﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ اليابسة. قرأ نافع، وأبو جعفر: (الْمَيِّتَةُ) بتشديد الياء، والباقون: بتخفيفها ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالماء.
﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ جنسَ الحب؛ كالحنطة والشعير وما أشبههما.
﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ وخص الحب بالذكر؛ لأنّه أكثر المطلوب.
* * *
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر: (الْعِيُونِ) بكسر العين، والباقون: بضمها (١).
* * *
﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ثمّ علل تفجير العيون فقال: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ثُمُرِهِ) بضم الثاء والميم؛ أي: الأموال الكثيرة
стр. 2732
المثمرة من كلّ صنف، جمع ثمار، وقرأ الباقون: بفتحها (١)؛ أي: ليأكلوا من الثمر الحاصل بالماء ممّا يخرجه الشجر (٢).
﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (عَمِلَتْ) بغير هاء ضمير، حذفت من صلة الاسم، وهي مرادة، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وقرأ الباقون: بالهاء، ووصلها ابن كثير على أصله، وهي في مصاحفهم كذلك (٣)؛ أي: يأكلون من الّذي عملته أيديهم من الزّرع والغرس، والهاء عائدة إلى (ما) الّتي هي بمعنى الّذي.
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَ الله عليهم؟
* * *
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ الأصناف ﴿كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من الحبوب والثمار ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ من الذكور والإناث ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ من دوابِّ البرّ البحر.
* * *
стр. 2733
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ تدلُّ على قدرتنا ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ نُزيل ضوءه، ونخرج ﴿مِنْهُ النَّهَارَ﴾ فنجيء بالظلمة؛ لأنّ الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها، فإذا غربت الشّمس، سلخ النهار من اللّيل.
﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام.
* * *
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي: موضع تستقر فيه، وهو مغربها لا تجاوزه، ومستقرها تحت العرش، ورد به الحديث عن النّبيّ ﷺ (١). قرأ أبو جعفر بخلاف عنه: (لِمُسْتَقِرٍّ) بكسر القاف، وقرأ الجمهور: بالفتح (٢).
﴿ذَلِكَ﴾ السيرُ ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ المحيطِ علمُه بكل معلوم.
* * *
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿وَالْقَمَرَ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وروح عن
стр. 2734
يعقوب: برفع الراء على الابتداء، والباقون: بنصبها (١) بفعل يفسره ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ حال؛ أي: قدرنا القمر ذا منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، وهي السرطان إلى الرشاء، وهو بطن الحوت، وهي مقسومة على اثني عشر برجًا، وهي الحمل إلى الحوت، فينزل القمر كلّ ليلة منزلًا من منازله، ويسير سيرًا غير متفاوت، ويستسر ليلتين إنَّ كان الشهر ثلاثين، وليلة إنَّ كان تسعًا وعشرين، فإذا قطع منازله، دَقَّ في رأي العين وتقوس ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ﴾ كعذق النخلة ﴿الْقَدِيمِ﴾ لأنّ العذق إذا عتق، دَقَّ وتقوَّسَ واصفرَّ، فشبه القمر به، وتقدم في سورة يونس ذكرُ منازل القمر، والكلام عليه بأتمَّ من هذا.
* * *
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أي: لا يصح لها ولا يستقيم.
﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ أن تجتمع معه فتطمسَ نوره؛ لأنّ فلكها غيرُ فلكه، ولأنّها تقطع فلكها كلّ سنة مرّة، والقمر كلّ شهر مرّة.
﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وإن كان سير القمر أسرعَ من سيرها، فهما يتعاقبان بحساب معلوم، لا يجيء أحدهما قبل وقته، ولا يجتمعان حتّى يبطل الله سبحانه هذا التأليف، ويطلع الشّمس من مغربها، ويجمع بين
стр. 2735
الشّمس والقمر، وهو من أشراط السّاعة.
﴿وَكُلٌّ﴾ تنوين عوض من المضاف إليه؛ أي: كلّ واحد من النيرين والنجوم.
﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ لأنّ كلّ واحد يجري في فلكه.
* * *
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية قوم نوح، والمراد بالذرية: الآباء والأجداد، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (ذُرِّيَّاتِهِمْ) بالألف على الجمع مع كسر التاء؛ لكثرة من حمل معه في السفينة، وقرأ الباقون: (ذُرِّيَّتَهُمْ) بغير ألف على التّوحيد مع فتح التاء إرادة الجنس (١).
﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ المملوء، والمراد: سفينة نوح ﵇، وهؤلاء من نسل من حُمل معه، وكانوا في أصلابهم.
* * *
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ للذرية ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: في الفلك ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ من الإبل، وهي سفن البرّ.
стр. 2736
﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ مع إيجاد السفن.
﴿فَلَا صَرِيخَ﴾ لا مُغيثَ ﴿لَهُمْ﴾ إذا وقعوا في الغرق.
﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ يخلصون من الغرق.
* * *
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ نصب على الاستثناء؛ كأنّه قال: إِلَّا أن نرحمهم، وقيل: نصب على المفعول من أجله؛ كأنّه قال: إِلَّا لأجل رحمتنا إياهم.
﴿وَمَتَاعًا﴾ عطف على (رحمةً) وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ يريد: إلى آجالهم المضروبة لهم.
* * *
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من أمر الآخرة، فاعملوا لها.
﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من الدنيا، فلا تغتروا بها ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتكونوا راجين رحمة الله، وجواب (إذا) محذوف، تقديره: إذا قيل لهم، أعرضوا، يدلُّ عليه (مُعْرِضِينَ) بعدُ.
* * *
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ والآيات: العلامات والدلائل.
стр. 2737
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ لأنّهم اعتادوا الإعراض، وتمرنوا عليه.
* * *
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لكفار مكّة:
﴿أَنْفِقُوا﴾ على المساكين.
﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الأموال.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ﴾ أنرزُق ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ ثم لم يرزقه مع قدرته عليه، فنحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا ممّا يتمسك به البخلاء، ويقولون: لا نعطي من حرمه الله، وذلك أنّهم كانوا يسمعون المؤمنين يعلقون الأشياء بمشيئة الله، فأخرجوا هذا الجواب مخرجَ الاستهزاء بالمؤمنين، لا اعتقادًا، يوضح ذلك قولهم للمؤمنين: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قولكم لنا: أنفقوا من مالكم.
* * *
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يوم البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ خطاب للنبي ﷺ وأصحابه ﴿صَادِقِينَ﴾ فيما تقولون.
* * *
стр. 2738
﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرون.
﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني: النفخة الأولى. اتفق القراء على نصب (صيْحَةً وَاحِدَةً)؛ إذ هو مفعول (يَنْظُرُونَ).
﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة: (يَخْصِمُونَ) بإسكان الخاء وتخفيف الصاد، كيضربون؛ أي: يخصم بعضُهم بعضًا، وقرأ حفص عن عاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وابن ذكوان عن ابن عامر: بكسر الخاء وتشديد الصاد (١)، أصله يختصمون، أدغمت التاء في الصاد، فاجتمع ساكنان، فكسرت الخاء لهما، وقرأ أبو بكر عن عاصم بخلاف عنه: بكسر الياء إتباعًا للخاء، وقرأ أبو جعفر: بسكون الخاء وتشديد الصاد، فيجمع بين ساكنين، وقرأ ابن كثير، وورش عن نافع، وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: بفتح الخاء وكسر الصاد مشددة، أصله: يختصمون أيضًا، نقلت حركة التاء إلى الخاء، ثمّ أدغمت التاء في الصاد؛ لقربها منه، وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: باختلاس فتحة الخاء وتشديد الصاد، أصله: يختصمون، حذفت فتحة التاء، فاجتمع ساكنان، فحركت الخاء حركة مختلسة؛ لتدل على أن أصل الخاء السكون، ثمّ أدغمت التاء في الصاد، المعنى: يُصاح بهم في النفخة الأولى وهم مشغولون يتبايعون ويتجادلون، فتأخذهم الصيحة وهم غادون.
