﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المعنى: إذا وهبتك مؤمنة نفسها، حلت لك خاصة بلفظ الهبة بلا صداق، كالزيادة على الأربع، وكان من خصائصه ﷺ أن يتزوج بلا ولي ولا شهود، وإذا خطب امرأة، يحرم على غيره خطبتها حتى يتركها (١)، والواهبةُ نفسَها هي أم شريك بنتُ جابر من بني أسد، وقيل: ميمونة بنت الحارث، وقيل: خولة بنت حكيم من بني سليم، وقيل: زينب بنت خزيمة الأنصارية (٢). قرأ نافع (لِلنَّبِيءِ إِنْ) بالهمز والمد في (النَّبِيءِ)، وتسهيل الهمز الثاني بين بين، وقرأ: (أَرَادَ النَّبِيءُ أَنْ) بالهمز والمد في (النَّبِيءُ)، وإبدال الهمز الثاني واوًا محضة مفتوحة، وخالفه قالون في الحرف الأول، وهو (لِلنَّبِيِّ إِنْ)، فقرأ بتشديد الياء، وتحقيق الهمز بعدها؛ كبقية القراء (٣).
واختلف الأئمة في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة، فقال أبو حنيفة: ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والتمليك والبيع والشراء، وعنه في لفظ الإجارة خلاف، وقال مالك: ينعقد بلفظ يدل على التأبيد مدة الحياة؛
стр. 2627
كأنكحت، وزوجت، وملكت، وبعت، وكذا وهبت بتسمية صداق، وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج.
واختلفوا في اشتراط الشهادة لصحة النكاح، فقال مالك: يصح بلا إشهاد بشرط الإعلان، وتركِ التواصي بالكتمان، وقال الثلاثة: تشترط، فعند أبي حنيفة: ينعقد بحضور رجلين، ورجل وامرأتين، ولا تشترط العدالة، وعند الشافعي وأحمد: تشترط الذكورة، والشافعي يشترط العدالة، والصحيح عنه: أنه ينعقد بمستوري العدالة، فلو بان فسق الشاهد عند العقد، فباطل، وأحمد يشترط العدالة في شاهديه ظاهرًا فقط، فلو بانا بعده فاسقين، فالعقد صحيح.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوجبنا على المؤمنين.
﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ من الأحكام ألَّا يتزوجوا أكثر من أربع.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من الإماء مباح لهم فوق أربع زوجات.
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ضيق، وهذا يرجع إلى أول الآية؛ أي: أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لئلا يضيق عليك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما يعسر التحرز عنه.
﴿رَحِيمًا﴾ بالتوسعة في مظان الحرج.
* * *
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾.
стр. 2628
[٥١] ﴿تُرْجِي﴾ تؤخِّر ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ عنك بطلاق أو غيره ﴿وَتُؤْوِي﴾ تضم.
﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ منهن. قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تُرْجِي) بإسكان الياء بغير همز، وقرأ أبو جعفر: (وَتُووِي) بواوين بغير همز، والباقون: بالهمز فيهما (١)، واختلف المفسرون في معنى الآية، فأشهر الأقاويل أنه في القَسْم بينهن، وذلك أن التسوية بينهن في القَسْم كان واجبًا عليه، فلما نزلت هذه الآية، سقط عنه، وصار الاختيار إليه فيهن.
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أي: طلبت أن تؤوي إليك امرأة.
﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ فصلته بالإرجاء.
﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ أي: لا إثم ﴿عَلَيْكَ﴾ في فعلك بنسائك، فأباح الله له ترك القسم لهن، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن في نوبتها، ويطأ من يشاء منهن في غير نوبتها، ويرد إلى فراشه من عزلها؛ تفضيلًا له على سائر الرجال، فرضين بذلك، واخترنه على هذا الشرط.
﴿ذَلِكَ﴾ التخيير ﴿أَدْنَى﴾ أقرب إلى رضاهن.
﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ بتخييرهن.
﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ بترك القسم لهن ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ من
стр. 2629
تقريب وتبعيد، وعزل وإيواء؛ لعلمهن أن ذلك بوحي من الله.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من الميل إلى بعض النساء.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ لا يعاجل بالعقوبة.
* * *
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (تَحِلُّ) بالتاء على التأنيث على معنى جماعة النساء، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير على معنى جمع النساء (١)، وهما جنسان؛ لأن تأنيث لفظ النساء ليسس بحقيقي ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن واخترنك، ورضين بمرادك ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ غيرهن ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ قرأ البزي: (وَلاَ أَنْ تَّبَدَّلَ) بتشديد التاء على أصله (٢)، وذلك أن النبي ﷺ لما خيرهن، فاخترن الله ورسوله، شكر الله لهن، وحرم عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن، وعن الاستبدال بهن، وهن: خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان، وأم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية، وسودة بنت أبي زمعة، وغير القرشيات: زينب
стр. 2630
بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
واختلف في أنه هل أبيح له النساء من بعد؟ قالت عائشة: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء" (١)، وقال أنس: "مات على التحريم" (٢)، وممن قال بحل النساء له: أبي بن كعب، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ حسن الأزواج المستبدلة، قال ابن عباس: "يعني: أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد جعفر ﵁ أراد رسول الله ﷺ أن يخطبها، فنهي عن ذلك (٣).
