← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وكان يُصعد عليها بالسلاليم، وكانت باليمن. ﴿اعْمَلُوا﴾ أي: وقلنا: اعملوا ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ نصبه على النداء؛ أي: اعملوا يا آل داود بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على نعمه. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي: العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي. قرأ حمزة: (عِبَادِي الشَّكُورُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١). ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ . [١٤] روي أن سليمان ﵇ كان يتحنث في بيت المقدس الشهر والشهرين، والسنة والسنتين، وأقل وأكثر، وينقطع عن الناس، ويدخل إليه طعامه وشرابه، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، ويعلمون ما في غد، فدخل بيت المقدس يومًا، وقال: اللهم عَمِّ موتي على الجن حتى تعلمَ الإنسُ أن الجنَّ لا تعلم الغيب، ثم قام يصلي متكئًا على عصاه، فمات قائمًا، وكان لمحرابه كوى بين يديه وخلفه (٢)، فكان الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس؛ لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولًا

стр. 2662

كاملًا (١) ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي: لما مات. ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ هي الأرضة. ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ عصاه؛ لأنها ينسأ بها؛ أي: يؤخر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (مِنْسَاتَهُ) بألف ساكنة بعد السين من غير همز، وهذه الألف بدل من الهمزة لغة مسموعة صحيحة، قال أبو عمرو بن العلاء: هو لغة قريش، وأصلها الهمز؛ من نسأت الغنم: سقتها بها، وقرأ ابن ذكوان: بإسكان الهمزة، لغة غريبة صحيحة ورد به القرآن، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة على الأصل، وحمزة إذا وقف جعلها بين بين على أصله (٢). ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ سقط على وجهه ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ قرأ يعقوب (تُبُيّنَتِ) بضم التاء والباء وكسر الياء؛ أي: أعلمت الإنس الجن، ذكر بلفظ ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: بفتح التاء والباء والياء (٣)؛ أي: علمت الجن وأيقنت ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ أي: في التعب والشقاء المُذِلَّ مسخَّرين لسليمان وهو ميت يظنون حياته، أراد الله بذلك أن يعلم

стр. 2663

الجن أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا يظنون ذلك؛ لغلبة الجهل، وقيل: معنى تبينت الجن: أي: ظهرت وانكشفت للإنس، وتبين أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، فلما خر ميتًا، وعلموا بموته، شكرت الجنُّ الأرضة، فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب. وتوفي سليمان وله اثنتان وخمسون سنة، فكان مدة ملكه أربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس وسبعين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، وذلك بعد فراغ بناء بيت المقدس بتسع وعشرين سنة، وبين وفاته والهجرة الشريفة النبوية المحمدية ألف وسبع مئة وثلاث وسبعون سنة، والله أعلم. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ . [١٥] فلما فرغ التمثيل لمحمد ﷺ بسليمان ﵇، رجع التمثيل للكفار بسبأ، وما كان من إهلاكهم بالكفر والعتو، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ اسم أرض باليمن، أو رجل. قرأ أبو عمرو، والبزي: بفتح الهمزة من غير تنوين، وروى قنبل: بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون: بالخفض والتنوين (١)، فمن قرأ منونًا مصروفًا، جعله اسم رجل، ومن قرأ غير مصروف، جعله اسم البلد ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ قرأ حمزة، وحفص:

стр. 2664

(مَسْكَنِهِمْ) بإسكان السين وفتح الكاف بغير ألف على التوحيد، وهو اسم جنس يراد به الجمع، والكسائي، وخلف: كذلك، غير أنهما يكسران الكاف؛ أي: في موضع سكناهم، والباقون: بفتح السين وألف بعدها وكسر الكاف على الجمع (١)؛ لأن كل واحد له مسكن، وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن. ﴿آيَةٌ﴾ اسم كان؛ أي: علامة دالة على قدرة الله تعالى ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل من آية؛ أي: بستانان ﴿عَنْ يَمِينٍ﴾ من بلدهم ﴿وَشِمَالٍ﴾ منه، والمراد: جماعتان من البساتين بها أشجار كثيرة، وثمار طيبة، فقيل لهم: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الذي رزقكم ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة؛ أي: اعملوا بطاعته. ﴿بَلْدَةٌ﴾ استئناف للدلالة على موجب الشكر؛ أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة ﴿طَيِّبَةٌ﴾ وطيبتها أنها لم يكن بها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان يمر بها الغريب فيموت قمله؛ لطيب الهواء. ﴿وَرَبٌّ﴾ أي: وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم ربٌّ ﴿غَفُورٌ﴾ للذنوب مع الإيمان به، وهذا من قول الأنبياء لهم. وقرأ رويس عن يعقوب: (بَلْدَةً طَيِّبَة وَرَبًّا غَفُورًا) بالنصب في الكل على المدح (٢).

