وُجد كذلك.
* * *
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: بل أيقولون: ﴿افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقَ محمدٌ القرآنَ.
﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم العرب.
﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأن العرب لم يُبعث إليهم أحد قبل النبي ﷺ ؛ لأنهم كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك إياهم.
* * *
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدم الكلام فيه في سورة طه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون عذابه.
﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ المعنى: إذا خالفتموه، فلا ناصر يذب عنكم، ولا شافع يشفع لكم.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ الله؟!
* * *
стр. 2571
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضي القضاء وينزله ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ واختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ) كاختلافهم فيهما من قوله: (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ يصعد ﴿إِلَيْهِ﴾ المعنى: ينزل الملك بالوحي من السماء إلى الأرض، ثم يرجع إلى مقره منها.
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ من أيامكم؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة سنة (١)، فيكون هبوط الملك وصعوده في قدر يوم واحد، وأما قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤] فهو مدة المسافة بين سدرة المنتهى والأرض، ثم عوده إلى السدرة، فالملك يسيره في قدر يوم واحد من أيام الدنيا.
* * *
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ .
[٦] ﴿ذَلِكَ﴾ المدَبِّرُ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم الظاهر والباطن ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالبُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده.
* * *
стр. 2572
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ .
[٧] ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قرأ نافع، والكوفيون: (خَلَقَهُ) بفتح اللام؛ أي: كل شيء (١) خلقه حسن، وقرأ الباقون: بإسكانها (٢)، أي: أحسنَ كمل (٣) خلقَ كلِّ شيء؛ أي: أتقنه وأحكمه.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ أي: آدم ﴿مِنْ طِينٍ﴾.
* * *
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ .
[٨] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ذريته.
﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من نطفة؛ لأنها تُسل من الإنسان.
﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ضعيف.
* * *
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ قَوَّمه وسَوَّى خلقَه ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أي: جعل فيه الشيء الذي اختص تعالى به، ولذلك أضافه إليه، فصار بذلك حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا، لا أن ثَمَّ حقيقة نفخ، ئم عاد إلى ذريته فقال:
стр. 2573
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ بعد أن كنتم نُطفًا.
﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يعني: لا تشكرون إلا شكرًا قليلًا.
* * *
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَقَالُوا﴾ منكرو البعث: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ذهبنا وصرنا ترابًا، و (صَلَلْنَا) بالصاد المهملة: تغيرنا، والتلاوة بالأول ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ المعنى: أنبعث بعد موتنا وانعدامنا؟ واختلف القراء في (أَئِذَا) (أَئِنَّا) في الإخبار بالأول منهما، والاستفهام بالثاني، وعكسه، والاستفهام فيهما، فقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: (إِذَا) بالإخبار (أَئِنَّا) بالاستفهام، وابن عامر: يحقق الهمزتين، وأبو جعفر: يسهل الثانية ويفصل بينهما بألف، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل مع تحقيق الهمزتين، وقرأ نافع، والكسائي، ويعقوب: (أَئِذَا) بالاستفهام (أَئِنَّا) بالإخبار، فنافع يسهل الهمزة الثانية، ورواية قالون: يفصل بينهما بألف، ووافقه رويس عن يعقوب في التسهيل، والكسائي: يحقق الهمزتين، وافقه روح عن يعقوب، وقرأ الباقون: (أَئِذَا) (أَئِنَّا) بالاستفهام فيهما، فابن كثير وأبو عمرو: يسهلان الهمزة الثانية منهما، وأبو عمرو: يفصل بينهما بألف، وعاصم وحمزة وخلف: يحققون الهمزتين (١)، فمن قرأ بالاستفهامين، فذلك
стр. 2574
للتأكيد، ومن استفهم في الأول فقط، فإنما يقصد بالاستفهام الموضع الثاني، تقديره: أنبعث ونحشر إذا، ومن استفهم في الثاني فقط، فمعناه: إذا كنا ترابًا، أنبعث؟
قال الله : ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: بالبعث بعد الموت.
