﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ .
[٥] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ من له كتاب على من لا كتاب له.
﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فينصر هؤلاء تارة، وهؤلاء أخرى.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين.
* * *
﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر؛ أي: وعد الله وعدًا بظهور الروم على فارس.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ صحة وعده؛ لجهلهم.
* * *
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من أمر معاشهم، ولا فرق بين عدم العلم وبين العلم المقصور على الدنيا.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ساهون لا يتفكرون فيها، وكرر الضمير تأكيدًا.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾ .
[٨] ثم وبخهم على ترك النظر فيما يدلهم على المطلوب منهم فقال:
стр. 2522
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ألم يحدثوا الفكرة الصالحة في قلوبهم.
فيقولوا: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: لم يخلقهما عبثًا، بل لحكم ظاهرة ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ آتٍ (١) لوقت معلوم، إذا انتهت إليه، فنيت، وهو يوم القيامة.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والجزاء.
﴿لَكَافِرُونَ﴾ جاحدون، يظنون بقاء الدنيا، وعبر عنه بلقاء الله؛ لأنه عظم الأمر، وفيه النجاة والهلكة.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أهل مكة.
﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ المعنى: ألم يسافروا، فيعترفوا (٢) مصارع المهلكين؛ كعاد وثمود بعد أن.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ حرثوها وقلبوها للزراعة، وسمي الثور ثورًا؛ لإثارته الأرض؛ كما سميت بقرة لبقرها الأرض.
стр. 2523
﴿وَعَمَرُوهَا﴾ أي: المدمَّرين ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أكثر من عمارة أهل مكة، فأُهلكوا، فما الظن بأهل مكة، وهم دونهم في العدد والعُدَد وقوة الجسد.
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فلم يؤمنوا، فأهلكهم الله.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيدمرهم من غير جرم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بكفرهم.
* * *
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾ أي: آخر أمر ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ العمل بكفرهم.
﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ، وهو الأقبح، يعني: الخلة التي تسوْؤهم، وهي جهنم.
﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أي: لأجل أن كذبوا (١).
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ محمد ﷺ ، والقرآن.
﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (عَاقِبَةُ) بالرفع اسم كان، وخبرها (السُّوءَى)، وقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان (٢)، وتقديره: ثم كان السوءى عاقبة الذين أساؤوا.
стр. 2524
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ .
[١١] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ينشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث بعد الموت.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجزيهم بأعمالهم. قرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: (يُرْجَعُونَ) بالغيب مع ضم حرف المضارعة، واختلف عن يعقوب، فقرأ رويس: بالخطاب، وروح: بالغيب، وكل منهما يفتح حرف المضارعة على أصل يعقوب، وقرأ الباقون: بالخطاب مع الضم (١).
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ﴾ أي: ييئس.
﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون من كل خير.
* * *
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ الذين عبدوهم دون الله.
﴿شُفَعَاءُ﴾ يجيرونهم من عذاب الله.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ أي: بآلهتهم ﴿كَافِرِينَ﴾ جاحدين، يتبرأ كل
стр. 2525
واحد منهم من الآخر، وكتب (شُفَعَؤُاْ) بواو قبل الألف؛ كما كتب (عُلَمَؤُاْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) في الشعراء [الآية: ١٩٧]، و (السُّوأَى) بألف قبل الياء إثباتًا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ بعد الحساب إلى الجنة والنار، فلا يجتمعون أبدًا.
* * *
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ بستان مخضر في الجنة.
﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسرون، وكل أرض ذات نبات وماء روضة، ونكرت إرادةً الجنس، وتفخيمًا لها.
* * *
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ بالبعث يوم القيامة.
﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ لا يغيبون عنه.
* * *
стр. 2526
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ .
[١٧] سئل ابن عباس ﵄ عن المواقيت الخمس، هل هي في كتاب الله تعالى؟ قال: "نعم"، ثم تلا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ (١) أي: نزهوا الله.
﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ تدخلون في المساء، والمراد: صلاتا المغرب والعشاء.
﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي: تدخلون في الصباح، وهو صلاة الفجر.
* * *
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: "يحمده أهل السموات والأرض ويصلون" (٢)، ﴿وَعَشِيًّا﴾ هي صلاة العصر.
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تدخلون في الظهيرة، وهي صلاة الظهر.
واتفق الأئمة على أن الصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس، وعلى أنها سبع عشرة ركعة، الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، والفجر ركعتان، وتجب الصلاة بأول الوقت لغير معذور، وعليه بآخره بالاتفاق.
فأول وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وهو ابتداء طول الظل بعد تناهي
стр. 2527
قصره بالاتفاق، وآخر وقتها: إذا صار ظل الشيء مثله بعد الذي زالت فيه الشمس عند الشافعي وأحمد، وقال مالك: هو آخر وقت الظهر، وهو بعينه أول وقت العصر المختار يكون وقتًا لهما ممتزجًا بينهما، فإذا زاد زيادة بينة، خرج وقت الظهر المختار، واختص الوقت بالعصر، وعند أبي حنيفة آخر وقت الظهر مصير ظل الشيء مثليه، وخالفه صاحباه، فوافقا الشافعي وأحمد.
ثم العصر، ووقتها من خروج وقت الظهر على الاختلاف بينهم، وآخر وقتها المختار مصير ظل كل شيء مثليه عند مالك والشافعي وأحمد، ووقت الضرورة عند الشافعي وأحمد إلى غروب الشمس، وهو آخر الوقت عند أبي حنيفة، وقال مالك: وقت الضرورة ببقاء خمس ركعات من النهار يدرك ما الظهر والعصر، وما دون ذلك يدرك ما العصر دون الظهر.
ثم المغرب، ووقتها من مغيب الشمس بالاتفاق، قال مالك: وقت المغرب في الأخبار مغيب الشمس، وهو وقت واحد مضيق غير ممتد، لا يؤخر عنه، مقدر آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف، وآخر وقتها عند الشافعي وأحمد مغيب الشفق الأحمر بالأفق، وهو من بقايا شعاع الشمس، وعند أبي حنيفة هو البياض الذي يبقى بعد الحمرة؛ خلافًا لصاحبيه.
ثم العشاء، ووقتها من مغيب الشفق على الاختلاف بينهم، وآخر وقتها المختار عند مالك والشافعي وأحمد ثلث الليل الأول، ووقت الضرورة عند مالك بقاء أربع ركعات من الليل قبل طلوع الفجر يدرك ما المغرب والعشاء، وما دون ذلك يدرك بها العشاء وحدها، وعند الشافعي وأحمد وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني، وهو البياض الذي يبدو من قبل
стр. 2528
المشرق معترضًا بالأفق ولا ظلمة بعده، وهو آخر الوقت عند أبي حنيفة.
ثم الفجر، ووقتها من طلوع الفجر الثاني وهو الصادق إلى طلوع الشمس بالاتفاق، وتعجيلها أفضل عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة يستحب الإسفار، فمن أدرك قبل الشمس ركعة، فقد أدرك الصلاة عند الشافعي، وعند مالك مع الطمأنينة، وعند أحمد يدرك الوقت بتكبيرة الإحرام، وكذا الحكم عندهم في جميع الصلوات، وعند أبي حنيفة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الفجر بطلت صلاته، وليس كذلك إذا خرج الوقت في بقية الصلوات، والزائد على قدر واجب في الصلاة في قيام ونحوه نفل بالاتفاق.
* * *
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة.
﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ عكسه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (الْمَيِّت) بالتشديد في الحرفين، والباقون: بالتخفيف (١).
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ بالمطر وإخراج النبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها.
﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: كذلك نحييكم عند البعث. قرأ حمزة،
стр. 2529
والكسائي، وخلف: (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء وضم الراء، والباقون: بضم التاء وفتح الراء، واختلف عن ابن ذكوان (١).
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ دلائله الدالة على قدرته ووحدانيته.
﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ أي: خلق أصلكم، وهو آدم ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ تنبسطون في الأرض، و (إِذَا) للمفاجأة؛ أي: فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين.
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ حواء من ضلع آدم، والنساء بعدها من أصلاب الرجال ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ لتأووا إلى أزواجكم.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾ الجماع ﴿وَرَحْمَةً﴾ الولد، فبرحمة الله يتعاطفون، ويرزق بعض بعضًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في عظمة الله وقدرته.
* * *
стр. 2530
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ باللغات.
﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ أبيض وأسود وغيرهما.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ ظاهرة ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: بكسر اللام الثالثة، جمع عالم، وهو ذو العلم، وخص العلماء؛ لأنهم أهل النظر والاستدلال، دون الجهال المشغولين بحطام الدنيا وزخارفها، وقرأ الباقون: بفتح اللام (١)، جمع العالم، وهم الخلق، معناه: الآيات حجة على كل مخلوق.
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ﴾ أي: نومكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: جعل الليل للسكنى، والنهار للتصرف في طلب المعاش.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واعتبار.
* * *
стр. 2531
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من الصواعق.
﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (وَيُنْزِلُ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديد (١).
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي تدوما قائمتين إلى أجلهما.
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: من القبور ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ المعنى: من دلائله على ألوهيته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى حين يقال: يا أهل القبور اخرجوا، فيخرجون بلا توقف ولا إباء.
* * *
стр. 2532
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون لا يمتنعون عليه، والمراد: طاعة الإرادة، لا طاعة العبادة.
* * *
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ينشئه من العدم أولًا.
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموت للبعث.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي هو هين عليه، وما شيء عليه بعزيز.
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الوصف الذي ليس لغيره مثله.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان موافقتان لمعنى الآية؛ لأنه وصف الوحدانية.
* * *
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ثم عقبه بصفات التشريك فقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: بين لكم شبهًا من حالكم، و (مِنْ) هذه ابتدائية؛ أي: أخذ مثلًا وانتزعه من أقرب شيء منكم، وهي أنفسكم، ثم بين المثل فقال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا
стр. 2533
﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من عبيدكم وإمائكم، و (مِنْ) هنا تبعيض.
﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من المال، و (مِنْ) هنا زائدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ﴾ في المال.
﴿سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ أي: تخافون مواليكم خيفة ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار، المعنى: هل ترضون أن يشارككم مَنْ ملكت أيمانكم فيما رزقناكم، فتكونوا سواء، فتخافونهم أن ينفردوا بأمر دونكم، كما تخافون الشركاء الأحرار؟ فإذا لم ترضوا ذاك، فكيف ترضون لله بشريك فيما يملكه؟ ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا التفصيل ﴿نُفَصِّلُ﴾ نبين ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم.
* * *
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] فلما لم ينزجروا، أضرب عنهم فقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالكفر ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل تقليدًا للجهالة ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ﴾ أي: أضلَّه.
﴿اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من العذاب.
* * *
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أخلصْ دينك لله، وذكر الوجه؛ لأنه جامع
стр. 2534
حواس الإنسان وأشرفه ﴿حَنِيفًا﴾ مائلًا إليه عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ خلقة الله. وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (١)، ويعقوب: (فِطْرَهْ) بالهاء (٢)، وهو نصب على الإغراء؛ أي: الزم فطرة الله.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهي الإسلام.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ خبر بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا دين الله.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ استقامته؛ لعدم تدبرهم.
* * *
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين؛ أي: راجعين إليه بالتوبة، لأن مخاطبته ﷺ تدخل معه فيها الأمة.
﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
* * *
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ .
[٣٢] وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بدل من المشركين؛ أي:
стр. 2535
جعلوه فرقًا مختلفة فيما يعبدونه على اختلاف (١) أهوائهم. قرأ حمزة، والكسائي: (فَارَقُوا) بألف بعد الفاء وتخفيف الراء؛ أي: خرجوا من دينهم وتركوه، وقرأ الباقون: بغير ألف مشددًا على المعنى الأول (٢).
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: صاروا فرقًا مختلفة.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الدين.
﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون؛ ظنًّا منهم أنه الحق.
* * *
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ قحط وشدة ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ﴾ منقلبين.
﴿إِلَيْهِ﴾ بالدعاء.
﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ خصبًا ونعمة.
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فأجاء فريق منهم بالإشراك.
* * *
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ثم أمرهم إيعادًا وتهديدًا فقال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: بسبب ما أتيناهم، ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد.
فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حالكم في الآخرة.
بغير ألف على التوحيد إرادة الجنس، والباقون: بألف على الجمع (١)، ولا خلاف في الحرف المتقدم قبل هذا أنه على الجمع.
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ أي: تنشره ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: نحوها.
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من قلة وكثرة.
﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قرأ ابن عامر، وأبو جعفر: بإسكان السين على التوحيد، وقرأ الباقون: بفتح السين جمع كسفة؛ أي: قطعًا، واختلف عن هشام (٢) ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ وسطه.
﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالودق.
﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بالمطر.
* * *
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ أي: الخلق ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المطر.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل السحاب ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ آيسين.
* * *
стр. 2543
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (أَثَرِ) بقصر الهمزة وحذف الألف بعد الثاء على التوحيد، وقرأ الباقون: بمد الهمزة وألف بعد الثاء على الجمع (١)، وأمال الدوري عن الكسائي فتحة الثاء (٢)، و (رَحْمَتِ) رسمت بالتاء في سبعة مواضع، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٣)، المعنى: انظر إلى تأثير المطر.
﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بالنبات والأشجار وأنواع الثمار.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: محييها بعد الموت.
﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وهو الله تعالى.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من البعث وغيره.
* * *
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مضرة على زرعهم، فأفسدته ﴿فَرَأَوْهُ﴾ أي:
стр. 2544
النبات ﴿مُصْفَرًّا﴾ بعد خضرته ﴿لَظَلُّوا﴾ أي: ليظلُّنَّ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد اصفراره ﴿يَكْفُرُونَ﴾ يجحدون ما سلف من النعم.
* * *
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
* * *
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تقدم تفسير نظير هاتين الآيتين. واختلاف القراء فيهما مستوفًى في سورة النمل [الآية: ٨١]، وكذا الحكم في التفسير والاختلاف هنا.
* * *
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي: من النطف ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ أي: من بعد ضعف الطفولة قوة الشباب. قرأ أبو عمرو: (خَلَقكُّمْ) بإدغام القاف في الكاف، وقرأ: (مِنْ بَعْد ضَعْفٍ) بإدغام الدال في الضاد (١)، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أي: قوة الشباب ﴿ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾
стр. 2545
ضعف الشيخوخة وشيبها. قرأ حمزة، وعاصم بخلاف عن رواية حفص: بفتح الضاد في الأحرف الثلاثة، والباقون: بضم الضاد فيهما، فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم (١).
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من ضعف وقوة وشبيبة وشيبة.
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاء.
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ التي فيها القيامة.
﴿يُقْسِمُ﴾ يحلف ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ استقلوا ذلك لما استقبلوا من هول يوم القيامة، ويكذبون ثَمَّ، فيفتضحون.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الصرف عن الصدق ﴿كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصرفون إلى الكذب في الدنيا. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: ﴿كَذَلِك كَّانُوا﴾ بإدغام الكاف الأولى في الثانية (٢).
* * *
стр. 2546
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ من الملائكة والإنس مُنْكِرين عليهم كذبَهم:
﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: فيما كتبه الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور.
﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ والفاء بعد جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، تقديره: إن شككتم في يوم البعث.
﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الذي كنتم تنكرونه في الدنيا.
﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق. قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب، وخلف: (لَبِثْتُمْ) و (لَبِثْتَ) حيث وقع بإظهار الثاء عند التاء، والباقون: بالإدغام (١).
* * *
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ اعتذارهم ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا تُطلب منهم العتبى؛ أي: لا يقال لهم: أَرضوا ربكم
стр. 2547
بالتوبة والطاعة (١) كما دُعوا إليه في الدنيا؛ من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني، فأرضيته، وحقيقة أعتبته: أزلت عَتْبه، والعتب في معنى الغضب. قرأ الكوفيون: (يَنْفَع) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (٢).
* * *
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ وصفناهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال. قرأ ابن كثير: (القُرَانِ) حيث وقع بالنقل، والباقون: بالهمز (٣).
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عنادًا:
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي: أصحاب باطل.
* * *
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الطبع، وهو الختم.
﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ﴾ الجهلَة ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيد الله.
стр. 2548
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذاهم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بنصرك، وإظهار دينك، لا بد من إنجازه ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يحملنك على الخفة والطيش ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بالبعث، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: أمته. قرأ رويس عن يعقوب: (يَسْتَخِفَّنْكَ) بتخفيف النون، والباقون: بالتشديد (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 2549
سُوْرَةُ لُقمَان
مكية غير ثلاث آيات، أولهن: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾، آيها: أربع وثلاثون آية، وحروفها: ألفان ومئة وعشرة أحرف، وكلمها: خمس مئة وثمان وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ .
[١] ﴿الم﴾.
[٢] ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الكتب المتقدمة أنها في القرآن معنى.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ القرآن ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: ذي الحكمة.
* * *
﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ قرأ حمزة: (وَرَحْمَةٌ) بالرفع على الابتداء؛ أي:
стр. 2550
هو هدى ورحمة، وقرأ الباقون: بالنصب على الحال من الآيات (١) ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
* * *
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بيان لإحسانهم.
* * *
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بطلبتهم.
* * *
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ .
[٦] وكان النضر بن الحارث بن كلدة يَتَّجِر، فيأتي الحيرة، فيشتري أخبار الأعاجم، ويحدث بها قريشًا، ويقول: إن محمدًا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ
стр. 2551
مَنْ يَشْتَرِي﴾ (١) يستبدل ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ باطله، وقيل: نزلت فيمن يشتري المغنيات، قال ﷺ : "لا يحل شراء المغنيات، ولا بيعهن، وأثمانهن حرام" (٢)؛ لأن في مثل هذا نزلت هذه الآية.
﴿لِيُضِلَّ﴾ ليصير آخر أمره إلى الضلال.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريق الإسلام ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل بجهل.
﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ أي: السبيل ﴿هُزُوًا﴾ سخرية.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لإهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لِيَضِلِّ) بفتح الياء (وَيَتَّخِذُهَا) برفع الذال عطفًا على (يشتري)، و (هُزُؤًا) بضم الزاي والهمز، وقرأ حفص عن عاصم: (لِيُضِلَّ) بضم الياء، (وَيَتَّخِذَهَا) بنصب الذال عطفًا على (لِيُضِلَّ)، و (هُزُوًا) بضم الزاي وفتح الواو منونة بغير همز، وقرأ حمزة، وخلف: (لِيُضِلَّ) بضم الياء (وَيَتَّخِذَهَا) بفتح الذال (هُزْءًا) بإسكان الزاي مع الهمز، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (لِيُضِلَّ) بضم الياء (وَيَتَّخِذَهَا) بفتح الذال (هُزُؤًا) بضم الزاي والهمز (٣).
стр. 2552
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ لا يعبأ بها.
﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ وهو الثقل الذي يغير إدراك المسموعات. قرأ نافع: (أُذْنَيْهِ) بإسكان الذال، والباقون: بضمها (١).
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وذكر البشارة على التهكم.
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾ .
[٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ لما ذكر الكفرة وتوعدهم بالنار، عقب بذكر المؤمنين، ووعدهم بجنات النعيم؛ ليبين الفرق.
* * *
﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ .
[٩] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من ضمير (لَهُمْ) ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكِّدان، الأول مؤكد لنفسه؛ لأن معنى ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ وعدهم بها، فأكد معنى الوعد بالوعد، ﴿وَهُوَ﴾ دال على معنى الثبات، أكد به معنى الوعد، وأكدا جميعًا ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾.
﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلبه شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله.
стр. 2553
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمع أعمدة، وهي جمع عمود البيت؛ يعني: السواري ﴿تَرَوْنَهَا﴾ استشهاد برؤيتهم لها كذلك، والمراد: نفي العمد أصلًا، وهو الأصح، فهي واقفة كالقبة، والقدرة أعظم من ذلك.
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جبالًا رست؛ أي: ثبتت في الأرض.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لئلا تضطرب بكم.
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ ثم رجع من الغيبة إلى الحضور.
فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزوج في اللغة: النوع والصنف، وليس بالذي هو ضد الفرد، وقوله: ﴿كَرِيمٍ﴾ أي: كثير المنفعة.
* * *
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ .
[١١] ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ يعني: الذي ذكرتُ مما تعاينون مخلوقُ الله.
﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من آلهتكم التي تعبدونها.
﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: بل هذا الذي قريش فيه ضلال مبين، فذكرهم بالصفة التي تعم معهم سواهم ممن فعل فعلهم من الأمم.
стр. 2554
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ﴾ وهو ابن ناعور ابن أخت أيوب ﵇، وقيل غير ذلك ﴿الْحِكْمَةَ﴾ العقل والعلم، ولم يكن نبيًّا، وكان قاضيًا في بني إسرائيل في زمن داود ﵇، روي أنه خيره الله بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة.
وروي عن ابن عمر: أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "حقًّا أقوله، لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا كثيرَ التفكر، حسنَ اليقين، أحب الله تعالى، فأحبه، فمنَّ عليه بالحكمة" (١) انتهى، وكان يؤازر داود؛ لحكمته، وعاش ألف سنة، وقبرُ لقمان بقرية صرفند ظاهر مدينة رملة فلسطين، وعليه مشهد، وهو مقصود للزيارة، وقال قتادة: قبره بالرملة ما بين مسجدها وسوقها، وهناك قبور سبعين نبيًّا ماتوا بعد لقمان جوعًا في يوم واحد، أخرجهم بنو إسرائيل من القدس، فألجؤوهم إلى الرملة، ثم أحاطوا بهم هناك، فتلك قبورهم.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي: وقلنا له: أن اشكر لله على ما أعطاك من الحكمة.
قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف: (أَنُ اشْكُرْ) بضم النون في الوصل، والباقون: بالكسر (٢).
стр. 2555
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثوابه له.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ نعمةَ ربه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ عن خلقه ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود على صنعه.
* * *
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ واسمه أنعم، وقيل: أشكم.
﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ يذكره بالآخرة ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. قرأ ابن كثير: (يَا بُنَيْ) بإسكان الياء مخففة [في هذا الحرف، وقرأ حفص عن عاصم: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء مشددة في الأحرف الثلاثة على قولك: يَا بُنَيَّا، ووافقه البزي في: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ)، وقرأ قنبل: (يَا بُنَيْ أَقِمِ الصَّلاَةَ) بإسكان الياء مخففة] (١)، وقرأ الباقون: بكسر الياء مشددة في الثلاثة على إدغام إحدى الياءين في الأخرى (٢).