стр. 2631
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ قال ابن عباس: "ملك بعد هؤلاء مارية" (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ حافظًا.
وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : "انظر إليها؛ فإن في أعين نساء الأنصار شيئًا" (٢)، قال الحميدي: يعني: الصغر، فإذا خطب الرجل امرأة، أبيح له النظر إليها بالاتفاق، فعند أحمد: ينظر إلى ما يظهر غالبًا، كوجه ورقبة ويد وقدم، وعند الثلاثة: لا ينظر غير الوجه والكفين.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ .
[٥٣] ونزل تأديبًا لناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ ، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، فيأكلون
стр. 2632
ولا يخرجون، وكان رسول الله ﷺ يتأذى منهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ (١) أي: إلا وقت الإذن ﴿لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ فيؤذن لكم فتأكلون. قرأ نافع: (بُيُوتَ النَّبِيءِ إِلَّا) بالمد والهمز وتسهيل الهمزة من (إلَّا)، وخالفه قالون في هذا الحرف أيضًا، فقرأه بتشديد الياء كبقية القراء كما تقدم في قوله: (لِلنَّبِيءِ إِنْ) وهذان الحرفان اللذان تقدم التنبيه عليهما أول السورة، ونبه عليهما في سورة البقرة.
﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي: منتظرين نضجه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: (إِنَاهُ) بإمالة فتحة النون (٢).
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ للأكل ﴿فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ فرغتم منه ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ اخرجوا من منزله ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ جر عطف على (نَاظِرِينَ) ﴿لِحَدِيثٍ﴾ تديرونه بينكم بعد الأكل.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ الاستئناسَ بعدَ الأكل ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ فلا يأمركم بالخروج، وكان ﷺ أشد الناس حياءً (٣)، وأكثرهم عن العورات غضاءً، والحياء: رقة تعتري وجه الانسان عند فعل ما يتوقع
стр. 2633
كراهته، أو ما يكون تركه خيرًا من فعله، والإغضاء: التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته.
﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يمتنع من تعريفكم الحق والصواب حياء منكم.
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: نساء النبي ﷺ ، وإن لم يذكرن؛ لأن الحال تدل عليهن.
﴿مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله ﷺ متنقبة كانت أو غير متنقبة. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلُوهُنَّ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).
﴿ذَلِكُمْ﴾ السؤال ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من الريبة.
وقد صح في سبب نزول الحجاب ما روي عن عائشة ﵂: أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر ﵁ يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوجُ النبي ﷺ ليلة من الليالي عشيًّا، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصًا على أن ينزل آية الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب (٢).
стр. 2634
وعن أنس قال: قال عمر: "وافقني ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله! يدخل عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني بعض ما آذين به رسولَ الله ﷺ نساؤه، قال: فدخلت عليهن، فجعلت أستفزُّ بهن واحدة واحدة، قلت: والله لتنتهُنَّ، أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على زينب، فقالت: يا عمر! أما كان في رسول الله ﷺ يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟! قال: فخرجت، فأنزل الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ إلى آخر الآية [التحريم: ٥] " (١).
واستدل بعض العلماء بأخذ الناس عن أزواج النبي ﷺ من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، وهو مذهب مالك وأحمد، ولم يجزها أبو حنيفة، وقال الشافعي: يجوز فيما رآه قبل ذهاب بصره، أو يقر في أذنه، فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به.
стр. 2635
ولما قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، قيل: هو طلحة بن عبيد الله: "لئن قبض رسول الله ﷺ ، لأنكحن عائشة"، نزل احترامًا له ﷺ ، وتطييبًا لقلبه:
﴿وَمَا كَانَ﴾ (١) أي: ما يجوز ﴿لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ بشيء من الأشياء.
﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ إذا مات، أو فارقهن.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ يعني: إيذاءه، ونكاحَ نسائه ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ذنبًا.
﴿عَظِيمًا﴾ فنكاحُ أزواجه محرم على غيره بالإجماع.
* * *
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ .
[٥٤] وبالغ في الوعيد عليه فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ لنكاحهن على ألسنتكم.
﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدوركم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيعلم ذلك فيجازيكم.
* * *
стр. 2636
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ .
[٥٥] ولما نزلت آية الحجاب، قال ذوو المحارم: ونحن أيضًا لا نكلمهن إلا من وراء حجاب؟ فنزل: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ وإنما لم يذكر العم والخال؛ لأنهما بمنزلة الوالدين، والعرب تسمي العم أبًا، والخالة أمًّا. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ) كاختلافهم فيهما (مِنَ الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور، واختلافهم فيهما من (أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ) كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء [الآية: ٩٩] ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ أي: المسلمات، وتقدم ذكر الخلاف بين الأئمة في الكتابيات في سورة النور.
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الإماء، فلا يكون العبد محرمًا لمولاته، وقيل: هو عام، فيكون العبد محرمًا لمولاته، وتقدم ذكر الحكم في ذلك، واختلاف الأئمة فيه في سورة النور؛ أي: لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب عن هؤلاء، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب فقال: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فيما أُمِرْتُنَّ به.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا يخفى عليه خافية.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ صلاةُ الله: رحمة، وصلاة الملائكة: الدعاء، وصلاة المؤمنين: سؤال الصلاة عليه.