стр. 2665

﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾ . [١٦] وبعث إليهم ثلاثة عشر نبيًّا، فذكروهم نعم الله، وخوفوهم عقابه ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فقولوا لربكم أن يحبس عنا هذه النعمة إن استطاع. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على سدهم، وهو سد بنته بلقيس بين الجبلين، فحقنت به الشجر، وتركت فيه ثقبًا على مقدار ما يحتاجون إليه من الماء ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ وهو السيل الذي لا يُطاق، وأصله من العرامة، وهي الشدة والقوة، فخرب السد، وملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيرًا من الناس ممن لم يمكنه الفرار، وأغرق أموالهم، فتفرقوا في البلاد، فصاروا مثلًا، وكان ذلك بين عيسى ومحمد ﵉. ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ المذكورتين ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ثمر ﴿خَمْطٍ﴾ وهو شجر الأراك وثمره، وقيل: هو كل شجر مر الثمر. قرأ يعقوب: (بِجَنَّتَيهُم) بضم الهاء، وابن كثير وأبو جعفر: يضمان الميم ويصلانها بواو في اللفظ وصلًا، واختلف عن قالون، وقرأ أبو عمرو ويعقوب (أُكْلِ) بالإضافة من غير تنوين، وقرأ الباقون: بالتنوين، ومنهم نافع وابن كثير يسكنان الكاف، والباقون: يضمونها (١) ﴿وَأَثْلٍ﴾ هو الطرفاء، ولا ثمر له، أو شجر يشبه الطرفاء، عطف على (أُكُلٍ).

стр. 2666

﴿وَ﴾ كذلك ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ شجر معروف، وهو النبق، ووصف بالقلة؛ فإن جناه مما يطيب أكلُه، ولذلك يغرس في البساتين، وما بدلوا من السدر لم يكن من ذاك، بل كان سدرًا بريًّا لا ينتفع به، فكان شجرهم من خير الشجر، فصيره الله من شر الشجر، وتسمية البدل جنتين للمشاكلة والتهكم. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿ذَلِكَ﴾ الجزاء ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ النعمة ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ يعاقَب؛ أي: وهل يجازى مثلَ هذا الجزاء ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾ البليغ في الكفران. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (نُجَازِي) بالنون مع كسر الزاي (الْكَفُورَ) بالنصب مفعولًا إخبارًا منه تعالى عن نفسه؛ لقوله: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ) والكسائي على أصله في إدغام اللام من (هل) في النون، وقرأ الباقون: (يُجَازِى) بضم الياء وفتح الزاي، ورفع (الْكَفُورُ) (١). ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾ . [١٨] ولما هلك مالهم (٢)، قالوا: نحن نتوب، ويرد علينا خيرنا،

стр. 2667

فرد عليهم خير أكثر من ذلك ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ وهم باليمن ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالماء والشجر، وهي قرى الشام ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ متقاربة، تظهر الثانية من الأولى؛ لقربها منها، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام، فكانوا يبيتون بقرية، ويَقيلون بأخرى، وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام. ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ للمبيت والمقيل، فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم، وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار، وقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيهَا﴾ لمصالحكم ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾ أي: ليلًا ونهارًا ﴿آمِنِينَ﴾ من العدو والجوع والعطش. ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ . [١٩] فبطروا النعمة، وسئموا الراحة، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ فاجعل بيننا وبين الشام فلواتٍ ومفاوزَ؛ ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل، وتزود الأزواد، فعجل الله لهم الإجابة بتخريب القرى المتوسطة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وهشام: (بَعِّدْ) بنصب الباء وكسر العين مشددة من غير ألف مع إسكان الدال، وقرأ الباقون سوى يعقوب كذلك، إلا أنهم بالألف بعد الباء وتخفيف العين (١)، وكلٌّ على وجه الدعاء