стр. 2739
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ وصية ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ينقلبون؛ أي: عجلوا عن الوصيَّة وعن الرجوع إلى أهليهم (١).
* * *
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هو قرن، وهي النفخة الأخيرة، وبينهما أربعون سنة، وتقدم ذكر النفخات الثلاث في سورة النمل.
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون، وبين النفختين لا يعذبون.
* * *
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] فإذا رأوا ما ثمّ ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ تحسرًا على رقدتهم (٢) بين الرقدتين:
﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ أيقظنا (٣) ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ منامنا الّذي كنا فيه؟ حفص عن عاصم: يسكت يسيرًا على (مَرْقَدِنَا) (٤).
стр. 2740
ثمّ يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ أي: الّذي وعده، وهو من كلام الكفار.
﴿وَصَدَقَ﴾ أي: والذي صدق فيه.
﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ وهو الإنذار، أقروا حين لا ينفع الإقرار.
* * *
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ النفخةُ الأخيرة ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قرأ أبو جعفر: (صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) بالرفع فيهما، والباقون: بالنصب، وتقدم توجيه القراءات في الحرف المتقدم، وهو ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب.
* * *
﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حكاية لما يقال لهم حينئذ.
* * *
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ عن النّار وأهلها. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: بإسكان الغين، والباقون: بضمها (١)، وهما لغتان، مثل: السُّحْت، والسُّحُت.
стр. 2741
﴿فَاكِهُونَ﴾ منعَّمون. قرأ أبو جعفر: (فَكِهُونَ) بغير ألف بعد الفاء، والباقون: بالألف (١)، وهما لغتان؛ مثل: الحاذر، والحذر.
* * *
﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ظُلَلٍ) بضم الظاء من غير ألف، جمع ظلة، وقرأ الباقون: بكسر الظاء وألف، جمع ظِلّ (٢).
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهي السرير في الحجلة، وهي ستر كالبيت، ولا تكون أريكة إِلَّا إذا اجتمعا، المعنى: لا تصيبهم الشّمس، وهم في الجنَّة على السرر المرخاة عليها الستور.
﴿مُتَّكِئُونَ﴾ قرأ أبو جعفر: (مُتَّكُونَ) بضم الكاف وسكون الواو بغير همز، والباقون: بكسر الكاف والهمز (٣).
* * *
стр. 2742
﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ يشتهون.
* * *
﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ أي: ولهم سلام ﴿قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: يقوله الله قولًا، وهو مبالغة في تعظيمهم أن السّلام وقع منه بغير واسطة.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : "بَيْنَا أهلُ الجَنَّة في نعيمهم، إذ سَطَع لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ قد أَشْرَف عليهم من فوقهم، فقال: السَّلامُ عليكم يا أهلَ الجنَّة، فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا ينقلبون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتّى يحتجبَ عنهم، فيبقى نورُه وبركتُه عليهم في ديارهم" (١).
* * *
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿وَامْتَازُوا﴾ فيه حذف، تقديره: ونقول للكفرة: امتازوا؛ أي: اعتزلوا من أهل الجنَّة ﴿الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ لأنّ العالم في الموقف مختلطون، وهذه معادلة لقوله لأصحاب الجنَّة: ﴿سَلَامٌ﴾.
стр. 2743
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ أي: ألم أُوصِكم على لسان رسلي.
﴿يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ إبليس؛ أي: لا تطيعوه في معصية الله.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدوني ﴿هَذَا﴾ أي: العهد المعهود إليكم.
﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ طريق بليغ في الاستقامة.