стр. 2637
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ ادعوا له.
﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ حيوه بتحية الإسلام.
سئل رسول الله ﷺ : كيفَ الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١).
واختلف المفسرون وأصحاب المعاني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ هل (يصلون) راجعة على الله والملائكة، أم لا؟ فأجازه بعضهم، ومنعه آخرون؛ لعلة التشريك، وخصوا الضمير بالملائكة، وقدروا الآية: إن الله يصلي وملائكته، والملائكة يصلون، واختلف الأئمة في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير في الصلاة، فقال أبو حنيفة: هي سنة، وتجب في العمر مرة، والمختار في مذهبه أنها مستحبة كلما ذكر، وعليه الفتوى، وقال مالك: هي سنة في الصلاة، ولكنها واجبة في الجملة، وقال الشافعي: هي فرض، وقال أحمد: هي ركن، فتبطل الصلاة عندهما بتركها، عمدًا كان أو سهوًا.
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ أي: يخالفون أمره ويعصونه بنسبة الولد
стр. 2638
والشريك إليه سبحانه، هم اليهود، قالوا: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه.
﴿وَرَسُولَهُ﴾ بتكذيبه، وقولهم: شاعر ومجنون.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ فيحرم أذى النبي ﷺ بالقول والفعل بالاتفاق.
واختلفوا في حكم من سبه والعياذ بالله تعالى من المسلمين، فقال أبو حنيفة والشافعي: هو كفر كالردة يقتل ما لم يتب، وقال مالك وأحمد: يقتل ولا تقبل توبته، [وقتله حدًّا لا كفرًا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل توبته] (١).
وأما الكافر إذا سبه صريحًا بغير ما كفر به؛ من تكذيبه ونحوه، فقال أبو حنيفة: لا يقتل؛ لأن ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر، وقال الشافعي: ينتقض عهده، فيخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق، والمن والفداء، ولا يبلغ المأمن؛ لأنه كافر لا أمان له، ولو لم يشرط عليه الكف عن ذلك، بخلاف ما إذا ذكره بسوء يعتقده ويتدين به؛ كتكذيب ونحوه، فإنه لا ينتقض عهده بذلك إلا باشتراطه، وتقدم التنبيه على ذلك في سورة التوبة، وقال مالك وأحمد: يقتل ما لم يسلم، واختار جماعة من أئمة مذهب أحمد أن سابه ﵇ يقتل بكل حال، منهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال: هو الصحيح من المذهب، وأما حكم قذفه ﷺ ،
стр. 2639
فعند أبي حنيفة حكمه كالسب من مسلم وكافر كما تقدم، وظاهر كلام أصحاب مالك فيما اطلعت عليه من كتبهم، ومنهم القاضي عياض في "الشفا" (١): أنه كالسب، يقتل به المسلم، ويسقط القتل عن الكافر بإسلامه، وحكى القاضي عياض عن ابن سحنون أنه أوجب على الذمي إذا قذف النبي ﷺ حد القذف، ثم قال: ولكن انظر ماذا يجب عليه، هل حد القذف في حق النبي ﷺ هو القتل؛ لزيادة حرمته ﷺ على غيره، أم هل يسقط القتل بإسلامه، ويحد ثمانين جلدة؟ فتأمله، انتهى.
وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال حكاها النووي ﵀ في "الروضة": أحدها: أنه كالمرتد، والثاني: أنه يقتل حدًّا، والثالث: أنه يجلد ثمانين جلدة (٢).
ومذهب أحمد ﵁: أن من قذفه ﷺ ، أو قذف أمه، قتل، مسلمًا كان أو كافرًا، فلا تقبل من المسلم توبة، ولا من الكافر إسلامه.
وحكم من سب سائر أنبياء الله وملائكته حكمُ من سب نبينا ﵈، وأما من سب الله والعياذ بالله من المسلمين بغير الارتداد عن الإسلام، ومن الكفار بغير ما كفروا به من معتقدهم في عزير والمسيح ونحو ذلك، فحكمه حكم من سب النبي ﷺ ، وكل من الأئمة الأربعة ﵃ على أصله كما قدمته، والله أعلم.
* * *
стр. 2640
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ .
[٥٨] ونزل في عائشة وصفوان ﵄: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ بغير ذنب.
﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهرًا.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ .
[٥٩] كان زي الحرائر والإماء واحدًا، فربما تعرض ببعض الحرائر، فنزل نهيًا للحرائر عن التشبه بالإماء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ﴾ يُرْخين.
﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهي الملاءة تشتمل ما المرأة فوق الدرع والخمار (١) ﴿ذَلِكَ﴾ الفعل ﴿أَدْنَى﴾ أقربُ إلى.
﴿أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ بأن يتعرض لهن ذو ريبة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف مع التوبة ﴿رَحِيمًا﴾ بعباده.
* * *
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ .
[٦٠] ونزل فيمن كان يظهر خلاف ما يضمر، وفيمن كان يرعب قلوب
стр. 2641
المسلمين: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقهم وكذبهم.
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فجور؛ يعني: الزناة ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ بالكذب بما يضعون من الأخبار الكاذبة عن سرايا المسلمين؛ بأنهم قتلوا وكسروا وأخذوا، فترعب قلوب المؤمنين.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لنسلطنك عليهم.
﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا زمانًا قليلًا حتى يخرجوا منها.
* * *
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مطرودين، نصب على الحال من (لاَ يُجَاوِرُونَك) ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ وجدوا.
﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ أي: الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به.
* * *
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ من المنافقين؛ أي: هذا الحكم فيهم.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لأنه لا يبدلها.
* * *
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ .
[٦٣] وكان اليهود والمشركون يسألونه ﷺ عن الساعة امتحانًا
﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أخطؤوا بنا طريق الهداية. قرأ ابن عامر، ويعقوب: (سَادَاتِنَا) بكسر التاء وألف قبلها على جمع (١) الجمع، وقرأ الباقون: [بفتح التاء بلا ألف قبلها (٢)، وتقدم اختلافهم في (الرَّسُولاَ) و (السَّبِيلاَ) عند (الظُّنُونَا) [الآية: ١٠].
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ .
[٦٨] ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عذبهم مثل عذاب غيرهم ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قرأ عاصم: (كَبِيرًا) بالباء الموحدة من تحت، وقرأ الباقون] (٣): بالثاء المثلثة، واختلف عن هشام راوي ابن عامر (٤).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ .
[٦٩] ونزل نهيًا عن أذى النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ بأن رموه بالأُدرة، وهو مرض الأنثيين، فوضع ثوبه على الحجر
стр. 2644
ليتوضأ، فهرب الحجر بثوبه حتى وقف به بين ملأ بني إسرائيل، فأدركه فضربه ثنتي عشرة ضربة، فرأوه أحسنَ الناس جسدًا (١)، واتهموه بقتل هارون في التيه، فأمر الله الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل، فعرفوا أنه لم يقتله، وقذفوه بالبغي أنه فجر بها، وجعلوه ساحرًا مجنونًا.
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ بأن أوضح ما نسب إليه، فظهرت براءته منهم.
﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ذا جاه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ .
[٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: صوابًا.
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ .
[٧١] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ يتقبل حسناتكم، ويثيبكم عليها.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ نال غاية مطلوبه، والطاعة: موافقة الأمر، والمعصية: مخالفته.
стр. 2645
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ .
[٧٢] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ هي كل ما افترض على العباد؛ كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار، فعرضت الأمانة بما فيها.
﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ عرضَ تخيير، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن.
﴿فَأَبَيْنَ﴾ امتنعن ﴿أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ خِفْن منها خشية ألَّا يؤدينها، فيلحقهن العقاب.
﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ مع ضعفه، وهو آدم ﵇، روي أنه قال: أحمل الأمانة بقوتي أم بالحق؟ فقيل: من يحملها يحملها بنا، فإن ما هو منا لا يحمل إلا بنا، فحملها.
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه بمعصية ربه.
﴿جَهُولًا﴾ بأمر الله، وما احتمل من الأمانة.
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ .
[٧٣] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ بما خانوا الأمانة، ونقضوا الميثاق، واللام تعليل.
стр. 2646
﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة، ونصبه عطف على (لِيُعَذِّبَ)، واللام في قوله (لِيُعَذِّبَ) متعلقة بحمل؛ أي: حملها؛ ليعذب العاصي، ويثيب المطيع.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ حيث تاب على فرطاتهم، وأثاب بالفوز على طاعاتهم.
وقد تقدم في تفسير هذه السورة (١) أن من خصائص رسول الله وجوب تخيير نسائه بين فراقه والإقامة معه، وأن يتزوج بأي عدد شاء، وأن يتزوج بلا ولي ولا شهود، وإذا خطب امرأة يحرم على غيره خطبتها حتى يتركها، وله خصائص غير ذلك، منها: أن له أن يتزوج في زمن الإحرام، وكان واجبًا عليه السواك والأضحية والوتر، ووجب عليه قيام الليل ولم ينسخ، وفرض عليه إنكار المنكر إذا رآه على كل حال.
ومُنِع من الرمز بالعين، والإشارة بها، وإذا لبس لأْمَة الحرب أن ينزعها حتى يلقى العدو، ومنع أيضًا من الشِّعر والخط وتعليمهما، ومنع من نكاح الكتابية كالأَمَةِ مطلقًا، ومنع من الأخذ من صدقة التطوع.