* * *
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: توالى
стр. 2556
عليها ضعف على ضعف؛ لأن الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف ﴿وَفِصَالُهُ﴾ أي: مدة فطامه ﴿فِي عَامَيْنِ﴾ وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ أي: وصيناه بشكرنا، وشكر والديه. قرأ أبو عمرو: (أَنِ اشْكُر لِّي) بإدغام الراء في اللام، ورُوي عنه الإظهار، والوجهان صحيحان عنه (١).
﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ المرجع، قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس، فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس، فقد شكر والديه (٢).
* * *
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ باستحقاقه الإشراك.
﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في الشرك.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: صِحابًا معروفًا، وهو البر والصلة.
стр. 2557
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ﴾ أي: دينَ ﴿مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أقبلَ على طاعتي، وهو النبي ﷺ وأصحابه.
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وجيء بهاتين الآيتين اعتراضًا في قصة لقمان؛ لمناسبة بينهما؛ لأن فيهما نهيًا عن الشرك كما في القصة.
* * *
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ .
[١٦] ثم قال لقمان مخاطبًا ابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: زِنَةَ حبةٍ من حب الخردل. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مِثْقَالُ) برفع اللام؛ أي: إن وقع زنة حبة، وقرأ الباقون: بالنصب (١) على معنى: إن كان العملُ مثقالَ حبة، وتقدم نظيره في سورة الأنبياء.
﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ قال ابن عباس: "هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة السماء منها" (٢).
﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ للجزاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بمكانها، لا يفوته شيء،
стр. 2558
ويجازي به، روي أن آخر كلمة تكلمها هذه، ثم انشقت مرارته؛ لهيبتها، فمات.
* * *
﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وابدأ بنفسك، وتقدم تفسير المعروف والمنكر والحكم فيه في سورة التوبة.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ من الأذى بسبب ذلك؛ فإنه يورث المحن.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ مما عزمه الله؛ أي: قطعه قطعَ إيجاب.
* * *
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تُعرض بوجهك عن الناس تكبرًا واحتقارًا لهم. قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: (تُصَعِّرْ) بتشديد العين من غير ألف، والباقون: بتخفيفها وألف قبلها (١)، ومعناهما واحد؛ من الصَّعَر: داء يأخذ الإبل، فتميل أعناقها منه.
стр. 2559
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ بطرًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متبختر في مشيته.
﴿فَخُورٍ﴾ على الناس صاحبُ خيلاء.
* * *
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ اعدل، فلا تَدب، ولا تَثب.
﴿وَاغْضُضْ﴾ انقص.
﴿مِنْ صَوْتِكَ﴾ واخفضه في محل الخطاب دون الإرهاب للعدو.
﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ أقبح ﴿الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لأن أوله زفير، وآخره شهيق؛ كصوت أهل النار.
* * *
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بأن جعله سببًا لمنافعكم ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بأن مكنكم من الانتفاع به.
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ أكملَ عليكم ﴿نِعَمَهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (نِعَمَهُ) بفتح العين وضم الهاء على الجمع
стр. 2560
والتذكير؛ لأن أنعمه كثيرة، وقرأ الباقون: بإسكان العين وتاء منونة منصوبة على التأنيث والتوحيد (١)؛ إرادة الجنس.
﴿ظَاهِرَةً﴾ هي حسن الصورة وتسوية الأعضاء ﴿وَبَاطِنَةً﴾ هي المعرفة، ولما كان النضر بن الحارث، وأُبي بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم يجادلون النبي ﷺ في الله وفي صفاته.
نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) مستفادٍ من دليل.
﴿وَلَا هُدًى﴾ راجعٍ إلى الرسول.
﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أنزله الله، بل بالتقليد.
* * *
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ .
[٢١] كما قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وجواب (أَوَ لَوْ) محذوف، تقديره: أتتبعون الشيطان، وإن كان يدعوهم إلى عذاب السعير؟ والتقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطًا به، ومنه القلادة، ثم