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا﴾ خَلْقًا ﴿كَثِيرًا﴾: قرأ أبو عمرو، وابن عامر: (جُبْلًا) بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام، جمع جبيل، وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، ورويس عن يعقوب: بضم الجيم والباء جميعًا، وتخفيف اللام، وروى روح عن يعقوب كذلك، إلا أنه بتشديد اللام، وقرأ الباقون، وهم نافع، وأبو جعفر، وعاصم: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام (١)، جمع جبلة، وكلها لغات معناها واحد.
стр. 2744
﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ما حل بهم فتؤمنون.
...
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ .
[٦٣] فثَمَّ يقال لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها.
...
﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ ذوقوا حرها ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ .
[٦٥] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ نُخرسهم ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ بعملها.
﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بما صدر منهم، والمراد: جميع الجوارح؛ لأن كل عضو يعترف بما صدر منه، وفائدة نطق الأعضاء؛ ليعلم أن ما كان عونًا على المعاصي صار شاهدًا، فلا ينبغي لأحد أن يصحب أحدًا إلا لله تعالى؛ لئلا يُفتضح ثَمَّ بسبب صحبته.
стр. 2745
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ .
[٦٦] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ محونا آثار عيونهم؛ يعني: قريشًا.
﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فتبادروا إلى الطريق ﴿فَأَنَّى﴾ أي: فكيف ﴿يُبْصِرُونَ﴾ الطريق إلى مقاصدهم؟ أي: لا يبصرون، وكيف إنكار هنا، فيفيد النفي، المعنى: لو شئنا، لختمنا عليهم بالكفر، فلم يهتد منهم أحد أبدًا.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ قردة وخنازير.
﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: مسخًا يثبتهم على مكانهم بحيث يجمدون فيه. قرأ أبو بكر عن عاصم: (مَكَانَاتِهِمْ) بألف بعد النون على الجمع، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد (١).
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ إلى الدنيا ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ إليها.
стр. 2746
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨﴾ .
[٦٨] ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ نطيل عمره ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ قرأ عاصم، وحمزة: (نُنَكِّسْهُ) بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددًا، وقرأ الباقون: بفتح النون الأولى وإسكان الثانية، وضم الكاف مخففًا (١)، لغتان بمعنى: جعل أعلى الشيء أسفله، المعنى: من يُطل عمره، يرده بعد كمال خلقه وخلقه وعلمه إلى مثل حال صغره.
﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أن القادر على ذلك قادرٌ على البعث، فيؤمنون؟! قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢).
...
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ .
[٦٩] ولما قال كفار مكة: إن محمدًا شاعر، وما يقوله شعر، أنزل الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: ما يتسهل له عمله، ولا إنشاده موزونًا؛ لنفي الطعن فيه، فأما نحو: "أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ" (٣)، فليس بشعر عند أرباب هذا الشأن، ثم بين الذي علَّمه.
стр. 2747
﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: المعلَّم، وهو الموحى إليه ﷺ .
﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ الأحكام، المعنى: إنما منعناه من عمل الشعر وتعليمه؛ لئلا يتهم.
...
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ .
[٧٠] ﴿لِيُنْذِرَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (لِتُنْذِرَ) بالخطاب للنبي ﷺ ، وقرأ الباقون: بالغيب إخبارًا عن القرآن (١) ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ عاقلًا.
стр. 2748
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ ويجب العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ المصِرِّين على الكفر.
...
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ .
[٧١] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ تولَّينا خلقه بإبداعنا من غير إعانة أحد ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ متصرفون، لم تُخلق وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها.
...
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ .
[٧٢] ﴿وَذَلَّلْنَاهَا﴾ سخرناها ﴿لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ أي: ما يركبون.
﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ اللحم والوَدَك.
...
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ .
[٧٣] ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ كأصوافها وأوبارها وأشعارها.
﴿وَمَشَارِبُ﴾ من اللبن، جمع مَشْرَب، وهو الشرب. قرأ هشام، وابن ذكوان بخلاف عنهما: (وَمَشَارِبُ) بإمالة فتحة الشين (١).
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ المنعمَ عليهم؟!
стр. 2749
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾ .
[٧٤] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ يعبدونها.
﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لعلهم يمنعون من العذاب بشفاعة آلهتهم.
...
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ .
[٧٥] ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الآلهةُ ﴿نَصْرَهُمْ﴾ أي: نصر عابديهم.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أي: الكفارُ جندٌ للأصنام، يحضرونها في الدنيا، ويغضبون لها، وهي لا تنفعهم.
...
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾ .
[٧٦] ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ يعني: كفار مكة في تكذيبك. قرأ نافع: ﴿يُحْزِنْكَ﴾ بضم الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضم الزاي (١).
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الكفر وتكذيبِك، فنجازيهم عليه.
...
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ .
[٧٧] ونزل في أُبي بن خلف لما أنكر البعث، وأتى النبيَّ ﷺ بعظم
стр. 2750
رميم، ففتَّه وقال: يا محمد! أترى يحيي اللهُ هذا بعدما بَلِيَ ورَمَّ؟ فقال النبي ﷺ : "نعم، ويدخلك النار".
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: منيٍّ.
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ شديد الخصومة ﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُها بعدما كان ماء مهينًا، المعنى: ألم يستدل بخلقه على إمكان البعث؟!
...
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ .
[٧٨] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ بفتِّه العظام.
﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ من المني، فهو أغرب من إحياء العظم.
﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ بالية، ولم يؤنث (رَمِيم)؛ لأنه معدول من فاعله، وكل ما كان معدولًا عن وجهه ووزنه، كان مصروفًا عن إعرابه؛ كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية.
وفي الآية حجة في إثبات الحياة في العظم، ونجاسته بالموت، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تحل الحياة بالعظم، فلا ينجس بالموت، له أن المعنى أنها ترد كما كانت رطبة في بدن حساس.
واختلفوا في الآدمي هل ينجس بالموت؟ فقال أبو حنيفة: ينجس، إلا أن المسلم يطهر بالغسل، وتكره الصلاة عليه في المسجد، وعن مالك خلاف، والذي اختاره ابن رشد: الطهارة، وهو الأظهر عند صاحب "المختصر" (١)، وأما الصلاة في المسجد، فالمشهور من مذهبه كراهتها
стр. 2751
كقول أبي حنيفة، وعند الشافعي وأحمد: لا ينجس بالموت، ولا تكره الصلاة عليه في المسجد.
...
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ .
[٧٩] ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم تفاصيل المخلوقات قبل خلقها وبعده.
...
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ .
[٨٠] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ هما شجرتان يقال لإحداهما: المرخ، وللأخرى: العفار، يقطع منهما قضيبان وهما خضراوان، فيسحق المرخ وهو ذكر، على العفار وهو أنثى، فتنقدح النار بإذن الله تعالى.
﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تقدحون، وهذا دليل على القدرة على البعث؛ لأنه تعالى جمع بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب.
стр. 2752
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ .
[٨١] ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مع عظمها على غير مثال سابق ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: مثل الأناسي في الصغر؛ أي: لا يعجزه شيء. قرأ رويس عن يعقوب: (يَقْدِرُ) بياء مفتوحة وإسكان القاف من غير ألف، وضم الراء على أنه فعل مستقبل مثل يَصْرِف، وقرأ الباقون: بالباء وفتح القاف وألف بعدها وخفض الراء منونة على وزن فاعل (١).
﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ الكثير الخلق ﴿الْعَلِيمُ﴾ بجميع ما خلق.
...
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ .
[٨٢] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قرأ ابن عامر، والكسائي: (فَيَكُونَ) بالنصب عطفًا على (يَقُولَ)، وقرأ الباقون: بالرفع (٢)؛ أي: فهو يكونُ، وهذا إشارة إلى سرعة تكوُّن الشيء، وأنه تعالى لا يلحقه نَصَب في إيجاد المعدوم وإعدام الموجود.
стр. 2753
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ .
[٨٣] ثم نزه تعالى نفسه تنزيهًا عامًّا مطلقًا فقال: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (بِيَدِهِ) باختلاس كسرة الهاء، والباقون: بإشباعها (١) ﴿مَلَكُوتُ﴾ أي: مُلْكُ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ وزيدت الواو والتاء للمبالغة، ومعناه: ضبطُ كل شيء، والقدرةُ عليه.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (٢)، وهو وعد ووعيد للمقرين والمنكرين.
قال ﷺ : "اقرؤوا على موتاكم يس" (٣)، والله أعلم.
стр. 2754
سُوْرَةُ الصَّافَّاتِ
مكية، وآيها: مئة وثمانون وآيتان، وحروفها: ثلاثة آلاف وثماني مئة وستة وعشرون حرفًا، وكلمها ثماني مئة وستون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ .
[١] ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ جمع صافَّة ﴿صَفًّا﴾ مصدر، وكذلك ﴿زَجْرًا﴾ و ﴿ذِكْرًا﴾ بعد؛ يعني: الملائكة صفوفًا في السماء كصفوف الصلاة.
...
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ .
[٢] ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ الملائكة تزجر السحاب وتسوقه.
...
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ .
[٣] ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هم الملائكة يتلون ذكر الله، وهذا كله قسم، أقسم الله بها، وليس لغيره ذلك.
стр. 2755
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ .
[٤] وجواب القسم: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ في معناه وذاته وصفاته، وجيء بالفاء لتدل أن القسم مجموع المذكورات، والواو لا تفيده. قرأ أبو عمرو، وحمزة: (وَالصَّافَّات صَّفًا. فَالزَّاجِرَات زَّجْرًا. فَالتَّالِيَات ذِّكْرًا) بإدغام التاء فيما بعدها من غير إشارة، والباقون: بكسر التاء من غير إدغام (١).
...
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ مشارق الشمس ومغاربها، وحذفها لدلالة (مشارق) عليها، وقد قال في سورة المزمل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الآية: ٩] أراد به: الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة، وقال في سورة الرحمن: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الآية: ١٧] يعني: مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما، وقال في سورة المعارج: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [الآية: ٤٠] مشرق كل يوم من السنة، ومغربه.
روي أن الله تعالى خلق للشمس ثلاث مئة وستين كوة في المشرق، ومثلها في المغرب، على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها، وتغرب في كوة منها، لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل، فهي المشارق والمغارب (٢)، المعنى: هو ربُّ جميع الموجودات.
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يُرمون ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ بالشهب.
...
﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ .
[٩] ﴿دُحُورًا﴾ إبعادًا، وأصل الدحر: الطرد.
﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ دائم لا ينقطع.
...
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿إِلَّا﴾ استثناء من الجنس، وتقدم حكم الاستثناء من غير الجنس، واستثناء الكل، وغير ذلك من أحكام الاستثناء في سورة الكهف.
﴿مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ اختلس الكلمة من كلام الملائكة مُسارقةً.
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ لحقه ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ كوكب مضيء لا يخطئه، يثقب الجني فيقتله أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون لاستراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه؛ طمعًا في السلامة ونيل المراد؛ كراكب البحر.
...
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ .
[١١] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ فاستخبرْ كفار مكة توبيخًا، وسلهم سؤال مُحاجَّة.
قرأ رويس عن يعقوب: بضم الهاء، والباقون: بكسرها (١).
стр. 2758
﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ من الملائكة والسموات والأرضين وما فيهما، وجيء (بمن) تغليبًا للعقلاء، وقيل: أم من خلقنا من الأمم قبلهم، ثم أومأ إلى ضعفهم؛ لأن من خُلق من ضعف فهو ضعيف.
فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ لاصق يعلق باليد.
...
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.