стр. 2668

والسؤال، وقرأ يعقوب: (رَبُّنا) برفع الباء (باعَدَ) بفتح العين والدال وألف قبل العين على الخبر (١)، كأنهم استبعدوا أسفارهم القريبة ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بعدم شكر مولاهم. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لمن بعدهم يتحدثون بأخبارهم. ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فرقناهم في البلاد كل التفريق. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ على الوحدانية والقدرة. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن معاصي الله ﴿شَكُورٍ﴾ لأنعمه. ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قرأ الكوفيون: (صَدَّقَ) بتشديد الدال؛ أي: إبليسُ صدق ظنه الذي ظنَّ فيهم، وهو كفرُهم حيث قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢] ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، فصدق ظنه، وحققه بفعله ذلك بهم، واتباعهم إياه، وقرأ الباقون: بتخفيف الدال (٢)؛ أي: صدق عليهم في ظنه بهم، واختلف القراء في إدغام الدال من (قَدْ) وإظهارها عند الصاد من (صَدَّقَ)، فأدغمها أبو عمرو، وحمزة،

стр. 2669

والكسائي، وخلف، وهشام، وأظهرها الباقون (١). ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ الكفار ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: إلا فريقًا هم المؤمنون لم يتبعوه. ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: ما كان تسليطنا إياه عليهم. ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: ليظهر ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فيتميز المؤمن من الكافر. ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ رقيب. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿قُلِ﴾ يا محمد لكفار مكة: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب: (قُلِ ادْعُوا) بكسر اللام في الوصل، والباقون: بالضم (٢)، وفي الآية حذف؛ أي: ادعوهم لينعموا

стр. 2670

عليكم بجلب نفع أو دفع ضر، لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعارًا بتعيين الجواب فقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في خير أو شر. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ في أمر ما. ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ لآلهتهم ﴿فِيهِمَا﴾ في السموات والأرض. ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: شركة مع الله. ﴿وَمَا لَهُ﴾ تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: الآلهة. ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معين، فهو تعالى غني عن خلقه، وآلهتهم عجزة عن كل شيء. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ في الشفاعة لغيره. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (أُذِنَ) بضم الهمزة مجهولًا أقيم (لَهُ) مقام الفاعل، وقرأ الباقون: بفتحها معلومًا (١)، الفاعلُ اللهُ تعالى. ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا﴾ أزيل عنها الفزع. قرأ ابن عامر، ويعقوب:

стр. 2671

(فَزَّعَ) بفتح الفاء والزاي، الفاعلُ الله تعالى؛ أي: حتى إذا كشف تعالى الفزعَ عن قلب الشافع والمشفوع له بالإذن في الشفاعة، وقرأ الباقون: بضم الفاء وكسر الزاي (١) مجهولًا (٢)؛ كدُفِع إلى زيد: إذا علم المدفوع، المعنى: إذا أذن في الشفاعة، فرحوا، وسأل بعضهم بعضًا استبشارًا، ثم ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشفاعة؟ ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ نصب مفعول؛ أي: قال القول الحق، وهو الإذن في الشفاعة. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو والكبرياء. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالرزق من السموات المطر، ومن الأرض النبات ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ يعني: إن لم يقولوا: رازقنا الله، فقل أنت: إن رازقكم الله. ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل أحد الفريقين مهتد، والآخر ضال، المعنى: إنا على الهداية يقينًا؛ لأنا موحدون، وأنتم على الضلالة يقينًا؛ لأنكم مشركون، ولم

стр. 2672

يصرحوا بذلك تأدبًا؛ لأنه أدعى إلى الإيمان، وهذا غاية الإنصاف، وقريبًا من هذا قولهم: أخزى الله الكاذب. ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ثم أوضح ذلك فقال: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ اكتسبنا من الذنب. ﴿وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بل كل مطالب بعمله. ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يوم القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ أى: يقضي. ﴿بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ الحاكم في القضايا المنغلقة. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي أن يقضى به. ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: أشركتموهم مع الله تعالى في العبادة، المراد بذلك: إظهار خطأ الكفار بعبادة العاجز، ثم ردهم عن اعتقادهم، فقال: ﴿كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾ وحده ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره، فأنى يكون له شريك في ملكه؟!