* * *
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ .
[١١] ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبض أرواحكم ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي: وكل بقبض أرواحكم، وهو عزرائيل ﵇، والتوفي: هو استيفاء العدد، معناه: أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليهم الموت.
روي أن الدنيا لملك الموت كراحة اليد، يأخذ منها صاحبها ما أحب بلا تعب، فهو يقبض أنفس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، روي أن أعوانه ينزعون الروح، فإذا بلغت ثغرة النحر، نزعها هو (١).
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت أحياءً، فيجزيكم بأعمالكم. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُون) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (٢).
стр. 2575
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ أي: وليتك يا محمد ترى ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون ﴿نَاكِسُو﴾ مطأطِئو ﴿رُءُوسِهِمْ﴾ خجلًا وندمًا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة، فتمنى تعالى أن يراهم نبيُّه ﵇ على الحالة الرديئة؛ لأنهم آذوه.
﴿رَبَّنَا﴾ أي: ويقولون: ربَّنا ﴿أَبْصَرْنَا﴾ صدقَ وعدِك.
﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ رسلك، تقديره: لو رأيت حالهم، لرأيت العجب.
﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ فيها.
﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ هنا بما أنكرنا ثَمَّ.
* * *
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ رشدَها إلى الإيمان، وأجبرناها عليه.
﴿وَلَكِنْ حَقَّ﴾ أي: ثبت ﴿الْقَوْلُ مِنِّي﴾ بالوعيد، وهو: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ أي: الشياطين ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وهو قوله لإبليس: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥].
* * *
стр. 2576
﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ .
[١٤] ثم يقال: ﴿فَذُوقُوا﴾ هذا الذي أنتم فيه؛ من التنكيس والخزي.
﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾ بسبب نسيانكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ وهو يوم القيامة، واشتغالكم بملذاتكم عن الاعتداد له ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الدائم في جهنم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي.
* * *
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ثم أثنى على المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وعظوا ﴿بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين خوفًا منه.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ نزهوا الله عما لا يليق به، حامدين له على ما وفقهم.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ على الإيمان به، والسجود له، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم، ويُسن عند الشافعي وأحمد أن يقرأ في فجر الجمعة في الركعة الأولى: ﴿الم﴾ السجدة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان] وكره أحمد المداومة عليهما؛ لئلا يُظن أنها مفضلة
стр. 2577
بسجدة، وعند أبي حنيفة ومالك: لا يسن، بل كره أبو حنيفة تعيين سورة غير الفاتحة بشيء من الصلوات؛ لما فيه من هجران الباقي، وكره مالك قراءة السجدة في صلاة الفرض جهرًا أو سرًّا، فإن قرأ، هل يسجد؟ فيه قولان.
* * *
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿تَتَجَافَى﴾ ترتفع ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ جمع مضجع، وهو الفِراش، وهم المتهجدون بالليل الذين يقومون للصلاة.
وقال ابن رواحة يمدح النبي ﷺ :
وَفِينا رسولُ الله يَتْلو كتابَهُ ... إذا انشقَّ معروفٌ من الفجرِ ساطعُ
أرانا الهدى بعدَ العمى فقلوبُنا ... به موقِناتٌ أَنَّ ما قالَ واقعُ
يبيتُ يُجافي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ ... إذا استثقلَتْ بالكافرينَ المضاجِعُ (١)
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾ من النار ﴿وَطَمَعًا﴾ في الجنة.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون تطوعًا.
* * *
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ لا مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبي مرسَل.
стр. 2578
﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ هو ما تقر به أعينهم. قرأ حمزة، ويعقوب: (أُخْفِي) بسكون الياء معلومًا مستقبلًا؛ أي: أخفي أنا، وقرأ الباقون: بفتحها مجهولًا على بناء الفعل للمفعول (١).