[١٢] ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بضم التاء خبرًا عن النبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد: بل عجبتُ، وقيل: هو خبر عن الله تعالى، والتعجب من الله ليس كالتعجب من الآدميين؛ لأنه من الناس إنكار وتعظيم، ومن الله قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث: "عجبَ ربُّكم من شابٍّ ليست له صَبْوةٌ" (١)، وهي عبارة عما يظهره الله تعالى في جانب المتعجَّب منه من التعظيم أو التحقير، حتى يصير الناس متعجبين منه، وقرأ الباقون: بالفتح خطابًا للنبي ﷺ (٢)، المعنى: تعجبت يا محمد من تركهم الإيمان بعد قيام البرهان.
стр. 2759
﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: وهم يسخرون منك ومن تعجبك.
...
﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعظوا بالقرآن ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾ لا يتعظون.
...
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ تدل على صدقك.
﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يبالغون في السخرية والاستهزاء بك.
...
﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بَيِّن.
...
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أي: أنبعث إذا متنا؟ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَئِذَا) (أَئِنَّا)، وفي ضم الميم وكسرها من (مِتْنَا) كاختلافهم في ذلك في سورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).
...
﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ الأقدمون. قرأ أبو جعفر، وابن عامر،
стр. 2760
وقالون: بإسكان الواو، وهي (أو) التي هي للقسمة والتخيير، وقرأ الباقون: بفتح الواو، وهي واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، واختلف عن ورش، فروي عنه كالأول، إلا أنه ينقل حركة الهمزة بعدها إليها كسائر السواكن، وروي عنه الفتح كالجمهور (١)، تلخيصه: ويقولون: أنبعث نحن ويُبعث آباؤنا أيضًا؟! استبعادًا لذلك؛ لأن آباءهم أقدم، فبعثُهم أغرب.
...
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿نَعَمْ﴾ تُبعثون ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون.
قرأ الكسائي: (نَعِمْ) بكسر العين، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ .
[١٩] وجواب الشرط المقدر ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي: إذا وجد ذلك، فما نفخة البعث إلا ﴿زَجْرَةٌ﴾ صيحة ﴿وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ﴾ أي: الخلائق أحياء.
﴿يَنْظُرُونَ﴾ ما يُفعل بهم.
стр. 2761
﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: الكافرين ثَمَّ:
﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: الحساب والجزاء.
...
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ .
[٢١] ثم تقول الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ القضاء بين الخلائق.
﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
...
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ثم يقال للملائكة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هم المشركون.
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: أشباههم، فيحشر صاحب الربا والزنا والخمر وغيرهم، كلٌّ مع صاحبه.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
...
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهم الأوثان ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ دلوهم وسوقوهم.
﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ طريق النار.
стр. 2762
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ احبسوهم ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن جميع أقوالهم وأفعالهم.
قال ﷺ : "لا تزولُ قدمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامة حتى يُسأل عن أربعة: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به" (١).
...
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] فثَمَّ يقال لهم توبيخًا: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ لا ينصر بعضكم بعضًا كحالكم في الدنيا. قرأ أبو جعفر، والبزي: (لاَ تَّنَاصَرُونَ) بتشديد التاء (٢).
...
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ منقادون أذلاء لا حيلة لهم.
стр. 2763
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: الأتباع على الرؤساء.
﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يتخاصمون.
...
﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع للرؤساء.
﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ عن الجهة التي كنا نأمنكم منها؛ لحلفكم إنكم على الحق، فصدقناكم، فأنتم أضللتمونا.
...
﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿قَالُوا﴾ أي: الرؤساء للأتباع: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ بل لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، إنما الكفر من قِبَلِكم.
...
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ من قوة فنقهركم على الكفر.
﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ ضالين.
****
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿فَحَقَّ﴾ وجب ﴿عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ بالعذاب، وهو: ﴿لأَمْلأَنَّ
الشعراء [الآية: ٤١]، وكذلك (أَئِنَّكَ) (أَئِفْكًا)، المعنى: أنترك عبادة الأصنام لقول محمد؛ لأنهم وصفوه بالشعر والجنون.
...
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: أتى بما أتى به المرسلون قبله.
...
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ الوجيع بإشراككم.