وأبيح له الوصال في الصيام، وهو ألَّا يفطر بين يومين فأكثر، وأبيح له خمس خمس الغنيمة وإن لم يحضره، وأبيح له الصفا من المغنم، وهو ما كان يختاره قبل القسمة؛ كجارية وعبد وثوب وسيف ونحوه، ودخول مكة محلًا ساعة، وإذا ادعي عليه أو ادعى هو فقوله بلا يمين، وجعلت تركته صدقة، وله أخذ الماء من العطشان، ويلزم كلَّ أحد أن يقيه بنفسه وماله، فله طلب ذلك، وحرم على غيره نكاح زوجاته فقط، وتقدم في
стр. 2647
التفسير، وهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وهن أمهات المؤمنين بمعنى: في حكم الأمهات في تحريم النكاح، وتقدم في التفسير، والنجس منا طاهر منه، ولم يكن له فيء في شمس ولا قمر، لأنه يوارى، والظل نوع ظلمة، وكانت تجتذب الأرض أثقاله، وساوى الأنبياء في معجزاتهم، وانفرد بالقرآن والغنائم، وجُعلت له الأرض مسجدًا وترابها طهورًا، ونُصر بالرعب مسيرة شهر، وبُعث إلى الناس كافة، وكل نبي إلى قومه، ومعجزاته باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت معجزات الأنبياء بموتهم، وتنام عينه ولا ينام قلبه، فلا ينقض وضوءه بنومه مضطجعًا، ويرى من خلفه كما يرى أمامه، قال الإمام أحمد وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة، والدفن في البنيان مختص به، قالت عائشة: "لئلا يتخذ قبره مسجدًا"، وقال جماعة: لوجهين: أحدهما: قوله: "تدفن الأنبياء حيث يموتون" رواه الإمام أحمد (١)، والثاني: لئلا تمسه أيدي المنافقين، وزيارة قبره ﷺ مستحبة للرجال والنساء، ومنها: أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم، فقال: (يا آدمُ) (يا نوحُ) (يا إبراهيمُ) (يا داودُ) (يا زكريا) (يا يحيى)، ولم يخاطَب هو إلا (يا أيها الرسولُ) (يا أيها النبيُّ) (٢) (يا أيها المزملُ) (يا أيها المدثرُ)، وتقدم في التفسير، قال الإمام أحمد ﵁: خص النبي ﷺ بواجبات ومحظورات ومباحات وكرامات، والله أعلم.
стр. 2648
سُوْرَةُ سَبَإٍ
مكية، واختلف في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ﴾ [سبأ: ٦]، فقالت فرقة: هي مكية، والمراد: المؤمنون بالنبي ﷺ ، وقالت فرقة: هي مدنية، والمراد: من أسلم بالمدينة من أهل الكتاب؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه (١) وأشباههم، آيها: أربع وخمسون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وخمس مئة واثنا عشر حرفًا، وكلمها: ثماني مئة وثلاث وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾.
[١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: الثناء له، والألف واللام لاستغراق الجنس؛ أي: الحمدُ على تنوعه هو لله تعالى ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كما هو في الدنيا؛ لأن أهل الحمد يحمدونه في
стр. 2649
الآخرة كما يحمدونه في الدنيا؛ لأن النعم في الدارين منه، وحذفت إحداهما لدلالة الأخرى عليها.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ المحكِم لأمور الدارين ﴿الْخَبِيرُ﴾ بالأشياء؛ لأن وجودها إنما هو به جلَّت قدرتُه.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾ .
[٢] ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل فيها من الأموات والكنوز والدفائن وغيرها ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات والأموات عند الحشر، وماء العيون وسائر المخرَجات.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الوحي والرسل والكتب والأقدار والأمطار والصواعق والشهب.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: يصعد فيها (١) من الملائكة والأعمال.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ للمفرِّطين في شكر نعمته.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استهزاءً واستبطاء للبعث: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
стр. 2650
قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الساعة. قرأ أبو بكر عن عاصم: (بَلَى) بالإمالة (١).
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ورويس عن يعقوب: (عَالِمُ) برفع الميم على الاستئناف؛ أي: هو عالم الغيب، وقرأ الباقون: بخفضها من نعت قوله تعالى: (وَرَبِّي)، وقرأ منهم حمزة، والكسائي: (عَلَّامِ) بتشديد اللام على وزن فَعّال وجر الميم على المبالغة (٢)، روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، قال: واللات والعزى ما ثَمَّ ساعة تأتي، ولا قيام ولا حشر، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يُقسم بربه مقابلة (٣) لقسم أبي سفيان؛ ردًّا وتكذيبًا وإيجابًا لما نفاه.
﴿لَا يَعْزُبُ﴾ قرأ الكسائي: بكسر الزاي، والباقون: بضمها؛ أي: لا يغيب.
﴿عَنْهُ مِثْقَالُ﴾ أي: وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أي: نملة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: المثقال ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾ ورفعُهما عطف على (مِثْقَالُ).
﴿إِلَّا﴾ وهو مثبت.
стр. 2651
﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ .
[٤] ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ اللام في (لِيَجْزِيَ) متعلقة بقوله: (لاَ يَعْزُبُ) أي: لا يغيب عنه شيء ليجزي المحسنَ والمسيء.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المؤمنون ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهي تغمد الذنوب.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجنة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ في إبطال أدلتنا ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بتشديد الجيم من غير ألف؛ أي: مُثَبِّطين الناس عن الإيمان، والباقون: بالتخفيف وألف بعد العين (١)؛ أي: مسابقين، يحسبون أنهم يفوتوننا.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ من سيئ العذاب.
стр. 2652
﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم. قرأ ابن كثير، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (أَلِيمٌ) بالرفع صفة (عَذَابٌ)، والباقون: بالجر صفة (رِجْزٍ) (١).
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَيَرَى﴾ أي: ويعلم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الصحابة، أو من آمن من أهل الكتاب ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ أي: يرون المنزل حقًّا.
﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يعني: الإسلام، وليس بمعطوف على ما تقدم؛ لأن الله تعالى لم يُحصِ أعمال الخلق ليهتدوا كلهم إلى صراط مستقيم، لكنه مستأنف على تقدير: وهو يهدي، وقيل: هو معطوف على (الحق) أي: يرون المنزل حقًّا وهاديًا.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سخرية بنبيهم.
стр. 2653
﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ هو محمد ﷺ . قرأ الكسائي: (هَل نَّدُلُكُمْ) وشبهه بإدغام اللام في النون، والباقون: بالإظهار (١).
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم، ويقول لكم: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ قُطِّعتم كل تقطيع؛ أي: في القبور ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تنشؤون خلقًا جديدًا بعد تمزيق أجسادكم.
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ .
[٨] ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ الألف للاستفهام؛ أي: هو مفتر، أم به جنون؟ فرد الله تعالى ذلك بقوله:
﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: البعث.
﴿فِي الْعَذَابِ﴾ ثم ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الهدى.
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ .
[٩] ثم أومأ تعالى إلى وحدانيته وعظيم قدرته بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ
стр. 2654
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ المعنى: ألم يروا أنهم تحت سمائي وفوق أرضي، فيخافوا عذابي فيؤمنوا؟!
﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ تدل على قدرتنا على البعث.
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ تائب مقبل على ربه، راجع إليه بقلبه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَشَأْ) (يَخْسِفْ) (أَوْ يُسْقِطْ) بالياء في الثلاثة خبر عن الله تعالى، وأدغم الكسائي الفاء بالباء، وقرأهن الباقون: بالنون إخبارًا عن الله تعالى تعظيمًا (١)، وقرأ حفص عن عاصم: (كِسَفًا) بفتح السين جمع كِسْفة؛ أي: قطعًا، وقرأ الباقون: بالإسكان على التوحيد (٢)؛ أي: قطعه، وجمعه (٣) أكساف وكسوف، واختلافهم في الهمزتين من (السَّمَاءِ إِنْ) كاختلافهم فيهما من (الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ .
[١٠] ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان؛ احتجاجًا على ما منح (١)
стр. 2655
محمدًا؛ أي: لا تستبعدوا هذا، فقد تفضلنا على عبيدنا قديمًا بكذا وكذا، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ أي: النبوة والملك، وقلنا:
﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي﴾ رَجِّعي ﴿مَعَهُ﴾ التسبيح، فكان داود إذا سبح، سمع تسبيح الجبال، ويعقل معناه؛ معجزة له؛ كما سمع الخطاب من الشجرة، وعقل معناه ﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي: وسخرنا له الطير بأصواتها، فكان داود يقول للجبال: سبحي، وللطير: أجيبي، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بصوته الحسن، فلا يُرى شيء أحسن من ذلك فمن سمع صدى الجبال. قراءة العامة: (وَالطَّيْرَ) بالنصب بإضمار فعل تقديره: وسخرنا الطير، وألنا له الحديد، وقرأ يعقوب: بالرفع ردًّا على (الجبال)؛ أي: أوبي أنت والطير، ووردت عن عاصم، وأبي عمرو (١).
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: جعلناه له لينًا كالشمع، فلا يفتقر إلى نار ولا مطرقة.
﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ .
[١١] ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ أمرناه أن اعمل، و (أن) مفسرة لا موضع لها من الإعراب ﴿سَابِغَاتٍ﴾ دروعًا تامة تعم البدن.
стр. 2656
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: اجعل المسامير على قدر الحَلَق، والسرد: هو نسج الدروع، وأصل السرد: الوصل، ومنه: سرد كلامه: وصل بعضه ببعض، فكان يعمل كل يوم درعًا، ويبيعها بستة آلاف درهم، ينفق عليه وعلى عياله ألفين، ويتصدق على فقراء بني إسرائيل بأربعة آلاف، وعمل الدروع لأنه كان من عادته أن يَخْرج إلى الناس مُنَكَّرًا، ويسأل عن داود وما يقال فيه، فخرج يومًا، فلقيه ملك في صورة آدمي، فسأله عن داود، فقال: نعم العبد هو، إلا أنه يأكل هو وعياله من بيت المال، فتنبه داود، وسأل ربه أن يرزقه سببًا يقوم به، فرزقه صنعة الدروع، قال رسول الله ﷺ : "كان داودُ لا يأكل إلا من كسبِ يدِه" (١) ثم خاطب داود أهله فقال:
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأجازيكم عليه.
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا له. قرأ أبو بكر عن عاصم: (الرِّيحُ) بالرفع؛ أي: له تسخرت الريح، والباقون: بالنصب، ومنهم
стр. 2657
أبو جعفر، قرأ: (الرِّياح) بفتح الياء وألف بعدها على الجمع (١).
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ جريُها بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي كذلك، فكانت تغدو بسليمان وجنوده على البساط من دمشق، فيقيل بإصطخر، وبينهما شهر للراكب المسرع، ويروح من إصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أذبنا له معدن النحاس، أساله الله حتى صار كالماء، فكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام، وكان بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان.
﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: بأمره، قال ابن عباس ﵄: "سخر الله الجن لسليمان، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به" (٢).
﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ يعدل ﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرنا به من طاعة سليمان.
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، وقيل: في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكل بهم ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان، ضربه ضربة أحرقته.