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الخير.
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "يقول الله ﵎: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بَلْهَ ما اطلعتم عليه" (٢)، و (بَلْهَ)؛ أي: غيرَ.
* * *
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ .
[١٨] ولما وقع تنازع بين علي بن أبي طالب ﵁ وبين الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، فقال الوليد: لعلي: اسكت، فإنك صبي، فقال له علي: "اسكت؛ فإنك فاسق"، نزل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٣) عند الله، أفرد مؤمنًا وفاسقًا حملًا على لفظ (مَنْ) وجمع (لا يَسْتَوُونَ) حملًا على معناها؛
стр. 2579
لأنها للعموم؛ لأنه لم يرد مؤمنًا واحدًا وفاسقًا واحدًا، بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين.
* * *
﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ .
[١٩] ثم بين التفاوتَ بينهما فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾ استحقاقًا تكرمًا منه تعالى ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ التي يأوي إليها المؤمنون.
﴿نُزُلًا﴾ جزاءً وثوابًا ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بسبب أعمالهم.
* * *
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ عبارة عن خلودهم فيها ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إهانة لهم، وزيادة في غيظهم، قال هنا: (الَّذِي) أراد: العذاب، وفي سبأ (الَّتِي) أراد: النار.
* * *
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ أي: الأقرب عذاب الدنيا من
стр. 2580
القتل والأسر والمحن ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ عذاب الآخرة؛ أي: نذيقهم العذاب هنا قبل العذاب.
ثم ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: من بقي منهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يتوبون.
* * *
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فلم يتفكروا فيها، و (ثُمَّ) لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها.
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أجمعين ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ وظاهر الإجرام هنا: أنه الكفر، وروى معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقدَ لواءً في غير حق، ومن عَقَّ والديه، ومن نصر ظالمًا" (١).
* * *
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ أي: شك ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي: من لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله ابن عباس وغيره ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: المنزَل على موسى، وهو التوراة ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ روي أن
стр. 2581
التوراة إنما جعلت هدى لبني إسرائيل خاصة دون بني إسماعيل.
* * *
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةً﴾ قادة في الخير يُقتدى بهم؛ يعني: الأنبياء الذين كانوا فيهم. واختلاف القراء في (أَئِمَّةً) كاختلافهم فيه في الحرف المتقدم في سورة الأنبياء [الآية: ٧٣] ﴿يَهْدُونَ﴾ يدعون إلى الطاعة ﴿بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي: بصبرهم، وقرأ الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم (١)؛ أي: حين صبروا على دينهم، وعلى البلاء من عدوهم.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ إمعانهم فيها النظر.
* * *
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ يقضي بين الأنبياء وأممهم.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين.
стр. 2582
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يُبيِّنْ ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأهل مكة. قرأ زيد عن يعقوب: (نَهْدِ) بالنون، والباقون: بالياء (١)، فالفاعل على القراءتين مضمر؛ أي: الله.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ أي: الأمم؛ كعاد وثمود ﴿يَمْشُونَ﴾ أهل مكة ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يمرون على ديارهم في متاجرهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ المواعظَ فيتعظون؟!
* * *
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أي: اليابسة المعدومة النبات. واختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (الْمَاءَ إِلَى) كاختلافهم فيهما من قوله: (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) في سورة الكهف [الآية: ١٠٢]، المعنى: ألم يستدلوا على قدرتنا بسوقنا المطر إلى الأرض التي لا نبات فيها؟! قال ابن عباس: "هي أرض باليمن" (٢).
стр. 2583
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ كالتبن ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ كالحبوب والفواكه.
﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ ذلك فيؤمنون؟!
* * *
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ولما قال الكافرون للمؤمنين استهزاء: متى الساعة فيقضى بيننا وبينكم؟! نزل: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ (١) أي: القضاء والحكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في الوعد.
* * *
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ وهو يوم القيامة.
﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يُمْهَلون، فإنه يوم نصر للمسلمين على الكفرة، والفصل بينهم.
* * *
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، وهو منسوخ بآية السيف.
﴿وَانْتَظِرْ﴾ وعدي بنصرك ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ هلاكك.
стр. 2584
عن جابر ﵁، قال: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ: ﴿تَبَارَكَ﴾، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 2585
سُوْرَةُ الأحْزَابِ
مدنية، وآيها: ثلاث وسبعون آية، وحروفها: خمسة آلاف وسبع مئة وستة وتسعون حرفًا، وكلمها ألف ومئتان وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ .
[١] رُوي أن أبا سفيان بن حرب، وعِكْرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور بنَ سفيان السلمي قدموا المدينة، فنزلوا على عبد الله بن أُبي رأس المنافقين بعد قتال أُحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وطُعمة بن أُبيرق، ومعتب بن قُشير، وجَدُّ بن قيس، فقالوا للنبي ﷺ ، وعنده عمر بن الخطاب ﵁: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربَّكَ، فشق على النبي ﷺ قولُهم، فقال عمر: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: "إني قد أعطيتُهم الأمانَ"، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي ﷺ عمرَ أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله
стр. 2586
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (١)، ولم يقل: يا محمد؛ كـ: يا آدم، ويا موسى، ويا عيسى؛ تشريفًا له، وأما تصريحه باسمه في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] فللإعلام أنه كذلك، وللتنبيه على اتباعه. قرأ نافع: (النَّبِيء) و (النَّبِيئُونَ) و (النَّبِيئَينَ) و (نَبِيئُهُمْ) و (الأَنْبِئاء) و (النُّبُوءة) بالمد والهمز حيث وقع، فيكون معناه: المخبر؛ من أنبأ ينبئ؛ لأنه إنباء عن الله، وخالفه قالون في حرفين من هذه السورة يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى، وقرأ الباقون: بترك الهمزة وتشديد الياء (٢)، وله وجهان: أحدهما: هو أيضًا من الإنباء، تركت الهمزة فيه تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، والثاني: هو بمعنى الرفع، مأخوذ من النبوَة، وهو المكان المرتفع.
﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ دُمْ على التقوى.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ من أهل مكة؛ يعني: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور.
﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل المدينة: عبد الله بن أُبي، وعبد الله بن سعد، وطعمة، فيما يخالف شريعتك، ويعود بوهن في الدين.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يخلق، وهذا تسلية للنبي ﷺ ؛ أي: لا عليك منهم، ولا من إيمانهم، فالله عليم بما ينبغي لك، حكيم في هدى من يشاء، وإضلال من يشاء.
* * *
стр. 2587
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ .
[٢] ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ من القرآن ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ واعمل به.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قرأ أبو عمرو: (يَعْمَلُون) بالغيب، يعني: الكفرة والمنافقين؛ أي: إن الله خبير بمكائدهم، فيدفعها عنك، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)، وقوله: (كان) في هاتين الآيتين هي التي تقتضي الدوام (٢)؛ أي: كان ويكون (٣) ، وليست الدالة على زمان مخصوص للمضي.
* * *
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾.
[٣] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ به ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ حافظًا ورازقًا لك، والوكيل: القائم بالأمر، المغني فيه عن كل شيء.
* * *
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ .
[٤] ولما قال الكفار: إن لمحمد قلبين: قلب معنا، وقلب مع أصحابه، نزل:
стр. 2588
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وقيل: نزلت في أبي معمر جميل بن معمر الفهري، وكان لبيبًا حافظًا، وكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ﷺ ، فانهزم مع المشركين ببدر، وإحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقيل له في ذلك، فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان، ما نسي نعله في يده (١).