...
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك.
...
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ أي: لكن عباد الله ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ على الاستثناء المنقطع. قرأ الكوفيون، ونافع، وأبو جعفر: (الْمُخْلَصينَ) حيث وقع بفتح اللام؛ أي: المختارين، وقرأ الباقون: بكسرها (١)؛ أي: المخلِصين لله الطاعة.
стр. 2766
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ هو طعامهم في الجنة بكرة وعشيًّا.
...
﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿فَوَاكِهُ﴾ جمع فاكهة، وهي ما يؤكل تلذذًا، لا للقوت؛ لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظ الصحة بالغذاء؛ لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، وكانت أرزاقهم فواكه خالصة ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ بثواب الله.
...
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: في جنات ليس فيها إلا النعيم.
...
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض؛ لدوران الأسِرَّة بهم.
...
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ هو الإناء بشرابه، فإن لم يكن فيه شراب، فهو إناء.
﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: من خمر يجري كالماء.
стр. 2767
﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿بَيْضَاءَ﴾ أي: اللون ﴿لَذَّةٍ﴾ عذبة طيبة ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (لِلشَّارِبِينَ) بالإمالة (١).
...
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي: لا تُذهب عقولهم ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بكسر الزاي؛ أي: لا تفنى خمورهم، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ أي: لا تزال عقولهم.
...
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ لا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ لحسنهم عندهن ﴿عِينٌ﴾ حِسان الأعين.
...
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ أي: القاصرات ﴿بَيْضٌ﴾ للنعام.
﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون يستره النعام بريشه، فلا يصل إليه غبار.
стр. 2768
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ يعني: أهل الجنة فيها عما كانوا عليه، وما وصلوا إليه.
...
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ صاحب في الدنيا ينكر البعث.
...
﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿يَقُولُ﴾ أي: في الدنيا هزؤًا: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث؟ وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في الهمزتين من (أَئِنَّكَ).
...
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ محاسَبون مجزيون، وتقدم التنبيه أيضًا على اختلاف القراء في (أَئِذَا مِتْنَا أَئِنَّا) في الآية السابقة، وهذا استفهام إنكار.
...
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿قَالَ﴾ الله لأهل الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النار؟ فإن في الجنة كوًى تنظر إلى النار، المعنى: أتحبون الاطلاع في النار، فتنظروا أهلكم ومنازلكم فيها لو لم تؤمنوا؟
стр. 2769
﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿فَاطَّلَعَ﴾ فنظر هذا المؤمن ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: رأى قرينه في وسط النار، وسُمي وسطُ الشيء سواء؛ لاستواء الجوانب منه. وتقدم اختلاف القراء في الفتح والإمالة من (رَآهُ) في سورة الأنبياء عند تفسير قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الآية: ٣٦].
...
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ .
[٥٦] فلما رأى قرينه فيها ﴿قَالَ﴾ متشمتًا به: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أي: والله لقد قاربت أن تهلكني. قرأ ورش عن نافع: (لَتُرْدِينِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١).
...
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ علي بالإيمان.
﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ معك في النار.
...
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ .
[٥٨] وعند ذبح الموت استفهمَ أهل الجنة استفهام تحدث بنعم الله
стр. 2770
تعالى وتلذذ، لا استفهام شك، فقالوا: ﴿أَفَمَا﴾ الفاء عاطفة على محذوف تقديره: أنحن منعمون مخلدون، فما ﴿نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾.
...
﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ في الدنيا، نصب استثناء منقطع.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالكفار.
...
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وهذا من كلامهم على جهة الحديث بنعمة الله عليهم أنهم لا يموتون ولا يعذبون.
...
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ .
[٦١] فثم يقول الله تعالى لأهل الجنة تطييبًا لقلوبهم: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ الخلود والتنعيم ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ أي: لمثلِ (١) هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام.
...
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿أَذَلِكَ﴾ الذي ذكر لأهل الجنة ﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ نصب تمييز،