стр. 2658
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ أي: مساجد ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد؛ لينشطوا إلى العبادة والاقتداء بهم، وعملوا له في أسفل كرسيه أسدين، وفي أعلاه نسرين، فإذا صعد، بسط له الأسدان ذراعيهما فارتقى عليهما، فإذا جلس أظله النسران بجناحيهما، ولم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرمًا، وكان مما عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود، ورفعه قامة رجل، فأوحى الله إليه أني لم أقض ذلك على يدك، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي إتمامه على يده، فلما توفاه الله تعالى، استخلف سليمان ﵇، وكان مولده بغزة، وملك بعد أبيه وله اثنتا عشرة سنة، ولما كان في السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار سنة تسع وثلاثين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، ابتدأ سليمان في عمارة بيت المقدس حسبما تقدم به وصية أبيه إليه، وجمع حكماء الإنس والجن، وعفاريت الأرض، وعظماء الشياطين، وجعل منهم فريقًا يبنون، وفريقًا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام، وفريقًا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدر والمرجان، وكان في الدر ما هو مثل بيضة النعامة، وبيضة الدجاجة، وبنى مدينة بيت المقدس، وجعلها اثني عشر ربضًا، وأنزل كل رَبَض منها سِبْطًا من أسباط بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر سبطًا، ثم بنى المسجد بالرخام الملون، وسقفه بألوان الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ واليواقيت، وأنبت الله شجرتين عند باب الرحمة، إحداهما تنبت الذهب، والأخرى تنبت الفضة، فكان في
стр. 2659
كل يوم ينزع من كل واحدة مئتي رطل ذهبًا وفضة، وفرش المسجد بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة، وبألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، وفرغ منه في السنة الحادية عشرة من ملكه، وكان ذلك بعد هبوط آدم بأربعة آلاف وأربع مئة وأربع عشرة سنة، وبين عمارة سليمان لمسجد بيت المقدس والهجرة الشريفة النبوية المحمدية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- ألف وثماني مئة وقريب سنتين، وتقدم ذكر ذلك ملخصًا في سورة الإسراء.
ولما فرغ من بناء المسجد (١)، سأل الله ثلاثًا: سأله حكمًا يوافق حكمه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله ألَّا يأتي هذا المسجدَ أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ سُليمانَ بنَ داود ﵉ سأل ربَّه ثلاثًا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن يكون قد أعطاه الثالثةَ: سأله حُكمًا يصادف حُكمه فأعطاه، وسأله مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأعطاه، وسأله: أيُّما رجُلٍ يخرج من بيته لا يُريد إِلا الصلاةَ في هذا المسجد، أن يخرج من خطيئته كيومَ ولدته أمُّه، فنحن نرجو أن يكون قد أعطاه إيَّاه" (٢).
ولما رفع سليمان يده من البناء بعد الفراغ منه، جمع الناس وأخبرهم أنه
стр. 2660
مسجد لله تعالى، وهو أمره ببنائه، وأن كل شيء فيه لله تعالى، من انتقصه، أو شيئًا منه، فقد خان الله تعالى، وأن داود عهد إليه ببنائه، ثم اتخذ طعامًا، وجمع الناس جمعًا لم ير مثله، ولا طعام أكثر منه، وقرب القرابين لله تعالى، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدًا (١).
واستمر بيت المقدس على ما بناه سليمان أربع مئة سنة وثلاثًا وخمسين سنة حتى غزاه بُخت نصَّر، فخرب المدينة، وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ جميع ما كان فيه من الذهب والفضة والجواهر، فحمله إلى دار مملكته من أرض العراق، واستمر خرابًا (٢) بيت المقدس سبعين سنة كما تقدم ذكره في سورة البقرة [الآية: ٢٥٩] وسورة الإسراء [الآية: ٦] (٣).
وبنى الشياطين لسليمان باليمن حصونًا كثيرة عجيبة من الصخر ﴿وَجِفَانٍ﴾ قصاع كبار ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، وهو الحوض الكبير.
قرأ أبو عمرو، وورش عن نافع: (كَالْجَوَابِي) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ ابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٤) ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لها قوائم لا يحركن عن أماكنهن؛ لعظمهن،
стр. 2661
وكان يُصعد عليها بالسلاليم، وكانت باليمن.
﴿اعْمَلُوا﴾ أي: وقلنا: اعملوا ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ نصبه على النداء؛ أي: اعملوا يا آل داود بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على نعمه.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي: العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي. قرأ حمزة: (عِبَادِي الشَّكُورُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١).
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ .
[١٤] روي أن سليمان ﵇ كان يتحنث في بيت المقدس الشهر والشهرين، والسنة والسنتين، وأقل وأكثر، وينقطع عن الناس، ويدخل إليه طعامه وشرابه، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، ويعلمون ما في غد، فدخل بيت المقدس يومًا، وقال: اللهم عَمِّ موتي على الجن حتى تعلمَ الإنسُ أن الجنَّ لا تعلم الغيب، ثم قام يصلي متكئًا على عصاه، فمات قائمًا، وكان لمحرابه كوى بين يديه وخلفه (٢)، فكان الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس؛ لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولًا
стр. 2662
كاملًا (١) ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي: لما مات.
﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ هي الأرضة.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ عصاه؛ لأنها ينسأ بها؛ أي: يؤخر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (مِنْسَاتَهُ) بألف ساكنة بعد السين من غير همز، وهذه الألف بدل من الهمزة لغة مسموعة صحيحة، قال أبو عمرو بن العلاء: هو لغة قريش، وأصلها الهمز؛ من نسأت الغنم: سقتها بها، وقرأ ابن ذكوان: بإسكان الهمزة، لغة غريبة صحيحة ورد به القرآن، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة على الأصل، وحمزة إذا وقف جعلها بين بين على أصله (٢).
﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ سقط على وجهه ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ قرأ يعقوب (تُبُيّنَتِ) بضم التاء والباء وكسر الياء؛ أي: أعلمت الإنس الجن، ذكر بلفظ ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: بفتح التاء والباء والياء (٣)؛ أي: علمت الجن وأيقنت ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ أي: في التعب والشقاء المُذِلَّ مسخَّرين لسليمان وهو ميت يظنون حياته، أراد الله بذلك أن يعلم
стр. 2663
الجن أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا يظنون ذلك؛ لغلبة الجهل، وقيل: معنى تبينت الجن: أي: ظهرت وانكشفت للإنس، وتبين أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، فلما خر ميتًا، وعلموا بموته، شكرت الجنُّ الأرضة، فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب.
وتوفي سليمان وله اثنتان وخمسون سنة، فكان مدة ملكه أربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس وسبعين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، وذلك بعد فراغ بناء بيت المقدس بتسع وعشرين سنة، وبين وفاته والهجرة الشريفة النبوية المحمدية ألف وسبع مئة وثلاث وسبعون سنة، والله أعلم.
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ .
[١٥] فلما فرغ التمثيل لمحمد ﷺ بسليمان ﵇، رجع التمثيل للكفار بسبأ، وما كان من إهلاكهم بالكفر والعتو، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ اسم أرض باليمن، أو رجل. قرأ أبو عمرو، والبزي: بفتح الهمزة من غير تنوين، وروى قنبل: بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون: بالخفض والتنوين (١)، فمن قرأ منونًا مصروفًا، جعله اسم رجل، ومن قرأ غير مصروف، جعله اسم البلد ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ قرأ حمزة، وحفص:
стр. 2664
(مَسْكَنِهِمْ) بإسكان السين وفتح الكاف بغير ألف على التوحيد، وهو اسم جنس يراد به الجمع، والكسائي، وخلف: كذلك، غير أنهما يكسران الكاف؛ أي: في موضع سكناهم، والباقون: بفتح السين وألف بعدها وكسر الكاف على الجمع (١)؛ لأن كل واحد له مسكن، وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن.
﴿آيَةٌ﴾ اسم كان؛ أي: علامة دالة على قدرة الله تعالى ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل من آية؛ أي: بستانان ﴿عَنْ يَمِينٍ﴾ من بلدهم ﴿وَشِمَالٍ﴾ منه، والمراد: جماعتان من البساتين بها أشجار كثيرة، وثمار طيبة، فقيل لهم:
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الذي رزقكم ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة؛ أي: اعملوا بطاعته.
﴿بَلْدَةٌ﴾ استئناف للدلالة على موجب الشكر؛ أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة ﴿طَيِّبَةٌ﴾ وطيبتها أنها لم يكن بها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان يمر بها الغريب فيموت قمله؛ لطيب الهواء.
﴿وَرَبٌّ﴾ أي: وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم ربٌّ ﴿غَفُورٌ﴾ للذنوب مع الإيمان به، وهذا من قول الأنبياء لهم. وقرأ رويس عن يعقوب: (بَلْدَةً طَيِّبَة وَرَبًّا غَفُورًا) بالنصب في الكل على المدح (٢).
стр. 2665
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾ .
[١٦] وبعث إليهم ثلاثة عشر نبيًّا، فذكروهم نعم الله، وخوفوهم عقابه ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فقولوا لربكم أن يحبس عنا هذه النعمة إن استطاع.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على سدهم، وهو سد بنته بلقيس بين الجبلين، فحقنت به الشجر، وتركت فيه ثقبًا على مقدار ما يحتاجون إليه من الماء ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ وهو السيل الذي لا يُطاق، وأصله من العرامة، وهي الشدة والقوة، فخرب السد، وملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيرًا من الناس ممن لم يمكنه الفرار، وأغرق أموالهم، فتفرقوا في البلاد، فصاروا مثلًا، وكان ذلك بين عيسى ومحمد ﵉.
﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ المذكورتين ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ثمر ﴿خَمْطٍ﴾ وهو شجر الأراك وثمره، وقيل: هو كل شجر مر الثمر. قرأ يعقوب: (بِجَنَّتَيهُم) بضم الهاء، وابن كثير وأبو جعفر: يضمان الميم ويصلانها بواو في اللفظ وصلًا، واختلف عن قالون، وقرأ أبو عمرو ويعقوب (أُكْلِ) بالإضافة من غير تنوين، وقرأ الباقون: بالتنوين، ومنهم نافع وابن كثير يسكنان الكاف، والباقون: يضمونها (١) ﴿وَأَثْلٍ﴾ هو الطرفاء، ولا ثمر له، أو شجر يشبه الطرفاء، عطف على (أُكُلٍ).