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾ جمع التي. قرأ أبو عمرو، والبزي عن ابن كثير: (اللَّايْ) بياء ساكنة بدلًا من الهمزة في الحالين، وروي عنهما تسهيل الهمزة بين بين، والوجهان صحيحان، وقرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: بتسهيل الهمزة كذلك، وقرأ قالون عن نافع، وقنبل عن ابن كثير، ويعقوب: بتحقيق الهمزة، وحذف الياء بعدها؛ لأن الهمزة المكسورة بدل الياء، وقرأ الكوفيون، وابن عامر: بإثبات الياء ساكنة بعد الهمزة، وكلها لغات معروفة (٢)، وكذلك التعليل والاختلاف في (المجادلة)، وموضعَي (الطلاق).
﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قرأ عاصم: (تُظَاهِرُونَ) بضم التاء وتخفيف الظاء، وألف بعدها، وكسر الهاء مع تخفيفها؛ كـ (تقاتلون)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: كذلك، إلا أنهم بفتح الياء والهاء، أصله:
стр. 2589
تتظاهرون، حذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر: كذلك، إلا أنه بتشديد الظاء على إدغام إحدى التاءين في الظاء، وقرأ الباقون، وهم: نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو (١)، ويعقوب: (تَظَّهَّرُونَ) بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء وفتحها من غير ألف بينهما، أصله: تتظهرون، وأدغمت التاء في الظاء، فشددت (٢).
وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي؛ أي: حرام كبطن أمي؛ لقربه من الفرج، وكنِّي عنه بالظهر، لأنه قوام البنية، المعنى: ما جعل نساءكم اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكر وزور، وفيه كفارة، وسيأتي الكلام على ذلك، وعلى الكفارة فيه، واختلاف الأئمة في حكمه في (سورة المجادلة) إن شاء الله تعالى.
وكان الرجل في الجاهلية يتبنى ولد غيره، فينسب إليه، ويتوارثان، وكان النبي ﷺ قد أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ﴾ (٣) من تبنيتموه ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقة
стр. 2590
في الحكم والحرمة والنسب، ونُسخ التبني بهذا، والأدعياء: جمع دَعِيّ، وهو من دُعي إلى غير أبيه، تلخيصه: ممتنع أن يكون لرجل قلبان، وأن تكون زوجة الرجل أمه، وأن يكون شخص واحد ابن رجلين، إنما.
﴿ذَلِكُمْ﴾ النسب ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ لا حقيقة له.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ وهو أن غير الابن لا يكون ابنًا.
﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ الطريق المستقيم.
* * *
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ .
[٥] وكان زيد يدعى بابن محمد ﷺ ، فنزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) الذين ولدوهم.
﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم بآبائهم ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾ فتنسبوهم إليهم، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ أولياؤكم، المعنى: إذا جهل نسبه، يقول: يا أخي! يا مولاي! يريد: الأخوة في الدين، والولاية فيه.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ والخطأ هنا بمعنى: النسيان.
стр. 2591
﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم: يا بني! سهوًا، وقيل: خطؤهم: التسمية قبل النهي، قال ابن عطية: وهذا ضعيف، لا يوصف ذلك بخطأ إلا بعد النهي، وإنما الخطأ هنا بمعنى النسيان، وما يكون مقابل العمد، والخطأ مرفوع عن هذه الأمة عقابه، وقد قال ﷺ : "رُفع عن أمتي الخطأُ والنسيان وما أُكرهوا عليه" (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يريد: لما مضى من فعلهم في ذلك، ثم هي صفتان لله تعالى تَطَّرِد في كل شيء.
* * *
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ .
[٦] ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في كل شيء من أمر الدين والدنيا، فيحكم فيهم بما يشاء. قرأ نافع: (النَّبِيءُ أَوْلَى) بالمد والهمز في (النَّبِيء)، وإبدال الهمز الثاني واوًا محضة مفتوحة (٢).