стр. 2673

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ نصب على الحال ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: عامة لهم ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار، حالان. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيحملهم الجهل على مخالفتك، قال ﷺ : "كان النبي يُبعث إلى قومِه خاصةً، وبُعثت إلى الناس عامةً" (١)، وقيل: (كَافَّةً)؛ أي: لتكف الناس عن المعاصي، والهاء للمبالغة. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: الكافرون استهزاءً: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي تعدوننا به. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون به رسول الله ﷺ والمؤمنين. ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ هو يوم البعث. ﴿لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ إذا فاجأكم، وهو جواب تهديد.

стр. 2674

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ ولا بما دل عليه من البعث وغيره ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من التوراة والإنجيل. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ محبوسون. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ﴾ أي: يرد ﴿بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ في الجدال. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ استُحقروا، وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم القادة والأشراف: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لأنكم منعتمونا عن الإيمان. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إنكارًا عليهم. ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ مشركين باختياركم.

стр. 2675

﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ إبطالًا لإضرابهم بإضرابهم عن مجادلتهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: مكركم بنا دائمًا ليلًا ونهارًا، فأجرى الظرف مجرى المفعول به، وأضيف المكر إليهما اتساعًا، تلخيصه: إنما أشركنا بسببكم. ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ والند: المثيل والشبيه. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ اعتقدوها في نفوسهم؛ أي: كل من المستكبرين والمستضعفين ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في النار من الأتباع والمتبوعين، وقيل استهزاءً بهم وإيجابًا لعذابهم: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي في الدنيا؟! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ أغنياؤها. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ؛ أي: يا محمد! هذه سيرة الأمم، فلا يهمك أمر قومك.

стр. 2676

﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الكفار المترفون للفقراء المؤمنين؛ فخرًا بزخارف الدنيا. ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لأنه أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد، فلا يعذبنا. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق ابتلاء، وليس في شيء من ذلك دليل على رضا الله تعالى والقرب منه؛ لأنه قد يعطي ذلك (١) إملاء واستدراجًا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ كأنتم أيها الكفرة. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ أي: جماعة أموالكم وجماعة أولادكم ﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: تقريبًا، نصب مصدر، كـ ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧].

стр. 2677

﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ استثناء منقطع. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ أن تضاعف حسناتهم الواحدة بعشر إلى سبع مئة ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (جَزَاءً) بالنصب على الحال مع التنوين وكسره وصلًا، ورفع (الضِّعْفُ) بالابتداء؛ كقولك: في الدار زيدٌ قائمًا، تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاءً، وقرأ الباقون: (جَزَاءُ) بالرفع من غير تنوين، وخفض (الضَّعْفِ) بالإضافة (١). ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ المنازل الرفيعة ﴿آمِنُونَ﴾ من المكاره. قرأ حمزة: (في الْغُرْفَةِ) بإسكان الراء من غير ألف على التوحيد على اسم الجنس، والمراد به: الجمع، وقرأ الباقون: بضم الراء مع الألف على الجمع (٢)؛ لقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا (٥٨)﴾ [العنكبوت: ٥٨]. ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ تقدم تفسيره واختلاف القراء فيه. ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ من الإحضار.

стр. 2678

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ كرر القول بذلك تأكيدًا وتبيينًا، وقصد به هنا رزق المؤمنين، وليس عليه (١) سوقه على المعنى الأول الذي قيل للكافرين، بل هذا هاهنا على جهة الوعظ والتزهيد في الدنيا، والحض على النفقة في الطاعات، ثم وعد بالخلف في ذلك بقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: فالله يعوضه هنا بالمال، أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، وفي الآخرة بالثواب. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ خير مَنْ يعطي ويرزق، وقوله: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ من حيث يقال في الإنسان إنه يرزق عياله، والأمير جنده، ولكن ذلك من مال يملك عليهم، والله تعالى من خزائن لا تفنى. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله في: أَنفِق أُنْفِق عليك" (٢). وفي "البخاري": "إن الملك ينادي كل يوم: اللهمَّ أعطِ منفقًا (٣) خَلَفًا، ويقول مَلَكٌ آخَرُ: اللهم أعطِ ممسِكًا تلَفًا" (٤).

стр. 2679

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: المستكبرين والمستضعَفين. ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ إثباتًا للحجة على الكفار: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ في الدنيا؟ وهو استفهام تقرير؛ كقوله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (يَحْشُرُهُمْ) (ثُمَّ يَقُولُ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون (١)، واختلافهم في الهمزتين من (هَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ) كاختلافهم فيهما من (الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣]. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ . [٤١] فتتبرأ منهم الملائكة ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ الذي نتولاه، ونلتجئ إليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم. ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ يطيعون ﴿الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ لأنهم زينوا لهم عبادة الملائكة، فكانوا يطيعونهم.

стр. 2680

﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ بالجن وبما يقولون من الكذب، والملائكة بنات الله. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ثم يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا﴾ بالشفاعة. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بالعذاب؛ لأن الأمر كله لله. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ قال هنا: (الَّتِي) أراد: النار، وفي السجدة: (الَّذِي) أراد: العذاب. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾ [٤٣] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون محمدًا ﷺ . ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ فيستتبعكم بما يستبدعه. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ لعدم مطابقة ما فيه الواقع. ﴿مُفْتَرًى﴾ بإضافته إلى الله . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ والمراد: محمد، والقرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر سحريته.

стр. 2681

﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني: العرب ﴿مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ يقرؤونها، فيعلمون ذلك. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ إلى العرب الذين بعثت ﴿إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ وليس المراد: من تقدمه من العرب؛ لأن إسماعيل كان مبعوثًا قبله إلى العرب. ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم رسلَنا، وهم عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وغيرهم. ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ كفارُ مكة ﴿مِعْشَارَ﴾ أي عشرَ؛ كالمرباع الربع. ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر. ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ عنادًا. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: إنكاري عليهم، يحذرهم عذاب من تقدم. قرأ ورش عن نافع: (نَكِيرِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون بحذفها في الحالين (١).

стр. 2682

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: بخصلة واحدة، وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ أي: لأجله تعالى، وليس المراد: حقيقة القيام، بل الاهتمام بالمطلوب. ﴿مَثْنَى﴾ اثنين اثنين ﴿وَفُرَادَى﴾ واحدًا واحدًا في تجريد العناية في البحث عن شأن محمد ﷺ حتى يظهر لكم شأنه. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ جميعًا في حاله، فتعلموا. ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: جنون. قرأ رويس عن يعقوب: (ثُمَّ تَفَكَّرُوا) بتاء واحدة مشددة حيث وصل، ومع الابتداء يظهر التاءين كبقية القراء (١). ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قدامه (٢)؛ لأنه ﷺ جاء في الزمن من قبل العذاب الشديد الذي توعدوا به، وفائدة التقييد بالاثنين والفرادى: أن الاثنين إذا التجأا إلى الله تعالى، وبحثا طلبًا للحق مع الإنصاف، هدوا إليه، وكذلك الواحد إذا فكر في نفسه مجردًا عن الهوى؛ لأن كثرة الجمع مما يقل فيه الإنصاف غالبًا، ويكثر فيها الخلاف.

стр. 2683

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: جُعْلٍ على إنذاري وتبليغي الرسالة. ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ لا أسألكم شيئًا، نحو: ما لي في هذا، فهو لك؛ أي: ليس لي فيه شيء. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلع. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (أَجْرِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١). ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يلقيه على الباطل، فيزهقه، والمراد: الوحي، وآيات القرآن، واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ رفع بخبر (إِنَّ)؛ أي: وهو علام الغيوب. قرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: (الْغِيُوبِ) بكسر الغين، والباقون: بضمها (٢).

стр. 2684

﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام وما فيه من الأحكام. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أي: ذهب فلم يبق منه بقية تُبدئ شيئًا أو تعيد. ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ . [٥٠] ولما قال كفار مكة له ﷺ : إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ (١) أي: إثمُ ضلالي على نفسي. ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من القرآن، وهدايتي بفضله، فلا منة عليَّ لغيره. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ لا يفوته شيء. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).

стр. 2685

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ حين البعث، وجواب (وَلَوْ) محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا عظيمًا. ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ لهم من العذاب ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من الموقف إلى النار. ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿وَقَالُوا﴾ عند معاينة العذاب: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ . ﴿وَأَنَّى لَهُمُ﴾ أي: ومن أين لهم ﴿التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (التَّنَاؤُشُ) بالمد والهمز، معناه: الطلب؛ أي: وأنى لهم (١) طلب مرادهم وقَد بَعُد؟ وقرأ الباقون: بضم الواو دون همز (٢)، معناه: التناول؛ أي: كيف لهم تناول ما بَعُدَ عنهم، وهو الإيمان والتوبة؟ ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن، وبمحمد ﷺ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا.

стр. 2686

﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: وكانوا يتكلمون بالشيء الغائب، وهو قولهم في رسول الله ما ليس فيه ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ من حيث لا يعلمون أنهم غير محققين صدق ما يقولون. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من نفع الإيمان حينئذ. قرأ ابن عامر، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (وَحِيلَ) بإشمام الحاء الضمَّ (١) ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ أي: بأشباههم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من كَفَرة الأمم الماضية. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ لهم في الريبة والتهمة، وهو أقوى ما يكون من الشك، وأشد إطلاقًا، والله أعلم.

стр. 2687

سُوْرَةُ فَاطِر وتسمى: سورة الملائكة، مكية، وآيها: خمس وأربعون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف ومئة وثلاثون حرفًا، وكلمها: سبع مئة وسبع وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ . [١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تقدم الكلام فيه أول سورة سبأ وقبلها ﴿فَاطِرِ﴾ أي: خالق ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والمراد: الانفراد بالابتداء؛ لخلقها على غير مثال سبق. ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ وسائطَ بينه وبين أنبيائه في تبليغ رسالاته بالوحي. ﴿أُولِي﴾ أي: أصحاب ﴿أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ لبعضهم جناحان، ولبعضهم ثلاثة، ولبعضهم أربعة، وروي أن لجبريل ﵇ ستَّ مئة جناح، منها اثنان تبلغ من المشرق إلى المغرب (١).

стр. 2688

﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ﴾ من الملائكة وغيرها ﴿مَا يَشَاءُ﴾ تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عند الخبر بالملائكة أولي الأجنحة؛ أي: ليس هذا ببدع في قدرته؛ فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، قال الجوهري: التواضع في الأشراف، والسخاء في الأغنياء، والتعفف في الفقراء. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من الزيادة والنقصان. واختلاف القراء في الهمزتين من (يَشَاءُ إِنَّ) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى) في سورة الحج [الآية: ٣٣]. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ . [٢] ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ أي: ما يرسل ﴿اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ نعمة، ونُكِّرت؛ لتشيع في جميع النعم ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ لا يستطيع أحد حبسها، وأنث الضمير؛ ردًّا إلى لفظ الرحمة ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إمساكه تعالى له، وذكر الضمير؛ ردًّا إلى معناها؛ لأن الرحمة بمعنى الخير ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيما أمسك. ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما أرسل.

стр. 2689

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ . [٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا﴾ احفظوا ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بشكرها، ولا تنسوها بكفرها، والخطاب لقريش، وهو متجه لكل كافر، ولا سيما لعبَّادِ غيرِ الله، و (نِعْمَت) رسمت بالتاء في أحد عشر موضعًا، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قرأ أبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (غَيْرِ اللهِ) بخفض الراء نعتًا لـ: (خَالِقٍ) على اللفظ، وخبرُ الابتداء: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ وقرأ الباقون: برفعها نعتًا لـ (خَالِقٍ) محلًا (١)؛ لأن (خالق) مبتدأ محذوف الخبر، و (مِنْ) زائدة، تقديره: هل خالقٌ غيرُ الله يرزقكم ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات والاستفهام على طريق التقرير؛ أي: لا خالقَ غيرُ الله يرزقكم. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تُصرفون عن الإيمان؟! ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾ . [٤] ثم سلَّى نبيه ﷺ بما سلف من حال الرسل مع الأمم، فقال تعالى:

стр. 2690

﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فتأَسَّ بهم في الصبر على تكذيبهم. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ وتنكير الرسل يؤذن بكثرة من كُذِّب منهم. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ . [٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث وغيره ﴿حَقٌّ﴾ لا خُلْفَ فيه. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الشيطان بتزيينه، وقوله: إن الله يغفر الذنوب جميعًا، اعملوا ما شئتم. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ . [٦] ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ قديمًا ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فاحذروه. ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أتباعه ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يسوقهم إلى النار.

стр. 2691

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ . [٧] ثم بين حال موافقته ومخالفته، فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. ونزل في أبي جهل ومشركي مكة، وقيل: في أصحاب الأهواء والبدع: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ . [٨] ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ﴾ (١) أي: لُبس عليه ومُوِّه ﴿سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ جميلًا؛ بوسوسة الشيطان. واختلاف القراء في قوله: (فَرَآهُ) كاختلافهم في قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في سورة الأنبياء [الآية: ٣٦]، والاستحسان لغة: هو اعتقاد الشيء حسنًا، وعرفًا: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي، وقال به الحنفية، والإمام أحمد في مواضع، وكتب أصحاب مالك مملوءة منه، ولم ينص عليه، وأنكره الشافعي. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ تلخيصه: أفمن ضل، كمن هُدي؟! ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ والحسرة: شدة الحزن على ما فات من الأمر؛ أي: لا تغتمَّ بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا. قرأ أبو جعفر:

стр. 2692

(تُذْهِبْ) بضم التاء وكسر الهاء (نَفْسَكَ) بنصب السين، وقرأ الباقون: بفتح التاء والهاء ورفع السين (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فيجازيهم عليه. ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: (الرِّيحَ) بغير ألف على الإفراد، والباقون: بألف على الجمع (٢). ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكارهم البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه، وهذا سواء مع إحياء الموتى. ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ هو الذي لا نبت فيه قد اغبرَّ من القحط. قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مَيِّتٍ) بتشديد الياء، والباقون: بتخفيفها (٣) ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها. ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: مثل إخراج النبات من الأرض تخرجون من القبور.

стр. 2693

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ . [١٠] ولما تعزز الكفار بأصنامهم، نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ المعنى: عزةُ الدارين مختصة بالله ، فلا تُطلب إِلَّا منه بتقواه، ومن أراد التعزز، فليتعزز بطاعته تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ هو: لا إله إِلَّا الله، ونحوها. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ اختلف في الضمير في (يَرْفَعُهُ) على من يعود؟ فقيل: يرجع إلى الكَلِم، فيكون المعنى: أن الكلم الطيب يرفع العمل الصالح؛ بأن يُتقبل منه بسببه؛ لأنّ الطّاعة إنّما تقبل مع التوحيد؛ لأنّ طاعة الكافر مردودة، وقيل: يرجع إلى (العمل)، فيكون المعنى: أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فكأن التّوحيد إنّما قُبل بسبب الطّاعة؛ لأنّ التّوحيد مع المعصية لا ينفع؛ لأنّه يعاقب على المعصية، وقال بعضهم: الفعل مسند إلى الله تعالى؛ أي: والعمل الصالح يرفعه الله تعالى، بأن يتقبله، قال ابن عطية ﵀: وهذا أرجح الأقوال (١). ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ أي: مكروا المكرات ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ والمراد: مكر المشركين به ﷺ حين اجتمعوا في دار الندوة، وتقدم ذكر القصة في الأنفال، المعنى: المحتالون في هلاكك.

стр. 2694

﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بما يمكرون ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ الكفار ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ يكسد ويبطل. * * * ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾ . [١١] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني (١): آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: بالتناسل من مَنِيِّ (٢) الرجال ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أنواعًا، وقيل: ذكرانًا وإناثًا. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ إِلَّا معلومة له. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾ أي: ما يطول عمر ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أي: طويل العمر، سمي بما يؤول إليه ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: من عمر معمر آخر. قرأ يعقوب: (يَنْقُصُ) بفتح الياء وضم القاف، والباقون: بضم الياء وفتح القاف (٣). ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هو اللوح المحفوظ. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى تحصيل هذه الأعمار، وإحصاء دقائقها وساعاتها.

стр. 2695

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ . [١٢] ثمّ ضرب مثلًا للمؤمن والكافر فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ يعني: العذب والمالح، ثمّ ذكرهما. فقال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ طيب يكسر العطش. ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ لذيذ سلس الدخول في الحلق. ﴿وَهَذَا﴾ أحدُهما ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة. ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السمك، وصف بالطراة؛ لتسارع الفساد إليه، فيسارع إلى أكله طريًّا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ من الملح خاصّة. ﴿حِلْيَةً﴾ زينة ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي اللؤلؤ والمرجان، فدل على أنّهما من الحلي، ولم يقل هنا: منه؛ لأنّه معلوم، وقد ذكر في سورة النحل. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ تمخر الماء؛ أي: تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة. ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تعالى بالتجارة، وكلِّ سفر له وجهٌ شرعي. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ على نعمه، استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم، والمعنى: كما أنّهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات من الماء، فإنّه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته، وكذلك لا يتساوى

стр. 2696

المؤمن والكافر، وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات؛ كالشجاعة والسخاوة؛ لاختلافهما فيما هو الخاصية العظمى، وبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية، وهي التّوحيد، دون الآخر. * * * ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معنى يولج: يُدْخِل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من اللّيل زاد في النهار، فكأنّه دخل فيه، وكذلك كلّ ما نقص من اللهار يدخل في اللّيل. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هي مدة دوره. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ الإشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى من الأصنام. ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ هي القشرة الرّقيقة الملتفة على النواة، وتقدم تفسير الفتيل والنقير في سورة النِّساء [الآية: ٥٣ و ٧١]. * * * ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنّهم جماد.

стр. 2697

﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيل الفرض والتمثيل ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لعجزهم. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم، ويتبرؤون منكم. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ بأحوال الدارين ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ عالمٍ به، وهو الله تعالى. * * * ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ بكل حال. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن جميع خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود على صنعه. واختلاف القراء في الهمزتين من (الْفُقَرَاءُ إِلَى) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) في سورة الحجِّ [الآية: ٥]. * * * ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ بإهلاككم. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بدلَكم. * * * ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بمتعذر. * * *

стр. 2698

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب غيره، وأمّا قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فالمراد: الضالون والمضلون، وإضلال تابعيهم من جملة ذنوبهم، فلذلك حملوه. ﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ وبالذنوب ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ الّذي عليها من الذنوب. ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ من حملها ﴿شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ﴾ المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾ ذا قرابة؛ كأم وأب وأخ. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ إنّما ينتفع بإنذارك ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافونه، ولم يروهُ، وخص الخاشون بالإنذار. لأنّهم هم المنتفعون به ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ خص من الأعمال إقامة الصّلاة؛ تنبيهًا عليها، وتشريفًا لها، ثمّ أومأ تعالى إلى غناه عن خلقه بقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ تَطهَّر عن دنس المعاصي، وأصلح العمل. ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ فصلاحُه مختصٌّ به. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازيهم على تزكيتهم. * * * ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ المؤمن والكافر، وقيل: الجاهل والعالم.

стр. 2699

﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ أي: الشرك والإيمان؛ أي: لا تساوي بينهما، وقوله: (وَلَا النُّورُ) دخول (لَا) فيها وفيما بعدها إنّما هو على نيّة التكرار؛ كأنّه قال: ولا الظلمات والنور، ولا النور والظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني، ودل مذكور الكلام على متروكه. * * * ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَلَا الظِّلُّ﴾ الجنَّة. ﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾ النّار، وقال ابن عبّاس: الحرور: الريح الحارة ليلًا، والسموم نهارًا (١). * * * ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ﴾ المؤمنون ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ الكفار، وقيل: العلماء والجهال، كلها أمثال ضُربت للمؤمن والكافر. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ﴾ الإنذارَ سماعَ هداية (٢) ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إيمانَه. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يعني: الكفار، شبههم في عدم الانتفاع بالمقبور.

стр. 2700

﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ ما أنت إِلَّا منذر تخوفهم بالنار، ونُسخ معناها بآية السيف. * * * ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ محققين (١) ﴿بَشِيرًا﴾ بالوعد ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالوعيد. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية ﴿إِلَّا خَلَا﴾ مضى ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي يُنذر من عذاب الله، واكتفى بنذير هنا عن ذكر بشير؛ لدلالته عليه؛ لأنّ النذارة قرينة البشارة، وهما مذكوران قبل، وأمّا فترة عيسى، فلم يزل فيها من هو على دينه، وداعٍ إلى الإيمان. * * * ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقد. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ كصحف إبراهيم ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الواضح، وهو التوراة والإنجيل، والبينات والزبر والكتاب المنير شيء واحد، لكنه أكد
следующие страницы →