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: كأمهاتكم في وجوب تعظيمهن، وتحريم
стр. 2592
نكاحهن، لا في النظر إليهن، والخلوة بهن؛ فإنه حرام في حقهن؛ كما في حق الأجانب، ولا يقال لبناتهن: أخوات المؤمنين، ولا لإخوانهن وأخواتهن: هم أخوال المؤمنين وخالاتهم، قالت عائشة: "لستُ بأم نسائِكم، وإنما أنا أم رجالكم" (١)، فبان بهذا أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن.
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ وذوو القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التوارث.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في اللوح المحفوظ.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ يعني: ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة، وكان في صدر الإسلام يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة، فنسخ بهذه الآية، وصارت بالقرابة، وتقدم حكم ميراث ذوي الأرحام واختلاف الأئمة فيه آخر سورة الأنفال.
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن فعلكم ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ الذين يتولونكم من المعاقدين ﴿مَعْرُوفًا﴾ بالوصية جائزٌ.
﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ يعني: نسخ الميراث بالهجرة، ورده إلى ذوي الأرحام.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾ مكتوبًا.
* * *
стр. 2593
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ حين استُلُّوا من نسل (١) آدم مثل الذر ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ عهودهم بتبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضًا، وخُصَّ محمد مع جماعة منهم بالذكر (٢)؛ لأنهم أصل الشرائع صلوات الله عليهم أجمعين، وكان محمد ﷺ أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث، فلذلك قدم هنا تشريفًا له، فقال:
﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فهؤلاء هم أولو العزم من الرسل.
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ عظيم الشأن على الوفاء بما حملوا.
* * *
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾ .
[٨] ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أي: فعلنا ذلك ليسأل الله الأنبياء الذين صدقوا عن الوفاء بميثاقهم في إبلاع الرسالة، والحكمة في سؤالهم، مع علمه أنهم صادقون، تبكيتُ من أُرسلوا إليهم، وإثبات الحجة عليهم، ويعطف على ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾.
﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ بالرسل ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ المعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه؛ لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابًا أليمًا.
стр. 2594
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله ﷺ يوم الخندق.
﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ هم الأحزاب، وكان ذلك في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، وسببها أن نفرًا من اليهود حَزَّبوا الأحزابَ على رسول الله ﷺ ، وقدموا على قريش بمكة يدعونهم إلى حربه؛ لأن رسول الله ﷺ أجلى بني النضير من ديارهم، فلما علم رسول الله ﷺ بذلك (١)، أمر بحفر الخندق حول المدينة برأي سلمان الفارسي يحول بين المؤمنين (٢) والكفار، وعمل فيه بنفسه، وفرغ من الخندق، وأقبلت قريش ومن تبعهم من بني قريظة، مقدَّمُهم أبو سفيان، وكانوا عشرة آلاف نزلوا قريبًا من الغابة، والنبي ﷺ في ثلاثة آلاف، واشتد البلاء حتى ظن المؤمنون كل الظن، وأقام رسول الله ﷺ والمشركون بضعًا وعشرين ليلة، لم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالحصا والنبال.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ليلًا، وهي الصبا، فأطفأت النيران، وأكفأت القدور، قال ﷺ : "نُصِرْت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبور" (٣).
стр. 2595
﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هم ألف ملك، فكبرت في جوانب العسكر، وقلعت الأوتاد وأطناب الفساطيط، ولم تقاتل يومئذ، وماجت الخيل بعض في بعض، وقذف الرعب في قلوبهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدي: النجاءَ النجاءَ من سحر محمد، فارتحلوا ليلًا منهزمين بغير قتال، وانقلبوا خاسرين، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال: "الآن نغزوهم ولا يغزونا" (١)، فكان ذلك حتى فتح مكة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قرأ أبو عمرو: (يَعْمَلُونَ) بالغيب؛ أي: بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)؛ أي: بما تعملون من حفر الخندق.
* * *
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل من (إِذْ جَاءَتكمْ) ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من بطن الوادي من قبل المغرب: قريش.
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ مالت حيرة وشخوصًا من الرعب.
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم.